استأجرني لأكون زوجته

استأجرني لأكون زوجته

last updateLast Updated : 2026-10-19
By:  ماجده حسن سلامUpdated just now
Language: Arab
goodnovel18goodnovel
Not enough ratings
20Chapters
5views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

تضطرّ لينا الشامي، المحاسبة الشابة، إلى قبول عقد زواجٍ صوريّ من الملياردير يزن القاسمي لتسدّد ديون أخيها رامي التي تهدّده بالأذى. تبدو الصفقة بسيطة: اثنا عشر شهرًا بلا مشاعر ولا التزامات. لكنّ البند السابع يفرض شرطًا مستحيلًا: أن تُقنع ثلاثة أشخاص بأنها وزوجها عاشقان منذ الطفولة، وإلا بطل العقد وعادت الديون. وحين تقرأ أسماء الثلاثة تكتشف أنهم شهودٌ في قضية اختفاء أمّها هدى قبل خمسة عشر عامًا: صاحب البناية القديمة عمّ سالم، والطبيبة نادين، والمحامي عصام. وأنّ يزن اختارها لهذا السبب بالذات، لأنها الوحيدة التي رأتهم في بيتها تلك الليلة وهي طفلة لم يصدّقها أحد. تبدأ اللعبة الخطيرة. كل مشهدٍ رومانسيّ بين لينا ويزن يخفي اختبارًا: قبلةٌ تراقب بها ارتجاف يد شاهد، وخاتمٌ يكشف سرًّا قديمًا، وأغنيةٌ تُختبر بها صدق دموعها. وكل كذبةٍ تتفوّه بها تقرّبها خطوةً من الحقيقة، وتقرّبها في الوقت نفسه من الرجل الذي لا تعرف إن كانت تصدّقه أم تخافه. وبين رسالةٍ تركها أبوه الميّت، ومفتاحٍ مبهمٍ من شريطٍ قديم، وشاهدٍ يُقتل قبل أن يتكلّم، وأخٍ تخفي ديونه أكثر مما تُعلن، تتفتّح أمام لينا طبقاتٌ من الخيانة تمسّ الجميع، وتتحوّل الصفقة الباردة إلى عاطفةٍ لا يسمح بها العقد. ويتصاعد الإيقاع مع كل فصل: ثلاثة شهود يكذبون بالطريقة نفسها، ومحاميةٌ تعرف أكثر مما تقول، ومفاجآتٌ تقلب كل ما ظنّته لينا يقينًا، وطبيبةٌ ارتجفت حين رأت الخاتم، وأمٌّ لم يُعثر على جثّتها قط، وأخٌ يخفي في صمته أكثر مما يُظهر. وكلما حاولت لينا أن تفصل بين دورها المزيَّف وشعورها الحقيقيّ، اكتشفت أنّ الحدّ بينهما صار أرقّ من خيط، وأنّ كل قناعٍ ترتديه يلتصق بوجهها أكثر، وأنّ الصدق الوحيد في هذه المسرحية هو ذلك الذي لم يخطّط له أحد. وفي نهاية الرحلة المرهقة تواجه لينا السؤال الأصعب، أمام الجميع وأمام قلبها، وهي تحمل على إصبعها خاتمًا لم يعد يعني ما كان يعنيه: هل تريد حقيقةً تعيد لها أمّها، أم رجلًا يخشى أن يخسره حين تنكشف تلك الحقيقة؟

View More

Chapter 1

الفصل الأول

كُسرت ذراع أخي مساء الثلاثاء، وفي صباح الأربعاء قرّرتُ أن أبيع نفسي.

لم يكن الأمر بالمعنى الذي تتخيّله أيّ امرأة تسمع هذه العبارة. كنتُ أعني شيئًا أكثر بساطة وأكثر إهانة: أن أبيع توقيعي واسمي وسنةً من عمري لأوّل رجلٍ يدفع الثمن. وكان الثمن مليونًا ومئتي ألف جنيه، هي كل ما يطلبه فتحي دياب ورجاله مقابل ألّا يكسروا ذراع أخي الثانية.

جلس رامي على حافّة الكنبة في شقّتنا الضيّقة، ذراعه اليمنى مجبّرة، ووجهه الأسمر متورّم عند الفكّ. في الثانية والعشرين، ولا يزال يعتذر لي كأنه طفل كسر زجاج النافذة.

— سامحيني يا لينا. حين استدنتُ منه لم أتخيّل أن الفائدة...

— اسكت، — قلتُ، وأنا أضع الكمّادة على جبينه. — لا شيء يستحقّ أن أسمعه الآن.

كنتُ أكذب. كان يستحقّ أن أسمعه، وأن أصرخ فيه، وأن أضمّه حتى تنكسر أضلاعه. لكنني لم أفعل شيئًا من ذلك. أنا الأخت الكبرى التي ربّت أخاها وحدها منذ اختفت أمّنا قبل خمسة عشر عامًا، وقد تعلّمتُ أنّ الغضب ترفٌ لا يملكه من يعدّ ثمن الخبز.

في الليلة السابقة جمعتُ كل ما أملك: سوارًا ذهبيًّا ورثتُه عن جدتي، وخاتم خطبةٍ فسختُها قبل سنتين، وشاشة تلفازٍ قديمة. باعها المرتهن كلّها بثلاثة آلاف جنيه، وقال لي بشفقةٍ فجّة إنّ الله يعين. خرجتُ من عنده أحسب كم أحتاج من العمر لأجمع مليونًا، فاكتشفتُ أنّ الجواب أطول من عمري.

رنّ الجرس في السابعة مساءً. ظننتُه رجال فتحي، فتناولتُ المقلاة بيدٍ مرتجفة. لكنني وجدتُ على العتبة امرأةً أنيقة في الأربعين، ببدلةٍ رماديّة ورائحة عطرٍ باهظ، تمدّ إليّ بطاقة من الورق السميك.

— الآنسة لينا الشامي؟ أنا المحامية سوزان نصّار، من مكتب القاسمي. السيد يزن القاسمي يرغب في مقابلتكِ غدًا. لديه عرضٌ لا أظنّكِ سترفضينه.

— لا أعرف أحدًا بهذا الاسم.

— لكنه يعرفكِ جيدًا، — قالت وابتسمت.

* * *

في العاشرة صباحًا كنتُ واقفةً في الطابق الأربعين من برجٍ زجاجيّ، أنظر إلى المدينة من فوق كما تنظر الطيور إلى قشّ أعشاشها. أمامي مكتبٌ من الرخام الأسود، وخلفه رجلٌ لا يشبه ما تخيّلتُه عن الأثرياء.

كان في الرابعة والثلاثين، طويلًا نحيلًا، بعينين رماديّتين متعبتين وبدلةٍ داكنة بلا ربطة عنق. لا غرور ولا تكلّف. كان ينظر إليّ كما ينظر الجرّاح إلى صورةٍ أشعّة قبل أن يشقّ الجلد.

— اجلسي يا آنسة لينا.

جلستُ. سمعتُ صوت الباب يُغلق خلفي، وعرفتُ أنّ سوزان خرجت.

— دينُ أخيكِ مليونٌ ومئتا ألف، — قال دون مقدّمات. — أعرف الرقم، وأعرف اسم الدائن، وأعرف أنّ مهلته تنتهي بعد خمسة أيام. أستطيع أن أسدّده كاملًا اليوم.

قالها كمن يعرض شراء كوب قهوة، فشعرتُ بالإهانة تتسلّق عنقي. لكنّ الأرقام لا تهتمّ بكرامة الناس. كل رقمٍ ينطق به كان يضغط على صدري كحجر: خمسة أيام، ذراعٌ ثانية، مليونٌ ومئتا ألف.

— ما الذي تريده بالمقابل؟

— زوجة.

ضحكتُ. خرجت الضحكة من حلقي مبحوحةً كأنها سعال.

— أنا لستُ للبيع يا سيّد قاسمي.

— لم أقل ذلك. — دفع نحوي ملفًّا أزرق. — أقول إنني أحتاج امرأةً توقّع عقد زواجٍ صوريّ مدّته اثنا عشر شهرًا. لا فراش، ولا التزامات حقيقيّة، ولا مشاعر. بعد سنة يُفسخ العقد وتخرجين بمبلغٍ آخر يكفيكِ لتبدئي حياتكِ، وأخوكِ حرٌّ من ديونه.

فتحتُ الملف، وقرأتُ بسرعة. كانت البنود الستة الأولى عاديّة بشكلٍ مريب: الإقامة في فيلّته، الظهور معه في المناسبات، السرّية التامّة، النفقة، حدود التعامل، شروط الفسخ. أما البند السابع فكان سطرًا واحدًا بخطٍّ أسود ثقيل:

«يلتزم الطرف الثاني بأن يُقنع الأشخاص الثلاثة المذكورين في الملحق (أ) بأنّ الطرفين عاشقان منذ الطفولة، وإلا اعتُبر العقد باطلًا، وعادت الديون على ذمّته».

رفعتُ عينيّ إليه.

— هذا مستحيل. لم نلتقِ قبل اليوم. وكيف تتوقّع أن يصدّق أحدٌ...

— لا أطلب أن يصدّقوا بسهولة. أطلب أن يقتنعوا. — كان صوته هادئًا كماء بئرٍ عميقة. — وستجدين أنّ لديّ ما يساعدكِ على ذلك.

قلّبتُ الصفحة إلى الملحق (أ)، فوجدتُ ثلاثة أسماء مطبوعة:

١. سالم الرفاعي. ٢. الدكتورة نادين الحلبي. ٣. المحامي عصام بركات.

توقّف قلبي عند الاسم الأول.

عمّ سالم. صاحب البناية القديمة في شبرا التي عشنا فيها، والرجل الذي حملني على كتفيه يومًا كي ألمس زهرةً في شجرة التوت. الرجل الأخير الذي رأى أمّي حيّةً قبل أن تتبخّر من الدنيا.

— لماذا هؤلاء بالذات؟ — خرج صوتي مبحوحًا.

— الأسباب في الملحق (ب). — لمعت في عينيه شرارةٌ لم أفهمها. — سأعطيكِ إياه بعد التوقيع.

كنتُ أعرف أنّ أيّ عاقلةٍ تغادر الغرفة في تلك اللحظة. لكنّ رامي كان في البيت يبتلع الدواء بيدٍ مرتجفة، وفتحي دياب سيطرق بابنا يوم الأحد.

وقّعتُ.

مدّ إليّ ظرفًا ورقيًّا مغلقًا بالشمع الأحمر. فتحتُه في المصعد وأنا أنزل، وكانت فيه ورقةٌ واحدة بخطّ يده:

«الأشخاص الثلاثة كانوا في بيتكِ ليلة اختفت أمّكِ. وأنا اخترتُكِ لهذا السبب بالذات».

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
20 Chapters
الفصل الأول
كُسرت ذراع أخي مساء الثلاثاء، وفي صباح الأربعاء قرّرتُ أن أبيع نفسي.لم يكن الأمر بالمعنى الذي تتخيّله أيّ امرأة تسمع هذه العبارة. كنتُ أعني شيئًا أكثر بساطة وأكثر إهانة: أن أبيع توقيعي واسمي وسنةً من عمري لأوّل رجلٍ يدفع الثمن. وكان الثمن مليونًا ومئتي ألف جنيه، هي كل ما يطلبه فتحي دياب ورجاله مقابل ألّا يكسروا ذراع أخي الثانية.جلس رامي على حافّة الكنبة في شقّتنا الضيّقة، ذراعه اليمنى مجبّرة، ووجهه الأسمر متورّم عند الفكّ. في الثانية والعشرين، ولا يزال يعتذر لي كأنه طفل كسر زجاج النافذة.— سامحيني يا لينا. حين استدنتُ منه لم أتخيّل أن الفائدة...— اسكت، — قلتُ، وأنا أضع الكمّادة على جبينه. — لا شيء يستحقّ أن أسمعه الآن.كنتُ أكذب. كان يستحقّ أن أسمعه، وأن أصرخ فيه، وأن أضمّه حتى تنكسر أضلاعه. لكنني لم أفعل شيئًا من ذلك. أنا الأخت الكبرى التي ربّت أخاها وحدها منذ اختفت أمّنا قبل خمسة عشر عامًا، وقد تعلّمتُ أنّ الغضب ترفٌ لا يملكه من يعدّ ثمن الخبز.في الليلة السابقة جمعتُ كل ما أملك: سوارًا ذهبيًّا ورثتُه عن جدتي، وخاتم خطبةٍ فسختُها قبل سنتين، وشاشة تلفازٍ قديمة. باعها المرتهن كلّها
last updateLast Updated : 2026-10-15
Read more
الفصل الثاني
عدتُ إلى الطابق الأربعين بعد عشر دقائق، وفي يدي الورقة التي كادت أصابعي تمزّقها.لم أطرق الباب. اندفعتُ إلى المكتب فوجدتُ يزن واقفًا أمام الواجهة الزجاجية، يداه في جيبيه، وكأنه كان ينتظر عودتي منذ لحظة خروجي. لم يلتفت.— قلتَ إنّ الأسباب في الملحق. أريد أسبابًا حقيقية، لا سطرًا واحدًا بخطّ اليد.— تفضّلي، اجلسي.— لن أجلس. — رميتُ الورقة على المكتب. — كيف تعرف أنّهم كانوا في بيتنا تلك الليلة؟ أنا فقط التي أعرف ذلك، وأنا طفلة في الحادية عشرة لم يصدّقني أحد. قلتُ للشرطة إنني رأيتُ ثلاثة غرباء في الصالة قبل أن أنام، فقالوا إنني أحلم، وإنّ الجميع غادروا قبل منتصف الليل.استدار يزن ببطء. كانت عيناه الرماديّتان أهدأ مما ينبغي.— لأنني أعرف أنّكِ لم تكوني تحلمين.— وكيف؟— لأنني أتتبّع قضية اختفاء أمّكِ منذ سنتين. — سحب كرسيّه وجلس، وأشار إليّ بيده فلم أتحرك. — أقرأ المحاضر القديمة كلّها. ثلاثتهم أدلوا بالشهادة نفسها تقريبًا، بالكلمات نفسها، كأنهم حفظوها من نصّ واحد: ذهبنا إلى بيت السيدة هدى لتسوية خلافٍ حول عقد الإيجار، وغادرنا قبل منتصف الليل، ولم نرَها بعد ذلك. ثلاثة أشخاص لا تجمعهم صلةٌ
last updateLast Updated : 2026-10-15
Read more
الفصل الثالث
قضيتُ ثلاثة أيام أحفظ حياةً لم أعشها.كان يزن يجلس قبالتي كل مساء في المكتبة، ويلقي عليّ الأسئلة كمعلّمٍ صارم: ما اسم الحلوى التي كنتِ تحبّينها في السابعة؟ في أيّ صيفٍ كسرتُ ساقي؟ ما اللعبة التي ضربتُ بها الولد الذي أزعجكِ؟ أجيب فيصحّح، ويكرّر، ثم يبتسم ابتسامةً صغيرة إذا أصبتُ، فأكره نفسي لأنني أنتظر تلك الابتسامة.— أنتِ تحفظين جيدًا، قال في الليلة الأخيرة. لكنّكِ لا تكذبين جيدًا.— وما الفرق؟— الحافظ يردّد ما قيل له. أما الكاذب الجيّد فيضيف تفصيلةً لم يقلها أحد، فتبدو الحكاية حيّة.— وأنت كاذبٌ جيد؟نظر إليّ طويلًا، وقال دون أن يبتسم:— كنتُ مضطرًّا أن أصير كذلك.بيت عمّ سالم لم يتغيّر. نفس الباب الخشبيّ الأخضر الذي تقشّر دهانه، ونفس الحديقة الصغيرة بشجرة التوت العجوز، وإن كان صاحبه قد انتقل إلى فيلّا متواضعة بعد أن باع بناية شبرا القديمة. لكنني حين دخلتُ، ضربتني رائحة الليمون والنعناع المجفّف كصفعة ذاكرةٍ جميلة ومؤلمة.كان في الثامنة والسبعين، نحيلًا كغصنٍ يابس، يتّكئ على عصا من خشب الأبنوس، ويرتدي نظّارةً سميكة تضخّم عينيه فتبدوان كعينَي بومة. حين رآني عند الباب تجمّد في مكانه
last updateLast Updated : 2026-10-15
Read more
الفصل الرابع
لم أتكلّم طوال الطريق.كان يزن يقود بنفسه هذه المرة، ويداه على المقود، وعيناه على الطريق المظلم. وفي جيبي كانت الورقة التي دسّها عمّ سالم تحرق فخذي كأنها قطعة جمر. لم أجرؤ على إخراجها. كنتُ أعرف أنّ هذا الرجل يلاحظ كل شيء.— ماذا قال لكِ في المطبخ؟— لا شيء. — حاولتُ أن أبدو متعبة بدل أن أبدو كاذبة. — سألني إن كنتُ أحبّك.— وماذا أجبتِ؟— أنّ هذا شأنٌ لا يخصّه.ضحك ضحكةً قصيرة، لكنني رأيتُ فكّه يتصلّب. لم يصدّقني.— لقد قال شيئًا عن أبي، أليس كذلك؟أدرتُ رأسي نحوه بحدّة. كان المصباح الأمامي لسيارةٍ مقبلة يضيء ملامحه للحظة، ثم يعيدها إلى الظلام.— وكيف عرفتَ؟— لأنني رأيتُ وجهه حين دخلتُ المطبخ. — ركن السيارة أمام الفيلّا وأطفأ المحرّك. — تعالي. حان وقت أن أفي بوعدي.* * *في مكتبته، أشعل مصباحًا صغيرًا وفتح درجًا سفليًّا بمفتاحٍ ربطه في سلسلة ساعته. أخرج ظرفًا أصفر بحجم الكفّ، وضعه على الطاولة بيننا بهدوءٍ كمن يضع جثّةً صغيرة.— أبي هو هاشم القاسمي. كان رجل أعمالٍ كبيرًا، وهو الذي أسّس كل ما تراه حولكِ. مات قبل سنتين بسكتةٍ قلبية. وقبل موته بأسبوع كتب لي هذه الرسالة.فتحتُ الظرف. كان
last updateLast Updated : 2026-10-15
Read more
الفصل الخامس
لم أنتظر حتى الصباح لأواجهه.طرقتُ باب المكتبة في السابعة، فوجدتُه جالسًا على الكنبة بثياب الأمس، ودخان كوب القهوة يتصاعد أمامه. لم ينم، وكان ذلك واضحًا في عينيه.— سمعتُكَ ليلة أمس، — قلتُ. — تتحدّث مع عصام بركات.لم يتفاجأ. وضع الكوب على الطاولة ببطء.— كنتُ أعرف أنكِ ستسمعين. أو أنّكِ ستُخمّنين.— هكذا إذن؟ أنت متعاون مع أحد الشهود؟— أنا أُطعمه كذبةً كبيرة. — نهض واقترب خطوتين وتوقف على بُعد ذراع. — عصام يظنّ أنني أحاول إثبات براءة أبي، وأنّ زواجنا الصوريّ مجرّد وسيلةٍ للتودّد إلى الشهود وشراء صمتهم. لذلك عرض عليّ المساعدة. أعطيته خطةً مزيفة، ويمدّني هو بأخبارٍ عن الآخرين دون أن يدري.— وكيف أعرف أنّكَ لا تكذب عليّ أنا أيضًا؟— لا تعرفين. — قالها ببساطةٍ موجعة. — ليس لديّ ما أقدّمه سوى كلمتي، وأنتِ لا تثقين بها. وأنا لا ألومكِ.كنتُ أريد أن أصرخ، لكنني تذكّرتُ شريط أمي، وصوتها يضحك في آخر الأغنية، فخرج غضبي كزفرةٍ متعبة.— وماذا عن ورقة عمّ سالم؟ أنتَ تعرف أنه دسّ لي شيئًا.— وأعرف أنّكِ قرّرتِ ألّا تخبريني. — ابتسم ابتسامةً باهتة. — لا بأس. اذهبي إلى الموعد. لكن خذي معكِ هاتفًا ل
last updateLast Updated : 2026-10-15
Read more
الفصل السادس
لم أصرخ. هذا ما أدهشني في نفسي.وقفتُ في وسط الحديقة وأنا أحمل ابتسامةً مرسومة، وأصافح ضيوف نادين، وأقبل ثناءهم على «الخاتم الجميل»، بينما كانت يدي التي تحمل الخاتم تحترق. أما نادين فقد انسحبت بعد دقائق بحجّة صداعٍ مفاجئ، وغابت داخل العيادة كما يغيب الطائر في عاصفة.وكنتُ أعرف في تلك الدقائق أنّ شيئًا ما قد انكسر داخلي. ليس الثقة، فلم تكن لدي ثقةٌ لأكسرها، بل ذلك الوهم الصغير الذي يجعل الإنسان يظنّ أنّه يملك زمام قصّته. فمنذ أن وقّعتُ العقد وأنا أتحرّك على خيطٍ يمسك طرفه رجلٌ آخر، ويقرّر متى يشدّه ومتى يرخيه.وحين ركبنا السيارة، أغلق يزن الباب وانتظر. لم يشغّل المحرّك.— قلها، — قال.— قلتَ إنه خاتم أمك.— كذبتُ.كان جوابه مباشرًا لدرجةٍ أربكتني. نظرتُ إليه فوجدتُه يحدّق في المقود.— أبي كان يحتفظ بخزنةٍ في مكتبه، لم أفتحها إلا بعد وفاته. وجدتُ فيها الخاتم داخل علبةٍ صغيرة مع ورقةٍ مطويّة. لم أعرف لمن هو. ثم رأيتُ في ملفّ القضية صورةً لأمّكِ وهي ترفع يدها لتشرب الشاي، وفي إصبعها هذا الخاتم نفسه.— ولماذا لم تقل لي؟— لأنني أردتُ أن أرى مَن سيتعرّف إليه من الثلاثة. — رفع عينيه إليّ، وك
last updateLast Updated : 2026-10-15
Read more
الفصل السابع
وصلتُ إلى المقهى قبل الموعد بنصف ساعة.كان في زقاقٍ ضيّق من أزقّة القاهرة القديمة، تحيط به محلّات التحف ورائحة القهوة المحمّصة والمعمول. لم أُخبر يزن، لكنني أخذتُ الهاتف الذي أعطاني إياه، وتركتُه في غرفتي عمدًا. أيّ شيءٍ يحمل شريحة يمكن أن يتبعني.جلستُ في الطاولة الأخيرة قرب الحائط، وطلبتُ شايًا بالنعناع لا أنوي شربه. أنظر إلى الباب كلّ دقيقة، وفي صدري قلبٌ لا يتّسع لهواء.كان في المقهى عشرة زبائن تقريبًا: رجلان يلعبان الطاولة، وشابّة تقرأ في كتاب، وعجوزٌ ينفخ في نارجيلته. وفي الزاوية البعيدة جلس رجلٌ في الأربعين بنظّارة سوداء، لم يكن يشرب شيئًا ولا يقرأ شيئًا. شعرتُ أنني رأيتُه من قبل، في الشارع المقابل للفيلّا ربما، أو في حديقة نادين، لكنني لم أجزم. وفي هذه الأيام صار كل وجهٍ يشبه وجهًا آخر.في السادسة تمامًا، دخل عمّ سالم.بدا أصغر ممّا رأيتُه قبل أيام، وأضعف. جاء بمعطفٍ ثقيل رغم دفء الجوّ، وبكيسٍ ورقيّ بنيّ يحتضنه كطفل. التفتَ حوله مرتين قبل أن يجلس قبالتي، ويدُه ترتجف على العصا.أمسكتُ بيده فوق الطاولة قبل أن يتكلّم. كانت باردة جدًّا، متشنّجة كأنّ أصابعه تحمل وزن خمسة عشر عامًا
last updateLast Updated : 2026-10-15
Read more
الفصل الثامن
لم أستطع أن أكذب عليه أكثر.حين عدتُ إلى الفيلّا وجدتُه في بهو الطابق الأول، يقف عند الدرج كأنه ينتظرني منذ ساعات. كان وجهه أبيض، وعيناه تحدّقان في ثيابي كمن يفتّش عن أثر.— أين كنتِ؟— في مقهى الأنوار. مع عمّ سالم. — رميتُ المنديل بين يديه. — وقبل أن تقول إنّ رجالك كانوا يتبعونني، فلا داعي. شعرتُ بهم.لم ينفِ. قرأ العنوان بصمت، ثم قال:— إذن اتفقنا على الشفافية.— لا. اتفقنا على أن نكون في المركب نفسه. لا أكثر.— غدًا صباحًا، — قال وهو يعيد إليّ المنديل. — سأقود بنفسي.* * *استغرق الطريق إلى القرية ساعتين وأكثر. كانت الحقول تمرّ بنا خضراء مبلّلة بندى الصباح، وكان يزن يقود صامتًا، وأنا أراقبه من طرف عيني وأتساءل كيف يجتمع في رجلٍ واحد كل هذا الغموض وكل هذا الهدوء.وجدنا أمّ فوزي في بيتٍ طينيّ صغير على أطراف القرية، تجلس تحت عريشة عنبٍ جافّة وفي حجرها طبقٌ من الأرزّ تنقّيه. امرأةٌ في الثمانين، بعينين مغطّاتين بغشاوةٍ بيضاء، ويدين مكسوّتين بالتجاعيد الدقيقة.— مَن؟ — سألت حين سمعت خطواتنا.— أنا لينا يا أمّ فوزي. بنت هدى الشامي.سكتت لحظة، ثم وضعت الطبق جانبًا ومدّت يديها نحو وجهي. لمس
last updateLast Updated : 2026-10-17
Read more
الفصل التاسع
ثلاثة أيام قضيتُها دون أن أتكلّم مع يزن إلا بالضرورة.لم يدافع عن نفسه. قدّم لي تفسيرًا وحيدًا في الطريق إلى القاهرة، بصوتٍ متعب: «ي. ق. هو عمّي ياسر القاسمي، شريك أبي، مات في حادث سيارةٍ قبل ثلاث عشرة سنة». ثم سكت. ولم أعرف إن كان ذلك دليل براءته أم إتقانه للحبكة.لكنّ العقد كان لا يزال يلزمنا بما لا نقدر على تجاهله: حفل الزفاف العلنيّ في عطلة الأسبوع، أمام ثلاثمئة مدعوّ، وفي مقدّمتهم الشهود الثلاثة.ألبستني سوزان فستانًا عاجيًّا بسيطًا، ورفعت شعري بدبابيس صغيرة، وقالت وهي تُصلح طرف الذيل:— لا تنظري إلى أحد. ابتسمي كأنكِ تحبّينه.— وإن لم أستطع؟— فعلى الأقل انظري إليه كأنكِ تحبّين أن تكرهيه. الجمهور لا يفرّق.ضحكتُ رغمًا عني.كانت الحديقة الخلفيّة للفيلّا قد تحوّلت إلى حلمٍ أبيض: آلاف الشموع، وأقواس الورد، وموسيقيّون ينتشرون بين الطاولات. وحين نزلتُ على الدرج الحجريّ وعيون الضيوف تتبعني، رأيتُ يزن واقفًا في أسفله ببدلةٍ سوداء، ينتظرني. ولثانيةٍ نسيتُ نفسي. كان الجميع ينظر إلينا، لكنه كان ينظر إليّ وحدي.مدّ يده، وأخذتُها.— تبدين... — بحث عن الكلمة، وفشل. — هذه الليلة ستنتهي بنا إل
last updateLast Updated : 2026-10-17
Read more
الفصل العاشر
وصلت الهدية في السابعة صباحًا.لم يحملها ساعي بريد ولا مندوب شركة. وجدتها الخادمة أمام باب الفيلّا الخلفيّ، صندوقًا ورقيًّا أبيض مربوطًا بشريطٍ أزرق باهت، وعليه بطاقةٌ صغيرة بلا توقيع: «إلى العروس».أخذتُه إلى غرفتي، وأغلقتُ الباب، وجلستُ على الأرض وفتحتُه بحذر. كنتُ أتوقّع أيّ شيء: ورودًا ميتة، أو رسالة تهديد، أو حتى قطّةً مذبوحة كما في الأفلام. لم أتوقّع الذي رأيتُه أبدًا، ولا أظنّ أنّ أيّ ابنةٍ تتوقّع أن يعود إليها شيءٌ من أمّها بعد كل هذا الغياب.ثوبٌ أزرق.ثوب أمّي الأزرق. الذي لبسته في مناسباتها القليلة، الذي كنتُ أضع وجهي في ردائه وأنا طفلة حين تعانقني، الذي كان لا يزال، حتى بعد خمسة عشر عامًا من الغياب، يحتفظ برائحة الياسمين والصابون.اهتزّت يداي وأنا أرفعه. كان مطويًّا بعنايةٍ بالغة، مكوّيًا، كأنّ أحدهم حافظ عليه في خزانةٍ نظيفة طوال هذه السنين. ومن بين طيّاته سقط شيءٌ صغير على الأرض.بطاقةٌ مطويّة، وعليها خطّ أمّي. وبخطّها الذي لا أخطئه، كُتبت سطورٌ قليلة بقلم رصاص باهت:«إن قرأتِ هذه يا لينا، فإنني لم أعد، ولا بدّ أنّكِ قد كبرتِ. اسمعيني: احذري من الرجل الذي يحبّكِ. فالحبّ
last updateLast Updated : 2026-10-17
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status