تسجيل الدخولبعد أن دخلت ملاك بفستانها البسيط، الذي يحمل بين طياته الرقي واللياقة بلونه الداكن الذي يبرز جمال ملامحها، مرافقة شقيقها عمر إلى قاعة الحفل، تهافت عليهم جمع من الناس يلقون التحية.
تبدين جميلة جداً اليوم كعادتك يا ٱنسة ملاك. قالت فرح زوجة سعد المنصور صاحب الحفل،ثم تبعها سعد بكلماته قائلاً :إنه لشرف لي أن تحضر أكبر سيدة أعمال افتتاحي، ثم راح يحيي باقي الضيوف مصطحباً معه عمر. اتجهت ملاك نحو الشرفة مبتعدة عن الأجواء الصاخبة التي مقتتها منذ نضجها، وما إن استقرت في المكان قليلاً حتى جاءها سعد برفقة شخص يرغب في تعريفها به، وحين اقترب الرجل ذو القامة الطويلة وبانت ملامحه ارتسمت في عيني ملاك نظرة صادمة تدل على عدم الارتياح لكن سرعان ما أخفتها. جاء سعد إلى ملاك قائلاً :أريد أن أعرفك بأشهر صانع محتوى في مدينتنا، وقد نزل شريكاً معي في هذه الشركة إنه الأستاذ أحمد ال.. قاطعه اتصال مفاجئ جاء على هاتفه ثم انصرف باعتذار ليجيب على المكالمة تاركاً أحمد وملاك مع بعضهما. تشرفت بمعرفتك ٱنسة ملاك، قالها أحمد وهو يرفع يده ليصافحها، لكن ملاك رمقته بنظرة ساخرة وتبعتها قائلة : لا أستطيع أن أبادلك ذات الشعور يا سيد أحمد ثم استدارت وغادرت بخطوات ثابتة مليئة بالكبرياء. أما أحمد فبقي في حالة صدمة لثوانٍ معدودة ويده معلقة في الهواء يحاول استيعاب ما حصل. على الطرف الٱخر كان عمر منغمساً بمناقشة أحد مشاريعه مع بعض المستثمرين الذين أبدو إهتماماً بالغاً في مجال عمر، الذي دخل مجالاً معاكساً تماماً لمجال ملاك ووالدها. فعمر كان مهووساً بهندسة البرمجيات وخصوصاً الترفيهية منها، أما ملاك فكان مجالها الهندسة الطبية وتصميم الأجهزة الطبية وصيانتها . كان معرض عمر الذي افتتحه قريباً، نال شهرة واسعة خصوصاً أن البرمجيات التي عرضها تواكب التطور الحديث في مجال الذكاء الإصطناعي. بعد مرور بعض الوقت على بدء الحفل شعرت ملاك بتوعك خفيف، ففي الفترة الأخيرة لم تعد تحب الإختلاط الإجتماعي كثيراً لذلك استأذنت بأدب بعذر لبق وانصرفت. أما أحمد فبعد زوال صدمته، راح يراجع أفكاره التي كان ينسجها في باله لهذا اللقاء، حيث أنه لم يتوقع ردة الفعل هذه من ملاك، وظن أنها ستنهال عليه بالتوسلات ليعود إليها. لكنه ومع ذلك لم يبدِ اهتماماً بالغاً وضحك بسخرية خفيفة وهو موقن بأنها تمثل دور صعبة المراس ليس إلا، حيث قطع تفكيره اتصالاً عُرِّف صاحبه باسم (قرة عيني) ، ثم راح يهيم بلميس ويغازلها على الهاتف غير مكترثاً بالجمع الذي حوله. في اليوم التالي ذهبت ملاك إلى المطار لإستقبال صديقة طفولتها منار التي كانت قد عادت للتو من الخارج بعد غياب دام لأكثر من خمس سنوات. وما إن رأت منار صديقتها ملاك حتى ركضت نحوها لتعانقها تاركة أمتعتها وسط صالة الإنتظار. بعد أن انتهت فترة اللقاء وتبادل العناق والسلام، ركبت كل من ملاك ومنار في سيارة سوداء من نوع راقٍ لا يركبها إلا أصحاب النفوذ، وتبعتها سيارة ملاك يقودها حارس منار الشخصي. فمنار الإبنة الكبرى لعائلة الوردي إحدى أكثر العائلات المعروفة في المجال السياسي. توجهت السيارة إلى منزل ملاك، فمن عادة منار أن تحط في ديار ملاك أولاً وبعد أن تستريح تستعد لدخول منزلها المجاور لمنزل ملاك لتلقي التوبيخ من جدتها على تأخرها في العودة من الخارج، وأنها يجب أن تدير شركتها بجد ولا تتهرب، فقد بقيت تتوسل لوالدها شهراً كاملاً ليوافق على فتحها لشركتها الخاصة، وقررت إنشاء شركة خاصة بمواد التجميل والعناية بالبشرة. في هذه المرة لم تملك منار الجرأة لمواجهة جدتها لوحدها، لذلك كان لا بد من الإستعانة بصديق، فلذلك قررت أخذ ملاك معها كطعم فجدتها تعشق ملاك عشقاً خالصاً وتتمناها زوجة لحفيدها المغترب. ما إن دخلت منار من الباب واقتربت من الصالة وجدت جدتها بانتظارها ولما دخلت ضربتها بعكازها ضربات خفيفة على مؤخرتها لتعلمها الأدب ، لكن سرعان ما أخفضت عكازها لما رأت وجه ملاك. أخذت الجدة ملاك وأجلستها بجانبها، وراحت تتفحص حالها مطلقة نظرات متسائلة عن سبب شحوب وجهها وخلوه من المرح لكن سرعان ما تداركت الجدة الموقف وحولت نظراتها إلى حفيدتها فالجميع يعلم بخبر فسخ خطبة ملاك لكن لا أحد يفقه السبب. وهنا جاء الجدة اتصالاً دولياً عبر أحد البرامج وكان الاتصال فيديو لا اتصالاً صوتياً، كان المتصل إياد حفيد الجدة المغترب، وابن عم منار، لكن الجدة بسبب ضعف بصرها وقلة خبرتها بالهواتف الحديثة قلبت الكاميرا على ملاك بدل أن تضع المكالمة على مكبر الصوت. كانت ملاك منغمسة في حديث ما مع منار كانت قد فتحته قبيل الإتصال ولم تنتبه لما حدث، وهكذا بقيت الكاميرا معلقة على ملاك ما يقارب الدقيقتان. نهضت منار لتحضر بعض العصير، وما إن أصبحت خلف الجدة حتى صرخت قائلة : جدتي ما هذا لماذا توجهين الكاميرا على ملاك؟ وأنت يا إياد لماذا لم تنطق بكلمة، ماذا بكم؟ كان إياد ما زال تحت تأثير جمال ملاك لذلك لم يستوعب ما حدث، أما الجدة فقد أعطت منار الهاتف لتعدل الوضعية لها، بينما ملاك لم تنطق بكلمة واكتفت بابتسامة خفيفة ترافقها كلمة لا بأس لتجنب الجدة الإحراج. لكن إياد أنهى المكالمة واكتفى بمراسلة الجدة عن طريق الكتابة، حيث أرسل لها مجموعة من الرسائل المتتابعة مضمونها ما يلي : جدتي، هل أنت بخير اشتقت لكِ، لكنني بعون الله قادم عما قريب لكني هذه المرة أريد الإستقرار ثم بعث لها برسالة تحمل معنىً مبطناً يستفسر فيها عن ملاك قائلاً: جدتي أريد أن أقدم اعتذاري لتلك الفتاة، هل هي ممرضتك الجديدة؟ هل لكِ أن تعطيني رقم هاتفها أو أي وسيلة إتصال لأعتذر لها بصورة لائقة؟ لكن الجدة لم ترد على رسائله واكتفت بضحكة ساخرة، فقد ألحت عليه كثيراً للعودة والإستقرار لكنه كان يرفض دائماً، لكنه الٱن افتتح الموضوع دون ضغط.بعدما غادر مراد مكتب ملاك، توجهت ملاك إلى الطابق الثاني لتفهم من إياد مايريد. طق طق طق. تفضل. سيد إياد؟! أهلاً آنسة ملاك، التفت إياد إلى الباب بحاجبيه المعقودين وعندما لاحظ قدوم ملاك، دلكهما بخفة ودعاها للجلوس. سيد إياد لقد قلت أن هناك بعض المواضيع بحاجة إلى مناقشة، ماهي؟ آآ آه. قال إياد في نفسه: هل أتت فقط لتستفسر عن المواضيع دون أن تكلف نفسها حتى بتفسير ما رأيته قبل قليل؟ زاد غضب إياد وإجتاحه شعور غير مألوف، لكنه أجبر نفسه على الهدوء وقال أخيراً : لا تقلقي بشأن ذلك، لقد تواصلت بالفعل مع السيد مهاب، وتم حل المشكلة. حسناً إذن، هل من شيء آخر؟ لا لا. آراك لاحقاً . غادرت ملاك المكتب الذي تحول لجمرة نار تلتهم إياد دون أن يسيطر على نفسه، ثم أمسك هاتفه، ورن على قيس وقال له : أراك في المضمار، وأغلق الخط. كان طريقة إياد في إخماد غضبه فريدة من نوعها، حيث كان يرى مضمار السباق ملاذه الآمن في مثل هذه الأوقات. ركب إياد سيارته وتوجه نحو كراج للسيارات الرياضية، ثم استقل واحدة وإنطلق باتجاه المضمار. حين وصل إياد كان قيس بإنتظاره ، وبدأ سباق ملحمي بينهما، ح
قطع صوت أفكار إياد إتصال من مساعده يدعوه للعودة إلى المعرض، فهناك بعض المشكلات التي يواجهها خط الإنتاج، فعاد مسرعاً. أما ملاك، فبعد أن انتهت من الغداء، ودعت منار وتوجهت مع رنا ناحية المعرض لإتمام العمل. آنسة ملاك مخطوطات الهيكل الديناميكي أصبحت جاهزة، والسيد مهاب يدعوك للإشراف على آخر التفاصيل، قالت سعاد. متى أنهى الفريق هذه المخطوطات؟ بعد ظهر اليوم يا آنسة. حسناً، أبلغي السيد مراد بأنني أريده في مكتبي بعد ساعة. عُلم. توجهت ملاك إلى غرفة التصنيع، للإشراف على عملية الهيكلة شبه النهائية، وكانت النتائج مبشرة. آنسة ملاك لقد قمنا بتعديل ملاحظاتك الماضية إضافة إلى القيام ببعض التحسينات. أووه، حقاً؟ وما هي؟ لقد قمنا بفحص جودة المواد الخام، وتأكدنا منها مرة أخرى لتجنب وقوع الخطأ، كما قمنا بصب البلاستيك الطبي. بدأ مهاب يشرح لملاك ما ضافوه من تعديلات على الهيكل، وبصراحة كانت النتائج مرضية بالنسبة لأول نموذج. بعد الإشراف ، توجهت ملاك إلى مكتبها لتجد مراد ينتظرها. كيف الحال؟ بخير، قالت ملاك بنبرة مستفهمة، ثم قالت : سيد مراد لقد تم تسليم مخطوطات الهيكلة اليو
بعد إتمام التواقيع اللازمة للأوراق توجهت ملاك ورنا إلى إدارة الترخيص التكنولوجية الأولى التابعة للوزارة لتوثيق براءة الإختراع باسم مدمج يخص الشركات المشاركة ، وقد استغرقت هذه العملية ما يقارب الثلاث ساعات، فقد تقاسمت ملاك العمل مع رنا، وبقين يتنقلن بين الدوائر الحكومية والمكاتب الخاصة بإتمام الأمر، وبعد عناء طويل سُجلت براءة الإختراع بنجاح. كانت الساعة تقترب من الثالثة عصراً عندما انتهينَ الفتيات من الإجراءات، لذلك قررن أولاً المرور إلى شركة منار لإصطحابها ثم التوجه إلى أحد المطاعم ليتناولن الغداء. قررت رنا أن تعمل كمين لمنار فداهمت مكتبها دون سابق إنذار، حيث دفعت الباب بقوة ورسمت على ملامحها غضب زائف. ماذا فعلتِ أنت هااا؟ كيف وصل بك الأمر إلى هذا الحد؟ قالت رنا لمنار بغضب. عندما فُتح الباب بقوة، كانت منار تتصفح هاتفها، فمن قوة الضربة التي واجهها الباب ارتطم هاتفها بالطاولة من الخوف، ثم أمسكت صدرها والتفتت إلى الباب لترى رنا الغاضبة تنهال عليها بأسئلة غير منطقية. مماذا فعلت أنا؟ والله لم أفعل شيئاً، هل تستطيعين التوضيح؟ قالت منار بتلعثم. عندما رأت رنا حالة م
في صباح اليوم التالي، وصل إلى بريد ملاك الإلكتروني إشعاراً من الوزارة يفيد بالموافقة على بعض الشروط مثل براءة الإختراع، إلا أن الشروط الأخرى بحاجة إلى مناقشة أكثر، لذلك توجهت ملاك إلى شركة الوادي الأخضر أولاً لتجمع أوراق التصاريح الخاصة بالمشروع، ثم عادت إلى المعرض لأخذ باقي الأوراق التابعة للشركتين الآخريتين. سعاد أبلغي السيد عاصم والسيد إياد أنني بحاجة إلى تراخيص المشروع الخاصة بشركتيهما. حسناً. آنسة ملاك، السيد عاصم سيسلمك الأوراق بيده، أما السيد إياد فقال مساعده أنه بحاجة لإتمام بعض الأمور في شركته لذلك لم يصل بعد، وأعطاني هذه الأوراق. نزل عاصم إلى مكتب ملاك ليسلمها الأوراق، كما اقترح عليها أن يرافقها أحد من جهته، فالإجراءات معقدة وتحتاج إلى تعاون الجميع. وافقت ملاك على عرض عاصم، وكانت رنا قد تطوعت لمرافقتها، أما أوراق شركة التألق فكانت بحاجة إلى بعض التواقيع من مجلس الشركة، لذلك اضطررن إلى زيارة إياد في شركته . صعدت ملاك إلى مكتب إياد بينما انتظرتها رنا في قاعة الإستقبال وهناك حدث ما لم تكن تتوقعه. اصطدمت رنا مرة أخرى بقيس، وهذه المرة كانت تحمل كومة من الأوراق
حسناً، كما تريدين. هل هناك شيء آخر؟ وهل أنتِ في عجلة من أمرك لتغلقي الخط؟ يا لك من فتاة جاحدة. أخذت ملاك نفساً عميقاً، ثم قالت : شكراً وإذا لم يكن هناك شيئاً آخر سأغلق. أغلقت ملاك الخط ولم تنتظر إجابة الطرف الآخر، ثم عادت لتسرح في دهاليز الماضي. تذكرت ملاك المواقف المتعددة التي جمعتها بجدتها حسنة، على الرغم من إجبار عقلها على محو هذه الذكريات إلا أنها لازالت حاضرة. ....... في جانب آخر أنهى إياد جلسته مع ماري وعاد إلى مكتبه ليكمل عمله. تررن تررن. رن هاتف إياد وما إن فتح المكالمة حتى أتاه صوت منار الغاضب قبل أن ينطق بكلمة. قل لي الآن : هل تلك الثعلبة عادت للبلاد؟ من تقصدين بالثعلبة؟ آآآه، والآن أصبحت لا تعرف من أقصد أليس كذلك؟ نعم، لا أعرف. مع من كنت تحتسي القهوة اليوم؟ مع ماري، لماذا؟ إذن عادت. نعم، وكيف عرفتِ؟ كيف عرفت هاا، انظر إلى منشوها على إنستغرام. كان المنشور عبارة عن صورة لفنجانين من القهوة وكانت الصورة مرفقة بعبارة ( وأجمل من طعم القهوة صحبة ناسها) . إذن؟ ما لذي يزعجك في هذا؟ مم صنعت أنت لتحمل كل هذا البرود؟
جلس إياد مع ماري في مقهى قريب من الوزارة، ليتبادلان الهموم. قل لي : ما أمر هذه الشريكة التجارية؟ لا شيء، مجرد مشروع تجاري واستثمرت فيه. أنت ومجرد تجتمعون في ذات الجملة؟ هناك حلقة ناقصة في هذا الموضوع. هل يمكنك أن تقللي من فضولك؟ "فضول "؟ إياد، أنا الفتاة الوحيدة التي كنتَ على صلة بها خلال السنوات الماضية ، أنسيت؟ غير إياد الموضوع بسؤاله عن الأوضاع في الخارج، فمنذ أن عاد للبلاد قطع الإتصال بهم. على الجانب الآخر.... استمرت ملاك في تخليص بعض الأوراق في الخارج لقرابة الساعة الثانية ظهراً، وعندما ركبت سيارتها لتعود للمعرض، رن هاتفها، وقد كان المتصل هو عمر. أهلاً، أهلاً. كيف حال غاليتي اليوم؟ بخير، كيف حالك أنت؟ أنا أيضاً بخير. ماهي أخبار المعرض؟ هل وافى متطلباتك؟ نعم، نعم، لا تقلق. اسمعي، من المقرر أن أعود في غضون إسبوعين، متى ستنتهين من هذا المشروع؟ لا أعلم، ولكن قريباً جداً. حسناً، ٱٱٱه... شيء آخر. ما الأمر؟ ٱٱه ...جدتي حسنة سألت عنك. صمتت ملاك قليلاً، وكأن لمحة من الذكريات مرت أمامها، ثم قالت : ماذا قالت؟ لا شيء مهم، فقد سأل







