Share

الفصل السادس

last update publish date: 2026-10-15 06:36:31

لم أصرخ. هذا ما أدهشني في نفسي.

وقفتُ في وسط الحديقة وأنا أحمل ابتسامةً مرسومة، وأصافح ضيوف نادين، وأقبل ثناءهم على «الخاتم الجميل»، بينما كانت يدي التي تحمل الخاتم تحترق. أما نادين فقد انسحبت بعد دقائق بحجّة صداعٍ مفاجئ، وغابت داخل العيادة كما يغيب الطائر في عاصفة.

وكنتُ أعرف في تلك الدقائق أنّ شيئًا ما قد انكسر داخلي. ليس الثقة، فلم تكن لدي ثقةٌ لأكسرها، بل ذلك الوهم الصغير الذي يجعل الإنسان يظنّ أنّه يملك زمام قصّته. فمنذ أن وقّعتُ العقد وأنا أتحرّك على خيطٍ يمسك طرفه رجلٌ آخر، ويقرّر متى يشدّه ومتى يرخيه.

وحين ركبنا السيارة، أغلق يزن الباب وانتظر. لم يشغّل المحرّك.

— قلها، — قال.

— قلتَ إنه خاتم أمك.

— كذبتُ.

كان جوابه مباشرًا لدرجةٍ أربكتني. نظرتُ إليه فوجدتُه يحدّق في المقود.

— أبي كان يحتفظ بخزنةٍ في مكتبه، لم أفتحها إلا بعد وفاته. وجدتُ فيها الخاتم داخل علبةٍ صغيرة مع ورقةٍ مطويّة. لم أعرف لمن هو. ثم رأيتُ في ملفّ القضية صورةً لأمّكِ وهي ترفع يدها لتشرب الشاي، وفي إصبعها هذا الخاتم نفسه.

— ولماذا لم تقل لي؟

— لأنني أردتُ أن أرى مَن سيتعرّف إليه من الثلاثة. — رفع عينيه إليّ، وكان فيهما اعتذارٌ لا يشبه الاعتذار. — ولو أخبرتُكِ لما ارتديتِه بتلك التلقائيّة التي أربكت نادين.

— إذن كنتُ أداتك مرةً أخرى.

— نعم.

ضربتُ لوحة السيارة بقبضتي. لم أكن أنوي، لكنّ الغضب فاض كالماء من إناءٍ ممتلئ.

— أنا لستُ ورقةَ لعبٍ يا يزن! أنا ابنتها. أتفهم؟ هذا ليس مشهدًا من مسرحيّتك.

— أعرف.

— لا تعرف! لا تعرف كيف تنام امرأةٌ كل ليلةٍ على صوت باب البيت وهي تنتظر أن يُفتح، ولا كيف تصير الأعياد أسوأ أيام السنة.

سكتَ. وسكتُّ أنا. كان في السيارة صمتٌ كثيف، يشبه الصمت الذي يلي الجنازة.

* * *

في المساء، ناولني عدسةً مكبّرة صغيرة من درج مكتبه. جلستُ تحت المصباح، وأنا أدير الخاتم على إصبعي حتى رأيتُ النقش الذي لمحتُه صباحًا داخل الحلقة.

كانت كلماتٌ دقيقة جدًّا، بخطٍّ مائل أعرفه كما أعرف خطّ يدي:

«إلى لينا حين تكبر. أمّكِ تحبّكِ».

لم أستطع القراءة مرتين. وضعتُ الخاتم على الطاولة ودفنتُ وجهي في كفّي. تذكّرتُ أنّ أمي كانت تقول لي في الصيف: «حين تكبرين سأعطيكِ شيئًا يخصّنا نحن فقط»، وكنتُ أضحك وأطلب أن أعرف ما هو، فتغمز بعينها وتقول: «انتظري».

لقد انتظرتُ خمسة عشر عامًا.

بكيتُ بصمتٍ هذه المرة، دون صوتٍ ولا شهقة، كما تعلّمتُ أن أبكي منذ أن صرتُ الأم الصغيرة لرامي. ولم أنتبه إلا بعد لحظات أنّ يزن يقف خلفي، لا يلمسني ولا يتكلّم، كأنه يعرف أنّ بعض الدموع لا تحتمل المواساة. وكان في وقوفه الصامت شيءٌ أصدق من كل ما قاله في الأيام الماضية.

— وهذه، — قال يزن بصوتٍ خافت، ومدّ إليّ الورقة المطويّة التي كانت مع الخاتم.

كانت إيصال استلام قديمًا، مكتوبًا بقلم حبرٍ أسود، يحمل توقيع أمي في أسفله وتاريخ الليلة التي اختفت فيها، وسطرًا واحدًا: «استلمتُ مبلغ ثلاثين ألف جنيه أمانةً لدى السيد هاشم القاسمي».

— هذا... — بلعتُ ريقي. — هذا لا يعني شيئًا.

— بل يعني أنّ أمك كانت في بيت أبي تلك الليلة. بعد أن غادر الشهود الثلاثة، حسب الرواية الرسميّة. بعد منتصف الليل.

حدّقتُ في التاريخ، في الساعة التي ختمها الكاتب بجانب الاسم: ١٢:٤٠ صباحًا.

— إذن الشهود كذبوا في الوقت.

— وربما في كل شيء آخر.

رفعتُ رأسي نحوه. كان واقفًا قرب النافذة، ظهره إليّ، وكتفاه مشدودتان كمن يحمل وزن بيتٍ كامل.

— لماذا تفعل هذا يا يزن؟ لماذا تجرّ نفسك إلى جريمةٍ قد يكون أبوك فيها؟

— لأنني لا أستطيع أن أنام في بيتٍ بنَيتُه على سرّ. — استدار. — وأنتِ؟ لماذا وافقتِ على البقاء بعد أن عرفتِ كل هذا؟

أجبتُه بصدقٍ لم أنوِه:

— لأنني لا أستطيع أن أعيش في جسدٍ لا يعرف أين دُفنت أمّه.

نظر إليّ نظرةً طويلة، وللحظةٍ ظننتُ أنه سيقول شيئًا آخر. لكنه ابتسم ابتسامةً مرهقة وقال:

— نامي. غدًا الخميس.

ثم أضاف، وهو يفتح الباب ليخرج، بصوتٍ كأنه يكلّم الظلام:

— ولينا... أعرف أنني لا أستحقّ أن تصدّقيني. لكنني لم أكذب عليكِ في شيءٍ واحد: أنني لن أتركَ أحدًا يؤذيكِ ما دمتُ حيًّا.

لم أردّ. أغلق الباب بهدوء، وبقيتُ أحدّق في الخشب المغلق، أتساءل أيّ كلمةٍ من كلماته كانت اختبارًا، وأيّها كانت حقيقة.

صعدتُ إلى غرفتي، وفي يدي الخاتم الذي أصبح الآن أغلى ما أملك وأخطر ما أحمل. وكنتُ أعرف أنني لن أخبره بما سأفعله غدًا في السادسة، في مقهى الأنوار. فالرجل الذي يختبرني كلّ يوم، لا بدّ أن يُختبر.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • استأجرني لأكون زوجته   الفصل الثلاثون

    لا أذكر الكثير مما حدث بعد ذلك.أذكر الفوضى التي اجتاحت القاعة، والحرّاس الذين أمسكوا بياسر وعصام. أذكر أنّ يزن ركض نحو عمّه لا ليضربه، بل ليسأله بصوتٍ مكسور: «لماذا؟». وأنّ العجوز نظر إليه بعينين لا ندم فيهما، وقال: «لأنّ أباك أراد أن يعترف».أذكر أنني أمسكتُ بأمي ولم أتركها.وبعد ثلاثة أسابيع، حين أعلنت النيابة اتّهاماتها الرسميّة، ووقف التحقيق مع عصام وفارس وياسر ومعهم عشرة آخرين في قضيةٍ هزّت المدينة، عدتُ إلى الفيلّا. لم أكن أستطيع أن أبقى في الشقّة القديمة، فقد أخذنا إليها أمّي لبعض الوقت، ثم أقنعها الأطباء أن تتعالج في مصحّةٍ هادئة قرب البحر، ريثما تعود ذاكرتها خيطًا خيطًا.كانت تقرأ لي كل أسبوع صفحةً جديدة من دفترها، وتضحك حين أصحّح لها التواريخ. وفي الأحد الماضي قالت لي: «أظنّني اشتقتُ إلى رامي». فبكى رامي في المكالمة بكاءً طويلًا.في الأسابيع الأولى، كنتُ أستيقظ في منتصف الليل لأتأكّد أنها ما زالت هناك. أنزل إلى المكتبة، أفتح شريط أمي القديم، وأسمع ضحكتها في آخره، ثم أتصل بالمصحّة فيقول لي الحارس: «نائمة كالملاك يا آنسة». وكنتُ أبكي في الظلام من الامتنان.وبينما كنتُ أنتظر ق

  • استأجرني لأكون زوجته   الفصل التاسع والعشرون

    كانت الشوارع خاليةً إلا من عمّال النظافة وقطط الأزقّة. مررنا بالمقهى المغلق، والنوافذ المظلمة، ولافتة الأنوار القديمة التي تصدر عنها همهمة كهربائيّة ضعيفة. تذكّرتُ كم مرةً جلستُ هنا أنتظر الحقيقة، وكم مرة غادرتُ ومعي أسئلةٌ أكثر.وصلنا إلى الزقاق عند الفجر، والسماء فوق القاهرة القديمة رماديّة ثقيلة. وقف يزن عند طرفه مع ثلاثة من رجاله، وأنا وراءه أحمل في صدري ما لا أستطيع أن أصفه.— لا تدخلي، — قال.— هذه المرّة أدخل.ولم يجادلني.كان باب الشقّة فوق مقهى الأنوار مواربًا. دخل رجال يزن أولًا، وسمعتُ صوت صراخٍ قصير، ثم ارتطامًا، ثم همسًا: «آمن». ركضتُ إلى الداخل فوجدتُ رامي مربوطًا إلى الكرسيّ، شاحبًا، يضحك ويبكي في آن واحد.— قلتُ لهم إنّكِ ستأتين، — همس. — قلتُ لهم إنّكِ لا تتركين أحدًا.قطعتُ الحبال بيديّ المرتجفتين وضممتُه حتى كاد يختنق.— آسف يا لينا. آسف. آسف.— اسكت، — قلتُ ودموعي تغسل وجهه. — لا شيء يستحقّ أن أسمعه الآن.هي الجملة نفسها التي قلتُها له يوم كُسرت ذراعه، قبل أن يتغيّر كل شيء. ولاحظتُ أنني أبتسم.* * *ظللتُ طوال الطريق أحدّث نفسي كما كنتُ أفعل في الصغر حين أحمل رامي

  • استأجرني لأكون زوجته   الفصل الثامن والعشرون

    وضعتُ الهاتف على مكبّر الصوت وأنا أنظر إلى يزن.— ماذا فعلتَ بأخي؟— لم أفعل شيئًا بعد، — جاء صوت عصام ناعمًا كالحرير. — هو ضيفي في شقّةٍ مريحة. يتناول الشاي، ويحدّثني عن طفولتكما. ولد لطيف حقًّا.شعرتُ بأنّ ركبتيّ تخذلانني.— إن لمستَ شعرةً منه...— لا داعي للتهديد يا لينا، فنحن عقلاء. — توقّف لحظة. — لقد وجدتِ أمّكِ. وهذا جميل. لكنّكِ تعرفين الآن أيضًا أشياء كثيرة. أكثر مما ينبغي. وأنا أحبّ أن أعقد صفقةً بسيطة معكِ.— لا صفقات.— استمعي أوّلًا. غدًا عند العاشرة، ستقف أمام النيابة بحضور السيد يزن، وتشهدين بأنّ كل ما رويتِه عن سالم وهدى مجرّد أوهام. أنّ أمّكِ ماتت في حادث، وأنكِ أخطأتِ في ما رأيتِه في العيادة. وبالمقابل، يعود رامي إلى بيتكِ سالمًا، وأمّكِ تبقى حيّةً في بيتها الجميل دون أن يمسّها أحد.— وإن رفضتُ؟— إذن لن يعود رامي. ولن تبقى أمّكِ. ولن يبقى يزن أيضًا. — أضاف بنبرة من يعدّ صنفًا من السلع. — أنا أملك رجالًا في كل مكان يا لينا. لا تفترضي أنّ الحرّاس الذين أمسك بهم السيد يزن هم كلّ ما عندي.أغلق الخطّ.مرّت في رأسي مشاهد رامي وهو طفل: يضحك على كتفي في الحديقة، يرسم لي بطا

  • استأجرني لأكون زوجته   الفصل السابع والعشرون

    وقف يزن في مكانه كأنّ الصرخة أصابته في الصدر.لم يتقدّم خطوة. رأيتُه يحاول أن يتكلّم فلا يخرج منه صوت، ثم يرفع يديه ببطء، كمن يطمئن حيوانًا مذعورًا.— أنا لستُ هو يا خالة هدى، — قال بصوتٍ مبحوح. — أنا ابنه.توقّفت أمي عن الصراخ. انكمشت أكثر في الكرسيّ، لكنّ عينيها بقيتا معلّقتين بوجهه، تقيسان ما بين الملامح والذاكرة.— ابنه؟ — همست. — نفس العينين. لكنّكَ لا تبكي.— لم أتعلّم كيف أبكي بعد، — قال يزن، وكان هذا أصدق ما سمعتُه منه.وفي تلك اللحظة اقتحم رجاله البيت من الأسفل، وسمعنا وقع الأحذية على الدرج وصوتًا يصيح: «اطمئنّ يا سيدي، أمسكنا بهم!». ثم هدأ البيت كما تهدأ الغابة بعد العاصفة.وقفتُ لحظةً أنظر إلى الغرفة التي عاشت فيها أمي خمسة عشر عامًا: النافذة الضيّقة، والجدار الذي حفرت عليه الأيام، والباب الذي كان يُقفَل من الخارج. ولم أكن أعرف كيف يمكن لمكانٍ صغير أن يتّسع لكل هذا الوجع.جلستُ على الأرض بجانب أمي، ويدي في يدها. أما يزن فاستند إلى الجدار، يضغط على كتفه الجريحة، وقد بدا أنه لن يقف طويلًا.— الآن، — قلتُ له. — كل شيء. من الأول.أغمض عينيه، ثم قال:— أبي هاشم لم يكن وحده. كان

  • استأجرني لأكون زوجته   الفصل السادس والعشرون

    كانت الغرفة أصغر من الغرفة التي رأيتُها في العيادة، لكنّها أدفأ. سريرٌ نظيف، ومكتبةٌ صغيرة عليها كتبٌ بلا غلاف، وفي الركن كرسيٌّ هزّاز يتأرجح ببطء كأنه لم يتوقّف منذ لحظات.وعلى الكرسيّ، امرأة.التفتت إليّ ببطء. كان وجهها نحيلًا شاحبًا، خطوط الزمن محفورةٌ حول عينيها وفمها، لكنّ العينين... العينين لم تتغيّرا. نفس الشكل، ونفس اللمعة المتعبة الحنون التي كانت تنظر بها إليّ كلّ مساء وأنا أنام.— أمّي؟خرجت الكلمة من حلقي كأنها كسرٌ في زجاج.حدّقت المرأة فيّ بدهشةٍ هادئة، ولم تتحرّك. كانت يداها فوق البطانيّة ترتجفان خفيفًا. ثم رفعت إحداهما إلى وجهها، ولمست خدّها، كأنها تتأكّد أنها لا تحلم.— لينا؟لم أسمع اسمي بهذا الصوت منذ خمسة عشر عامًا.اندفعتُ نحوها وركعتُ عند قدميها، ودفنتُ وجهي في حجرها. شعرتُ بيدها ترتجف وهي تلمس شعري، تتردّد، ثم تستقرّ على رأسي. رائحتها كانت مختلفة، دواءٌ وصابونٌ رخيص، لكنّ تحت ذلك كلّه، رائحةٌ خفيّة من الياسمين لم تتبدّل.— حبيبتي. — همست. — كبرتِ يا حبيبتي.بكيتُ حتى لم تعد عندي أنفاس. كانت يداها تمسحان على شعري كما كانت تفعل في الليالي التي أخاف فيها من الظلام.

  • استأجرني لأكون زوجته   الفصل الخامس والعشرون

    قضينا الساعتين الأوليين بعد الغروب نراقب البيت من وراء الصخور، ونحن نتكلّم همسًا كأنّ الجبل نفسه يتنصّت.— أربعة حرّاس، — قال يزن وهو يمرّر المنظار إليّ. — واحدٌ على السطح، واثنان عند البوّابة، وواحدٌ يدور كل نصف ساعة حول السور. والكلبان.— وماذا عن الداخل؟— ممرّضة تظهر عند النافذة السفلى كل عشرين دقيقة. وطبيب. رأيتُه يدخل الساعة الخامسة ولم يخرج.— هل جئتَ وحدك؟— لا. رجالي ينتظرون على الطريق الرئيسيّ، لكنني لا أريد أن أدخلهم قبل أن أتأكّد. ربما يقتلون أمّكِ قبل أن نصل إليها.الكلمة الأخيرة جعلتني أتصلّب.— أنت تقصد أنّهم قد يفعلون ذلك إن شعروا بالخطر؟— لقد قتلوا سالمًا، — قال بهدوء ثقيل. — فلا شيء يستبعد.كان الجبل يبرد مع كل دقيقة، فخلع سترته وألقاها على كتفيّ دون أن يقول شيئًا. لم أجد كلمةً أقولها. كنتُ غاضبةً منه، وممتنّةً له، ولا أحبّ أن يجتمع الشعوران في صدري هكذا.أعطاني قطعةً من الشوكولاتة أخرجها من جيبه، وقال إنّ عليّ أن آكل. كنتُ قد نسيتُ أنني لم أذق طعامًا منذ الصباح. أخذتُها بيدٍ مرتجفة، وللحظةٍ، رأيتُ فيه الصبيّ الذي تخيّلته في صورة الألبوم المفتعلة، الصبيّ الذي لم يكن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status