LOGINتضطرّ لينا الشامي، المحاسبة الشابة، إلى قبول عقد زواجٍ صوريّ من الملياردير يزن القاسمي لتسدّد ديون أخيها رامي التي تهدّده بالأذى. تبدو الصفقة بسيطة: اثنا عشر شهرًا بلا مشاعر ولا التزامات. لكنّ البند السابع يفرض شرطًا مستحيلًا: أن تُقنع ثلاثة أشخاص بأنها وزوجها عاشقان منذ الطفولة، وإلا بطل العقد وعادت الديون. وحين تقرأ أسماء الثلاثة تكتشف أنهم شهودٌ في قضية اختفاء أمّها هدى قبل خمسة عشر عامًا: صاحب البناية القديمة عمّ سالم، والطبيبة نادين، والمحامي عصام. وأنّ يزن اختارها لهذا السبب بالذات، لأنها الوحيدة التي رأتهم في بيتها تلك الليلة وهي طفلة لم يصدّقها أحد. تبدأ اللعبة الخطيرة. كل مشهدٍ رومانسيّ بين لينا ويزن يخفي اختبارًا: قبلةٌ تراقب بها ارتجاف يد شاهد، وخاتمٌ يكشف سرًّا قديمًا، وأغنيةٌ تُختبر بها صدق دموعها. وكل كذبةٍ تتفوّه بها تقرّبها خطوةً من الحقيقة، وتقرّبها في الوقت نفسه من الرجل الذي لا تعرف إن كانت تصدّقه أم تخافه. وبين رسالةٍ تركها أبوه الميّت، ومفتاحٍ مبهمٍ من شريطٍ قديم، وشاهدٍ يُقتل قبل أن يتكلّم، وأخٍ تخفي ديونه أكثر مما تُعلن، تتفتّح أمام لينا طبقاتٌ من الخيانة تمسّ الجميع، وتتحوّل الصفقة الباردة إلى عاطفةٍ لا يسمح بها العقد. ويتصاعد الإيقاع مع كل فصل: ثلاثة شهود يكذبون بالطريقة نفسها، ومحاميةٌ تعرف أكثر مما تقول، ومفاجآتٌ تقلب كل ما ظنّته لينا يقينًا، وطبيبةٌ ارتجفت حين رأت الخاتم، وأمٌّ لم يُعثر على جثّتها قط، وأخٌ يخفي في صمته أكثر مما يُظهر. وكلما حاولت لينا أن تفصل بين دورها المزيَّف وشعورها الحقيقيّ، اكتشفت أنّ الحدّ بينهما صار أرقّ من خيط، وأنّ كل قناعٍ ترتديه يلتصق بوجهها أكثر، وأنّ الصدق الوحيد في هذه المسرحية هو ذلك الذي لم يخطّط له أحد. وفي نهاية الرحلة المرهقة تواجه لينا السؤال الأصعب، أمام الجميع وأمام قلبها، وهي تحمل على إصبعها خاتمًا لم يعد يعني ما كان يعنيه: هل تريد حقيقةً تعيد لها أمّها، أم رجلًا يخشى أن يخسره حين تنكشف تلك الحقيقة؟
View Moreكُسرت ذراع أخي مساء الثلاثاء، وفي صباح الأربعاء قرّرتُ أن أبيع نفسي.
لم يكن الأمر بالمعنى الذي تتخيّله أيّ امرأة تسمع هذه العبارة. كنتُ أعني شيئًا أكثر بساطة وأكثر إهانة: أن أبيع توقيعي واسمي وسنةً من عمري لأوّل رجلٍ يدفع الثمن. وكان الثمن مليونًا ومئتي ألف جنيه، هي كل ما يطلبه فتحي دياب ورجاله مقابل ألّا يكسروا ذراع أخي الثانية.
جلس رامي على حافّة الكنبة في شقّتنا الضيّقة، ذراعه اليمنى مجبّرة، ووجهه الأسمر متورّم عند الفكّ. في الثانية والعشرين، ولا يزال يعتذر لي كأنه طفل كسر زجاج النافذة.
— سامحيني يا لينا. حين استدنتُ منه لم أتخيّل أن الفائدة...
— اسكت، — قلتُ، وأنا أضع الكمّادة على جبينه. — لا شيء يستحقّ أن أسمعه الآن.
كنتُ أكذب. كان يستحقّ أن أسمعه، وأن أصرخ فيه، وأن أضمّه حتى تنكسر أضلاعه. لكنني لم أفعل شيئًا من ذلك. أنا الأخت الكبرى التي ربّت أخاها وحدها منذ اختفت أمّنا قبل خمسة عشر عامًا، وقد تعلّمتُ أنّ الغضب ترفٌ لا يملكه من يعدّ ثمن الخبز.
في الليلة السابقة جمعتُ كل ما أملك: سوارًا ذهبيًّا ورثتُه عن جدتي، وخاتم خطبةٍ فسختُها قبل سنتين، وشاشة تلفازٍ قديمة. باعها المرتهن كلّها بثلاثة آلاف جنيه، وقال لي بشفقةٍ فجّة إنّ الله يعين. خرجتُ من عنده أحسب كم أحتاج من العمر لأجمع مليونًا، فاكتشفتُ أنّ الجواب أطول من عمري.
رنّ الجرس في السابعة مساءً. ظننتُه رجال فتحي، فتناولتُ المقلاة بيدٍ مرتجفة. لكنني وجدتُ على العتبة امرأةً أنيقة في الأربعين، ببدلةٍ رماديّة ورائحة عطرٍ باهظ، تمدّ إليّ بطاقة من الورق السميك.
— الآنسة لينا الشامي؟ أنا المحامية سوزان نصّار، من مكتب القاسمي. السيد يزن القاسمي يرغب في مقابلتكِ غدًا. لديه عرضٌ لا أظنّكِ سترفضينه.
— لا أعرف أحدًا بهذا الاسم.
— لكنه يعرفكِ جيدًا، — قالت وابتسمت.
* * *
في العاشرة صباحًا كنتُ واقفةً في الطابق الأربعين من برجٍ زجاجيّ، أنظر إلى المدينة من فوق كما تنظر الطيور إلى قشّ أعشاشها. أمامي مكتبٌ من الرخام الأسود، وخلفه رجلٌ لا يشبه ما تخيّلتُه عن الأثرياء.
كان في الرابعة والثلاثين، طويلًا نحيلًا، بعينين رماديّتين متعبتين وبدلةٍ داكنة بلا ربطة عنق. لا غرور ولا تكلّف. كان ينظر إليّ كما ينظر الجرّاح إلى صورةٍ أشعّة قبل أن يشقّ الجلد.
— اجلسي يا آنسة لينا.
جلستُ. سمعتُ صوت الباب يُغلق خلفي، وعرفتُ أنّ سوزان خرجت.
— دينُ أخيكِ مليونٌ ومئتا ألف، — قال دون مقدّمات. — أعرف الرقم، وأعرف اسم الدائن، وأعرف أنّ مهلته تنتهي بعد خمسة أيام. أستطيع أن أسدّده كاملًا اليوم.
قالها كمن يعرض شراء كوب قهوة، فشعرتُ بالإهانة تتسلّق عنقي. لكنّ الأرقام لا تهتمّ بكرامة الناس. كل رقمٍ ينطق به كان يضغط على صدري كحجر: خمسة أيام، ذراعٌ ثانية، مليونٌ ومئتا ألف.
— ما الذي تريده بالمقابل؟
— زوجة.
ضحكتُ. خرجت الضحكة من حلقي مبحوحةً كأنها سعال.
— أنا لستُ للبيع يا سيّد قاسمي.
— لم أقل ذلك. — دفع نحوي ملفًّا أزرق. — أقول إنني أحتاج امرأةً توقّع عقد زواجٍ صوريّ مدّته اثنا عشر شهرًا. لا فراش، ولا التزامات حقيقيّة، ولا مشاعر. بعد سنة يُفسخ العقد وتخرجين بمبلغٍ آخر يكفيكِ لتبدئي حياتكِ، وأخوكِ حرٌّ من ديونه.
فتحتُ الملف، وقرأتُ بسرعة. كانت البنود الستة الأولى عاديّة بشكلٍ مريب: الإقامة في فيلّته، الظهور معه في المناسبات، السرّية التامّة، النفقة، حدود التعامل، شروط الفسخ. أما البند السابع فكان سطرًا واحدًا بخطٍّ أسود ثقيل:
«يلتزم الطرف الثاني بأن يُقنع الأشخاص الثلاثة المذكورين في الملحق (أ) بأنّ الطرفين عاشقان منذ الطفولة، وإلا اعتُبر العقد باطلًا، وعادت الديون على ذمّته».
رفعتُ عينيّ إليه.
— هذا مستحيل. لم نلتقِ قبل اليوم. وكيف تتوقّع أن يصدّق أحدٌ...
— لا أطلب أن يصدّقوا بسهولة. أطلب أن يقتنعوا. — كان صوته هادئًا كماء بئرٍ عميقة. — وستجدين أنّ لديّ ما يساعدكِ على ذلك.
قلّبتُ الصفحة إلى الملحق (أ)، فوجدتُ ثلاثة أسماء مطبوعة:
١. سالم الرفاعي. ٢. الدكتورة نادين الحلبي. ٣. المحامي عصام بركات.
توقّف قلبي عند الاسم الأول.
عمّ سالم. صاحب البناية القديمة في شبرا التي عشنا فيها، والرجل الذي حملني على كتفيه يومًا كي ألمس زهرةً في شجرة التوت. الرجل الأخير الذي رأى أمّي حيّةً قبل أن تتبخّر من الدنيا.
— لماذا هؤلاء بالذات؟ — خرج صوتي مبحوحًا.
— الأسباب في الملحق (ب). — لمعت في عينيه شرارةٌ لم أفهمها. — سأعطيكِ إياه بعد التوقيع.
كنتُ أعرف أنّ أيّ عاقلةٍ تغادر الغرفة في تلك اللحظة. لكنّ رامي كان في البيت يبتلع الدواء بيدٍ مرتجفة، وفتحي دياب سيطرق بابنا يوم الأحد.
وقّعتُ.
مدّ إليّ ظرفًا ورقيًّا مغلقًا بالشمع الأحمر. فتحتُه في المصعد وأنا أنزل، وكانت فيه ورقةٌ واحدة بخطّ يده:
«الأشخاص الثلاثة كانوا في بيتكِ ليلة اختفت أمّكِ. وأنا اخترتُكِ لهذا السبب بالذات».
لم أعرف كيف أبدأ، فبدأتُ من آخر ما قالته أمّه.— ليلة وفاة أبيك. ماذا وجدتَ على المكتب؟جلس يزن على الأرض أمام الأريكة، ظهره إلى الجدار، ورأسه بين كفّيه. لم أرَه من قبل ينكسر هكذا. كان المطر قد خفّ، وعاد الضوء إلى المصابيح، فبدا وجهه تحت النور الأبيض أكبر من عمره بسنوات.— الطبيب قال سكتةً قلبيّة. — رفع رأسه. — وأنا صدّقته لأنّني أردتُ أن أصدّق. لكنني حين دخلتُ مكتب أبي في الصباح، وجدتُ كوب الشاي نصف ممتلئ، وبجانبه حقنةً فارغة مكسورة الرأس.— حقنة؟— كان أبي يخاف الإبر مثلكِ تمامًا. لم يكن يسمح لأحدٍ أن يقترب منه بواحدة. فمن حقنه إذن؟— ولماذا لم تُبلغ الشرطة؟— لأنني وجدتُ بجانب الحقنة ورقةً بخطّه، لم يُكملها: «لا تبحث عن الفاعل في الخارج». وخفتُ. حتى من نفسي.مدّ يده إلى جيبه، وأخرج الورقة مطويّةً في ظرفٍ شفّاف. قرأتُها، فلم أجد أكثر من هذه الجملة، ثم خطًّا مائلًا يمتدّ في آخر الورقة كأنّ يد صاحبه سقطت.— كلّ هذا السنين، — قلتُ، — وأنت تظنّ أنّ أباك قاتل.— وأنتِ أيضًا.— أنا ظننتُ ذلك لأنّكَ أوهمتني.— لا. لأنني ظننتُ ذلك وأنا أخاف أن أكتشف العكس.أخذتُ كوب الماء وناولتُه إيّاه، فش
انفتح باب المكتبة دون أن يطرقه أحد.كان يزن قد رفع المسدس نحو الفتحة، وذراعه ثابتة على نحوٍ أرعبني أكثر من الصوت نفسه. وقفتُ خلف الأريكة أحبس أنفاسي، وأنظر إلى الظلّ الذي ينمو على أرضية الغرفة مع ضوء المصباح اليدوي.— أنزل سلاحك يا يزن، — جاء صوتٌ نسائيّ هادئ. — لم تعتد أن توجّهه إلى أمّك.تجمّد الزمن.دخلت امرأةٌ في الخامسة والخمسين، بمعطفٍ أسود مبلّل ينزّ ماءً على السجّاد، وشعرٍ فضّيّ مرفوع بعناية رغم العاصفة. كان وجهها جميلًا بطريقةٍ قاسية، كوجوه التماثيل التي تعلّمت ألّا تبكي. ورأيتُ يد يزن ترتجف، ثم تنزل ببطء.— أمي؟— ما زلتَ تتذكّر شكلي. — ابتسمت ابتسامةً لا دفء فيها. — سمعتُ أنك تزوّجت. أحببتُ أن أرى العروس.التفتت إليّ، ونظرتُ في عينيها فشعرتُ بأنني أمام امرأةٍ تقيس وزني بنظرةٍ واحدة. ثم هبطت عيناها إلى يدي، إلى الخاتم، وتغيّر شيءٌ في وجهها كأنّ ريحًا باردة مرّت عليه.كان بين الاثنين صمتٌ لا يشبه صمت الغرباء. صمتُ من يعرف أنّ أول كلمة ستفتح جرحًا قديمًا لن يُغلق. رأيتُ يزن يبتلع شيئًا كان يريد قوله منذ أربعة وعشرين عامًا، ورأيتُ أمّه تشيح بعينيها عنه كي لا تضعف.— اسمها لينا،
هبّت العاصفة في الليلة التالية دون إنذار.كانت أشجار الحديقة تنحني كأنها تصلّي، والمطر يضرب زجاج المكتبة بقبضاتٍ صغيرة غاضبة. انقطعت الكهرباء في العاشرة، فأضاءت الخادمة الشموع، ثم استأذنت وغابت إلى غرفتها. وبقيتُ جالسةً على الأريكة أقرأ دفتر أمي للمرّة العاشرة، وأحاول أن أجد بين سطورها اسمًا لم أنتبه إليه.سمعتُ خطواته قبل أن أراه.— لماذا لم تنامي؟ — سأل من عند الباب.— وأنتَ؟— لا أنام حين تمطر.جلس على الطرف الآخر من الأريكة، وبيننا الدفتر والشمعة. لم يعد في عينيه ذلك الحذر المحسوب. بدا رجلًا عاريًا من دروعه، أمام امرأةٍ لا تعرف بعدُ ماذا ستفعل به.— حين كنتُ صغيرًا، — قال فجأة، — كان أبي يحبسني في الغرفة أثناء العواصف. يقول إنّ الرجال لا يخافون. وكنتُ أجلس تحت السرير وأعدّ البروق.— وهل كنتَ تخاف؟— كثيرًا.— وأنا كنتُ أخاف من الظلام، — قلتُ. — كانت أمي تضع خاتمها على وسادتي وتقول: «هذا يحرسكِ». وكنتُ أنام.نظر إلى الخاتم في إصبعي، ثم إليّ.رفعتُ يدي ونظرتُ إلى الياقوتة الصغيرة، وتخيّلتُ أمي وهي تضعه على وسادتي في الظلام، أصابعها الدافئة تمسح شعري.— وهل ما زال يحرسكِ؟— لا أعرف.
قفزنا من النافذة إلى سقف مخزنٍ مجاور، ومنه إلى الزقاق. لم أشعر بشيء حين ارتطمت قدمي بالأرض سوى حرارة يده التي لم تترك يدي. ركضنا حتى سيارته المركونة خلف السور، وانطلقنا قبل أن يظهر أحدٌ عند الباب.لم نتكلّم طوال الطريق. كان الدفتر الأخضر على ركبتيّ، أضمّه بكلتا يديّ كأنه رضيعٌ نجا من حريق. ونادين اختفت حين التفتُّ، كأنّ الأرض ابتلعتها.في الفيلّا، أدخلني يزن إلى المكتبة وأغلق الباب. أشعل المصباح، وجلس قبالتي، ووضع على الطاولة ورقةً مطبوعة.قرأتُ العنوان فارتفع حاجباي: «وثيقة إنهاء عقد الزواج».— ما هذا؟— ورقة الطلاق. — قالها بلا انفعال، لكنّ يده التي ضغطت على حافّة الطاولة كانت بيضاء الأصابع. — وقّعتُ عليها وأنا لا أزال في السيارة. أريدكِ أن توقّعي، وسيسدّد محاميّ باقي المبلغ، ويُمحى دين رامي، وتخرجين من هذه القصة كلها.لم أستوعب في البداية. نظرتُ إلى الورقة ثم إليه.— ننهي العقد؟ الآن؟ وأمّي لم تُعثر عليها بعد؟— أمّكِ ستُعثر عليها، وأنا سأتولّى ذلك. لكنّكِ لن تكوني معي.— لماذا؟— لأنّ الأمر صار أخطر ممّا ظننتُ.— لقد قلتَ هذا في اليوم الأول.— لم أكن أعرف يومها ما أعرفه الآن.— وم