مشاركة

أن تحب خطيئة سماوية
أن تحب خطيئة سماوية
مؤلف: Solaris

الفصل 1

مؤلف: Solaris
last update تاريخ النشر: 2026-06-25 15:46:20

كنتُ أراقب أضواء المدينة البراقة، أحاول انتزاع لحظة من السلام والهدوء.

لكن صفائي لم يكتمل.

سرعان ما بدأت تلك الأرواح المزعجة بالصراخ من جديد.

لم تكن صرخاتٍ بشرية، بل صرخات أرواحٍ لقيت حتفها بأقسى الطرق الممكنة.

كانت غاضبة، يائسة، ومليئة بالألم الحاد.

اخترقت أصواتها أذني وضجّت داخل عقلي، فأغمضت عيني بضيق شديد.

أريدها فقط أن تسكت!

منذ سنوات طويلة وأنا أسمع الصرخات نفسها:

خوف.

ألم.

بكاء.

غضب.

وكأن وجع الموت لم يكن كافيًا لهم.

في البداية، كنت أركض خلف كل صرخة أسمعها معتقدة أنني قادرة على إنقاذ الجميع.

لكنني تعلمت مع الوقت أن بعض الأرواح لا تريد النجاة.

بعضُها يتمسك بألمه وكأنه آخر ما يملكه.

اتجهتُ بسرعة نحو مصدر الصوت، ولم أحتج وقتًا طويلًا حتى رأيتها.

كانت هناك فتاة تقف على حافة الجسر، تحدق في المياه المظلمة أسفلها.

بدت صغيرة أكثر مما ينبغي.

لمحتُ في عينيها ذلك الفراغ الذي يسبق الكوارث عادةً.

أما الروح فكانت تتحرك باتجاهها مباشرة.

تنهدتُ بانزعاج؛ فالأرواح مزعجة بما يكفي.

ولا ينقصني أن أتعامل مع واحدة تحاول الاستيلاء على جسد بشري.

رفعت يدي وأطلقت خيوط الظلام من بين أصابعي محاولةً إبعادها عن الفتاة.

تسللت البرودة المألوفة إلى أطراف أصابعي.

لم أكن أحب استخدام قوتي كثيرًا.

فكلما استدعيتها، شعرت أن شيئًا قديمًا ومظلمًا يستيقظ في أعماقي.

لكن الروح قاومت بشراسة غير متوقعة.

وفجأة غيرت مسارها وانطلقت نحو الغابة القريبة.

عقدت حاجبّي بعدم فهم: ما الذي تفعله؟

انطلقتُ خلفها.

بدأت هي تطير بين الأشجار ثم تهبط إلى الأرض وتتخبط بعشوائية.

تضرب رأسها بالتراب وبجذوع الأشجار وكأنها فقدت عقلها.

كان شكلها يتغير مع كل حركة:

تارةً تبدو كفتاة عادية..

وتارةً ككتلة من الدخان الأسود.

وكأن الألم قد التهم هويتها بالكامل.

لم يكن هذا تصرفًا طبيعيًا حتى بالنسبة لروح معذبة.

توقفت الروح فجأة، ثم أطلقت أنينًا حادًا صرخ في طبلة أذني:

"ستموت تلك الفتاة كما مت أنا… سآخذها معي!"

نظرتُ نحو الجسر البعيد.

كانت الفتاة لا تزال واقفة هناك، غارقة في أفكارها.

وأدركتُ فجأة السر وراء تمسك الروح بها:

الفتاة كانت تحاول الانتحار.

وهذا اليأس المظلم كان المغناطيس الذي جذب الروح إليها.

تنهدتُ بضيق؛ فالأرواح لا تفكر بعقلانية عندما يسيطر عليها الألم.

الموت لا يجعل الجميع مسالمين.

بل إن بعضهم يصبح أكثر وحشية مما كان عليه وهو حيّ.

كانت الروح تبحث عن أي جسد تهرب إليه، لعلها تشفي ألمها.

لكنها لم تكن تعلم أن الاستيلاء على جسد بشري لن ينقذها…

بل سيضاعف عذابها أضعافًا.

حاولتُ إبعادها مجددًا، لكنها رفضت الاستسلام، وكانت عنيدةً بشكلٍ مزعج.

شددتُ قبضتي وأنا أراقبها، ولم يكن لدي الكثير من الخيارات.

فمهمتي دائمًا واحدة:

إما أن أساعد الأرواح على التحرر…

أو أن أنهي وجودها إذا فقدت السيطرة بالكامل.

ولسوء حظ هذه الروح، كانت تقترب بسرعة من الخيار الثاني.

لم تترك لي بديلًا.

أطلقتُ خيوطي ومزقتها في الهواء، لتتلاشى كالدخان.

لقد قضيتُ على الروح وأنقذتُ الفتاة…

لكن الثمن كان بانتظاري فورًا.

في اللحظة التي تلاشت فيها الروح، بدأت ومضات ذكرياتها والألم الحاد للحظة موتها تخترق ذاكرتي بلا رحمة.

فجأة، شعرتُ بعدم القدرة على التنفس.

وانقبض صدري كأنني في عمق البحر، على بعد عشرة أمتار تحت الماء.

سقطتُ على ركبتيّ أحاول التقاط الهواء.

وراحت يداي ترتجفان وأنا أتمسك بكل ما حولي…

بأعشاب الأرض…

وجذوع الأشجار…

أقاوم هذا الموت الوهمي.

استمر العذاب لدقائق، إلى أن تلاشت الذكريات تدريجيًا وعاد تنفسي إلى وضعه الطبيعي.

وضعتُ يدي على صدري اللاهث، وقد عرفتُ الآن حقيقة ما جرى لتلك المسكينة.

لقد قُتلت غرقًا…

ثم أُلقيت داخل حقيبة في قاع البحر

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أن تحب خطيئة سماوية   الفصل 41

    - من منظور مارلون -لم أتفاجأ بما قالته.فقد أخبرتني أماندا منذ مدة أنها استشعرت طاقة مظلمة غريبة، لكنها لم تستطع تحديد مصدرها.تنهدت بهدوء، ثم قلت:مارلون -كنت أعلم أن شيئًا يتحرك في الظلام...لكنني لم أتوقع أن يكون لوركان هو من تحرر.إنه أحد ملوك الجن.ومنذ القدم، كان يسعى إلى تحويل الأرواح المعذبة إلى أدوات يسيطر عليها، يستخدمها كيفما يشاء، ويغذي بها جيشه.إن عاد فعلًا...فلن يكون هدفه نشر الفوضى فقط.بل جمع أكبر عدد ممكن من الأرواح.بقيت ينيفر صامتة، وكأنها كانت تعلم كل ما أقوله مسبقًا.ثم رفعت بصري إليها.مارلون -والآن...أريد منك إجابة.لماذا حكمتم على أليس بذلك المصير؟ارتسمت ابتسامة خافتة على شفتي ينيفر.ابتسامة لم أستطع أن أفهم معناها.ينيفر -غريب...بعد كل هذه السنوات، قررت أخيرًا أن تسأل.ما الذي دفعك إلى ذلك؟أجبتها دون تردد.مارلون -لأنها كادت تموت.ولأنني رأيت بعيني إلى أي حد أصبحت ضعيفة.صمتُّ لحظة، ثم تابعت:مارلون -ومع ذلك...لم تتدخلي.لم يتغير تعبير وجهها.بل سألتني بهدوء:ينيفر -ومن قال إنني لم أتدخل؟عقدت حاجبي.مارلون -ماذا تعنين؟تنهدت بهدوء، ثم أجابت:ين

  • أن تحب خطيئة سماوية   الفصل 40

    شعرت فجأة بوجود روح تتحرك بسرعة أمامي.كان صوتها أعلى من بقية الأصوات...وأشد رعبًا.من اللحظة الأولى أدركت أنها ليست روحًا عادية.عرفت ذلك من مقدار الألم الذي يحيط بها.هذا ليس ألم أيام...ولا أشهر.بل عذاب امتد لسنوات طويلة، حتى محا كل ما تبقى من إنسانيتها.لم تعد روحًا يملؤها الحزن أو الحقد...بل أصبحت تسعى إلى الخراب وحده.رفعت رأسي بصعوبة.وحين استطعت أن أراها بوضوح...تجمدت في مكاني.بدت ككتلة من الدخان الأسود الكثيف.أطرافها كانت متآكلة، وكأن النار التهمتها ببطء ثم تركتها معلقة بين الحياة والموت.أما وجهها...فلم يكن يحمل أي ملامح.وعيناها...لم تكونا موجودتين أصلًا.مجرد تجويفين مظلمين، كأن أحدًا اقتلعهما ذات يوم وترك مكانهما فراغًا لا نهاية له.ارتفع صوتها فجأة، حتى شعرت أن رأسي سينفجر.الروح -سأقتلكم جميعًا...لن أُبقي أحدًا على قيد الحياة.سآخذكم معي إلى الجحيم...أيها البشر الملعونون!سأدمركم...وسأبتر أطرافكم كما فعلتم بي!شهقت بقوة، وشعرت بأن قدمي فقدتا قدرتهما على حملي.همست بصوت مرتجف:أليس -لا...لقد عادت الأصوات...عادت مرة أخرى...كيف سأواجهها وأنا بهذا الضعف؟لا

  • أن تحب خطيئة سماوية   الفصل 39

    - من منظور أليس -مرت ساعات قليلة منذ استيقظت على ذلك الصباح الهادئ.بعد أن انتهيت من شرب قهوتي، شعرت برغبة غريبة في الخروج.أردت أن أركض قليلًا.أن أتنفس الهواء.أن أعيش هذا الهدوء ما دمت أستطيع.خرجت من غرفتي بهدوء.وقبل أن أغادر المنزل، ألقيت نظرة نحو الأريكة.كانت شيرا نائمة بعمق، وقد بدا عليها الإرهاق بعد الأيام الماضية.ابتسمت بخفة.لم أشأ أن أوقظها.أخذت مفاتيحي، ثم خرجت بهدوء وأغلقت الباب خلفي.في الخارج...كانت المدينة تستيقظ ببطء.أشعة الشمس تغمر الشوارع.المحال بدأت تفتح أبوابها.وأصوات الناس امتزجت بضحكات الأطفال وزقزقة العصافير.بدأت أركض بخطوات هادئة.كان الهواء البارد يلامس وجهي، ويملأ صدري براحة لم أعرفها منذ سنوات.لم أفكر بالأرواح.ولم أفكر بالماضي.كنت أركض فقط...وأبتسم دون أن أشعر.بعد قرابة ساعة...خففت سرعتي، وبدأت أعود سيرًا نحو المنزل.تنفست بعمق.ثم أغمضت عيني للحظة قصيرة.لكن...في اللحظة التالية...سمعت ذلك الصوت."وشش..."كان خافتًا في البداية.كأنه نسمة هواء مرت بجوار أذني.توقفت في مكاني.فتحت عيني بسرعة.اختفى الصوت.ظننت أنني توهمته.أكملت السير.لكن بع

  • أن تحب خطيئة سماوية   الفصل 38

    اقترب مني المشرف بعدما انتهيت من تسجيل آخر ملاحظة في دفتري.المشرف -هل انتهيت من معاينة المكان؟أغلقت الدفتر، ثم أومأت برأسي.سيان -نعم، أعتقد أنني كوّنت فكرة واضحة عن حجم العمل.بقيت أنظر إلى الكنيسة للحظات.كان هناك سؤال يدور في ذهني منذ أن دخلتها.التفت إليه وسألته:سيان -بالمناسبة...لماذا تحتاج هذه الكنيسة إلى كل هذا الترميم؟تنهد المشرف، ثم نظر إلى المبنى القديم.المشرف -لها سنوات طويلة وهي على هذه الحال.قبل أعوام اندلع فيها حريق كبير.لم يبقَ منها سوى الجدران، ومنذ ذلك الوقت هجرها الجميع.لم يعد أحد يرغب في زيارتها أو حتى الاقتراب منها.استمعت إليه بصمت.ثم سألته:سيان -ولماذا تقرر ترميمها الآن؟ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة.المشرف -صاحبها الحالي ورثها عن جدته قبل فترة قصيرة.ويريد أن يعيد بناءها من جديد.يقول إنها كانت تعني لها الكثير، لذلك لا يريد أن يتركها مهجورة أكثر من ذلك.أعدت النظر إلى المبنى مرة أخرى.الآن فهمت سبب حالته المزرية.سيان -إذن...سنحتاج إلى الكثير من العمل.ابتسم المشرف وهو يربت على كتفي.المشرف -لهذا السبب أحضرناك.غادرنا المكان معًا، بينما بقيت الك

  • أن تحب خطيئة سماوية   الفصل 37

    - من منظور سيان -استيقظت باكرًا على صوت هاتفي.مددت يدي وأجبته بنعاس.كان صديقي.بعد حديث قصير، طلب مني معروفًا.كانت هناك ورشة بناء بحاجة إلى مهندس يعاين الموقع قبل بدء العمل، ولم يستطع الحضور بنفسه، لذلك طلب مني أن أذهب بدلًا عنه.وافقت دون تردد.بعد أن انتهيت من ارتداء ملابسي، غادرت المنزل متجهًا إلى العنوان الذي أرسله لي.استغرقت الطريق بعض الوقت.وحين وصلت...توقفت أمام مبنى قديم بدا وكأنه هُجر منذ سنوات طويلة.رفعت رأسي أتأمله.كانت كنيسة.لكنها لم تعد تشبه الكنائس التي اعتدت رؤيتها.الأبواب الخشبية مهترئة، والنوافذ الزجاجية محطمة، بينما غطى الغبار معظم الجدران الحجرية.بدت وكأن الزمن نسي وجودها.تقدمت إلى الداخل، وبدأت أتفقد المكان بهدوء.الجدران لا تزال متماسكة.لكن السقف وبعض الأعمدة يحتاجان إلى الكثير من العمل.لم تمضِ دقائق حتى اقترب مني أحد المسؤولين عن المشروع.المسؤول -أنت المهندس سيان، صحيح؟أومأت برأسي.سيان -نعم.نظر إلى المبنى ثم عاد إليّ.المسؤول -برأيك...هل يمكن إصلاحها؟ألقيت نظرة أخيرة حول المكان، ثم أجبته بهدوء.سيان -يمكن ذلك.لكنها تحتاج إلى وقت، وجهد، و

  • أن تحب خطيئة سماوية   الفصل 36

    - من منظور أليس -عدنا إلى المبنى بعد غروب الشمس بقليل.ما إن دخلنا إلى البهو حتى أوقفتني شيرا.شيرا -اصعدي أنتِ أولًا.سأحضر بعض الأغراض من السيارة ثم ألحق بك.أومأت برأسي بهدوء.أليس -حسنًا.اتجهت نحو المصعد، وضغطت زر الاستدعاء.لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى فُتح الباب.لكنني لم أكن وحدي.كان سيان يقف هناك، يبدو أنه ينتظر المصعد منذ لحظات.التقت أعيننا لثانية قصيرة.ثم أشحت بنظري ودخلت دون أن أنطق بكلمة.دخل خلفي، وأغلق الباب.ساد الصمت.لم يكن مزعجًا...لكنه كان غريبًا.شعرت بعد لحظات بأنه ينظر إليّ.التفت نحوه.كان قد أشاح بنظره بسرعة، وكأنه لم يكن يحدق بي أصلًا.عدت أنظر إلى الأرقام المضيئة فوق الباب.لكن بعد ثوانٍ...شعرت بنظراته مرة أخرى.تنهدت بخفة.ثم التفت إليه.أليس -هل تريد شيئًا؟ارتبك قليلًا.ثم هز رأسه.سيان -لا...أبدًا.عقدت حاجبي.أليس -إذن لماذا تنظر إليّ؟حك مؤخرة عنقه بإحراج.ثم قال بتردد:سيان -لا أعرف...لكن...أشعر أنكِ تغيرتِ.نظرت إليه باستغراب.أليس -تغيرت؟كيف؟ظل يتأمل ملامحي للحظة، ثم قال:سيان -ملامحك...أصبحت أكثر هدوءًا.وكأن شيئًا كان يرهقك...ثم اختف

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status