Masukاندفع باب الغرفة الفردية البيضاء بهدوء، ودلفت زوي بخطواتها السريعة وحيويتها المعهودة، وهي تحمل باقة زهور كبيرة وملونة، بينما كانت مارس تتبعها بخطواتها الرزينة والهادئة، مرتدية معطفها الأسود الطويل، وعيناها الباردتان تتفقدان تفاصيل الغرفة بسرعة ودقة.
— "مفاجأة! كيف حال البطلة المصابة اليوم؟" هتفت زوي بصوتها المفعم بالحيوية وهي تضع باقة الزهور على الطاولة الصغيرة بجانب السرير.أما جيسيكا، فكانت بالكاد تستعيد أنفاسها المنتظمة وتخفي آثار الهلع المروع والرعب الذي خلفه ظهور كاين المفاجئ قبلحلّ ليل اليوم قبل الأخير في المستشفى بثقل غريب ومريب. كان السكون يلف الممر الطويل تماماً، وكأن أجهزة المراقبة الطبية قد خفضت أصواتها لتفسح المجال لكابوس جديد على وشك أن يتجسد. كانت جيسيكا تستلقي على سريرها الأبيض، تغط في هدوء نسبي بعد يوم متعب من جلسات العلاج الطبيعي، وتتطلع باطمئنان إلى نافذة الغرفة المفتوحة قليلاً لدخول الهواء البارد.وفجأة، لم تكن هناك أصوات خطوات منتظمة أو إنذارات مسبقة. انفتح باب الغرفة الفردية ببطء شديد، وانزلق ظل طويل ومظلم إلى داخل الغرفة.تجمّد دم جيسيكا في عروقها حين ألقت نظرة نحو الوافد الجديد.كان كاين. لكنه لم يكن ذلك الشاب الأنيق والهادئ الذي اعتادت رؤيته بملابسه المرتبة ومعطفه الأسود الفاخر. كان منظره هذه المرة صادماً ومرعباً إلى أبعد حدود التصور؛ فملابسه البيضاء والداكنة كانت ملطخة بالكامل ببقع دم قرمزية داكنة وجافة، وتحديداً عند منطقة الكتفين والصدر، وشعره الداكن المبعثر كان مبللاً بعرق بارد، وعيناه المحمرتان كانتا زائغتين ولامعتين ببريق محموم يمزج بين الجنون المطلق، الإنهاك التام، وطفل صغير ضائع يبحث عن ملجأ.أما جيسيكا، فقد شحب وجه
مرت الأيام المتبقية من الأسبوع بسلام غريب وغير متوقع على جيسيكا داخل غرفتها الفردية في المستشفى. بعد زيارة مارس وزوي، وكأن حاجزاً من الخوف المطلق قد انكسر، واستبدل بسكينة هادئة جعلتها تتنفس بعمق لأول مرة منذ أسابيع طويلة. لم يعد شبح كاين يلاحقها في كل ثانية، وبدأت تتقبل فترة الراحة الإجبارية هذه كفرصة ذهبية لتصفية ذهنها، وترتيب أفكارها، والابتعاد عن صخب المدرسة وضغوط الحياة اليومية.كانت الصباحات تبدأ بهدوء مع أشعة الشمس الباهتة التي تتسلل عبر زجاج النافذة، يتبعها دخول الممرضة بخطوات منتظمة لتقديم الفطور وجلسات العلاج الطبيعي الخفيفة لساقها التي بدأت بالتعافي تدريجياً وتجاوز مرحلة التورم الحاد. كانت جيسيكا تقرأ بعض الكتب الرواية الهادئة، أو ترسم بقلم الرصاص خطوطاً عشوائية على دفاتر ملاحظاتها، مستمتعة بهذا الانعزال المؤقت الذي جعلها تشعر أنها تحت حماية غير مخفية، وبأن عقل مارس الرزين وكلماتها الداعمة تظلان ترفعان معنوياتها حتى من بعيد.وفي منتصف الأسبوع، تكررت زيارات زوي ومارس المسائية القصيرة بعد انتهاء الدوام المدرسي. كانت زوي تدخل دائماً بصخبها الجميل وحيويتها ال
اندفع باب الغرفة الفردية البيضاء بهدوء، ودلفت زوي بخطواتها السريعة وحيويتها المعهودة، وهي تحمل باقة زهور كبيرة وملونة، بينما كانت مارس تتبعها بخطواتها الرزينة والهادئة، مرتدية معطفها الأسود الطويل، وعيناها الباردتان تتفقدان تفاصيل الغرفة بسرعة ودقة.— "مفاجأة! كيف حال البطلة المصابة اليوم؟" هتفت زوي بصوتها المفعم بالحيوية وهي تضع باقة الزهور على الطاولة الصغيرة بجانب السرير.أما جيسيكا، فكانت بالكاد تستعيد أنفاسها المنتظمة وتخفي آثار الهلع المروع والرعب الذي خلفه ظهور كاين المفاجئ قبل ثوانٍ معدودة. حاولت ابتلاع غصة حلقها، وأرغمت وجهها على رسم ابتسامة شاحبة لكنها طبيعية قدر الإمكان، قائلة بصوت هادئ ومتقطع:— "أهلاً يا فتيات.. لقد فاجأتموني حقاً! لم أكن أتوقع أن تستطعن زيارتي في هذا الوقت المتأخر."اقتربت مارس ببطء، وتلفتت بظرف بصرها نحو الشرفة المفتوحة قليلاً ونوافذ الغرفة، حيث كان هواء الليل البارد يتسلل ببطء. لم تلاحظ مارس أي شيء مريب ظاهرياً؛ فكل شيء بدا هادئاً، لكن حاسة الملاحظة العالية لديها شعرت بوجود أثر خفيف لحركة سريعة أو طيف مرّ للتو. نظرت مارس إلى جيسيكا بع
لم تستطع جيسيكا فعل أي شيء لمواجهة القرار الطبي الصادم. فبعد الفحوصات الطويلة والأشعة السينية التي أُجريت لها تحت إشراف طبي دقيق وبناءً على التقرير الحاد الذي قدمته إدارة المنتجع حول "خطورة الإصابة وإمكانية تفاقم التواء الساق"، أعلن الطبيب المسؤول بلهجة قاطعة لا تقبل الجدل:— "لا يمكننا السماح لها بالخروج أو العودة إلى السكن المدرسي الآن. الكدمة تسببت في تورم داخلي ضاغط، ونحتاج إلى إبقاء جيسيكا تحت الملاحظة الطبية المشددة وجلسات العلاج الطبيعي المكثفة طوال الأسبوع القادم لضمان عدم حدوث أي مضاعفات دائمة في العظام."شحب وجه جيسيكا تماماً، وفتحت عيناها واسعتين بذهول وهلع يكاد يفقدها القدرة على النطق. أسبوع كامل؟! أسبوع كامل من العزل الإجباري بعيداً عن أسوار مدرسة «سينت بول»، وبعيداً عن عيون مارس الحامية ووجود زوي المبهج! كان ذلك يعني باختصار إلقاءها وحيدة في ساحة المعركة، وجعلها صيداً سهلاً ومكشوفاً تماماً أمام كاين ونفوذه المرعب.حاولت الاعتراض بصوت مرتجف ومستميت أمام المعلمة والطبيب:— "أرجوكم.. أنا بخير حقاً! لا أحتاج للمكوث هنا أسبوعاً كاملاً، يمكنني متابعة العلاج ف
لم تكد حافلات مدرسة «سينت بول» تستعد للتحرك النهائي مغادرة بوابات المنتجع الفاخر، حتى وقفت مُمَرضة المنتجع الميداني بحزم في وجه إصرار جيسيكا على الاكتفاء بالمسكنات وتجاوز الأمر. فبعد فحص سريع لساق جيسيكا المصابة، وبسبب تورمها الواضح واحتمالية وجود شرخ خفيف جراء سقوط الإطار الخشبي الثقيل، قالت المُمَرضة بصوت حاسم لا يقبل النقاش: — "لا يمكنني السماح لكِ بالركوب في الحافلة لمسيرة ساعات طويلة وساقكِ بهذه الحالة يا جيسيكا. الكدمة تبدو عميقة، وأخشى وجود التواء حاد أو كسر طفيف يستوجب أشعة سينية فورية في المستشفى القريب من البلدة. يجب أن تذهبي للاطمئنان." ارتجف قلب جيسيكا خوفاً وهلعاً من فكرة مغادرة الحماية المؤقتة التي توفرها لها مجموعة الصديقات، وتحديداً عيون مارس الثاقبة التي تشكل درعاً خفياً من حيث لا تدري. سارعت زوي بالاعتراض بقلق بالغ: — "لكن.. ألا يمكننا مرافققتها؟ سأذهب معها بالطبع!" تدخلت المعلمة المشرفة على الرحلة، والتي اقتربت في تلك اللحظة بحقيبتها وأوراقها، وقالت بهدوء: — "لا داعي لتعطيل بقية الفصل يا زوي. الحافلات يجب أن تحرك ج
في صباح اليوم التالي، وحين كانت فصول مدرسة «سينت بول» تستعد بحماس لمغادرة المنتجع الفاخر والعودة أدراجها نحو سكن المدرسة، بدت الأجواء في الساحة الخارجية للمجمع صاخبة ومليئة بأصوات حقائب الأمتعة وتوديع الأصدقاء. كانت أشعة الشمس الباهتة تخترق ضباب الصباح البارد، تاركة انطباعاً خادعاً بالدفء والأمان.بينما كانت زوي تقف بجانب الحافلة الكبرى تتجاذب أطراف الحديث بضحكاتها الصاخبة مع بقية الزميلات، وكانت مارس تقف بوقفتها الهادئة والرزينة، متفحصة المكان بعينيها الثاقبتين كعادتهن، كانت جيسيكا تحاول لم شتات نفسها ورتّبت أشرطة حقيبتها الصغيرة بجانب زاوية ممر الخدمات الخلفي القريب من مواقف العربات الكهربائية.لم تكن جيسيكا تعلم أن تلك الزاوية، المهجورة نسبياً عن أعين الحراس، كانت مسرحاً مرسوماً بعناية فائقة.فجأة، ودون أي إنذار مسبق أو تنبيه صوتي، انحرفت عربة صيانة كهربائية ثقيلة ومخصصة لنقل الأمتعة والثلاجات الصغيرة —كانت تسير بسرعة غير معتادة وبدون سائق ظاهر للعيان، أو ربما برجل ملثم يرتدي زي العمال واختفى في لمح البصر خلف زاوية الجدار— لتصطدم بقوة عمياء وعنف بالغ با