Share

الفصل العاشر

Author: Rosalia
last update publish date: 2026-09-22 01:44:49

في مكان بعيد، وتحديدًا في إيطاليا...

كانت ميلانو غارقة في المطر.

خلف النوافذ الزجاجية، كانت أضواء المدينة تنعكس على الشوارع المبللة، بينما خيّم داخل الشقة صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت المطر.

وقف مراد أمام النافذة.

كان في منتصف الثلاثينات، طويلًا، عريض الكتفين، بملامح قاسية جعلت وجهه يبدو أكبر من عمره.

كان قميصه الأسود مفتوحًا عند عنقه، وأكمامه مرفوعة إلى ساعديه، بينما كانت الندبة الممتدة على جانب وجهه تزداد وضوحًا تحت الضوء الخافت.

كانت هناك امرأة في الغرفة.

امرأة أو بالأحرى عاهرة، لم تكن تعرف عنه سوى اسمه.

أما هو، فلم يكن يعرف عنها شيئًا تقريبًا، ولم يكن يريد أن يعرف.

كانت تفوح منها رائحة عطر فرنسي نفاذ يختلط برائحة السجائر، حاولت أن تضع يدها على كتفه، في حركة تحمل من الدلال ما لا يطيقه مراد، لكنه أمسك معصمها فجأة وأوقفها.

تغيرت ملامحه.

كان في عينيه شيء جعلها تتراجع خطوة.

قال بصوت منخفض:

ــــ قلت لكِ... لا تقتربي.

ساد الصمت.

تنفس مراد ببطء، ثم أمرها بالرحيل فورا ونظر إلى انعكاس وجهه في الزجاج.

إلى الندبة.

إلى الرجل الذي أصبحه.

وفجأة...

عاد إليه الماضي.

لم يعد في ميلانو.

كان هناك.

في الحديقة القديمة.

قبل سنوات طويلة.

كان طفلًا في العاشرة تقريبًا، يجلس بعيدًا تحت شجرة كبيرة، يراقب شقيقه الأصغر آدم، الذي كان في السابعة، وهو يركض خلف فتاة صغيرة أميرة، كانت في الخامسة ذات شعر أسود طويل ومجعد.

كانت أميرة تضحك وكانت ضحكتها تملأ الحديقة.

• آدم! أسرع!

صرخت الطفلة وهي تلتفت إليه، وعيناها تلمعان بشقاوة.

ركض آدم خلفها.

-انتظري يا أميرة!

رد آدم وهو يلهث، محاولاً اللحاق بها.

التفتت إليه مرة ثانية، ثم أسرعت نحو البيت.

هز مراد رأسه وهو يراقبهما، كان دائمًا يفضل البقاء بعيدًا عنهما.

كان آدم متعلقًا بأميرة بصورة واضحة.

أما هي، فكانت تتعامل مع آدم وكأنه صديقها المفضل في الوقت نفسه.

دخلا إلى المنزل.

وبعد لحظات، تبعهما مراد من بعيد.

وصل إلى المطبخ.

كان آدم وأميرة يقفزان حول الطاولة، بينما كانت إحدى العاملات منشغلة بإعداد الطعام.

ثم حدث كل شيء في ثانية واحدة.

كانت أميرة تركض إلى الجانب الآخر من المطبخ، ولم تنتبه إلى الأرض التي أصبحت زلقة.

انزلقت قدمها.

شهقت.

وفي اللحظة نفسها، اصطدمت بوعاء قريب من المقلاة.

اهتزت المقلاة.

واندفع الزيت الساخن منها نحو الحافة، في اتجاه المكان الذي كانت تقف فيه.

صرخ آدم: أميرة!

تحرك مراد قبل أن يفكر.

اندفع نحوها، وأمسك بها من ذراعها، ثم دفعها بعيدًا.

لكن الزيت انسكب على وجهه وجانب رقبته.

خرجت من فمه صرخة مكتومة.

شعر بجلده يذوب، وبالنار تنهش ملامحه.

صرخت الطفلة وهي تبكي بنحيب مرير، فاقتربت منه، تحاول لمسه بيدين ترتجفان.

• مراد!

نظر إليها.

كان الألم يحرق جلده.

لكنه لم يهتم.

اقتربت منه أميرة بسرعة، وبدأت تبكي.

• أنا آسفة... أنا آسفة!

نظر إليها مراد بصمت.

ثم قال، رغم الألم:

ــــ هل تأذيتِ؟

هزت رأسها بسرعة، والدموع تبلل وجنتيها.

• لا.

تنفس ببطء.

ثم وضع يده على رأسها.

ــــ إذن لا تبكي.

كان آدم واقفًا بجوارهما، شاحب الوجه.

قال بصوت مرتجف: أخي... وجهك...

نظر مراد إلى يده.

ثم إلى أخيه.

لم يدرك في تلك اللحظة أن هذا الحادث سيغير ملامحه للأبد، وسيرسم على وجهه ندبة لا تُمحى، وستترك في قلبه جرحاً أعمق من حرق الزيت.

عاد صوت المطر.

فتح مراد عينيه.

كان واقفًا أمام النافذة في ميلانو.

يده لا تزال فوق الندبة.

ظل صامتًا... حتى رن هاتفه، ونظر إلى الشاشة.

"أمي."

تنهد بضيق، كانت تتصل به باستمرار منذ سنوات، وفي كل مرة كانت المحادثة تنتهي بالطريقة نفسها.

ضغط زر الإجابة.

ــــ نعم، أمي.

جاءه صوتها من الطرف الآخر، يحمل ذلك المزيج المعتاد من الحنين والعتاب: مراد، متى ستعود؟

أغمض عينيه.

ــــ أخبرتك من قبل، لن أعود.

• قلت هذا الأسبوع الماضي.

ــــ وسأقوله اليوم أيضًا.

ساد الصمت للحظات، ثم قالت أمه بنبرة أكثر هدوءًا: لقد مرت سنوات يا مراد.

لم يجب.

• أبوك لم يعد كما كان، وآدم...

قاطعها فورًا: لا تتحدثي عن آدم.

تنهدت.

• إنه أخوك.

فتح مراد عينيه ونظر إلى المطر.

ــــ أعرف.

• إذن عد.

ضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح.

ــــ إلى ماذا؟

• إلى عائلتك.

شد مراد فكه.

ثم قال: عائلتي انتهت بالنسبة لي منذ زمن.

• لا تقل هذا.

ــــ إنها الحقيقة.

سمع صوت أمه يضعف قليلًا.

• أنا أمك يا مراد.. أمك

أطرق رأسه.

كانت تلك الجملة الوحيدة التي استطاعت دائمًا أن تجعله يصمت.

لم يكن يكرهها، بل ربما كانت الشخص الوحيد الذي لم يستطع أن يكرهه.

لكن العودة...كانت شيئًا آخر.

قالت: تعال لبضعة أيام فقط، اجلس معنا، تحدث مع آدم، عد إلى المغرب يا مراد.

أغمض عينيه لحظة ثم فتحهما فجأة.

ــــ لا أستطيع.

قالت أمه بصوت خافت: لماذا؟

لم يجب، لأنه هو نفسه لم يكن يعرف إن كان يخشى العودة إلى المغرب...أم يخشى ما قد يجده هناك.

قال أخيرًا: سأفكر في الأمر.

• هل هذا وعد؟

نظر إلى انعكاسه في النافذة.

ثم أجاب: لا.

أنهى المكالمة.

ظل الهاتف في يده لثوانٍ.

وفي الخارج، استمر المطر بالهطول.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل الحادي عشر

    في الجناح الشرقي للقصر.كانت الليلة هادئة على غير عادتها.خفتت أصوات العاملين في الممرات، وانطفأت معظم أضواء القصر، بينما بقي ضوء خافت يتسلل من غرفة الوالدين؛ سلمى وأحمد.كانت سلمى تستند إلى صدر أحمد وهي ترتدي رداء نوم أبيض حريري.كانت امرأة فائقة الجمال في خمسيناتها، بشعر أشقر وعينين بلون العسل،جلس أحمد أمامها، يطبع قبلات رقيقة على كتفها ويُداعب شعرها، مستمعاً في صمت. وضعت سلمى هاتفها على الطاولة، ثم تنهدت بعمق.• تحدثت مع مراد.رفع أحمد عينيه إليها.— ماذا قال؟ابتسمت ابتسامة حزينة.• كالعادة... لن يعود.خفض أحمد نظره.قالت سلمى:• أنا حقا لا أفهمه يا أحمد، منذ سنوات وهو يعيش في إيطاليا وكأنه لا يملك عائلة هنا، لا يريد العودة، لا يريد أن يتحدث معنا، وحتى عندما أتصل به أشعر وكأنني أزعجه.سكتت للحظة، ثم أضافت:• إنه ابني، ومع ذلك أشعر أنني فقدته وهو لا يزال حيًا.ظل أحمد صامتًا.تابعت سلمى بصوت أكثر انكسارًا:• مراد كان مختلفًا قبل كل شيء.نظر إليها أحمد— كلنا تغيرنا يا سلمى.هزت رأسها.• لا... ليس بهذه الطريقة.أطرقت عينيها.• منذ اختفاء أميرة، لم يعد أحد كما كان.تغيرت ملامح أحمد

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل العاشر

    في مكان بعيد، وتحديدًا في إيطاليا...كانت ميلانو غارقة في المطر.خلف النوافذ الزجاجية، كانت أضواء المدينة تنعكس على الشوارع المبللة، بينما خيّم داخل الشقة صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت المطر.وقف مراد أمام النافذة.كان في منتصف الثلاثينات، طويلًا، عريض الكتفين، بملامح قاسية جعلت وجهه يبدو أكبر من عمره.كان قميصه الأسود مفتوحًا عند عنقه، وأكمامه مرفوعة إلى ساعديه، بينما كانت الندبة الممتدة على جانب وجهه تزداد وضوحًا تحت الضوء الخافت.كانت هناك امرأة في الغرفة.امرأة أو بالأحرى عاهرة، لم تكن تعرف عنه سوى اسمه.أما هو، فلم يكن يعرف عنها شيئًا تقريبًا، ولم يكن يريد أن يعرف.كانت تفوح منها رائحة عطر فرنسي نفاذ يختلط برائحة السجائر، حاولت أن تضع يدها على كتفه، في حركة تحمل من الدلال ما لا يطيقه مراد، لكنه أمسك معصمها فجأة وأوقفها.تغيرت ملامحه.كان في عينيه شيء جعلها تتراجع خطوة.قال بصوت منخفض: ــــ قلت لكِ... لا تقتربي.ساد الصمت.تنفس مراد ببطء، ثم أمرها بالرحيل فورا ونظر إلى انعكاس وجهه في الزجاج.إلى الندبة.إلى الرجل الذي أصبحه.وفجأة...عاد إليه الماضي.لم يعد في ميلانو.كان هناك.في ال

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل التاسع

    وصل الطبيب بعد دقائق قليلة.كانت خطواته سريعة وهو يدخل إلى الممر برفقة أحد العاملين، بينما كانت سارة لا تزال جاثية بجانب ريم، تراقب جسدها الذي بدأ يهدأ تدريجيًا بعد النوبة.أما آدم، فكان واقفًا بالقرب منها، وجهه شاحب على غير عادته، وعيناه لا تفارقانها.اقترب الطبيب منها فورًا.- ابتعدوا قليلًا من فضلكم.تراجعت سارة، بينما بقي آدم مكانه للحظات قبل أن يتحرك ببطء.انحنى الطبيب لفحص ريم، راقب تنفسها، نبضها، وحركة عينيها، ثم فتح حقيبته وأخرج بعض أدواته.مرّت دقائق بدت طويلة على الجميع.وأخيرًا، رفع الطبيب رأسه.- إنها بخير.تنفسَت سارة براحة واضحة.أما آدم فسأله مباشرة:— ماذا حدث لها؟أعاد الطبيب ترتيب أدواته وقال بنبرة هادئة: يبدو أنها تعرضت لنوبة صرع مفاجئة.تغيرت ملامح آدم.— صرع؟- نعم، قد تحدث مثل هذه النوبات بشكل مفاجئ، خصوصًا مع الإجهاد الشديد، قلة النوم، الضغط النفسي أو الإرهاق.نظر آدم إلى ريم، كانت مستلقية على الأرض، شاحبة وهادئة الآن، وشعرها مبعثر حول وجهها.قال الطبيب:— لا أستطيع تحديد السبب الدقيق من نوبة واحدة فقط، لكنها في الوقت الحالي مستقرة، تحتاج إلى الراحة، والنوم الكا

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل الثامن

    حلّ الصباح على القصر بعد ليلة طويلة من الاحتفال.اختفت الموسيقى، وغادرت معظم الضيوف، لكن القصر لم يستعد هدوءه بعد.منذ الساعات الأولى، بدأ العاملون في تنظيفه بالكامل.كانت الطاولات تُفرغ من بقايا الطعام، والأكواب تُجمع، والشموع التي ذابت أطرافها تُستبدل بأخرى جديدة.وفي الممرات، كان صوت المكانس وحركة العاملين يملآن الصمت الذي خلّفته ليلة رأس السنة.كانت ريم تعمل منذ الصباح.تشعر بالإرهاق، لكنها لم تتوقف.كانت تحمل سلة صغيرة بيدها، وتسير في الممرات حاملة بعض الأشياء التي طلبت منها سارة التخلص منها.وحين وصلت إلى الطابق العلوي، مرّت بجانب جناح آدم.توقفت للحظة.كان الباب مفتوحًا.عبست باستغراب.لطالما كان آدم شديد الحرص على إبقاء جناحه مغلقًا، وسبق أن حذرتها أكثر من مرة من الاقتراب منه.نظرت حولها.لم يكن هناك أحد.ثم لمحت شيئًا داخل الغرفة.سلة نفايات، كانت ممتلئة بالأوراق.ترددت.قالت لنفسها إنها لن تدخل سوى لثوانٍ.ستأخذ السلة وتفرغها، ثم تغادر.خطت إلى الداخل بسرعة.كانت الغرفة مرتبة بشكل مثالي، كما توقعت.كل شيء في مكانه.. الأثاث الفخم، الستائر الثقيلة، المكتب الواسع، والسرير المرت

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل السابع

    حلّت ليلة رأس السنة.ومنذ ساعات الصباح، كان القصر مختلفًا، الأضواء تملأ الممرات، والشموع موزعة فوق الطاولات، بينما كانت القاعة الكبرى تستعد لاستقبال الضيوف.أصوات العاملين لا تتوقف.. ضحكات متقطعة.. أطباق تُنقل إلى المطبخ وموسيقى هادئة تأتي من القاعة.كل شيء كان يوحي بأن الليلة لن تكون عادية.أما ريم... فقد وقفت أمام المرآة في غرفتها.للمرة الأولى منذ وصولها إلى القصر، لم ترتدِ ملابس العمل.كان الثوب الأحمر طويلًا وأنيقًا، ينساب على جسدها ويبرز قوامها الأنثوي الممتلئ بطريقة أنيقة.نظرت إلى نفسها للحظات وشعرت بأنها مختلفة، أكثر ثقة وأكثر جمالا وأنوثة.رفعت شعرها الأسود في تسريحة مرتبة، وتركت بعض الخصلات تنسدل برقة حول وجهها، ثم وضعت عدساتها البنية كعادتها.تأملت انعكاسها في المرآة وابتسمت ابتسامة صغيرة.— هل هذه أنا فعلًا؟لم تكن معتادة على رؤية نفسها بهذه الصورة، لكنها لم تكن تعرف أن شخصًا آخر سيراها بطريقة مختلفة تمامًا.---في القاعة الكبرى، بدأ الضيوف بالوصول.رجال ببدلات أنيقة ونساء بفساتين فاخرة، ضحكات وأحاديث.وفي وسط كل ذلك، كان آدم يقف بجانب والديه.كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة،

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل السادس

    تجاوزت الساعة منتصف الليل بقليل.كان القصر غارقًا في الصمت، وفي الطابق العلوي، كان آدم يقف أمام نافذة مكتبه، ينظر إلى الحديقة المغطاة بالثلج.منذ أن غادر غرفة ريم..لم يستطع التركيز.حاول العودة إلى عمله.فتح ملفًا وقرأ سطرين منه، ثم أغلقه.حاول النوم، لكنه لم يستطع إليه سبيلا فظل مستيقظًا.لم يكن يعرف السبب.كلما أغمض عينيه، رأى وجهها الشاحب.وتلك الطريقة التي عضت بها شفتها.نفس الحركة، نفس النظرة المتألمة.رفع يده ومسح وجهه بضيق.• «هذا سخيف.»ظل صامتًا للحظات، ثم خرج من مكتبه.كان الممر مظلمًا إلا من أضواء خافتة على الجدران.فتوقف آدم أمام باب غرفة ريم ولم يعرف حتى لماذا جاء إلى هنا.كان يستطيع أن يطلب من سارة الاطمئنان عليها، كان يستطيع أن يسأل الطبيب في الصباح.لم يكن هناك أي سبب يجعله يأتي بنفسه.ومع ذلك...كانت يده قد وصلت إلى مقبض الباب.تردد للحظة، ثم فتحه ببطء ودخل.كانت الغرفة مظلمة، ولم يكن فيها سوى ضوء القمر المتسلل من النافذة.أغلق الباب خلفه دون صوت، ثم نظر إلى السرير.كانت ريم نائمة، بهدوء هذه المرة.لم تكن تتحرك كثيرا كما كانت في بداية مرضها.اقترب منها، ثم توقف بجانب ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status