تسجيل الدخولفي عالمٍ لا يعرف الرحمة، حيث تُكتب القرارات بالدم وتُمحى الأسماء بجرة قلم، كان سالم زعيمًا لا يهتز، رجلًا صنعته الخيانة كما يصنع النار الحديد. لثلاث سنوات، عاش وحيدًا مع ذكرى واحدة تطارده كل ليلة: جثة أخيه الأصغر، وخيانة عائلة وثق بها ذات يوم. حين يجد أخيرًا من يستحق دفع الثمن، لا يختار الرصاصة السريعة ولا القبر الهادئ. يختار عقابًا أبطأ وأقسى: يتزوج شهد، الفتاة التي لم تختر شيئًا من ماضي عائلتها، ليجعلها تعيش كل يوم تحت سقفه، أسيرة اسمٍ لم يعد لها فيه صوت ولا قرار. لكن ما بدأ كخطة انتقام محكمة، سرعان ما يتحول إلى شيء لم يخطط له سالم أبدًا. فكل يوم يقضيه في مراقبتها وكسرها، يكتشف فيها ما لم يتوقعه: قوة صامتة لا تنكسر، وعينين لا تعرفان الاستسلام. والهوس الذي كان يظنه انتقامًا، يبدأ يتسلل إلى قلبه من حيث لا يدري. بين رجل قرر ألا يرحم، وامرأة قررت ألا تُهزَم، تدور رواية عن الحدود الرفيعة بين الكراهية والرغبة، بين العقاب والهوس، وبين الانتقام والحب الذي يُولد أحيانًا من رماد الألم نفسه. "انتقام من امرأة" — حين يصبح السجّان أسيرًا، وتصبح الضحية هي من تملك المفتاح.
عرض المزيدكان الليل قد أسدل ستاره على الميناء المهجور، حيث تتراقص أضواء البواخر البعيدة على سطح الماء الأسود كأنها جروح ملتهبة في خاصرة الظلام. الهواء المالح يحمل رائحة الصدأ والوقود، ومن بعيد تسمع صرخات النوارس وقد أيقظها عواء محركات الشاحنات القادمة من الطريق الترابي.
وقف سالم على الرصيف الإسمنتي، معطفه الطويل يتمايل مع الريح، وعيناه الرماديتان تتبعان الشاحنة الثالثة وهي تصطف خلف الشاحنتين الأوليين. كان رجاله ينتشرون حوله في صمت عسكري، كل واحد منهم يعرف مكانه تمامًا كما لو كانوا قطعًا على رقعة شطرنج لا تحتمل خطأً واحدًا. ثلاث شاحنات محمّلة بالسلاح، صفقة من العيار الثقيل مع عائلة "الريان" التي تتحكم في الموانئ الجنوبية، وصفقة كهذه تعني أكثر من المال، إنها تعني النفوذ، والنفوذ في عالم سالم ليس رفاهية، بل هو الهواء الذي يتنفسه. أشعل سيجارته ورفع رأسه إلى السماء. كان القمر بدرًا، لكنه بدا له الليلة شاحبًا، كأنه يعرف شيئًا لا يقوله. شعر سالم بوخز في صدره، ذلك الوخز الذي لطالما أنذره بأن الأمور لن تسير كما خُطط لها. لكنه لم يكن رجلًا يؤمن بالهواجس، بل بالمنطق والقوة. التفت إلى يوسف، مساعده الأيمن، وقال بصوت خفيض: · يوسف، تأكد من أن الرادارات الشمالية مغلقة. لا أريد مفاجآت من البحر. · تم يا زعيم، رد يوسف بانحناءة خفيفة وابتعد نحو سيارة الاتصالات. سالم نظر إلى الحاويات المتراصة خلف المستودع القديم، حيث سيجري التبادل. كان قد اختار هذا المكان بعناية: ميناء مهجور منذ عشر سنوات، لا كاميرات، لا دوريات، ولا حتى صيادين في هذا الوقت من الليل. لكن في عالمه، كل اختيار هو مقامرة، وكل مقامرة يمكن أن تتحول إلى مقبرة. تقدمت سيارة سوداء من الجهة المقابلة، تلتها سيارتان دفع رباعي. خرج منها رجل في الخمسينيات بشارب كثيف وبدلة أنيقة، يحيطه أربعة من حراسه. إنه "حسن الريان"، شريك الصفقة. تبادل الرجلان نظرة هادئة، ثم تصافحا ببرود محسوب. · سالم، قال حسن وهو يبتسم ابتسامة لا تصل إلى عينيه، يبدو أنك جلبت نصف جيشك. ألا تثق بي؟ · أنا لا أثق إلا في الموت، رد سالم بابتسامة باردة، لكنني أحترم من يحترم الصفقة. أين المال؟ · أولًا، دعنا نتأكد من البضاعة. الذهب لا يُدفع على كلام فقط. رفع سالم ذقنه قليلًا، فأشار يوسف بيده. فُتحت أبواب الشاحنة الأولى، وبدأ رجال الطرفين في فحص الصناديق الخشبية. كان الجو مشحونًا بالصمت، لا يقطعه إلا صرير المسامير وصوت احتكاك الصناديق بالأرض. سالم راقب حسن من طرف عينه، ولاحظ أن أصابع الرجل ترتجف قليلًا وهو يمسح شاربه. ربما من البرد، أو ربما من شيء آخر. وفجأة، انكسر الهدوء. صوت رصاصة واحدة، ثم أخرى، ثم انفجار رشاش من أعلى المستودع. سقط أحد رجال سالم على الأرض غارقًا في دمه. ثم جاءت موجة ثانية من الطلقات من خلف الحاويات. أدرك سالم في جزء من الثانية أنهم وقعوا في كمين محكم. · خيانة! صرخ يوسف وهو يسحب مسدسه ويطلق النار باتجاه مصدر الرصاص. سالم لم يتردد. أخرج سلاحه من حزامه، وانحنى خلف سيارة قريبة، وعقله يعمل بسرعة البرق. من خان؟ حسن؟ أم أحد رجاله؟ لكن لم يكن هناك وقت للتحليل، فالرصاص يتطاير من كل اتجاه، ورجاله يسقطون واحدًا تلو الآخر. زحف سالم نحو يوسف الذي كان يرد النيران بشراسة، وقال له: · انسحب نحو الشاحنة الثانية. سنستخدمها كدرع. وأمر الجميع بالتراجع إلى الواجهة البحرية. · لكن البضاعة... · انسَ البضاعة! البقاء أولًا. حاول سالم التقدم، لكن قذيفة آر بي جي انطلقت من سطح المستودع وضربت الشاحنة الأولى، فانفجرت في كرة نارية هائلة أضاءت الميناء كله. شعر سالم بحرارة الانفجار تحرق وجهه، وقذفته قوة الانفجار على الأرض. أذناه بدأتا بالطنين، وعيناه غطاهما الدخان الأسود.في تلك الليلة، لم يظهر سالم على العشاء. جلست شهد وحيدة على الطاولة الطويلة، تأكل قليلًا، وتحدق في الشموع المضاءة. كانت أمينة تقف قرب الباب، صامتة. · أين سالم؟ سألت شهد. · في مكتبه يا سيدتي. لم يخرج منذ الظهر. · هل يحدث هذا كثيرًا؟ · أحيانًا. عندما يكون غاضبًا أو... متضايقًا. · ما الفرق بين الغاضب والمتضايق في عالمه؟ ابتسمت أمينة ابتسامة حزينة: · الغاضب يصرخ ويأمر. المتضايق يصمت ويختفي. شعرت شهد بشيء يتحرك في صدرها. لم تكن تريد أن تشعر بالقلق عليه. لكنها كانت كذلك. بعد العشاء، صعدت إلى غرفتها، واستحمّت، وارتدت ثوب نوم بسيطًا. جلست على السرير، وعيناها على الباب. مرت ساعة، ثم ساعتان، ولم يأتِ سالم. قررت أن تنزل. تسللت إلى الطابق الأرضي، ورأت ضوءًا خافتًا من تحت باب المكتب. ترددت، ثم طرقت الباب بلطف. · ادخلي، جاء صوته مبحوحًا. فتحت الباب، فوجدته جالسًا خلف المكتب، القميص مفتوحًا من الأعلى، والغرفة مليئة برائحة التبغ. كان يحدق في ورقة أمامه، دون أن يرفع عينيه. · ماذا تريدين؟ قال دون أن ينظر إليها. · جئت لأرى إذا كنت ستأتي للعشاء. · لست جائعًا. اقتربت شهد خطو
وفجأة، قال أبو رعد بصوت عالٍ وكأنه يريد إحراج سالم: · هناك من يقول إن الكيالي يخططون لاستعادة "وديعة" من عائلة الحلبي. ربما يقصدون زوجتك الجميلة. تجمد سالم. نظر إلى شهد بطرف عينه، ثم قال: · ومن يقول هذا؟ · مصادر. لكن السؤال: هل أنت مستعد لحرب من أجل فتاة؟ · أنا مستعد لحرب من أجل كرامتي. وشهد ليست وديعة لأحد. إنها زوجتي. شعرت شهد بنظرات الرجال تتغير نحوها. شعرت بالخوف، لكنها أيضًا شعرت بيد سالم تلامس ظهر كرسيها، كأنها حاجز صامت. · هل تسمح لي أن أتحدث؟ قالت شهد فجأة. التفت إليها الجميع بدهشة. أما سالم فقد نظر إليها بعينين ضيقتين: · لا داعي. · أعتقد أن لي الحق. أنا موضوع الحديث. كان صوتها هادئًا لكنه ثابت. تحدت نظرة سالم، ثم التفتت إلى الرجال: · أنا لا أفهم عالمكم. لكنني أفهم شيئًا واحدًا: أنا هنا رغم إرادتي، وأصبحت جزءًا من هذا البيت. ومن يريد أن يؤذيني، فعليه أن يعرف أن سالم العتيبي لا يترك أحدًا يمس ما يخصه. صمتت القاعة. ثم ابتسم أبو رعد ببطء، وقال: · كلام امرأة شجاعة. لكن الشجاعة في عالمنا قد تكون حبلًا يُشنق به صاحبها. · الشجاعة أفضل من الجبن، ردت شهد.
بزغ الفجر على قصر سالم، والضباب الخفيف يلف الحديقة كأنه سر لم يُكشف بعد. كانت شهد مستلقية على السرير، عيناها مفتوحتان على السقف، وجسدها متعب من ليلة أرق طويلة. لم يعد سالم إلى السرير منذ أن خرج إلى الشرفة، وكانت تسمع أحيانًا صوت خطواته الهادئة على البلاط، وأحيانًا صمتًا أعمق من أن يُحتمل. نهضت شهد ببطء، وجسدها يشعر بثقل الحزن والغضب معًا. سارت نحو النافذة، وسحبت الستارة قليلًا، فرأت الشرفة المجاورة فارغة، إلا من كرسي هزاز يتحرك بفعل الريح، ومنفضة مليئة بأعقاب السجائر. كان قد جلس هناك طوال الليل، يشرب سُمَّه بصمت. عادت إلى السرير، وجلست على حافته، تضم ركبتيها. كانت تفكر في الكابوس الذي رأته، وفي صرخته التي مزقت هدوء الفجر: "لا! لا تقترب منها!" من تكون "هي"؟ من الذي يقترب؟ وأي جرح قديم يحمله هذا الرجل خلف قناعه الفولاذي؟ سمعت طرقًا خفيفًا على الباب، فدخلت أمينة حاملة صينية الإفطار. وضعتها على الطاولة القريبة من النافذة، وقالت بصوت خافت: · صباح الخير يا سيدتي. السيد طلب أن تأكلي جيدًا اليوم. · لماذا؟ هل يخطط لشيء جديد؟ ترددت أمينة، ثم قالت: · سيكون هناك اجتماع مهم في القصر
في المساء، كان سالم قد عاد إلى القصر قبل الغروب. كان مرهقًا، لكن عينيه تحملان نفس البرود. دخل غرفته وخلع ملابسه، ووقف تحت الماء الساخن طويلاً، ثم ارتدى ملابس أنيقة: قميص أسود وبنطال قاتم. اتصل بأمينة ليخبرها أن تجهز شهد للعشاء. في غرفة شهد، كانت أمينة تختار فستانًا آخر: هذه المرة أزرق داكنًا طويلًا بسيطًا. لكن شهد قالت: · سأرتديه. لكن لا أريد مكياجًا. ولا تصفيفًا. · لكن السيد يفضّل أن تبدين أنيقة. · السيد لا يملك وجهي. ذهبت أمينة بلا كلام. نزلت شهد إلى غرفة الطعام الصغيرة في الجناح الشرقي، حيث وُضعت طاولة مستديرة بشموع مضاءة. كان سالم جالسًا هناك، ينتظر. عندما دخلت، رفع عينيه. رأى فستانها الأزرق، وشعرها المنسدل بلا تصفيف، ووجهها الخالي من المساحيق. شعر بشيء غريب في صدره، لكنه ابتلع الأمر. · اجلسي. جلست أمامه. بدأ العشاء في صمت. كان الطعام فاخرًا: لحم مشوي، أرز معطر، مقبلات متنوعة. لكن شهد لم تأكل إلا القليل. كانت تحدق في الطبق، وتشعر أن كل لقمة تعلق في حلقها. كسر سالم الصمت: · لماذا لا تأكلين؟ الطعام جيد. · لا جوع لي. · ستأكلين حتى لو لم تشتهي. أنا لا أحب الهزيلات. نظرت