INICIAR SESIÓNما إن خطت روز خارج الغرفة، حتى التفت أحمد بسرعة البرق نحو أريان. عيناه مثبتتان على الباب للحظة. يتأكد من ابتعادها. من اختفاء ظلها. من صمت خطواتها. ثم عاد بنظره إلى الطاولة. إلى ملف الطلاق. ثم إلى كوب الماء الممتلئ أمامه. ثم إلى أريان.
ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة. ابتسامة لا تبشر بأي خير. وبدون أي مقدمات، مد يده ودفع كوب الماء بكامل قوته نحو الملف. انقلب الكوب. صوت ارتطام الزجاج بالورق المقوى. وانسكب الماء دفعة واحدة. بارداً. صافياً. غرق ملف الطلاق باختارا مطعمًا هادئًا بعيدًا عن ازدحام الشوارع. جلسا إلى طاولة قريبة من النافذة، وبعد أن قدّما طلبهما، انشغلت سيلين بتفحص قائمة الطعام مرة أخرى، رغم أنها كانت قد اختارت بالفعل. أما كريم، فكان يتفقد هاتفه بين حين وآخر، يجيب عن بعض الرسائل ثم يعيده إلى الطاولة. ساد بينهما صمت مريح لبعض الوقت، حتى وضع كريم هاتفه جانبًا وتنحنح بخفة. «سيلين، أريد أن أسألكِ عن دراستكِ الجامعية.» رفعت عينيها إليه. «دراستي؟» «نعم. أعرف أنكِ تدرسين، لكنني لم أسألكِ عن تخصصكِ بالتفصيل.» وضعت قائمة الطعام جانبًا وأجابته ببساطة: «أدرس التصميم الداخلي. ما زلت في المرحلة الثانية.» «التصميم الداخلي...» كررها باهتمام، ثم أومأ برأسه. «اختيار جيد. هل تحبين تخصصكِ؟» «نعم، رغم أنه متعب أحيانًا. لدينا مشاريع كثيرة، وبعضها يحتاج إلى وقت طويل حتى نصل إلى النتيجة التي نريدها.» ابتسم كريم.
نظرت سيلين إلى دفتر التعليمات بين يديها بجمود واستياء، ثم رفعت عينيها نحو مينا التي انتهت لتوّها من شرح مهامها الجديدة. لماذا عليها فعل كل هذا أصلًا؟ لقد كانت مستمتعة بجلسات التصوير، والثرثرة مع ليلى بين حين وآخر، وإرسال أرباحها إلى أريان لمضايقته! كانت تلك المهام البسيطة تمنحها قدرًا لا بأس به من المتعة، خصوصًا حين تتخيل ملامحه وهو يتلقى تحويلاتها المالية. أما الآن، فقد أصبحت مطالبة بحفظ جدول رجل آخر، ومتابعة اجتماعاته، وتذكيره بوجباته! والأكثر إثارة للسخرية أنها، حتى عندما كانت مع أريان نفسه، لم تحفظ جدوله يومًا، ولم تفكر في تولّي مسؤولية تنظيم حياته. كانت تسمع عن موعد اجتماعاته بالصدفه لم تهتم بمعرفة جدوله الا إذا كانت لديها مكيده وخطه لازعاجه فلماذا يُفترض بها أن تفعل ذلك من أجل كريم؟ استدارت سيلين فجأة نحو ميرا، ورفعت إصبعها في وجهها بتهديد صريح. «أسبوع واحد
كانت سيلين تقف أمام المرآة الكبيرة في غرفة تبديل الملابس، تمسح بقايا مكياج عينيها بقطعة قطن، استعدادًا لإطلالة جديدة في جلسة تصوير الأحذية. لم تكن في مزاج يسمح لها بالابتسام للكاميرات طوال اليوم، لكنها على الأقل كانت تحاول إقناع نفسها بأن الانشغال بالعمل أفضل من ترك عقلها يتجول في الأماكن التي لا ينبغي له الذهاب إليها. أريان، أوراق الطلاق، روز ذات المظهر المثالي، وتالا التي قررت فجأة أن الصداقة يمكن إصلاحها كما يُصلح كعب حذاء مكسور... يا لها من قائمة رائعة لأسباب الصداع! ألقت قطعة القطن في سلة المهملات، ثم مدت يدها نحو حقيبتها لتخرج مستحضرات التجميل، حين وصلها صوت ميرا من خلفها، مشوبًا بلهفة غير معتادة. «مرحبًا سيلين!» التفتت سيلين إليها، ورفعت حاجبًا واحدًا. «مرحبًا. لماذا تنادينني وكأن المبنى يحترق؟» لم تمنحها ميرا فرصة لمواصلة سخريتها، بل اقتربت منها وهي تحمل ملفًا بين يديها، وأعلنت بسرعة:
طرقت ميرا باب المكتب التنفيذي طرقتين خفيفتين، ثم فتحته بحذر ودخلت بخطوات مترددة، وقد ارتسمت على وجهها ملامح حاولت جاهدًة أن تبدو طبيعية. «مرحبًا، سيدي!» رفع كريم رأسه عن الملفات الموضوعة أمامه، وما إن رآها حتى ابتسم ابتسامة ودودة وأشار إليها بالجلوس. «أهلًا ميرا! تفضلي. كيف أصبحت والدتكِ الآن؟ أتمنى أنها بخير.» ارتخت ملامحها قليلًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة صادقة. «أجل، سيدي، هي بخير الآن، شكرًا جزيلًا لسؤالك. لقد تحسنت حالتها كثيرًا.» «هذا جيد، الحمد لله. الصحة تأتي أولًا، فلا تشغلي نفسكِ كثيرًا بما حدث ذلك اليوم.» خفضت ميرا رأسها قليلًا، ثم قالت باعتذار: «وأنا آسفة جدًا عما حدث في يوم العرض السابق. لم أكن أتوقع أن تسير الأمور بتلك الطريقة، ولو كنت أعلم...» قاطعها كريم برحابة صدر، وهو يعيد ترتيب بعض الأوراق أمامه. «لا بأس يا ميرا، ما حدث قد حدث، والجميع بخير. والأهم أن العرض
لم تفعل سيلين شيئًا سوى أنها تمسكت بحواف الطاولة بقوة، حتى ابيضّت أصابعها من شدة الضغط. ظلت عيناها معلقتين بالكوب الفارغ أمامها، بينما أخذت أنفاسها تتباطأ تدريجيًا، وكأنها تحاول جمع شتات نفسها قبل أن تتحدث. ثم تمتمت بصوت مكسور وخافت: «أتعلم يا يوسف؟ كان أريان اليوم برفقة إحداهن...» رفع يوسف رأسه، وأصغى إليها دون مقاطعة. تابعت سيلين، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة لا تشبه الابتسامات التي اعتاد رؤيتها على وجهها: «تبدو كعارضة أزياء... لا، بل تبدو كدمية باربي مغلفة وموضوعة على الرف العلوي في أرقى محلات الألعاب، ولا يستطيع أحد الوصول إليها! كانت تلمع وتضحك وتتحدث بفرح وثقة، وكان أريان بجانبها يبدو ملائمًا لها بشدة... تمامًا مثل دميتي كين وباربي!» أنهت جملتها بضحكة خافتة ومريرة، ثم رفعت كتفيها بحركة ساخرة. «يا له من منظر مثالي! الرجل الأنيق والدمية الجميلة. ينقصهما فقط صندوق زجاجي وإضاءة مناسبة، وسأكون أول من يشتري تذك
بعد لحظات من الصمت المطبق، ظلت سيلين تحدق في كوب الشاي أمامها. بخار رفيع يتصاعد من سطح السائل الذهبي. أوراق النعناع تطفو وتدور ببطء مع كل حركة خفيفة ليدِها. ورائحة دافئة تتسلل إلى أنفها. بينما كان يوسف يراقبها من الجهة المقابلة للطاولة. ذراعاه متقاطعتان على الخشب البارد. ينتظر أن تفعل أو تقول شيئاً يثبت له أنها لم تفقد عقلها تماماً في منتصف الليل. لكنها، بدلاً من ذلك، رفعت رأسها فجأة. ونظرت إليه بجدية مباغتة. جدية جعلت عضلات وجهها تشتد. «يوسف...» رفع حاجبيه بحذر. «نعم؟» «برأيك، أي لون صبغة شعر سيليق بي أكثر؟ أشقر رمادي... أم أحمر كرزي؟!» ساد الصمت. صمت ثقيل. صمت يجعل صوت طنين الثلاجة يبدو كأعلى ضجيج في الغرفة. حدق يوسف فيها لثانيتين كاملتين. ثم نظر إليها من أعلى رأسها إلى أسفل قدميها باستنكار شديد. وكأنه يحاول التأكد من أنها لم تتسلل إلى المطبخ بدلاً من أخته فتاة أخرى تشبهها. «هل تجلسين هنا في منتصف الليل لتفكري في لو







