LOGINانتهى الغداء أخيراً. انتهت آخر لقمة. انتهت آخر رشفة. انتهت آخر كلمة من والدة أريان وهي تقول: «هل تريدون حلوى؟ صنعت كعكة بالشكولاته». وانتهى كل شيء. وقفت. وضعت الملعقة. ومسحت فمي بالمنديل. ووقفت. وأنا على وشك الإصابة بعسر هضم حقيقي بسبب هذا الموقف المزعج. بسبب كل لقمة ابتلعتها وأنا لا أشعر بطعمها. بسبب كل ثانية جلست فيها ويداه تحت الطاولة تعتصران يدي. بسبب كل نظرة من زياد. بسبب كل ابتسامة من والدة أريان. بسبب كل صمت من أريان.
وشعرت بشيء أسوأ من عسر الهضم. شعرت بشيء فيوقفت متجمدة وسط المطعم الراقي، وعيناي معلقتان بالطاولة التي جذبت نظري فجأة. طاولة مستديرة في الزاوية البعيدة، تتوسطها شمعة واحدة تذوب ببطء، وثلاثة كؤوس لامعة تعكس ضوءها الخافت. رأيت يوسف جالساً هناك، يضحك بمرح، ضحكة عالية بدت غريبة وسط هدوء المكان. لكن الصدمة لم تكن في وجوده، ولا في ضحكته، بل في الشخص الجالس أمامه مباشرة. تالا. لم أتحرك. ثبّتُّ عيني عليها، وشعرت بشيء بارد يستقر في صدري. كانت تجلس بثقة وأناقة، فستان أسود طويل يكشف كتفيها، شعرها مصفف بعناية، وابتسامة على ليوسف وكأن شيئاً لم يحدث بيننا. وكأنها لم تكن المرأة التي وقفت في أحد أقسى أيام حياتي، وكأنها لم تجمع لي المال يوماً وكأنها تمنّ عليّ به. حدقت بها، أحاول استيعاب المشهد. كيف جلسا معاً؟ هل يعرف يوسف شيئاً؟ هززت رأسي بسرعة. لا، بالتأكيد لا يعرف. بالنسبة إليه، تالا مجرد صديقة قديمة لأخته. *
كان رجل عند البوابة ينظر إليّ، منتظراً أن أتقدم. رفعت يدي إلى حقيبتي، عدلت حزامها فوق كتفي، وتقدمت بخطوات مترددة. كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، يقف باستقامة أمام الباب، وبدا معتاداً على استقبال أشخاص يعرفون تماماً إلى أين يذهبون. أما أنا فكنت الوحيدة التي تقف أمامه كأنها وصلت إلى المكان الخطأ. «مساء الخير آنسة. هل لديكِ حجز؟» «أنا...» نظرت خلفه إلى الداخل، ثم عدت أنظر إليه. «أنا هنا لحفلة خاصة.» رفع حاجبه قليلاً. «اسم الحجز؟» «لا أعرف.» توقفت لحظة، ثم أضفت بسرعة: «أخي هو من دعاني. اسمي سيلين.» مرّر إصبعه على قائمة أمامه، ثم أومأ. «نعم، سيلين. تفضلي. الطاولة الثالثة على اليمين.» دخلت، ثم توقفت. حدقت أمامي، رمشت مرة، ثم مرة ثانية. لم يكن هناك شيء يشبه الحفلة التي تخيلتها. لا موسيقى صاخبة، لا أضواء ملونة، لا شباب يصرخون في كل زاوية. كان المكان مطعماً راقياً بصورة تكاد تكون مبالغاً فيها، شموع صغيرة تتوسط الطاولات، إضاءة دافئة خافتة تنعكس على الزجاج والكؤوس
بعد مرور دقائق على خروجي، كنت أمشي في حي الأغنياء بخطوات هادئة، أحاول أن أبدو وكأن لدي سببًا حقيقيًا للسير هنا. لم أبتعد عن بوابة منزل عائلة أريان إلا بعد أن أغلقتها خلفي بنفسي. كانت والدته قد حاولت إيقافي عند الباب أكثر من مرة. «سيوصلكِ السائق.» «لا داعي، سأذهب مشيًا.» «سأطلب منه أن ينتظركِ عند الباب.» «حقًا لا داعي.» وفي النهاية لم أجد مخرجًا إلا أن أخبرها بأنني سأقابل صديقتي في مكان قريب، ولا أريد أن أزعج أحدًا بتوصيلي. لم تقتنع تمامًا، لكنها تركتني أذهب. والآن، ها أنا أمشي وحدي. نظرت إلى المنازل المحيطة بي. قصور واسعة بأسوار عالية، بوابات حديدية ضخمة، حدائق تمتد خلفها إلى مسافات لا يمكن رؤيتها من الطريق. حتى السيارات المركونة أمام البيوت بدت وكأنها تنتمي إلى عالم آخر. مررت بجانب سيارة سوداء لامعة، فظهر وجهي للحظة على زجاجها.
لم يتحمل أريان كلامي وتمثيلي السخيف، فقال بسرعة وبسخرية مبطنة لم يفهمها سواي وأنا الوحيدة التي تعرف ما يقصده حقاً: «أبي، زوجتي لطيفة ومراعية جداً، فهي دائماً ما تتفقد أحوال الجميع.. حتى صديقها!» شعرت بكلمة صديقها كإبرة تغرز في جلدي، إبرة صغيرة لا يراها أحد لكنها تحرقني أنا فقط، لأنني عرفت أنه يقصد شيئاً آخر تماماً، عرفت أنه يقول لي بطريقته الخاصة: أعرف أنه ليس صديقاً، أعرف كل شيء، وأنتِ تكذبين على أبي وأمي وأنا أجلس هنا وأستمع وأصمت ثم جاءت والدة أريان وهي تقول بحزن وتعب واضح ممزوج بقلق حقيقي على وجهها المتعب: «يا إلهي، لقد أودعت صديقك يا سيلين عزيزتي بعهدة السائق ليذهب به إلى المستشفى، لقد كانت حالته سيئة بشدة، لقد رأيت آثاراً حمراء على رقبته، ربما حقاً لديه حساسية شديدة، المسكين!» كادت نوبة من الضحك الهستيري تفجر صدري وأنا أحاول كبحها بكل ما أوتيت من قوة، ضحك على الآثار الحمراء التي رأتها على رقبته وهي لا تعرف أنها آثار أصابع ابنها، ضحك على كلمة المسكين التي وصفت بها رجلاً كاد ابنها أن يقتله قبل ربع ساعة، ضحك على كل هذا العبث الذي أعيش
حين أنهى أريان كلامه، رفع إصبعه وطرق به جبهتي طرقة خفيفة. لم تؤلمني، لكنني تجمدت للحظة، ثم رفعت يدي إلى المكان الذي لامسته أصابعه، أتحسس دفئاً لا يزال عالقاً هناك. في عينيه تلك النظرة التي تقول إنه يعرفني أكثر مما ينبغي لأحد أن يعرف. تمتمت وأنا أفرك جبهتي: «حسناً، معك حق. كنت أفكر فقط في اليوم المناسب لزيارتك في السجن. صباحاً وأنا أحضر لك الفطور، أم بعد الظهر وأنا أحضر لك الغداء؟» فتح فمه ليرد. لكن قبل أن تخرج الكلمة، جاء صوت والدته من طرف الحديقة، مذعوراً: «يا إلهي! ماذا بك يا زياد؟» استدار أريان بسرعة. تبعته بنظري، فرأيت زياد واقفاً قرب الطاولة، يمسك كأس الماء بكلتا يديه تقريباً، يشرب بسرعة حتى كاد يختنق بالماء نفسه، وقطرات منه تتساقط على قميصه. وجهه محمرّ، أنفاسه متقطعة. اقتربت منه والدته، قلقة: «ماذا حدث؟ لماذا وجهك محمر هكذا؟» أعاد الكأس إلى الطاولة، مسح فمه بظهر يده. «لا تقلقي يا سيدتي... فقط لدي حساسية شديدة من أزهار الحديقة.» توقف يلتقط أنفاسه. «وأشعر بقليل من الاختناق.»
انتهى الغداء أخيراً. انتهت آخر لقمة. انتهت آخر رشفة. انتهت آخر كلمة من والدة أريان وهي تقول: «هل تريدون حلوى؟ صنعت كعكة بالشكولاته». وانتهى كل شيء. وقفت. وضعت الملعقة. ومسحت فمي بالمنديل. ووقفت. وأنا على وشك الإصابة بعسر هضم حقيقي بسبب هذا الموقف المزعج. بسبب كل لقمة ابتلعتها وأنا لا أشعر بطعمها. بسبب كل ثانية جلست فيها ويداه تحت الطاولة تعتصران يدي. بسبب كل نظرة من زياد. بسبب كل ابتسامة من والدة أريان. بسبب كل صمت من أريان. وشعرت بشيء أسوأ من عسر الهضم. شعرت بشيء في صدري. شيء لا أعرف كيف أسميه. شيء يقول: أنتِ خائنة. أنتِ تجلسين مع حبيبكِ السابق على طاولة زوجكِ. أنتِ تأكلين من طعام حماكِ وأنتِ تحملين سراً. أنتِ تكذبين على الجميع. أنتِ لستِ بريئة. أنتِ لستِ نظيفة. أنتِ خائنة. رغم أنني لست كذلك أبداً. رغم أنني لم أخن أحداً. رغم أنني لم أفعل شيئاً. رغم أنني كنت ضحية صدفة لعينة. رغم أنني لم أدعُ زياد ولم أخطط لشيء ولم أريد أي شيء من هذا. لكنني شعرت بذلك. شعرت أنني خائنة. وشعرت أنني سأحمل هذا الشعور طويلاً. طوي







