LOGINمع خيوط الشمس الأولى التي تسللت عبر زجاج نوافذ السكن الطلابي العالي في «سينت بول»، كان الهدوء يعم الممرات الطويلة بعد ليلة صاخبة ومملوءة بالضحكات النادرة التي أحدثتها مارس. أخذت جيسيكا تتأمل الغرفة بهدوء وهي جالسة على سريرها، وشعرت أن شيئاً من الطمأنينة قد تسلل إلى قلبها، وكأن شبح كاين وقبضته المرعبة باتا في عالم بعيد خلف الأسوار الحصينة.
بينما كانت زوي لا تزال غارقة في نوم عميق وسبات متهور وسط كومة من الوسائد والأغطية المبعثرة، وقفت مارس بجانب مكتبها المنظم بدقة، تعيد ترتيب كتبها وأكانت حقيبة مارس الجلدية مستقرة بجانب الباب، مرصوصة بعناية فائقة تعكس ترتيب أفكارها الدقيق، بينما كانت زوي وجيسيكا تساعدانها في وضع اللمسات الأخيرة قبيل لحظة المغادرة. لم تكن أجواء الغرفة تشبه البارحة على الإطلاق؛ فقد تبدد صخب الضحكات وحل محله صمت ثقيل ومحمل بالقلق وكأن السكون يوشك أن ينفجر. التفتت زوي نحو مارس، وعقدت حاجبيها بنبرة شبه غاضبة محاولة كسر هذا التوتر المخيم على المكان، ثم رفعت صوتها قليلاً متذمرة: — "أنا حقاً لا أستطيع استيعاب لما تحاولين التصرف بهذا البرود الشديد يا مارس! أنتِ تقرين بنفسكِ أن عائلتكِ لا تريد سوى ججكِ لزجكِ في تلك الحفلات السخيفة، أو إجباركِ على ما لا ترغبينه، ومع ذلك تكتفين بهذا الصمت المريب وكأنكِ ذاهبة في نزهة مدرسية عادية!" أجابتها مارس بهدوء وهي تمرر يديها على غلاف كتابها الأخير لتتأكد من وضعه في مكانه المخصص داخل الحقيبة، ثم التفتت إليها بنظرة واثقة: — "الصياح والبكاء لن يغيرا شيئاً من الواقع يا زوي. عائلة فان أستور لا تملك مفهوماً للرفض، والذهاب بهدوء أحياناً يكون أقوى من إثارة جلبة فارغة لن تزيد الأمر إلا س
مع خيوط الشمس الأولى التي تسللت عبر زجاج نوافذ السكن الطلابي العالي في «سينت بول»، كان الهدوء يعم الممرات الطويلة بعد ليلة صاخبة ومملوءة بالضحكات النادرة التي أحدثتها مارس. أخذت جيسيكا تتأمل الغرفة بهدوء وهي جالسة على سريرها، وشعرت أن شيئاً من الطمأنينة قد تسلل إلى قلبها، وكأن شبح كاين وقبضته المرعبة باتا في عالم بعيد خلف الأسوار الحصينة.بينما كانت زوي لا تزال غارقة في نوم عميق وسبات متهور وسط كومة من الوسائد والأغطية المبعثرة، وقفت مارس بجانب مكتبها المنظم بدقة، تعيد ترتيب كتبها وأوراقها بهدوء تام وكأن شيئاً لم يكن، محافظة على ذلك القناع الرزين الذي اعتادت عليه، رغم أن أثر تلك الضحكة العفوية التي أطلقتها البارحة ظل يضفي دفئاً خفياً على ملامحها.قاطعت ذلك السكون وهج خفيف صادر عن الشاشة المثبتة على جدار الممر الخارجي للسكن، ليعلن النظام بصوت رسمي وواضح عن بدء العد التنازلي للإجازة الكبيرة:— "تنبيه لجميع الطالبات: تنتهي الأنشطة الفصلية اليوم تماماً. يُمنع منعاً باتاً البقاء في السكن الطلابي ابتداءً من الغد. على جميع الطالبات الاستعداد لمغادرة الأسوار والعودة إل
مع خيوط الفجر الأولى من اليوم الأخير لحجزها الإجباري في المستشفى، أنهت جيسيكا آخر إجراءات خروجها تحت إشراف الطبيب الذي أقرّ بتحسن التواء ساقها وبأنها قادرة على المشي بحذر باستخدام عكاز خفيف. كانت تشعر بثقل خفيف يغمر صدرها، لكنه هذه المرة لم يكن ثقلاً مرعباً، بل شعوراً بالتحرر المؤقت بعد أن ضمنت التزام كاين بشروطها الصارمة وابتعاده التام عن محيط السكن. دخلت تلك الغرفة البيضاء قبل أسبوع وهي فتاة هاربة مرعوبة من شبح يلاحقها، وها هي تخرج منها اليوم وهي تحمل على عاتقها سراً عظيماً وقوة غير متوقعة، لكنها قررت أن تضع كل ذلك جانباً مؤقتاً لتستعيد أبسط حقوقها في الحياة الطبيعية.كانت السيارة المخصصة لنقل طلاب مدرسة «سينت بول» العريقة تنتظر أمام باب المستشفى الرئيسي. وما إن فتحت الباب وركبت في المقعد الخلفي الفسيح، حتى استقبلتها زوي بترحيب حار وعناق متهور كاد يفقدها توازنها المستقر على ساقها المتعافية، بينما كانت مارس تجلس بهدوء في المقعد المجاور، ترمقها بنظرتها الثاقبة كعادتها، وتتابع بحذر كل تفصيلة صغيرة في وجه جيسيكا الشاحب.— "حمداً لله على سلامتكِ يا بطلة! أقسم لكِ أن هذا الأسبوع
بقي كاين جالساً مكانه على المقعد الخشبي، عيناه الداكنتان مثبتتان بوجه جيسيكا وكأنهما تتوهجان بنور غريب، نقيض تام لما كان عليه قبل ساعات من جنون دامٍ وهستيريا مدمرة. كان يبدو بهيئته تلك، بعد كل ذلك الصراع، كجرو صغير مكسور الجناحين، تعرض لعواصف الشتاء القاسية، وجلس بصمت ذليل وصبر مرير، ينتظر بفارغ الصبر تلك اللحظة التي تلتفت فيها إليه لتمنحه إشارة رضا تروي ظمأ روحه المعذبة. لم يكن يطلب ملكاً ولا سلطاناً، بل كان يترقب بصمت مغموس بالهوس أبسط مكافأة تثبت له أنه ليس منبوذاً تماماً.تأملت جيسيكا حاله بعينين تحوطهما حيرة عميقة وصدمة لم تندمل بعد. لقد أخضعت الوحش، نعم، ووضعت القيود في يديه عبر كلماتها البسيطة، لكنها الآن تواجه سؤالاً معلقاً في الهواء كثقل الجبال: ما هي المكافأة التي ينتظرها هذا الكائن المكسور؟ هل أقصى ما يطمح إليه هو تواصل هزيل عبر مكالمة هاتفية عابرة تطمئن قلبه؟ أم أنه ينتظر منها نظرة قبول موهومة، أو وعداً بلقاء قريب يعيد تزيين عالمه المظلم بالضوء؟استمر كاين في الصمت لبرهة، وشفتيْه المرتجفتين تفرّان بابتسامة صغيرة، باهتة، ومكسورة، كأنه يخشى أن يتنفس بقوة فيفسد سحر
مرت الساعات التالية لذلك الليل المرعب بطقل بطيء وكأنها الدهر بأسره، تتقاطع فيها ظلال الخوف القديم مع واقع جديد لم تكن جيسيكا تتخيل يوماً أنها ستجد نفسها متربعة على عرشه. كانت جيسيكا مستلقية بهدوء على سريرها الأبيض في الغرفة الفردية المعقمة، وعيناها الواسعتان مثبتتان بسقف الغرفة البارد، تتابعان انعكاسات ضوء الفجر الخافت وهو يتسلل ببطء عبر الزجاج.في المقابل، كان كاين جالساً على المقعد الخشبي المجاور للسرير، بهيئة تشبه الحارس الأمين أو الجندي الخاضع أمام عرش مليكته. لم يكن يجرؤ على التحرك بحرية أو إصدار أي صوت يزعج سكون المكان، وكانت عيناه اللتان غادرتهما أمارات الجنون الصاخب تحومان حول وجه جيسيكا باستمرار، مفعمتين بولع أعمى وطاعة مطلقة تخطت حدود المعقول والمنطقي. لم يعد ذلك المعتدي الذي يقتحم الخلوات عنوة، بل تحول بقرار منها إلى مخلوق أسير لكل حرف ينطق به لسانها.حين اقترب طلوع النهار وبدأت حركة المستشفى تدب ببطء في الممرات الخارجية، أدركت جيسيكا أن الوقت قد حان لاختبار هذه القوة الجديدة والمرعبة التي أصبحت بين يديها. لقد أصبحت تملك زمام هذا المارد المجنون بحرف واحد، وبات كاي
ساد صمت ثقيل، مخيف، ومطبق أرجاء الغرفة البيضاء، لم يقطعه سوى أنفاس كاين المتهدجة والمتسارعة واهتزازات جسده الباكي الذي استكان أخيرًا بين طيات أذرع الطمأنينة الوهمية التي منحتها إياه. كان يعتصم بخصرها وكأن الكون بأسره سينهار ويزول لو تجرأ على أرخاء قبضته عنها ولو لثانية واحدة من الزمن. رفعت جيسيكا بصرها الفارغ نحو سقف الغرفة، بينما كان كاين يرفع وجهه الباكي، المحمر، والمغطى بآثار الانهيار، وكانت عيناه اللتان تتلألأن ببريق جنوني ومظلم تحومان حول وجه جيسيكا شاحب الملامح وكأنه يرى فيها مقدساته الوحيدة.وبحركة بطيئة ومتعمدة، مد يده الملطخة بدماء المعركة الوهمية التي خاضها باسم هوسه، فرفع يدي جيسيكا الباردتين والمرتجفتين برفق شديد إلى وجهه. ضغط بقبلات عميقة، ملتهبة، محمومة، ومتكررة على راحتي يديها مراراً وتكراراً، وكأنه يقدس إنسانة نزلت لتوها من السماوات، قبل أن يهمس بصوت أبح، متحشرج، ومثقل بولع مريض ومخيف:— "سوف أحمل عنكِ كل ثقل، وكل همّ، وكل ألم في هذه الحياة يا جيسيكا... كل الأشخاص الذين ترغبين بوجودهم، وكل من تحبينهم بصدق، لن يمسهم أي سوء أبداً ما دمت أنا حياً. حتى مارس... تل