เข้าสู่ระบบبنتتستغرق الرحلة إلى منزل فاروق الشرقاوي وقتًا طويلًا، لكن بالنسبة إلى تاليا، بدت الطريق أطول مما ينبغي.
كانت تجلس في المقعد الخلفي للسيارة، وقد أسندت رأسها إلى زجاج النافذة، تراقب أضواء الشوارع وهي تنسحب خلفها واحدة تلو الأخرى.
لم تكن معتادة على هذا النوع من السيارات.
ولا على السائق الذي يجلس خلف المقود ببدلة رسمية.
ولا على فكرة أن شخصًا ما سيحمل حقائبها إلى منزل لم تره من قبل، ثم يخبرها ببساطة إن ذلك أصبح منزلها من الآن فصاعدًا.
منزلها.
كررت الكلمة في رأسها بسخرية.
أي منزل؟
هي بالكاد تعرف الرجل الذي ستعيش تحت سقفه.
رفعت عينيها عن النافذة، ونظرت إلى والدتها الجالسة إلى جوارها.
كانت أمها مختلفة تمامًا منذ أن خرجتا من الكنيسة.
اختفت ملامح التوتر التي كانت تسيطر على وجهها طوال الأسابيع الماضية، وحل محلها شيء يشبه الراحة.
كانت تتحدث عن المنزل بحماس، وكأنها تحاول أن تجعل ابنتها ترى الأمر بالطريقة نفسها التي تراه بها.
_"ستحبينه."
لم ترد تاليا.
ابتسمت والدتها رغم تجاهلها، ثم تابعت:
_"المنزل كبير جدًا، وستكون غرفتك في الجناح الشرقي. أخبرني فاروق أن بإمكانك تغيير كل شيء فيها كما تريدين، واختيار الأثاث والديكور بنفسك."
التفتت إليها تاليا ببطء.
_"أنا لا أحتاج إلى تغيير شيء."
_"لماذا؟"
_"لأنني لا أنوي البقاء طويلًا."
تلاشت ابتسامة والدتها للحظة.
_"تاليا..."
_"ماذا؟"
_"لا تبدئي من فضلك."
ضحكت تاليا ضحكة قصيرة بلا مرح.
_"أنا لم أبدأ شيئًا أصلًا."
مدت والدتها يدها، وأمسكت بكفها.
كانت أصابعها باردة.
ضغطت عليها بحنان.
_"أعرف أنك منزعجة."
_"أنا لست منزعجة."
رفعت والدتها حاجبًا.
_"حقًا؟"
_"حقًا."
_"إذن لماذا تبدين وكأنك ذاهبة إلى جنازة؟"
التفتت تاليا نحو النافذة مجددًا.
_"لأنني أكره حفلات الزفاف."
ضحكت والدتها رغماً عنها.
_"أنتِ كاذبة سيئة جدًا."
لم تستطع تاليا منع ابتسامة صغيرة من الظهور على شفتيها.
راقبتها والدتها لثوانٍ، وكأنها اعتبرت تلك الابتسامة انتصارًا صغيرًا، ثم قالت بنبرة أكثر هدوءًا:
_"أريدك فقط أن تعطينا فرصة."
سكتت تاليا.
_"لفاروق."
لم تجب.
_"ولي."
هذه المرة نظرت إليها.
كان في عيني أمها رجاء صريح.
ذلك النوع من الرجاء الذي لطالما عجزت تاليا عن مقاومته.
زفرت، ثم قالت:
_"سأحاول."
ابتسمت والدتها.
_"هذا كل ما أريده."
عادت تاليا إلى النافذة.
وبعد دقائق قليلة، بدأت السيارة تخفف سرعتها.
رفعت رأسها، ثم اتسعت عيناها شيئًا فشيئًا.
كان المنزل أمامهما.
لم يكن منزلًا بالمعنى الذي تعرفه تاليا.
كان قصرًا.
بوابة حديدية ضخمة فُتحت فور اقتراب السيارة، وخلفها امتد طريق طويل تحيط به أشجار مشذبة بعناية وإضاءات أرضية صغيرة تلمع على جانبيه.
ظهر المبنى تدريجيًا من خلف الأشجار.
واجهة ضخمة بلون عاجي، نوافذ طويلة، شرفات واسعة، وأعمدة حجرية تمتد على الواجهة الرئيسية.
حبست تاليا أنفاسها للحظة.
ثم تمتمت:
_"هذا المنزل"
ضحكت والدتها.
_"قلت لكِ إنه كبير."
_"أنتِ لم تقولي إنه قصر."
توقفت السيارة أمام الدرج المؤدي إلى المدخل الرئيسي.
وقبل أن تفتح تاليا الباب، كانت قد رأت عدة موظفين يخرجون لاستقبالهم.
تنهدت بعمق.
_"ممتاز."
نظرت إليها والدتها باستغراب.
_"ماذا؟"
_"بدأت أشعر أنني في فندق."
ضحكت والدتها وهي تترجل من السيارة.
_"انزلي فقط."
نزلت تاليا خلفها، ثم وقفت للحظات تنظر إلى المكان.
لم تكن تعرف أين تنظر أولًا.
كل شيء بدا مرتبًا أكثر من اللازم.
هادئًا أكثر من اللازم.
وفخمًا بطريقة جعلتها تشعر بأنها لا تنتمي إليه.
مدت يدها إلى حقيبتها الصغيرة، وأغلقت أصابعها حول المقبض.
ثم لحقت بوالدتها إلى الداخل.
ما إن دخلتا الردهة حتى وجدت تاليا نفسها أمام مساحة واسعة ذات سقف مرتفع وثريا ضخمة تتدلى من المنتصف.
الأرضية من الرخام اللامع، والسلالم العريضة تتفرع إلى طابق علوي، بينما انتشرت قطع الأثاث الفاخرة في أرجاء المكان دون أن يبدو أي شيء منها خارج موضعه.
توقفت تاليا في منتصف الردهة.
رفعت رأسها تتأمل الثريا.
_"هل كل شيء هنا يجب أن يكون بهذا الحجم؟"
ضحكت والدتها.
_"اعتادي."
_"لا أعتقد أنني سأعتاد."
وقبل أن تجيبها والدتها، جاء صوت رجل من خلفهما.
_"وأنا أيضًا كنت أقول الشيء نفسه عندما دخلت هذا المنزل للمرة الأولى."
التفتت تاليا.
كان فاروق يقف على بعد خطوات منهما.
خلع سترته الرسمية، وارتدى قميصًا أبيض بسيطًا، وقد بدا أكثر راحة بكثير مما كان عليه في الكنيسة.
ابتسم لزوجته، ثم اقترب منهما.
_"وصلتما أخيرًا."
ابتسمت والدتها.
_"الطريق كان مزدحمًا قليلًا."
ثم التفتت إلى تاليا، وكأنها تذكرت فجأة شيئًا مهمًا.
_"فاروق، أريدك أن تساعدني في شيء."
_"بالتأكيد."
أمسكت ذراع تاليا.
_"أريد أن أجعلها تشعر أن هذا منزلها."
نظر فاروق إلى تاليا.
لم يكن في نظرته ذلك الفضول المزعج الذي توقعته.
بل كان هادئًا.
ودودًا.
قال:
_"هو منزلها بالفعل."
رفعت تاليا عينيها إليه.
لم تعرف ماذا تقول.
ابتسم الرجل قليلًا، ثم قال:
_"ولا أريد منكِ أن تشعري بأنك ضيفة هنا."
كانت الكلمات بسيطة.
لكنها جعلت تاليا تتوتر أكثر بدلًا من أن ترتاح.
_"شكرًا."
هز رأسه.
ثم التفت إلى زوجته.
_"بالمناسبة، كيفن في الداخل."
توقفت تاليا.
اسم لم يعني لها شيئًا في البداية.
لكن والدتها ابتسمت فورًا.
_"حقًا؟"
_"وصل منذ قليل."
ثم نظر إلى تاليا.
_"أعتقد أن الوقت مناسب لتتعرفي إليه."
شعرت تاليا بشيء من الضيق.
لم تكن مستعدة لمقابلة أحد.
خصوصًا الآن.
لكن والدتها لم تمنحها فرصة للاعتراض.
_"تعالي."
سحبتها معها.
صعدتا بضع درجات فقط، ثم دخلتا إلى الصالون الواسع المتصل بالردهة.
كانت والدتها تتحدث بحماس عن كيفن، بينما تاليا تستمع بنصف انتباه.
_"كيفن ابني الأكبر."
أومأت تاليا بلا اهتمام.
_"هو في الجامعة، لكنه يقضي أغلب وقته خارج المنزل بسبب أصدقائه ودراسته..."
ثم توقفت والدتها فجأة.
رفعت رأسها نحو الجهة المقابلة.
_"كيفن!"
التفتت تاليا تلقائيًا.
وفي اللحظة نفسها...
تجمدت.
تمامًا.
توقفت الكلمات في رأسها.
اختفت الأصوات من حولها.
حتى إنها لم تعد تسمع والدتها وهي تنادي اسمه للمرة الثانية.
كان يقف بالقرب من النافذة.
طويلًا.
طويلًا بصورة جعلتها تتذكره فورًا.
شعره الطويل الذي كانت قد لمحته بين أصابع الفتاة في الحمام.
قامته.
كتفاه.
حتى الطريقة التي كان يقف بها.
شعرت تاليا بأن الدم انسحب من وجهها.
لا.
مستحيل.
رفعت عينيها إلى وجهه.
هذه المرة رأته بوضوح.
ملامح حادة، فك واضح، حاجبان مستقيمان، وعينان باردتان تحملان ذلك النوع من الثقة الذي استفزها دون أن يقول كلمة واحدة.
لم تحتج إلى أكثر من ثانية واحدة.
عرفته.
إنه هو.
الشاب نفسه.
الذي رأته قبل أقل من ساعة في حمام النساء.
الشاب الذي كان يقبّل تلك الفتاة وكأن العالم كله اختفى من حولهما.
اتسعت عيناها ببطء.
أما كيفن، فقد التفت نحو الصوت.
تلاقت عيناه بعينيها.
ساد صمت قصير.
قصير جدًا.
لكنه بالنسبة إلى تاليا بدا كأنه امتد لدقائق.
حدقت فيه.
وهو حدق بها.
ابتلعت تاليا ريقها بصعوبة.
لا.
لا يمكن.
من بين كل الأشخاص الموجودين في هذا المنزل...
من بين كل الشباب في هذه المدينة...
يجب أن يكون هو ابن فاروق الشرقاوي؟!
قالت والدتها بسعادة، غير مدركة لما يدور داخل رأس ابنتها:
_"تاليا، هذا كيفن."
ثم ابتسمت وهي تنظر إلى الشاب.
_"ابن فاروق."
لم تجب تاليا.
ظل بصرها معلقًا به.
ثم أكملت والدتها، وكأنها تلقي جملة عادية لا تعرف أنها ستقلب عالم ابنتها رأسًا على عقب:
_"كيفن، هذه تاليا... أختك من الآن فصاعدًا."
شعرت تاليا أن عينيها ستخرجان من مكانهما.
أختي؟!
كادت تضحك من شدة الصدمة.
هذا الشاب هو آخر شخص في العالم يمكن أن يصبح أخًا لها.
والأسوأ...
أنها تعرف سرًا عنه لم يكن ينبغي لها أن تعرفه أصلًا.
أما كيفن، فظل يحدق بها لثوانٍ.
ثم مال برأسه قليلًا.
وظهرت على شفتيه ابتسامة جانبية غامضة.
.
قال بهدوء:
_"تشرفنا."
تجمدت تاليا أكثر.
كانت نبرة صوته هي نفسها.
ذلك الصوت الذي سمعته قبل قليل.
رفعت حاجبًا دون أن تشعر، ثم قالت ببرود حاولت أن تخفي خلفه ارتباكها:
_"وأنا... كذلك."
لكنها في داخلها كانت تصرخ:
يا للهول.
لقد انتقلت للتو للعيش في منزل الشاب الذي ضبطته يقبل فتاة في الحمام.
ولم تكن المشكلة في ذلك وحده.
المشكلة الحقيقية...
أن هذا الشاب أصبح أخاها الآن.
بعد انتهاء الغداء، لم يتفرقوا كما توقعت تاليا.اقترح فاروق أن يتناولوا الشاي في الصالة المطلة على الحديقة، فانتقل الجميع إليها على مهل، وتوزعوا فوق الأرائك الوثيرة في جلسة عائلية أكثر راحة من مائدة الطعام الرسمية.كانت الصالة في ذلك الوقت من النهار تبدو مختلفة تمامًا.الشمس أخذت تميل تدريجيًا نحو الغرب، وأشعتها الذهبية عبرت الواجهات الزجاجية الكبيرة لتنسكب فوق الأرضية اللامعة، فتنعكس على أطراف الأثاث وعلى الأكواب الزجاجية الموضوعة فوق الطاولة. وكانت الحديقة خلف الزجاج ساكنة إلا من حركة خفيفة لأغصان الأشجار التي تداعبها نسمة باردة.جلست والدة تاليا إلى جوار فاروق، وانشغلا في الحديث عن بعض تفاصيل المنزل والزوار الذين سيأتون خلال الأيام المقبلة، بينما جلست تاليا في الطرف الآخر من الأريكة المقابلة، تحمل كوب الشاي بين يديها وتراقب الجميع دون أن تشارك كثيرًا.أما كيفن وسمر...فقد بدا واضحًا منذ الدقائق الأولى أن وجودهما معًا لا يحتاج إلى أي مجهود.لم يجلس كيفن بعيدًا عنها كما يجلس شخصان يحاولان الحفاظ على مسافة رسمية أمام العائلة.بل ما إن استقرا حتى اقتربت سمر منه بصورة عفوية، وكأن المسافة
شعر كيفن بشيء يشبه القلق يتسلل إلى صدره، لكنه لم يسمح له بالظهور على وجهه.ظل واقفًا في مكانه، محافظًا على ملامحه الهادئة، وإن كانت عيناه قد أصبحتا أكثر حذرًا من قبل. كان يعرف أن كلمة واحدة إضافية من تاليا قد تقلب الموقف كله إلى شيء لا يستطيع السيطرة عليه، لذلك ظل يراقبها بصمت، منتظرًا أن يتضح ما الذي تقصده تحديدًا.أما تاليا، فلم تفهم سبب ذلك الصمت المفاجئ.لم يخطر ببالها أن جملتها البسيطة قد أحدثت كل هذا الارتباك.بل ظنت أنها قالت شيئًا طبيعيًا تمامًا.قالت وهي تبتسم لليان:— أعني، لقد بدا واضحًا أن بينكما علاقة في ذلك اليوم.اتسعت عينا كيفن أكثر.وفي الجهة الأخرى، تقدمت سمر خطوة صغيرة، وقد انعقد حاجباها في حيرة واضحة.— عفوًا؟التفتت تاليا إليها.— ماذا؟قالت سمر ببطء، وكأنها تحاول أن تتأكد من أنها سمعت الكلمات بصورة صحيحة:— ما الذي تقصدينه بأن بينهما علاقة؟نظرت تاليا إليها باستغراب حقيقي، ثم انتقلت عيناها بين سمر وليان.لم تفهم سبب هذه الصدمة.— أليس كذلك؟كان السؤال موجهًا إلى سمر هذه المرة.ابتلعت سمر ريقها، وبقيت تحدق فيها دون أن تعرف ماذا تقول.أما ليان، فبدأت تنظر بين الاثن
لم تكن تاليا قد اعتادت بعد على فكرة أن هذا المنزل أصبح جزءًا من حياتها.حتى الجدران، رغم جمالها، كانت لا تزال تبدو لها كأنها تنتمي إلى حياة امرأة أخرى؛ امرأة أكثر ثراءً، وأكثر ألفةً مع هذا النوع من الرفاهية، تعرف أي باب يقود إلى أي غرفة، وأي درج يخفي خلفه ماذا، وأي وجه من الوجوه التي تمر في الممرات يستحق ابتسامة وأيها لا يستحق حتى الالتفات.ومع ذلك، في ذلك الصباح تحديدًا، قررت تاليا أن تتوقف عن التصرف وكأنها ضيفة مؤقتة.كانت واقفة أمام المرآة الكبيرة في غرفتها، بينما تناثرت فوق السرير عدة قطع من الملابس التي أخرجتها من خزانتها دون أن تعرف في البداية أيًّا منها ستختار.ثم استقرت عيناها على فستان ناعم بلون أزرق فاتح، يصل إلى ما أسفل ركبتيها بقليل، ينسدل على جسدها بانسيابية هادئة دون أن يكون ضيقًا أو مبالغًا في إظهار تفاصيله.كان تصميمه بسيطًا، لكن بساطته زادت من أناقته.فتحة عنقه مستديرة، وأكمامه قصيرة تنتهي عند أعلى ذراعيها، بينما حزام رفيع يلتف حول خصرها ليحدد تناسق جسدها دون ابتذال. كانت ساقاها متناسقتين مع طولها المتوسط، وجسدها يحمل امتلاءً أنثويًا رقيقًا لا يخلو من الرشاقة، كما بدا
كانت تاليا تجلس إلى جوار والدتها في المطبخ، وقد بدا المكان مختلفًا تمامًا عن أي مطبخ عرفته في حياتها.لم يكن مجرد غرفة لإعداد الطعام، بل مساحة واسعة أقرب إلى مطبخ فندق فاخر؛ خزائن طويلة بلون عاجي تمتد على الجدران، وأسطح رخامية ناصعة لا تكاد تحمل بقعة واحدة، وأجهزة حديثة موزعة في أماكنها بعناية شديدة، حتى إن كل شيء بدا وكأنه وُضع وفق مخطط دقيق لا يسمح لشيء بأن يخرج عن موضعه.كانت عدة خادمات يتحركن في المكان بهدوء.إحداهن تقطع بعض الخضروات فوق لوح خشبي، وأخرى تقف أمام الموقد تراقب قدرًا يغلي على نار هادئة، بينما كانت ثالثة ترتب الأطباق التي ستُنقل إلى غرفة الطعام لاحقًا.أما والدتها، فكانت تقف بالقرب من منتصف المطبخ، تتابع كل شيء بعين دقيقة.لم تكن بحاجة إلى رفع صوتها، ولم تكن مضطرة إلى تكرار أوامرها.كانت تكتفي بإشارة صغيرة من يدها أو ملاحظة هادئة، فتفهم الخادمة ما تريده فورًا.قالت وهي تشير إلى مجموعة من الأطباق التي كانت إحدى الخادمات تحملها:_"لا تضعي هذه الأطباق في الخزانة الرئيسية، بل رتبيها في الخزانة الجانبية؛ فالسيد فاروق يفضل أن تكون أدوات الإفطار قريبة من غرفة الطعام."ثم الت
في صباح اليوم التالي، غادرت تاليا فراشها وهي تشعر وكأنها لم تنم أصلًا.لم تحظَ سوى بساعات قليلة من النوم المتقطع؛ استيقظت أكثر من مرة خلال الليل دون سبب واضح، وفي كل مرة كانت تحدق في سقف الغرفة الغريب للحظات قبل أن تتذكر أين هي.في بيت جديد.غرفة جديدة.حياة جديدة لم تطلبها.والأسوأ من ذلك كله...جارها الجديد في هذا المنزل.كيفن.ذلك الأحمق الذي استطاع خلال ساعات قليلة أن يستفزها إلى الدرجة التي جعلتها تحطم كأسًا فوق رأسه.رفعت يدها إلى وجهها، ومسحت عينيها المتعبتين، ثم جلست على طرف السرير.كانت خصلات شعرها البندقي قد تناثرت حول وجهها أثناء النوم، وبعضها التصق بخدها، بينما بدت ملامحها شاحبة قليلًا من الإرهاق.تثاءبت، ثم نهضت بتثاقل.لم تكن لديها طاقة للبحث عن ملابس أنيقة، لذلك ارتدت سروالًا بيتيًا داكنًا واسعًا، وكنزة من القماش نفسه بلون قريب، فضفاضة بما يكفي لتجعلها تشعر بالراحة.جمعت شعرها على عجل، ثم تركته ينسدل من جديد حين لم يعجبها شكله، فاكتفت بأن أبعدت بعض الخصلات عن وجهها بأصابعها.نظرت إلى نفسها في المرآة._"ممتاز... أبدو كمن خاض حربًا."ثم تذكرت أنها خاضت حربًا بالفعل.مع ك
حاولت تاليا أن تنام، لكن النوم كان آخر شيء يفكر في الاقتراب من عينيها.تقلبت تحت الغطاء أكثر من مرة، وسحبت الوسادة أسفل رأسها، ثم دفنت وجهها فيها محاولة أن تخنق أفكارها، لكن الغرفة الجديدة ظلت تفرض نفسها عليها بكل تفاصيلها الغريبة.رائحة المكان لم تكن رائحتها.السرير لم يكن سريرها.حتى صوت الرياح وهي تضرب زجاج النافذة بدا مختلفًا.كان كل شيء مرتبًا بصورة مثالية، هادئًا بصورة جعلت الصمت نفسه يبدو ثقيلًا، وكأن الجدران لا تزال تراقبها، تنتظر منها أن تعترف بأنها غريبة عن هذا المكان.فتحت عينيها.حدقت في السقف للحظات، ثم زفرت بضيق ونهضت من فراشها.لم تعرف ماذا تريد أن تفعل، لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا...أنها لا تستطيع البقاء هنا.اقتربت من حقائبها الموضوعة بجوار الخزانة، وبدأت تقلب محتوياتها بلا هدف؛ فستان هنا، قميص هناك، ثم بعض الكتب التي ألقتها في حقيبتها على عجل.إلى أن توقفت يدها.تسللت أصابعها إلى قاع إحدى الحقائب، وتحسست شيئًا صلبًا أخفته بعناية بين طبقات الملابس.سحبت الحقيبة الصغيرة.جلست على الأرض، وأسندت ظهرها إلى طرف السرير، ثم فتحتها بحذر.أخرجت إطارًا صغيرًا كانت قد لفّته بق







