LOGINتلا خروج ايغور صمت طويل حلّ على المكتب... صمت لم تقطعه سوى زفرة أوغست، وهو يلعن تحت أنفاسه ويمرر عينيه بين الباب وبين المحفظة وجواز السفر المتروكين على مكتبه... مرر إبهامه على شفته، يمسح قطرات الدماء التي نزفت، قبل أن يهز رأسه بقلة حيلة ويلتقط جواز السفر ويفتحه... حدق في صورتها بشرود... ولأول مرة، يصعب عليه تحديد الصواب من الخطأ... لا يملك أي فكرة إن كان ما سيفعله الآن يُعد تهورًا أم جنونًا... كلاهما سيئ... وكلاهما لا يناسبان أوغست... لكن، مع ذلك، لم تراوده رغبة في التراجع... لأنه يدرك معنى تلك النظرة في عيني خاله... ويدرك حجم الندم الذي ينهشه من الداخل... ربما هو لا يعرف بعد لماذا فعل إيغور ذلك... لكن إن كان هناك شيء واحد هو متأكد منه... فهو حتمًا أن لدوروس أكاردي يدًا في هذا... فلا يوجد فرد من الأكاردي تدمرت حياته إلا وكان لزعيم الأكاردي دور مباشر في ذلك... لذلك لم يستطع حقًا أن يكره خاله، فهو يدرك أن إيغور ضحية، وسيسي ضحية أيضًا... وكل منهما يجب أن يعود إلى الآخر... لأجلهما... ولأجل الطفل الذي يحتاج إلى والديه مجتمعين... وذلك... ذلك كان السبب الوحيد الذي جعله
لثوان عديدة لم يرد ايغور بل حدق في اوغست بصدمة... حاول قدر الامكان منع نفسه من منح اوغست رد الفعل الذي يريده... فهو كان يدرك ان ابن اخته يحاول استفزازه لا أكثر، لكن صوته خرج بحدة حين نطق : « لا تتحاقر عليّ الآن، لقد رأيت بوضوح كيف كنت تستشيط غضبًا بعد أن تحدثت في هذا الخصوص مع سيسيليا». «وإذن؟ هذه الخلافات تحصل، ربما غيرت رأيي؟ وهذا أمر بيني وبينها. ثم إن سيسي فتاة جميلة وذكية وطموحة جدًا، وهذا يتناسب جيدًا مع معاييري... ألن يكون الزواج المزيف من سيسي أكثر نفعًا من الزواج المزيف من ابنة القاضي؟» كان يتحدث بكل ثقة، بنبرة هادئة وابتسامة مستفزة، ومع كل كلمة كان يتقدم نحو إيغور، ومع كل خطوة كان إيغور يضغط على قبضته أكثر. «فكر في الأمر يا خال... سيسي وأنا صديقان منذ الطفولة، ربما لا يمكن إنشاء علاقة زوجية بيننا، لكننا سنكون شريكي سكن مثاليين، ولن يصعب علينا تمثيل دور الزوجين أمام الجميع، في حين تبقى علاقتنا ضمن الحدود نفسها المعتادة. ما رأيك؟» «سيسي من عائلة أكاردي... أوغست». «وما المشكلة؟ أليست والدتي من عائلة أكاردي؟» «كلانا يعلم أن فيكتوريا ليست والدتك يا أوغست... وكلانا ي
«أماليا، ما الذي تفعلينه بحق الجحيم؟ هل جُننتِ؟!» وصلها صوت سيسي وهي تمسك ذراعها، تمنعها من القيام بتلك الحركة الغبية، فردت الأخرى بتحجج: «سيسي، الحقيبة! لقد تركتها في الفندق، عليّ الذهاب لإحضارها بسرعة». «حسنًا، اهدئي، سنذهب معًا، لكن دعيني أنادي الممرضة أولًا و...» «لا يمكنني الانتظار! الممرضة... عليّ الذهاب بسرعة، ربما أفقد حقيبتي أيضًا، عندها سيكون أمري قد انتهى فعليًا». كانت تتحدث وقد تمكنت بالفعل من إزالة الإبرة رغم محاولة سيسي منعها، واتجهت إلى خزانة المستشفى تفتحها، فوقفت سيسي بدورها والتقطت معطفها من الكنبة، وأردفت: «حسنًا، إذن سأذهب معكِ، لا يمكنني ترككِ وحدكِ في هذه الحالة». «ولكن...» «لا تحاولي حتى الاعتراض... غيّري ملابسكِ بينما أذهب لتوقيع أوراق خروجكِ». نطقت كلماتها تلك بحزم، ودون ترك مجال لأماليا حتى تعترض، خرجت من الغرفة بعد ارتداء معطفها وأغلقت الباب، تاركةً أماليا واقفة في مكانها قبل أن تطلق تنهيدة بقلة حيلة وتتمتم: «عنيدة...» ~ ~ ~ قصر عائلة دي لورنتيس | جناح أوغست: تردد صوت ارتطام بسطح المكتب، لم يحرك شعرة من رأس أوغست الجالس على مقعده، م
صباح اليوم التالي | المستشفى كان فراشها لا يزال فارغًا، فهي لم تنم عليه أبدًا، فقد قضت ليلتها على الأريكة... كان يومها الأول هنا، وللآن لم تحصل على أي قسط من الراحة، فالنوم لم يزر عينيها إلا لدقائق قليلة قبل الفجر... وها هي الشمس تلوح بأطرافها على خصلاتها العسلية، تجعلها تميل إلى لون الذهب، في حين تجعل خصلات صديقتها النارية تميل إلى لون الحديد المنصهر... كلتاهما كانتا نائمتين على الكنبة، سيسي مريحةً رأسها على كتف أماليا، وأماليا مريحةً رأسها على رأس سيسي... أخذهما النعاس بعد ليلة من الهدوء، إذ منذ رحيل إيغور لم تنطق سيسي بحرف... بخلاف صوت أجهزة المستشفى، حلّ هدوء تام على الغرفة، هدوء لم يقطعه إلا صوت رنين هاتف أماليا... هي بالكاد نامت ساعة ونصف، لذلك كشّرت بمجرد مقاطعة رنين هاتفها لأحلامها... لم تفتح عينيها، بل امتدت يدها على الكنبة متحسسةً مكان الهاتف، وعندما وجدته ردّت دون أن ترى المتصل، ورفعت الهاتف إلى أذنها وعيناها مغمضتان. «أماليا، بحق الجحيم، لماذا تأخذين وقتًا طويلًا للرد على هاتفك؟ لقد أقلقتني عليكِ!!» وصلها صوت إيلودي عبر الهاتف بنبرة متذمرة كالعادة، لكن ال
أمام بوابة المستشفى: كان يسير بخطوات سريعة عبر ذلك الرواق، متجهًا إلى بوابة المستشفى. خرج، وبخطوات متعجلة اتجه نحو سيارته مفتوحة السقف، ودون فتح الباب انحنى ومد يده إلى درج السيارة، يفتحه ويفتش فيه على عجلة من أمره، قبل أن تتسع حدقتاه أخيرًا عندما وجدها... إنها هي... محفظة أماليا... أخرج المحفظة وفتحها، وأخرج جواز السفر وقرأ اسمها الكامل... بنديتو... ذلك هو لقبها... بنديتو بحق الجحيم! إنها ابنة القاضي بنديتو... كيف لم يخطر له ذلك من قبل؟... كيف لم يفكر في ذلك! كيف لم يتذكر ذلك الاسم! بل وكيف لا يتذكره! إنه هو القاضي بنديتو... الرجل الغريب الذي لا يعرف حقيقته إلا قلة من الأكاردي... الرجل الوحيد الذي لا أحد يعرف حتى الآن ما علاقته بالأكاردي... والرجل الوحيد... الذي سُمح له بدخول مجلس الأكاردي... للحظات تجمد مكانه، وسقطت المحفظة من بين يديه لتقع على مقعد السيارة، فيما استند بيده على نافذة السيارة ومرر الأخرى في خصلات شعره، وهو يحدق في الفراغ بصدمة... «إنها... إنها هي...» خرجت الكلمة من بين شفتيه، تلتها زفرة أشبه بضحكة مصدومة، فيما يحدق في الفراغ وقد مر أمام
في تلك اللحظة، رنّ في رأسي صوت أغاثا وهي تخبرني عن قصة تلك الجزيرة... جزيرة الأكاردي... لقد مات والدي على جزيرتهم... ودفنوه في مقبرتهم... وإلى الآن، ما زلت لا أعرف هوية قاتل والدي... لكن... ما الذي يضمن لي ألا يكون من قتله واحدًا منهم... واحدًا من الأكاردي؟... بحسب كلام أغاثا، فقد كان والدي مقربًا جدًا من تلك العائلة، إذن فهم ليسوا أعداءه... لكنني، مع ذلك، لم أستطع أن أثق بأحد في تلك اللحظة، لذلك قررت تغيير الموضوع، وفركت عنقي بتوتر، بينما أردف: «آه، في الواقع، لا أظن أنك تعرفه أصلًا، فقد توفي منذ كنت صغيرة، لذلك من الطبيعي أنك لم تلتقِ به...» «فهمت. على أي حال، هذا لا يلغي ارتباطك بالقانون. إنه قاسم مشترك بينك وبين ابن أختي... أوه، بالمناسبة، نسيت سؤالك عن اسمك». «أماليا... أماليا كلير». أجبته بعفوية. لا أظن أن اسمي سيشكل مشكلة، فأنا أصلًا لا أستخدم اسم عائلة والدي، وكل الفضل يعود إلى زوجة القاضي التي فسخت اسمه من هويتي... لذلك اعتقدت أنه لا بأس... لكن رد فعل ذلك الأشقر لم يكن يبشر بأي خير، فقد تغيرت ملامحه بالكامل لمجرد ذكر اسمي، وللحظات ظل يحدق بي... وحين أقول يحدق،







