FAZER LOGIN(من منظور سيان )
كان يومي بالكاد قد بدأ، وكنتُ أستعد للذهاب إلى الشركة، فأنا مسؤول عن فرع شركة عائلتي في سيدني. رن الهاتف فجأة عند الساعة السابعة صباحًا. رأيتُ اسم والدتي على الشاشة، فعقدتُ حاجبي بتساؤل. لماذا تتصل بي الآن؟ فالوقت عندها في لندن يقارب منتصف الليل. أجبتُ بسرعة: سيان- مرحبًا أمي الحبيبة، كيف حالكِ؟ لم يأتِ صوتها بالجواب، بل سمعتُ بكاءها المكتوم، وخلفه ضجيج سيارات الإسعاف. ليلي- سيان… إيثان تعرض لحادثٍ قوي جدًا… تعال إلى بريطانيا فورًا! شعرتُ بجسدي يتصلب في مكانه، واهتزت نبرتي. سيان- ماذا؟ ماذا تعنين؟ متى حدث هذا؟ ليلي- الآن… أرجوك تعال بأول طائرة! سيان- سآتي فورًا… طمئنيني عليه أرجوكِ، كيف حاله؟ ليلي- لا أعلم… إنه في غرفة العمليات الآن، وأنا في طريقي إلى المستشفى. سيان- لا تقلقي يا أمي، سيكون بخير. إيثان قوي. ليلي- أتمنى ذلك… أدعو الرب أن يحميه ويرده إليّ سالمًا. أغلقتُ الهاتف وبدأتُ بحزم أمتعتي بجنون. تفقدتُ مواعيد الرحلات، وحجزتُ تذكرة على أول طائرة تقلع بعد ساعتين، ثم انطلقتُ مسرعًا إلى المطار. عندما حان وقت الإقلاع، كان قلبي ينبض بقلق مرعب. كنتُ أحدث نفسي طوال الوقت: أخي العزيز… أرجوك اصمد. أرجوك، سآتي من أجلك. لا تدعني أخسرك… أرجوك. كانت هذه أصعب وأطول رحلة في حياتي؛ الألم والقلق ينهشان قلبي بلا رحمة. بعد ثلاث عشرة ساعة طويلة من الخوف والتوتر، هبطت الطائرة أخيرًا في مطار لندن. اتصلتُ بوالدتي فورًا وأخذتُ منها عنوان المستشفى، وتوجهتُ إلى هناك دون مضيعة للوقت. وصلتُ إلى المستشفى ودخلتُ الغرفة مسرعًا. كان أخي مستلقيًا على الفراش بلا أدنى حركة، والأجهزة تحيط به من كل جانب، بينما كانت والدتي تبكي بجواره بانكسار. تقدمتُ نحوها فورًا وقلت: سيان- أمي… حبيبتي. حضنتها بقوة وبدأتُ أحاول تهدئتها ومسح دموعها. سيان- لا تقلقي، سيكون كل شيء بخير… ماذا أخبركِ الطبيب؟ أخبريني أرجوكِ. ليلي- قال إنه فعل ما بوسعه… والآن الأمر يعتمد على جسد إيثان ورغبته في الحياة. سيان- لا تقلقي، سينجو… أخي قوي جدًا وأنا أعرفه. ليلي- أرجو ذلك يا بني. جلستُ بجانب فراشه وأمسكتُ بيده الباردة. وبدأتُ أدعو في سري: أرجوك يا إلهي… أرجوك دعه يعود إلينا سالمًا… أرجوك. بدأت دموعي تنهمر على وجهي رغمًا عني. ولم أكن أريد أن ترى والدتي ضعفي فتزداد حزنًا. لذلك أفلتُّ يد أخي بلطف وخرجتُ من الغرفة بحجة استنشاق بعض الهواء. صعدتُ إلى سطح المستشفى، لعل الهواء البارد يهدئ النيران المشتعلة في صدري. كنتُ أريد أن أتماسك لأواسي والدتي، لكن الخوف على إيثان كان يأكل قلبي بلا رحمة. وفجأة، وسط هذا السكون، سمعتُ حركة غريبة قادمة من الطرف الآخر للسطح. مشيتُ بخطوات بطيئة أستطلع المكان. وعندما اقتربتُ، رأيتُ فتاة تقف وحيدة بملابس سوداء داكنة، وكأنها كانت في جنازة للتو. لكنها فجأة التوت في مكانها. وضعت يدها على جسدها الصغير وبدأت تصرخ بألمٍ شديد. تحركت غريزتي الإنسانية فورًا. اقتربتُ منها وأنا أريد الاطمئنان عليها ومساعدتها. وما إن مددتُ يدي ولمستُ كتفها برفق حتى التفتت إليّ بسرعة. نظرتْ مباشرةً في عيني. كانت نظراتها مليئة بالألم والضيق. وقالت بصوت حاد: أليس- ابتعد عني أيها الأحمق! تراجعتُ خطوة إلى الخلف من الصدمة. سيان- ماذا؟ أنا أريد مساعدتكِ فقط… أنتِ تتألمين. أليس- قلت ابتعد عني. حدقتُ بها باستغراب. كانت تتصرف وكأن وجودي يزعجها أكثر من الألم نفسه. حاولتُ الحفاظ على هدوئي وسألتها مجددًا: سيان- هل أنتِ مع أحد هنا؟ هل أساعدكِ بالوقوف؟ لكنها فجأة وقفت على قدميها. ورغم الشحوب الذي يكسو وجهها، كان في وقفتها كبرياء غريب. دفعت يدي بعيدًا عنها بعنف. ثم استدارت وغادرت السطح مسرعة عبر الباب، دون أن تنطق بكلمة أخرى. لتتركني واقفًا في حيرتي وصدمتي. تنهدتُ بضيق وضغطتُ على جبيني بيدي. سيان- هذا ما كان ينقصني حقًا… أن أقابل مختلة عقليًا وأنا في هذا الحال السيئ! لكنني لم أتحرك فورًا. بقيتُ أحدق في الباب الذي اختفت خلفه. كانت تصرخ وكأنها تعيش ألمًا حقيقيًا. لم يكن ذلك تمثيلًا. وهذا ما جعلني غير قادر على فهم ما حدث للتو. عدتُ أدراجي إلى الأسفل متوجهًا إلى غرفة أخي إيثان. كان عقلي مشتتًا بالكامل بين الخوف على أخي المستلقي بلا حراك… وبين ملامح تلك الفتاة الغريبة بملابسها السوداء. ورغم ضيقي منها، شعرتُ بالأسى عليها في سري. فهي تبدو شابة وصغيرة جدًا لتعيش كل ذلك الألم. اختفت تلك الأفكار من رأسي ما إن فتحتُ باب الغرفة. وعدتُ إلى واقعي المرير بجانب عائلتي- من منظور أليس - لم تمضِ سوى دقائق حتى توقفت السيارة أمام أحد الشوارع القريبة من منزلي. كنت أحدق من النافذة بصمت، حين وقعت عيناي على مطعم صغير تفوح منه رائحة البيتزا الطازجة. توقفت نظراتي عنده لثوانٍ. ثم التفت إلى شيرا. أليس - أوقفي السيارة. نظرت إليّ باستغراب. شيرا - هنا؟ أومأت برأسي. أليس - أريد أن آكل في هذا المكان. بدت الدهشة واضحة على وجهها. شيرا - لكن… أنتِ لا تحبين الأماكن المزدحمة. ارتسمت على شفتي ابتسامة خفيفة وأنا أعود للنظر إلى المطعم. أليس - لم أكن أكره الزحام. كنت أكره الضجيج الذي كان يملأ رأسي. أما الآن… فلم يعد يرافقني سوى حديث البشر. ولا أظن أنني سأشتكي منه. تأملتني شيرا للحظات، ثم اكتفت بابتسامة صامتة. أوقفت السيارة، ونزلنا معًا. كان المطعم يعج بالحياة. أطفال يضحكون. وعائلات تتبادل الأحاديث. وشباب يتجادلون حول أي بيتزا هي الأفضل. جلست أراقب تلك التفاصيل بهدوء. لم أشعر بالانزعاج… بل تسلل إلى داخلي دفء لم أعرفه منذ زمن. طلبنا بيتزا كبيرة، وما إن وصلت حتى تناولت أول قطعة. تذوقتها ببطء. ثم أغمضت عيني للحظة. ضحكت شيرا وهي تراقب تعابير و
- من منظور أليس -غادرت منزل أماندا أخيرًا.أغلقت باب السيارة بهدوء، ثم أسندت رأسي إلى المقعد، بينما انطلقت السيارة تشق طريقها خارج الغابة.لم أتحدث.ولم أشعر بالحاجة إلى ذلك.كانت عيناي معلقتين بالنافذة، أراقب الأشجار وهي تتراجع خلفنا شيئًا فشيئًا، حتى بدأت أضواء المدينة تلوح في الأفق.كان المساء قد حل.لكن المدينة لم تكن نائمة.على العكس...بدت أكثر حياة مما اعتدت رؤيته.انعكست أضواء المحال التجارية على الطرقات المبللة، وتداخلت ألوان اللوحات المضيئة مع أضواء السيارات، حتى بدا المكان وكأنه لوحة مرسومة بعناية.لم أكن أعلم...أن الليل جميل إلى هذا الحد.ربما لأنه لم تتح لي فرصة تأمله من قبل.لطالما خرجت في ساعات متأخرة من أجل الأرواح، لا من أجل نفسي.كانت عيناي تبحثان دائمًا عن الخطر.وعقلي منشغلًا بالصراخ الذي لا ينتهي.أما اليوم...فلم يكن هناك شيء.لا همسات.لا صرخات.لا أرواح تستغيث بي.رفعت يدي ببطء، ثم نزعت سماعات الأذن التي اعتدت حملها معي في كل مكان.تأملتها للحظات.كم مرة أنقذتني هذه السماعات من الجنون؟لا أذكر.لكنني لأول مرة لا أشعر أنني بحاجة إليها.وضعتها في حضني، ثم أعدت
من منظور أليس -فتحت عيني ببطء.شهقت وأنا أعتدل فوق السرير بسرعة، بينما ما زالت كلمات تلك المرأة تتردد داخل رأسي."اختاري بعناية..."وضعت يدي فوق صدري أحاول تهدئة أنفاسي.لم أستطع التفريق بين الحلم والواقع.خلال الأيام الأخيرة...تكررت تلك الأحلام بصورة غريبة، حتى بدأت أشعر أنها ليست أحلامًا من الأساس.هل كانت مجرد أوهام بسبب السم؟أم أنني كنت أرى شيئًا لا ينبغي لي رؤيته؟قطع صوت أماندا أفكاري.اقتربت مني وجلست إلى جواري، ثم نظرت إلى وجهي باهتمام.أماندا -كيف تشعرين الآن؟هل أنتِ بخير؟نظرت إليها للحظات، ثم أومأت برأسي.أليس -أشعر أنني أفضل بقليل.اقترب مارلون بدوره، وجلس أمامي وهو يستند إلى عصاه.ظل يراقبني بصمت قبل أن يقول:مارلون -هذا جيد.أريدك الآن أن تحاولي استخدام قوتك.أخذت نفسًا عميقًا، ثم أغمضت عيني.ركزت كما كنت أفعل دائمًا.انتظرت ظهور الخيوط السوداء...لكن لم يحدث شيء.فتحت عيني باستغراب.حاولت مرة أخرى.وبذلت جهدًا أكبر.لكن النتيجة كانت نفسها.ساد الصمت داخل الغرفة.في المحاولة الثالثة...شعرت بطاقة ضعيفة تتحرك داخل كفي.وفجأة...ظهر خيط أسود رفيع، باهت اللون، لا يكا
ما إن لامست الدودة الجرح...حتى اندفعت إلى داخل جسدي بسرعة.اتسعت عيناي.شعرت بشيء يتحرك تحت جلدي، يشق طريقه بين عروقي ببطء.كان الألم...يفوق أي شيء عرفته من قبل.انحنيت للأمام وأنا ألهث بقوة.ثم سقطت على ركبتي.بدأ جسدي يتلوى بعنف، بينما راحت أصابعي تخدش أرضية الغرفة بلا وعي، وكأنني أبحث عن شيء أتشبث به.صدر صوت احتكاك أظافري بالخشب، حادًا ومؤلمًا، حتى شعرت أنها ستنكسر من شدة الضغط.أليس -آه...أرجوك...أخرجها...نظر إليّ مارلون بثبات، رغم أن ملامحه لم تخلُ من القلق.مارلون -تحملي...لم يبقَ سوى القليل.أغمضت عيني بقوة، وهززت رأسي بعنف.أليس -لا...لم أعد أستطيع...اشتد الألم أكثر.حتى شعرت أن ظهري يتمزق من الداخل، وكأن عظامي تتشقق واحدة تلو الأخرى.وحين فتحت عيني...كانت الرؤية مشوشة، بينما احمرّتا عيناي من شدة الألم.تقدمت أماندا غريزيًا، ومدت يدها نحوي.بدأ نور أزرق يتجمع بين كفيها.لكن مارلون صاح فجأة:مارلون -توقفي!تجمدت أماندا في مكانها.التفتت إليه بسرعة.مارلون -إن أغدقتِ عليها طاقتك الآن...فستترك الدودة السم، وتبدأ بامتصاص قوتها بدلًا منه.تراجعت أماندا ببطء، وقد ارت
بدأت أستعيد وعيي على مهل.كانت رائحة القهوة تعبق في أرجاء المنزل.رائحة دافئة...وغريبة في الوقت نفسه.فتحت عيني ببطء، ثم اعتدلت بصعوبة فوق السرير.شعرت أن جسدي أخف قليلًا من الأمس، لكنه ما زال مرهقًا.نزلت من الفراش، وسرت بخطوات بطيئة نحو مصدر الرائحة.ما إن وصلت إلى غرفة الجلوس...حتى تجمدت في مكاني.كان هناك رجل عجوز يقف بالقرب من النافذة.يستند إلى عصاه الخشبية، ويحمل فنجان قهوة بين يديه.أغمض عينيه وهو يستنشق رائحتها، وكأنه لا يهتم بوجود أحد سواه.تجولت عيناي في المكان بسرعة.من هذا؟ولماذا يدخل منزل أماندا بهذه الأريحية؟وقعت عيناي على مزهرية زجاجية فوق الطاولة.تقدمت بصمت، ومددت يدي إليها.رفعتها ببطء، مستعدة لضربه إن اضطررت.لكن...وقبل أن أخطو خطوة واحدة...التفت العجوز نحوي دون أي مقدمات.نظر إليّ مبتسمًا، ثم قال بهدوء:مارلون -ما زلتِ متسرعة...تمامًا مثل والدك.توقفت يدي في الهواء.تسارعت أنفاسي دون أن أشعر.كيف...كيف يعرف والدي؟شددت قبضتي على المزهرية، وقلت بحذر:أليس -من أنت؟وما الذي تفعله هنا؟ابتسم ابتسامة هادئة، ثم رفع فنجان القهوة قليلًا.مارلون -اهدئي...لو أر
من منظور أليس -عدت إلى الفراش بصعوبة، وأسندت رأسي إلى الوسادة.ما إن أغمضت عيني...حتى عادت تلك الومضات تطاردني من جديد.المرأة ذات الثوب الأسود.نظرتها الحزينة.وصوتها الذي لم يفارق أذني."لا تكبري لتصبحي مثلي... قاومي."فتحت عيني بسرعة.أطلقت زفرة طويلة، ثم وضعت يدي فوق جبيني.ما الذي رأيته قبل قليل؟هل كان حلمًا؟أم ذكرى لا تخصني؟ومن تكون تلك المرأة أصلًا؟هل كانت ساحرة؟أم امرأة ملعونة انتهى بها المطاف بين الأرواح التي أساعدها؟أم أن السم... أعاد إلى ذهني ذكريات روح عذبتها الحياة يومًا؟كلما حاولت إيجاد إجابة...ازداد عقلي تشوشًا.أما جسدي...فكان منهكًا إلى درجة لم أختبرها من قبل.لكن...وسط كل ذلك التعب...شعرت بشيء غريب.شيء افتقدته منذ سنوات طويلة.الصمت.رفعت سماعات الأذن الملقاة بجانبي.تأملتها للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة.لأول مرة منذ سنوات...لا أحتاج إليها.لا صراخ.لا همسات.لا أرواح تستغيث بي.فقط...صوت الرياح وهي تعبر بين الأشجار.وحفيف الأغصان وهي تتمايل بهدوء.حتى صوت الطيور البعيدة...وخشخشة الأوراق فوق الأرض...كنت أسمعهما بوضوح.أغمضت عيني مرة أخرى.نسيت...