LOGINوصلتُ إلى المقهى قبل الموعد بنصف ساعة.
كان في زقاقٍ ضيّق من أزقّة القاهرة القديمة، تحيط به محلّات التحف ورائحة القهوة المحمّصة والمعمول. لم أُخبر يزن، لكنني أخذتُ الهاتف الذي أعطاني إياه، وتركتُه في غرفتي عمدًا. أيّ شيءٍ يحمل شريحة يمكن أن يتبعني.
جلستُ في الطاولة الأخيرة قرب الحائط، وطلبتُ شايًا بالنعناع لا أنوي شربه. أنظر إلى الباب كلّ دقيقة، وفي صدري قلبٌ لا يتّسع لهواء.
كان في المقهى عشرة زبائن تقريبًا: رجلان يلعبان الطاولة، وشابّة تقرأ في كتاب، وعجوزٌ ينفخ في نارجيلته. وفي الزاوية البعيدة جلس رجلٌ في الأربعين بنظّارة سوداء، لم يكن يشرب شيئًا ولا يقرأ شيئًا. شعرتُ أنني رأيتُه من قبل، في الشارع المقابل للفيلّا ربما، أو في حديقة نادين، لكنني لم أجزم. وفي هذه الأيام صار كل وجهٍ يشبه وجهًا آخر.
في السادسة تمامًا، دخل عمّ سالم.
بدا أصغر ممّا رأيتُه قبل أيام، وأضعف. جاء بمعطفٍ ثقيل رغم دفء الجوّ، وبكيسٍ ورقيّ بنيّ يحتضنه كطفل. التفتَ حوله مرتين قبل أن يجلس قبالتي، ويدُه ترتجف على العصا.
أمسكتُ بيده فوق الطاولة قبل أن يتكلّم. كانت باردة جدًّا، متشنّجة كأنّ أصابعه تحمل وزن خمسة عشر عامًا من الصمت. رأيتُ في عينيه رعبًا لا يشبه رعب رجلٍ عجوز يخاف الموت، بل رعب رجلٍ يخاف الحياة التي لا يزال مضطرًّا إلى عيشها.
— حمدًا لله أنّكِ جئتِ. — لهث كأنه ركض مسافة طويلة. — كنتُ أخشى ألّا تعثري على الورقة.
— أين تريد أن أبدأ يا عمّ؟
— من النهاية. — أخفض صوته. — أمّكِ لم تمت تلك الليلة يا لينا.
دار المقهى بي. أمسكتُ حافّة الطاولة.
— ماذا؟
— لم أرَ جثّتها. لا أنا ولا نادين ولا عصام. نحن الثلاثة قلنا للشرطة إننا غادرنا قبل منتصف الليل. لكنّ الحقيقة أنها طلبت منّا ألّا نقول إنها غادرت بيتها. كانت خائفة. قالت إنها ذاهبة لتسلّم شيئًا لرجلٍ كبير، وإنّها ستعود قبل الفجر.
— من الرجل الكبير؟
— لا أعرف يا ابنتي. أقسم بالله. — دمعت عيناه. — بعد ثلاثة أيام قالوا إنها اختفت. ثم جاء رجلٌ وسألني عن أمرٍ ما، ثم دفع لي مبلغًا. ثم أُغلقت القضية. وأنا شيخٌ ضعيف، وليس عندي شجاعة.
شعرتُ برغبةٍ في أن أصفعه، وبرغبةٍ أكبر في أن أضمّه.
— لماذا تقول لي هذا الآن؟
— لأنني رأيتُ الخاتم في إصبعكِ. وعرفتُ أنّكِ لن تتوقّفي. — مدّ يده إلى الكيس وأخرج منه منديلًا مطويًّا. — هذا عنوان أم فوزي، جارتنا القديمة، تسكن الآن في قريةٍ قرب طنطا. أمّكِ أودعت عندها شيئًا قبل الاختفاء بأسبوع. قالت لها: «إن لم أعد، فأعطيه لابنتي».
أخذتُ المنديل بأصابعٍ مرتجفة. كان العنوان مكتوبًا بخطٍّ كبير بحبرٍ أزرق.
— ولا تثقي بنادين، ولا بعصام. — ازدادت أنفاسه ثِقَلًا. — ولا حتى بيزن. أبوه لم يكن القاتل، لكنه كان يعرف أين هي. وابنه يشبهه أكثر مما يظنّ.
— وما الذي يخيفك منه؟
— أنّه يحبّكِ.
رفعتُ حاجبي. أيّ هراءٍ هذا؟
— الرجل الذي يحبّ، يا بنيّتي، يُضحّي بكل شيء، حتى بالحقيقة.
كان على وشك أن يضيف شيئًا حين انتصب فجأةً في مكانه. اتّسعت عيناه نحو الباب الزجاجيّ.
استدرتُ، فرأيتُ رجلًا يقف عند المدخل، في الخمسين، متأنّقًا ببدلةٍ كحليّة وشاربٍ مشذّب، ويبتسم لنا ابتسامةً دافئة جدًّا. قال بصوتٍ عالٍ ودود:
— عمّ سالم! لقد بحثتُ عنك في كل مكان.
اقترب وجلس بلا استئذان على الكرسيّ الثالث. أمسك بيد الشيخ ربّتةً أبويّة، ثم التفت إليّ.
— وأنتِ لينا. طبعًا. أنا عصام بركات. رأيتُ صوركِ في الصحف مع السيد يزن. ما أجملكِ! تشبهين أمّكِ حقًّا.
ثم نظر إلى المنديل في يدي. لم يتغيّر في وجهه شيء، لكنني رأيتُ إصبعه يطرق الطاولة طرقةً واحدة. ثم ابتسم.
— لا تصدّقي كل ما يقوله عمّ سالم. هو يخلط الأمور منذ مرضه، رحمه الله.
— لا أزال حيًّا يا عصام، — همس الشيخ.
— طبعًا، طبعًا. قصدتُ شفاه الله.
أخذ الشيخ بذراعه برفقٍ فيه صلابة الحديد، وقال لي مبتسمًا:
— سأوصله بنفسي إلى بيته. تشرّفتُ بكِ يا لينا. وسلّمي على يزن، وأخبريه أنّي أنتظر رأيه في صفقة الأرض.
ومرّا بين الطاولات، وعمّ سالم يلتفت إليّ مرةً أخيرة، ونظرته تقول ما لم تقله شفتاه: اهربي. وبقيتُ أنا جالسةً أحدّق في المنديل بين أصابعي، والعنوان الأزرق ينبض أمامي كجرحٍ مفتوح.
لم أعرف كم مرّ من الوقت قبل أن أنهض. دفعتُ ثمن الشاي الذي لم أشربه، وخرجتُ إلى الزقاق فاستقبلني هواء الغروب البارد. كنتُ أعرف الآن أنّ هناك صندوقًا ينتظرني في قريةٍ بعيدة، وأنّ أمي تركته لي قبل أن تختفي، كأنها كانت تعلم. وكنتُ أعرف أيضًا أنني لن أستطيع الوصول إليه وحدي، وأنّ الرجل الوحيد الذي أستطيع الاستعانة به هو الرجل الذي يمنعني عمّ سالم من الثقة به.
لا أذكر الكثير مما حدث بعد ذلك.أذكر الفوضى التي اجتاحت القاعة، والحرّاس الذين أمسكوا بياسر وعصام. أذكر أنّ يزن ركض نحو عمّه لا ليضربه، بل ليسأله بصوتٍ مكسور: «لماذا؟». وأنّ العجوز نظر إليه بعينين لا ندم فيهما، وقال: «لأنّ أباك أراد أن يعترف».أذكر أنني أمسكتُ بأمي ولم أتركها.وبعد ثلاثة أسابيع، حين أعلنت النيابة اتّهاماتها الرسميّة، ووقف التحقيق مع عصام وفارس وياسر ومعهم عشرة آخرين في قضيةٍ هزّت المدينة، عدتُ إلى الفيلّا. لم أكن أستطيع أن أبقى في الشقّة القديمة، فقد أخذنا إليها أمّي لبعض الوقت، ثم أقنعها الأطباء أن تتعالج في مصحّةٍ هادئة قرب البحر، ريثما تعود ذاكرتها خيطًا خيطًا.كانت تقرأ لي كل أسبوع صفحةً جديدة من دفترها، وتضحك حين أصحّح لها التواريخ. وفي الأحد الماضي قالت لي: «أظنّني اشتقتُ إلى رامي». فبكى رامي في المكالمة بكاءً طويلًا.في الأسابيع الأولى، كنتُ أستيقظ في منتصف الليل لأتأكّد أنها ما زالت هناك. أنزل إلى المكتبة، أفتح شريط أمي القديم، وأسمع ضحكتها في آخره، ثم أتصل بالمصحّة فيقول لي الحارس: «نائمة كالملاك يا آنسة». وكنتُ أبكي في الظلام من الامتنان.وبينما كنتُ أنتظر ق
كانت الشوارع خاليةً إلا من عمّال النظافة وقطط الأزقّة. مررنا بالمقهى المغلق، والنوافذ المظلمة، ولافتة الأنوار القديمة التي تصدر عنها همهمة كهربائيّة ضعيفة. تذكّرتُ كم مرةً جلستُ هنا أنتظر الحقيقة، وكم مرة غادرتُ ومعي أسئلةٌ أكثر.وصلنا إلى الزقاق عند الفجر، والسماء فوق القاهرة القديمة رماديّة ثقيلة. وقف يزن عند طرفه مع ثلاثة من رجاله، وأنا وراءه أحمل في صدري ما لا أستطيع أن أصفه.— لا تدخلي، — قال.— هذه المرّة أدخل.ولم يجادلني.كان باب الشقّة فوق مقهى الأنوار مواربًا. دخل رجال يزن أولًا، وسمعتُ صوت صراخٍ قصير، ثم ارتطامًا، ثم همسًا: «آمن». ركضتُ إلى الداخل فوجدتُ رامي مربوطًا إلى الكرسيّ، شاحبًا، يضحك ويبكي في آن واحد.— قلتُ لهم إنّكِ ستأتين، — همس. — قلتُ لهم إنّكِ لا تتركين أحدًا.قطعتُ الحبال بيديّ المرتجفتين وضممتُه حتى كاد يختنق.— آسف يا لينا. آسف. آسف.— اسكت، — قلتُ ودموعي تغسل وجهه. — لا شيء يستحقّ أن أسمعه الآن.هي الجملة نفسها التي قلتُها له يوم كُسرت ذراعه، قبل أن يتغيّر كل شيء. ولاحظتُ أنني أبتسم.* * *ظللتُ طوال الطريق أحدّث نفسي كما كنتُ أفعل في الصغر حين أحمل رامي
وضعتُ الهاتف على مكبّر الصوت وأنا أنظر إلى يزن.— ماذا فعلتَ بأخي؟— لم أفعل شيئًا بعد، — جاء صوت عصام ناعمًا كالحرير. — هو ضيفي في شقّةٍ مريحة. يتناول الشاي، ويحدّثني عن طفولتكما. ولد لطيف حقًّا.شعرتُ بأنّ ركبتيّ تخذلانني.— إن لمستَ شعرةً منه...— لا داعي للتهديد يا لينا، فنحن عقلاء. — توقّف لحظة. — لقد وجدتِ أمّكِ. وهذا جميل. لكنّكِ تعرفين الآن أيضًا أشياء كثيرة. أكثر مما ينبغي. وأنا أحبّ أن أعقد صفقةً بسيطة معكِ.— لا صفقات.— استمعي أوّلًا. غدًا عند العاشرة، ستقف أمام النيابة بحضور السيد يزن، وتشهدين بأنّ كل ما رويتِه عن سالم وهدى مجرّد أوهام. أنّ أمّكِ ماتت في حادث، وأنكِ أخطأتِ في ما رأيتِه في العيادة. وبالمقابل، يعود رامي إلى بيتكِ سالمًا، وأمّكِ تبقى حيّةً في بيتها الجميل دون أن يمسّها أحد.— وإن رفضتُ؟— إذن لن يعود رامي. ولن تبقى أمّكِ. ولن يبقى يزن أيضًا. — أضاف بنبرة من يعدّ صنفًا من السلع. — أنا أملك رجالًا في كل مكان يا لينا. لا تفترضي أنّ الحرّاس الذين أمسك بهم السيد يزن هم كلّ ما عندي.أغلق الخطّ.مرّت في رأسي مشاهد رامي وهو طفل: يضحك على كتفي في الحديقة، يرسم لي بطا
وقف يزن في مكانه كأنّ الصرخة أصابته في الصدر.لم يتقدّم خطوة. رأيتُه يحاول أن يتكلّم فلا يخرج منه صوت، ثم يرفع يديه ببطء، كمن يطمئن حيوانًا مذعورًا.— أنا لستُ هو يا خالة هدى، — قال بصوتٍ مبحوح. — أنا ابنه.توقّفت أمي عن الصراخ. انكمشت أكثر في الكرسيّ، لكنّ عينيها بقيتا معلّقتين بوجهه، تقيسان ما بين الملامح والذاكرة.— ابنه؟ — همست. — نفس العينين. لكنّكَ لا تبكي.— لم أتعلّم كيف أبكي بعد، — قال يزن، وكان هذا أصدق ما سمعتُه منه.وفي تلك اللحظة اقتحم رجاله البيت من الأسفل، وسمعنا وقع الأحذية على الدرج وصوتًا يصيح: «اطمئنّ يا سيدي، أمسكنا بهم!». ثم هدأ البيت كما تهدأ الغابة بعد العاصفة.وقفتُ لحظةً أنظر إلى الغرفة التي عاشت فيها أمي خمسة عشر عامًا: النافذة الضيّقة، والجدار الذي حفرت عليه الأيام، والباب الذي كان يُقفَل من الخارج. ولم أكن أعرف كيف يمكن لمكانٍ صغير أن يتّسع لكل هذا الوجع.جلستُ على الأرض بجانب أمي، ويدي في يدها. أما يزن فاستند إلى الجدار، يضغط على كتفه الجريحة، وقد بدا أنه لن يقف طويلًا.— الآن، — قلتُ له. — كل شيء. من الأول.أغمض عينيه، ثم قال:— أبي هاشم لم يكن وحده. كان
كانت الغرفة أصغر من الغرفة التي رأيتُها في العيادة، لكنّها أدفأ. سريرٌ نظيف، ومكتبةٌ صغيرة عليها كتبٌ بلا غلاف، وفي الركن كرسيٌّ هزّاز يتأرجح ببطء كأنه لم يتوقّف منذ لحظات.وعلى الكرسيّ، امرأة.التفتت إليّ ببطء. كان وجهها نحيلًا شاحبًا، خطوط الزمن محفورةٌ حول عينيها وفمها، لكنّ العينين... العينين لم تتغيّرا. نفس الشكل، ونفس اللمعة المتعبة الحنون التي كانت تنظر بها إليّ كلّ مساء وأنا أنام.— أمّي؟خرجت الكلمة من حلقي كأنها كسرٌ في زجاج.حدّقت المرأة فيّ بدهشةٍ هادئة، ولم تتحرّك. كانت يداها فوق البطانيّة ترتجفان خفيفًا. ثم رفعت إحداهما إلى وجهها، ولمست خدّها، كأنها تتأكّد أنها لا تحلم.— لينا؟لم أسمع اسمي بهذا الصوت منذ خمسة عشر عامًا.اندفعتُ نحوها وركعتُ عند قدميها، ودفنتُ وجهي في حجرها. شعرتُ بيدها ترتجف وهي تلمس شعري، تتردّد، ثم تستقرّ على رأسي. رائحتها كانت مختلفة، دواءٌ وصابونٌ رخيص، لكنّ تحت ذلك كلّه، رائحةٌ خفيّة من الياسمين لم تتبدّل.— حبيبتي. — همست. — كبرتِ يا حبيبتي.بكيتُ حتى لم تعد عندي أنفاس. كانت يداها تمسحان على شعري كما كانت تفعل في الليالي التي أخاف فيها من الظلام.
قضينا الساعتين الأوليين بعد الغروب نراقب البيت من وراء الصخور، ونحن نتكلّم همسًا كأنّ الجبل نفسه يتنصّت.— أربعة حرّاس، — قال يزن وهو يمرّر المنظار إليّ. — واحدٌ على السطح، واثنان عند البوّابة، وواحدٌ يدور كل نصف ساعة حول السور. والكلبان.— وماذا عن الداخل؟— ممرّضة تظهر عند النافذة السفلى كل عشرين دقيقة. وطبيب. رأيتُه يدخل الساعة الخامسة ولم يخرج.— هل جئتَ وحدك؟— لا. رجالي ينتظرون على الطريق الرئيسيّ، لكنني لا أريد أن أدخلهم قبل أن أتأكّد. ربما يقتلون أمّكِ قبل أن نصل إليها.الكلمة الأخيرة جعلتني أتصلّب.— أنت تقصد أنّهم قد يفعلون ذلك إن شعروا بالخطر؟— لقد قتلوا سالمًا، — قال بهدوء ثقيل. — فلا شيء يستبعد.كان الجبل يبرد مع كل دقيقة، فخلع سترته وألقاها على كتفيّ دون أن يقول شيئًا. لم أجد كلمةً أقولها. كنتُ غاضبةً منه، وممتنّةً له، ولا أحبّ أن يجتمع الشعوران في صدري هكذا.أعطاني قطعةً من الشوكولاتة أخرجها من جيبه، وقال إنّ عليّ أن آكل. كنتُ قد نسيتُ أنني لم أذق طعامًا منذ الصباح. أخذتُها بيدٍ مرتجفة، وللحظةٍ، رأيتُ فيه الصبيّ الذي تخيّلته في صورة الألبوم المفتعلة، الصبيّ الذي لم يكن







