LOGIN«زوجي العزيز... ماذا تريد أن أطبخ لك على العشاء اليوم؟»
ناديته بصوت ناعم. متوسل. متوسل بطريقة لا أعترف بها. صوت امرأة تحاول استرضاء زوجها قبل فوات الأوان. قبل أن يتصل بمحاميه. قبل أن يكتب الدعوى. قبل أن تتحول كل مقالبى وكل جنوني وكل ثعلبتي إلى أرقام في ملف قضائي. لم يرد. سمعت خطواته في المطبخ. سمعت صوت الباب يفتح. سمعت صوت الثلاجة. سمعت صوت كوب يوضع على الطاولة. لكنني لم أسمع صوته. لم يرد. لم يقل شيئاً. لم يقل أريد هذا أو ذاك. لممدّت يدها نحو أيقونة الحذف، لكن يده وصلت أولاً، أمسكت معصمها بحزم لا عنف فيه. «لا تلمسيه.» نظرت إليه، وانتظرت. «لماذ لديك ملف عني أصلاً؟» لم يجب. فقط وقف صامتاً، فكّه مشدود، عيناه لا تفارقان وجهها لكنهما لا تحملان جواباً. * سحبت معصمها من قبضته، وعادت إلى اللابتوب، أصابعها تتحرك بسرعة نحو أيقونة الحذف. «سأحذفه،» قالت بصوت حاسم، «سأحذفه. أعطني كلمة السر.» تحرك بسرعة، وأغلق الشاشة بيده قبل أن تصل أصابعها. «لن تحذفيه.» «أعطني كلمة السر يا أريان.» «لا.» * نهضت واقفة، والغضب يتصاعد في صدرها كموجة لا تستطيع كبحها. «أنا أمامك!» صرخت، وصوتها يملأ الغرفة، «تستطيع ان تسألني أي شيء! أي شيء تريد معرفته عني، اسأل! لماذا تبحث من وراء ظهري كأنني مجرمة؟!» انفجر هو ال
عاد أريان إلى الغرفة بعد مكالمته، وما إن تجاوز عتبة الباب حتى توقف في مكانه. رأيت عينيه تتسعان قليلاً، رأيت يده لا تزال ممسكة بالهاتف بينما نظره يثبت عليّ، أنا الجالسة أمام لابتوبه بملامح متجمدة، بقبضتين مشدودتين على حافة الجهاز. نظر إليّ، ثم انتقل نظره ببطء نحو الشاشة، وهناك تجمّد شيء في وجهه. لم يتفاجأ كمن يُصدم بمجهول، بل كمن يرى شيئاً كان يخشى أن يُكشف يوماً. لم يقل كلمة. فقط وقف، وفكّه شُدّ قليلاً، وعيناه لم تفارقا الشاشة. أدرت اللابتوب نحوه ببطء. «ما هذا يا أريان؟» نظر إليه، ثم إليّ، ولم يجب. قلّبت الصفحة الأولى بيدي المرتجفة. اسمي، معلومات أساسية عني، تواريخ لا أذكر أنني ذكرتها لأحد بهذا الترتيب. «زياد؟» قلت وأنا أفتح ملفاً آخر يحمل اسمه. لم يتحرك. «تالا؟» فتحت ملفاً ثالثاً. صمت. «هؤلاء أصدقائي؟» أشرت إلى قائمة أسماء لم أرَ بعضها مكتوباً في مكان واح
في صباح ذلك اليوم، وقبل موعد ذهابه إلى العمل، جلس أريان في غرفة المعيشة أمام اللابتوب المفتوح، يعمل على ملفات عاجلة لاجتماعه القادم، وجهه مركّز، أصابعه تنقر لوحة المفاتيح بإيقاع منتظم. جلست على الأريكة المقابلة، أحمل كتاباً وأتظاهر بالقراءة، بينما عيناي تنتقلان خلسة بين الصفحة المطبوعة والإضاءة الزرقاء المنبعثة من جهازه. لم يترك شيئاً يظهر. كان يفتح ملفاً ويغلقه بسرعة، يدخل كلمة مروره في مربع صغير ويضغط إدخال قبل أن أقرأ الحرف الأول. وكلما التقت عيناه بعينيّ، أنزلت رأسي فوراً نحو الكتاب. مرّت ساعة كاملة على هذا الحال، ساعة من الانتظار والمراقبة، لم أحصد منها سوى صداع خفيف. ثم رنّ هاتفه. نظر إلى الشاشة، رفع حاجبه قليلاً، أجاب. سمعته يقول «نعم»، ثم «حسناً»، ثم «لا، ليس الآن»، ثم صمت قصير وتنهيدة خفيفة، قبل أن ينهض ويقول: «دقيقة واحدة، سأخرج إلى الشرفة لأسمعك بوضوح أكبر.» مشى نحو الشرفة، وخرج، وأغلق الزجاج خلفه. وبقي اللابتوب مفتوحاً، وحيداً، على الطاولة أمامي.
كان يراقبني. أشعر بعينيه. أشعر بهما تحرقان الهواء بيننا. أشعر بهما مثبتتين على وجهي. على يديّ. على كل حركة أفعلها. على كل نفس أتنفسه. على كل ورقة أقلبها. على كل ملف أرتبه. كأنني تحت مجهر. كأنني حشرة في صندوق زجاجي. كأنني لست امرأة تجلس في مكتب زوجها وتعبث بملفات العمل بهدوء. جلست أمامه. في مكتبه المنزلي. على الكرسي الخشبي الصغير. والطاولة أمامي. ملفات مرتبة. أوراق منظمة. أقلام في مكانها. كل شيء هادئ. كل شيء مثالي. كل شيء يقول: أنا موظفة. أنا زوجة. أنا إنسانة عادية. أنا لست الثعلبة التي اختبأت خلف ستارة قبل ليلتين. لكنه لم يصدق. رأيت ذلك في عينيه. رأيت الشك. رأيت الحذر. رأيت الاختبار. اختبار صدق هذا التحول المفاجئ في سلوكي. اختبار هذه الابتسامة الناعمة التي تدربت عليها طوال الليل. اختبار هذا الهدوء الذي لم يعتده مني. اختبار هذه المرأة التي تجلس أمامه وتعبث بملفات بهدوء كأنها لم تحرق نقوداً في حياته. «سيلين،» قال وهو يراقبني من خلف مكتبه. «نعم؟» رددت دون أن أرف
استيقظت في صباح اليوم التالي وأنا أحمل في داخلي عزماً جديداً. ليس عزم الثعلبة التي تريد الانتقام، ولا عزم المرأة التي تريد نصف الثروة. عزم أدق، أهدأ. عزم صياد يعرف أن الفريسة لن تأتي إليه راكضة، بل يجب أن يذهب إليها ببطء، بابتسامة، بكلمة لطيفة. استلقيت في السرير لدقيقة، أتدرب على ابتسامة أنثوية رقيقة، لا تظهر كل الأسنان، لا تجعل العيون تختفي، لا تجعل أحداً يتراجع خطوة. تدربت أمام الجدار، أمام السقف، حتى أصبحت طبيعية. أو هكذا ظننت. ثم نهضت، ونزلت إلى المطبخ. أجهزت له الإفطار بنفسي، لأول مرة منذ أسابيع. ليس إفطاراً عادياً، بل إفطاراً محسوباً، كل تفصيل فيه يقول: أنا زوجة تهتم. أنا سيلين الجديدة، الهادئة، الناعمة. وضعت البيض، الخبز المحمص، وكوب القهوة بالنعناع، بدون سكر، ساخناً، في كوب خزفي أبيض. سمعت خطواته على الدرج، منتظمة، خطوات رجل لا يتوقع شيئاً. دخل. رفعت وجهي وابتسمت ابتسامتي الجديدة، المدربة، الصغير
رفعت يدي. وأمسكت المنديل. منديل ورقي. أبيض. ناعم. من علبة على الكومودينو. سحبته بأصابع لا تزال مرتجفة قليلاً. ومسحت الدموع. من عينيّ. من وجنتيّ. من ذقني. مسحتها بكل برود. بكل تأنٍّ. بكل ما فيّ من ثعلبة ترفض أن تبقى مبللة بأكثر من دقيقة. ثم نظرت إلى المنديل. إلى البقع المبللة فيه. إلى كل ما خرج مني في تلك الليلة. ثم رميته. في سلة المهملات. بقوة. بقوة امرأة ترمي ضعفها مع المنديل. «اهدئي يا سيلين!» قلت لنفسي بصوت عالٍ في الغرفة الفارغة، «ستصابين بالتجاعيد والخطوط الدقيقة من البكاء على الرجال الخائنين!» وقفت أمام مرآة التسريحة. نظرت إلى انعكاسي. عينا حمراوان. أنف محمر. وجه منتفخ قليلاً. شعر مبعثر. صورة امرأة بكت. صورة امرأة انهارت. صورة امرأة ليست أنا. ليست الثعلبة. ليست سيلين التي أعرفها. «انظري إلى نفسك،» قلت بصوت ساخر، «تجاعيد. خطوط. انتفاخ. كل هذا بسبب رجلين. واحد خانك قبل سنوات. وآخر ربما يخونك الآن. وأنتِ تبكين؟ تبكين يا سيلين؟ أنتِ؟ الثعلبة التي أحرقت







