Mag-log inلم تفعل سيلين شيئًا سوى أنها تمسكت بحواف الطاولة بقوة، حتى ابيضّت أصابعها من شدة الضغط.
ظلت عيناها معلقتين بالكوب الفارغ أمامها، بينما أخذت أنفاسها تتباطأ تدريجيًا، وكأنها تحاول جمع شتات نفسها قبل أن تتحدث. ثم تمتمت بصوت مكسور وخافت: «أتعلم يا يوسف؟ كان أريان اليوم برفقة إحداهن...» رفع يوسف رأسه، وأصغى إليها دون مقاطعة. تابعت سيلين، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة لا تشبه الابتسامات الطرقت ميرا باب المكتب التنفيذي طرقتين خفيفتين، ثم فتحته بحذر ودخلت بخطوات مترددة، وقد ارتسمت على وجهها ملامح حاولت جاهدًة أن تبدو طبيعية. «مرحبًا، سيدي!» رفع كريم رأسه عن الملفات الموضوعة أمامه، وما إن رآها حتى ابتسم ابتسامة ودودة وأشار إليها بالجلوس. «أهلًا ميرا! تفضلي. كيف أصبحت والدتكِ الآن؟ أتمنى أنها بخير.» ارتخت ملامحها قليلًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة صادقة. «أجل، سيدي، هي بخير الآن، شكرًا جزيلًا لسؤالك. لقد تحسنت حالتها كثيرًا.» «هذا جيد، الحمد لله. الصحة تأتي أولًا، فلا تشغلي نفسكِ كثيرًا بما حدث ذلك اليوم.» خفضت ميرا رأسها قليلًا، ثم قالت باعتذار: «وأنا آسفة جدًا عما حدث في يوم العرض السابق. لم أكن أتوقع أن تسير الأمور بتلك الطريقة، ولو كنت أعلم...» قاطعها كريم برحابة صدر، وهو يعيد ترتيب بعض الأوراق أمامه. «لا بأس يا ميرا، ما حدث قد حدث، والجميع بخير. والأهم أن العرض
لم تفعل سيلين شيئًا سوى أنها تمسكت بحواف الطاولة بقوة، حتى ابيضّت أصابعها من شدة الضغط. ظلت عيناها معلقتين بالكوب الفارغ أمامها، بينما أخذت أنفاسها تتباطأ تدريجيًا، وكأنها تحاول جمع شتات نفسها قبل أن تتحدث. ثم تمتمت بصوت مكسور وخافت: «أتعلم يا يوسف؟ كان أريان اليوم برفقة إحداهن...» رفع يوسف رأسه، وأصغى إليها دون مقاطعة. تابعت سيلين، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة لا تشبه الابتسامات التي اعتاد رؤيتها على وجهها: «تبدو كعارضة أزياء... لا، بل تبدو كدمية باربي مغلفة وموضوعة على الرف العلوي في أرقى محلات الألعاب، ولا يستطيع أحد الوصول إليها! كانت تلمع وتضحك وتتحدث بفرح وثقة، وكان أريان بجانبها يبدو ملائمًا لها بشدة... تمامًا مثل دميتي كين وباربي!» أنهت جملتها بضحكة خافتة ومريرة، ثم رفعت كتفيها بحركة ساخرة. «يا له من منظر مثالي! الرجل الأنيق والدمية الجميلة. ينقصهما فقط صندوق زجاجي وإضاءة مناسبة، وسأكون أول من يشتري تذك
بعد لحظات من الصمت المطبق، ظلت سيلين تحدق في كوب الشاي أمامها. بخار رفيع يتصاعد من سطح السائل الذهبي. أوراق النعناع تطفو وتدور ببطء مع كل حركة خفيفة ليدِها. ورائحة دافئة تتسلل إلى أنفها. بينما كان يوسف يراقبها من الجهة المقابلة للطاولة. ذراعاه متقاطعتان على الخشب البارد. ينتظر أن تفعل أو تقول شيئاً يثبت له أنها لم تفقد عقلها تماماً في منتصف الليل. لكنها، بدلاً من ذلك، رفعت رأسها فجأة. ونظرت إليه بجدية مباغتة. جدية جعلت عضلات وجهها تشتد. «يوسف...» رفع حاجبيه بحذر. «نعم؟» «برأيك، أي لون صبغة شعر سيليق بي أكثر؟ أشقر رمادي... أم أحمر كرزي؟!» ساد الصمت. صمت ثقيل. صمت يجعل صوت طنين الثلاجة يبدو كأعلى ضجيج في الغرفة. حدق يوسف فيها لثانيتين كاملتين. ثم نظر إليها من أعلى رأسها إلى أسفل قدميها باستنكار شديد. وكأنه يحاول التأكد من أنها لم تتسلل إلى المطبخ بدلاً من أخته فتاة أخرى تشبهها. «هل تجلسين هنا في منتصف الليل لتفكري في لو
في منتصف الليل، كانت سيلين تجلس وحدها في مطبخ المنزل الهادئ. تحدق في الثلاجة بشرود قاتل. ضوء الثلاجة الأبيض ينعكس على وجهها. بينما كان الصوت الوحيد الذي يكسر سكون المكان هو غليان إبريق الشاي فوق النار. فقاعات صغيرة تتصاعد. صوت ماء يغلي. صوت وحيد في عالم صامت. لم تكن تفكر في شيء محدد. أو ربما كانت تفكر في أشياء كثيرة إلى درجة أن عقلها قرر التوقف عن معالجة أيٍّ منها. تالا. زياد. أريان. والورقة التي وقّعتها بيدها. يا لها من قائمة رائعة لأسباب الإصابة بصداع مزمن! أطلقت زفرة طويلة. هواء ساخن خرج من صدرها. ثم عادت إلى التحديق في الثلاجة وكأنها تنتظر منها أن تفتح أبوابها وتقدم لها حلاً سحرياً لمشكلاتها. لكن الثلاجة، ويا لسوء حظها، لم تكن مستعدة للتدخل في شؤون البشر هذه الليلة. وفجأة، ارتفع صوت غليان الماء. فقاعات أعنف. ثم بدأ الشاي ينسكب من حافة الإبريق. سائل بني يتدفق على المعدن. «يا إلهي!» انتفضت سيلين من مكانها. الكرسي صرّ على البلاط. واندفعت نحو الموقد. فأطفأت النار بسرعة قبل أن تتسبب في كارثة منزلية جديدة. أصابعها على المفتاح. لفّت. وانطفأ اللهب. حدقت في الإبريق لحظة. بخار ي
نظرت سيلين إلى تالا بجمود تام. وقد اختفت من ملامحها كل علامات السخرية السابقة. تاركةً خلفها بروداً جعل تالا تعجز عن معرفة ما يدور في رأسها. وجه بلا تعبير. وجه مرآة لا تعكس شيئاً. ابتلعت تالا ريقها بصعوبة. حلقها تحرك. ثم تابعت بصوت متهدج: «حينها قال بأنه يواعدكِ ويحبكِ، لذا رفضني وابتعد عني مجددًا... لكنني لم أقطع تواصلي معكِ، وكنت أسمع أخباره منكِ وأنتِ تتحدثين بفرح وسعادة عنه وعن مواعيدكما وخططكما المستقبلية!» ارتجفت شفتاها. وانهمرت الدموع على وجنتيها دون توقف. خطوط مبللة على جلد مجروح. بينما راحت أصابعها السليمة تعبث بطرف الغطاء الذي يستر جسدها. شدّ. ارتخاء. شدّ. «كنت أبتسم لكِ وأستمع إلى كل كلمة تقولينها، حتى عندما كنتِ تتحدثين عن الأشياء التي يخطط زياد لفعلها من أجلكِ... كنت أشعر وكأن أحدهم ينتزع قلبي من صدري، لكنني كنت أواصل التظاهر بأنني سعيدة لكِ!» لم تتحرك سيلين قيد أنملة. لا مواساة. ولا تعاطف. ولا حتى إشارة تدل على أن كلمات تالا نجحت في اختراق جدارها البارد. وهذا الصمت وحده جعل تالا تشعر بأنها تتحدث إلى شخص لم يعد يعرفها. أخذت نفساً متقطعاً. صدرها ارتفع وانخفض بصعوبة. ث
ساد الصمت داخل الغرفة. صمت الأجهزة الطبية. الأنفاس المتقطعة. صمت جدران بيضاء لا تحمل أي جواب. لم تجب تالا عن ضحكتي الساخرة. ولم تحاول الدفاع عن نفسها فوراً. اكتفت بخفض رأسها. وتثبيت عينيها على يديها المتشابكتين فوق الغطاء الأبيض. وكأنها تبحث بين أصابعها عن الكلمات التي تأخرت كثيراً في قولها. أما أنا، فراقبتها بصمت قاتل. حسناً، يبدو أن العرض انتهى. والآن حان وقت المغادرة قبل أن أكتشف أنني جئت إلى المستشفى لأمنح نفسي صداعاً مجانياً! مددت يدي إلى حقيبتي. أصابعي على المقبض. ثم استقمت بجذعي وأنا أستعد للنهوض. الكرسي صرّ على البلاط. «حسناً يا تالا، أتمنى لكِ الشفاء العاجل. وإذا احتجتِ إلى شيء آخر، يمكنكِ الاتصال بالإسعاف. أما أنا فقد استنفدتُ رصيدي من التعاطف لهذا الشهر.» كدت أرفع الحقيبة عن الكرسي. لكن صوتها أوقفني. صوت خافت. مكسور. كخيط رفيع يُمسك بطرف ثوب: «لم أكن أعلم أنه حبيبكِ!» تجمدت يدي في الهواء. أصابعي على المقبض لم تتحرك. لم ألتفت إليها فوراً. بقيت أنظر إلى الحقيبة. أحاول استيعاب الجملة التي سمعتها للتو. ثم أدرت رأسي ببطء. عنقي صرّ. «ماذا قلتِ؟» رفعت تالا وجهها. كانت عي







