LOGINبعد ذلك اللقاء لم ترَ منار صديقتها ملاك إلا مرات معدودة وذلك لأنها كانت مشغولة بتجهيز خطة لأحد أكبر المشاريع التي ستطلقها الشركة بتصميم جهاز طبي لا يحتويه السوق بعد، وربما يقوم بتغيير تاريخ الشركة بل الصناعة بأكملها.
أُعجب بفكرة المشروع كبار الصناعة في هذا المجال ومن بينهم البروفيسور أمجد الظامي أستاذ إياد في الجامعة ومسؤول فريقه. فتخصص إياد مشابه لتخصص ملاك لكنه كان قد درس ونفذ أبحاثه في الخارج. اقترح أمجد على إياد مشروع ملاك لأنه يعتبر إياد من النوابغ في هذا المجال إضافة إلى قدرته المالية التي تمكنه من الإستثمار قائلاً: إياد إن شركة الوادي الأخضر تستعد لإطلاق مشروع ضخم بفكرة مبتكرة من شأنه أن يغير تاريخ الصناعة الطبية ما رأيك أن تلقي عليه نظرة؟ بعد أن درس إياد مخطط المشروع لمعت عيناه بشدة إذ أن فكرة هذا المشروع تطابق ما كان يفكر فيه في الٱونة الأخيرة لذلك قرر أن يتحرى أكثر عن الشركة. في محرك البحث وجد معلومات عامة عن الشركة من تاريخ التأسيس إلى مراحل التطور التي مرت به لكن ما لفت انتباهه أكثر أن الرئيس التنفيذي للشركة هو شخص ميت تعجب من ذلك وراح يستفسر دائرة المقربين له من رجال الأعمال حتى عرف أن الرئيس التنفيذي الحالي هو بنت الراحل عدنان العامري ملاك وأنها حافظت على اسم والدها كرئيس تنفيذي كنوع من الإرث إلى جانب بعض الأسباب الشخصية التي تجنبها الظهور للإعلام. أثارت شخصية ملاك الغامضة إهتمام إياد فعزم على العودة إلى الوطن بأقرب وقت، وما إن حط في مدينة الوداد حتى توجه مباشرة إلى شركة الوادي الأخضر لمناقشة التعاون والإستثمار، لكن سرعان ما خابت ٱماله، فكانت ملاك قد سافرت منذ قليل في رحلة عمل مفاجئة وهكذا تأجل الموعد إلى ما بعد أسبوعين. عاد إياد إلى منزل جدته، فأخذته بالأحضان، وبعد أن انتهوا من السلام توجهوا لقاعة الطعام لأن الوقت كان قد تجاوز الثالثة بالفعل. أثناء تقديم الطعام وبينما كانت الجدة تملأ طبقي حفيداها، رمقها إياد بنظرة ذات معنى ثم تبعها قائلاً : جدتي لا أرى ممرضتك في الجوار، أهي في إجازة؟ لقد طلبت منك وسيلة تواصل لأعتذر منها عما حدث. لكن الجدة لم تجيبه واكتفت بضحكة خافتة، أما منار فأرادت توضيح سوء التفاهم لكن الجدة أسكتتها بوضع قطعة لحم في طبقها وقالت لها : إنه لحم طازج إملأي معدتك يا منار. فهمت منار تلميح الجدة فعادت لطعامها. على الجانب الآخر، سارت رحلة ملاك على ما يرام، وقد ناقش معها ثلاثة من رجال الأعمال خطة الإستثمار ٱملين أن يكونوا جزءاً من إنطلاقة المشروع القادم. لم تفتِ ملاك في هذه المسألة واكتفت بتأجيل مناقشة هذا المشروع لتتمعن بعروضهم، وأكملت عملها في الخطط الإستثمارية الأخرى. بعد انتهاء أعمالها، قررت ملاك أن تقضي ما تبقى من الأسبوعين إجازة، فالمدينة التي سافرت إليها تعج بالمناظر الخلابة والأماكن السياحية، فلم تترك قلعة أو أثراً تاريخياً أو ثقافياً إلا وزارته حتى الطبيعة أخذت نصيبها من هذه الزيارة. في مساء إحدى الليالي كانت ملاك في مكالمة فيديو مع منار لتريها الأجواء الليلية للمدينة، وتطرق حديثهما إلى مسامع إياد الذي بمجرد أن سمع صوت ملاك عرف أنها الفتاة التي رٱها ٱخر مرة فظل منصتاً إلى حديث الشابتين، لكنه لم يجرؤ على النظر إلى هاتف منار، لكيلا يتسبب بإحراج أو سوء فهم لأي من الطرفين. بعد انقضاء الإجازة عادت ملاك من رحلة عملها إلى المدينة، لتجد أن أول موعد في جدول أعمالها للمهندس إياد الوردي، فتعجبت من اسم العائلة الذي يشبه اسم عائلة صديقتها، لكنها اعتبرت الأمر محض صدفة وتوجهت إلى غرفة الإجتماعات حيث يوجد الضيف. دخلت ملاك غرفة الإجتماعات ورحبت بإياد قائلة : أنا المهندسة ملاك العامري تشرفت بلقائك سيد إياد تفضل بالجلوس. ظل إياد يحدق بها لثوانٍ وقلبه يخفق بسرعة شديدة فالفتاة التي ظنها ممرضة وظل يبحث عن طريقة للتواصل معها تقف أمامه بالفعل ثم أدرك موقفه وسيطر على مشاعره، وقال : وأنا كذلك ٱنسة ملاك بعد أن جلسوا واحتسوا القهوة، فتح إياد موضوع التعاون، وقبل أن يكمل حديثه التفصيلي، قاطعته ملاك بإعتذار قائلة : أنا أتأسف منك يا سيد إياد لكن ثلاث من شركات الصناعة الطبية قد تناقشوا معي بالفعل للإستثمار في هذا المشروع وهم في انتظار ردي، لذلك أعتذر منك. بانت خيبة خفيفة على ملامح إياد لكنه أنهاها بقوله : ومع ذلك يا ٱنسة ملاك، قد كتبت كل تفاصيل التعاون في هذا الملف أرجو أن تدرسيه وتتخذي قرارك بناء على ذلك، طاب يومك.حل الليل ولا يزال الفريق يعمل، انقضت الساعات في تدقيقهم في التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة لإيجاد ثغرة قد سها الآخرون عنها. ما المعلومات التي بحوزتنا يا رفاق؟ سأل إياد صديقيه. لقد وصلت للحسابات المالية الخاصة بالشركة التي يديرها شهاب، ويبدو كل شيء مثالياً بطريقة مريبة، وما لفت نظري تحويل مبالغ مالية بشكل ثابت لحساب جمعية خيرية، قال فتحي ذلك وهو يعرض الملف على إياد وقيس. انتظر، ما اسم الجمعية؟ الملاك الناجي. لقد مر معي هذا الموضوع في الملف الذي درسته، لحظة واحدة. قلب إياد بين الأوراق التي بحوزته، ثم قال بعد أن وجد الورقة المطلوبة : هه، ها هي، جمعية الملاك الناجي وهي جمعية متخصصة في كفالة أطفال الكوارث الذين فقدوا أهلهم. أكمل إياد قراءته ثم توقف عند أحد أسماء المتطوعين في هذه الجمعية والذي يعتبر المشرف الرئيسي، فابتسم ابتسامة ذات معنى ثم قال : والله وقعت ولم يسمِ أحد عليك . ما الأمر؟ ماذا وجدت؟ سأل قيس بفضول. انظرا هنا. حدق كل من قيس وفتحي في الورقة لكنهما لم يفهما شيئاً. ثم؟ قالا بتساؤل. انظرا إلى الاسم، شارق شهاب القليط. نظر الثلاثة إلى بعضهم وكأنهم
في اليوم التالي توجه إياد إلى مقر الفوج لحضور الاجتماع. أوووووه، سيد إياد مضى وقت طويل على لقائك. أهلاً سيد فتحي، بالفعل مضى وقت طويل. كيف أمور الشركة؟ هل هي بأحسن حال؟ نعم، لا تقلق. في الحقيقة لقد انتظرنا مجيئك منذ عودتك للبلاد، لكنك لم تشرفنا . شغلتني ظروفي. لا بأس. والآن هل أنت مستعد للعودة؟ كما أبلغكم قيس سأعود ولكن بشرط. هل للأمر علاقة برجعتك؟ نستطيع قول ذلك. قل لي. ريان الزيتي. أريد ملفه على طاولتي. هل أفهم منك أنك تريد الملف بدل تهنئة رجعتك؟ نعم. ههههههه، لا بأس لك ذلك، وسأتوصى بالأمر لا تقلق . إذن لنوقع العقد. بالتأكيد، هذا مناي. استل إياد قلماً من جيبه وقام بتوقيع العقد. هل تريد إخفاء اسمك كما في الأيام الخوالي؟ إذا تكرمت. حسناً لك ذلك. ألقى فتحي ملفاً على الطاولة، ثم قال باستحياء : أعلم أنك وقعت منذ دقيقة لكنني.... نظر إياد إلى الملف، ثم نظر إلى فتحي وقال : هل أنت جاد؟ إذن لقد كنتم تنتظرون عودتي بالمعنى الحرفي. لم أرد أن يكون الأمر كذلك، لكن هذا الملف شيب قسم الاستخبارات الدولية بأكمله. نظر إ
استقل قيس سيارته وأكمل طريقه نحو شركة التألق. طق طق طق . تفضل. دخل قيس فوجد إياد بوضعيته المعتادة يجلس خلف مكتبه ويدقق بالملفات التي بحوزته. ستكون حسرة في نفسي إذا لم أرك يوماً ما في وضعية مختلفة. قال قيس بمزاح . هل رأيتني في الحلم، حتى جئت لمقابلتي في الصباح الباكر؟ قال إياد دون أن يرفع رأسه عن الملف. ههههههه، يا لدعابتك عند الصباح، قال قيس بسخرية ثم أردف : لست أنا من رآك في الحلم وإنما أشخاص آخرون. تحولت ملامح إياد إلى الجدية، ثم رفع رأسه عن ملفه وخلع نظارته وقال: هل وصل الرد؟ نعم نعم، لقد وصل فكما تعرف إنهم متيمون بك وينتظرون موافقتك بفارغ الصبر، قال قيس بسخرية. دع السخرية الآن وقل لي؛ ماذا قالو؟ لقد وافقو على شرطك، ويدعونك للاجتماع غداً في المقر. هل أخبرتهم عن ظروفي الحالية؟ لا تقلق، سيحتاجونك فقط في المهمات المعقدة، أي أنك تستطيع ممارسة حياتك الطبيعية. هز إياد رأسه موافقاً وهو يفكر في شيء ما، ثم قال : جميل. ما بك اليوم هادئ على غير عادتك؟ اسكت، لقد قابلت مصيبة حياتي هذا الصباح. هل هي فتاة القهوة؟ وهل هناك مصائب في حياتي غيرها؟ لكنها هذه المرة
انتهى الاجتماع وعادت ملاك لمكتبها بينما تولى مراد توديع الضيوف. طق طق طق. تفضل. ملاك؟! رفعت ملاك رأسها من الملف الذي بيدها، ثم دعت رنا للدخول. رنا، هيا ادخلي. لقد قلقت عليك، ماذا حدث ليدك؟ لا يوجد ما يدعو للقلق، مجرد حادث صغير. وكيف حال الخالة؟ هل هي بخير؟ سكتت ملاك قليلاً، ثم أجابت ، ستتحسن. عندما سمعت رنا أجوبة ملاك الرسمية شعرت أن هناك شيئاً غير صحيح، لكنها لم تضغط على ملاك أكثر واستأذنت للخروج. خرجت رنا وذهبت لمكتب مراد. طق طق طق. تفضل. دخلت رنا فوجدت مراد يتكئ على ظهر الكرسي ويغمض عينيه، و ملامحه يسكنها التعب والقلق. مراد، هل أنت بخير؟ رفع مراد رأسه، ثم قال : رنا؟! هيا تعالي اجلسي. ما الذي يحدث هنا؟ أنت متعب وملاك يبدو أنها هاجرت هذا العالم ومنار لا ترد على مكالماتي، ما بكم؟ تنهد مراد بضيق ثم قال : الأوضاع معقدة يا رنا. ما هي هذه الأوضاع؟ قل لي حتى أعرف. القصة بدأت منذ الأسبوع الماضي. أي قصة؟ ملاك لم تكن تعرف بشأن خطبة منار وعمر. ماذا ؟ هل أنت جاد؟ كيف ذلك؟ سألت رنا بدهشة. وليس هذا فقط، تدهورت حالة ال
استيقظت ملاك مفزوعة من نومها وهي تظن أن كابوسها قد بات حقيقة. تفقدت حال والدتها، فوجدتها على حالها لم يطرأ عليها أي إشارات تراجع أو تحسن. جلست ملاك مرة أخرى على كرسيها عاجزة عن الحركة من وطأة ما حلمت به ثم شعرت بانتفاضة جسدها بسبب تسارع دقات قلبها . شعور بدأ يروادها منذ وفاة والدها يفقدها السيطرة على جسدها أو التحكم بنفسها. أسندت رأسها بحذر إلى الخلف وعدلت وضعية جلوسها لتكون أشبه بالتمدد، رفعت قدمها اليسرى إلى الأعلى قليلاً وبدأت تحاول أخذ نفساً عميقاً.استمر الوضع هذه المرة لخمس دقائق وهو ضعف وقت المرات السابقة. كان جسدها كله يهتز من شدة النبض لكن النبض لا يقاس، شعرت بقلبها قد حط على رئتيها فحاولت جاهدة أن تهدأ. بعد إنقضاء خمس دقائق عاد نبض ملاك طبيعياً لكن نفسها لا يزال مضطرباً قليلاً.أخذت ملابس من الحقيبة التي كان قد جلبها السائق، ثم دخلت لتستحم. فتحت الماء الدافئ وتركت قطراته تنهمر على جسدها، وكلما أغمضت عينها تذكرت كابوسها، فاستحمت سريعاً وخرجت. أرسلت رسالة إلى عمر أنها ستخرج لقضاء شيء ما، ومن ثم استقلت سيارتها. فتحت نافذة السيارة وزادت سرعتها وتوجهت نحو البحر. نزلت من
ركبت ملاك الجبيرة وتوجهت إلى قسم الرعاية التلطيفية. ذهبت ملاك إلى إحدى الممرضات وسألتها إن كان بإمكانها زيارة أمها. عذراً، هل يمكنني زيارة والدتي؟ هل تقيم في هذا القسم؟ نعم. بالطبع يمكنك زيارتها، في هذا القسم الزيارات دائماً متاحة ليقضي المريض آخر أيامه مع عائلته. ابتسمت ملاك للممرضة ابتسامة مجاملة انتزعتها من شفتيها لتخفي غصتها من واقعية كلام الممرضة ثم غادرت المكان لتدخل غرفة والدتها. كانت أضواء الغرفة خافتة للغاية بما يتماشى مع صحة المرضى. دخلت ملاك بهدوء، وجلست على الكرسي المقابل للسرير ، ثم قالت بعد أن أخذت نفساً عميقاً : أمي، لقد عدت، هيا انهضي، ألم تكوني دائماً تستقبلينني عند الباب؟ هيا استيقظي، انظري لقد آذيت يدي مرة أخرى، ألا تريدين توبيخي؟ انظري إلى ضوء الغرفة، أنت لا تحبينه خافتاً، هيا استيقظي وأشعليه. أمي، لماذا لا تردين علي؟ وضعت ملاك رأسها على يد والدتها الممدة على السرير وذرفت دموعها وهي تقول : لقد أصبحت وحيدة يا أمي، لا تتركيني هكذا. قالت ملاك هذه الكلمات وغطت بنوم عميق دون سابق إنذار، فمن يراها من بعيد يظن أنها فقدت الوعي. في







