LOGINوصل الطبيب بعد دقائق قليلة.
كانت خطواته سريعة وهو يدخل إلى الممر برفقة أحد العاملين، بينما كانت سارة لا تزال جاثية بجانب ريم، تراقب جسدها الذي بدأ يهدأ تدريجيًا بعد النوبة. أما آدم، فكان واقفًا بالقرب منها، وجهه شاحب على غير عادته، وعيناه لا تفارقانها. اقترب الطبيب منها فورًا. - ابتعدوا قليلًا من فضلكم. تراجعت سارة، بينما بقي آدم مكانه للحظات قبل أن يتحرك ببطء. انحنى الطبيب لفحص ريم، راقب تنفسها، نبضها، وحركة عينيها، ثم فتح حقيبته وأخرج بعض أدواته. مرّت دقائق بدت طويلة على الجميع. وأخيرًا، رفع الطبيب رأسه. - إنها بخير. تنفسَت سارة براحة واضحة. أما آدم فسأله مباشرة: — ماذا حدث لها؟ أعاد الطبيب ترتيب أدواته وقال بنبرة هادئة: يبدو أنها تعرضت لنوبة صرع مفاجئة. تغيرت ملامح آدم. — صرع؟ - نعم، قد تحدث مثل هذه النوبات بشكل مفاجئ، خصوصًا مع الإجهاد الشديد، قلة النوم، الضغط النفسي أو الإرهاق. نظر آدم إلى ريم، كانت مستلقية على الأرض، شاحبة وهادئة الآن، وشعرها مبعثر حول وجهها. قال الطبيب: — لا أستطيع تحديد السبب الدقيق من نوبة واحدة فقط، لكنها في الوقت الحالي مستقرة، تحتاج إلى الراحة، والنوم الكافي، وتجنب الإجهاد. سأله آدم: وهل الأمر خطير؟ - ليس بالضرورة، لكن إذا تكررت النوبة، فمن الأفضل أن تخضع لفحوصات طبية كاملة. ظل آدم صامتًا للحظات. ثم سأل: ومتى ستستيقظ؟ - قد تحتاج إلى بعض الوقت، دعوها ترتاح. هز آدم رأسه. — حسنًا. اقتربت سارة من الطبيب. ـ هل يمكننا نقلها إلى غرفتها؟ — نعم، ولكن بهدوء. تقدم أحد العاملين ليساعد في نقلها، لكن آدم أوقفه. — أنا سأحملها. التفتت إليه سارة بدهشة بسيطة. لكنه لم ينتظر ردًا، وانحنى آدم وحمل ريم بين ذراعيه بحذر، ثم سار بها نحو غرفتها. وضعها على سريرها بهدوء. سحب الغطاء فوقها، ثم جلس على الكرسي القريب من السرير. أما سارة فبقيت عند الباب. - سيدي؟ رفع آدم عينيه إليها. — ماذا؟ - هل تحتاج إلى شيء؟ هز رأسه. — لا. ترددت للحظة قبل أن تسأله: هل تريدني أن أبقى معها؟ نظر آدم إلى ريم. — لا. اذهبي وارتاحي. أومأت سارة وغادرت. بقي آدم جالسًا وحده، عيناه معلقتين بوجه ريم. تذكر اللحظة التي وجدها فيها في الممر. تذكر عينيها المذعورتين. وتذكر الكلمات التي نطقتها قبل أن تفقد وعيها. اقترب قليلًا. — ماذا كنتِ تقولين؟ لم تجبه.. بالطبع لم تجبه، فقد كانت غارقة في نوم عميق. ظل ينظر إليها ويعيد في ذهنه ما سمعه. «آدم... أ... أنا...» أنا ماذا؟ هل كانت تحاول إخباره بشيء؟ هل كانت ترى شيئًا؟ أم أنها كانت تهذي بسبب النوبة؟ مرر يده على وجهه بضيق. --- خارج الغرفة، استمرت حركة العاملين في القصر، لكن داخلها كان كل شيء ساكنًا. ريم نائمة، أما آدم فبقي في مكانه. لم يشعر بالوقت. حتى بدأت أصابعها تتحرك قليلًا. رفع رأسه فورًا. فتحت ريم عينيها ببطء.. كانت رؤيتها ضبابية في البداية. نظرت إلى السقف، ثم إلى الجدار، ولم تعرف أين هي. حاولت أن تتحرك. فشعرت بثقل في جسدها. • آه... اقترب آدم فورًا. — لا تتحركي بسرعة. انتقلت عيناها إليه وتجمدت للحظة. • سيدي...؟ — كيف تشعرين؟ رمشت عدة مرات. • أنا... لا أعرف. سحب آدم الكرسي قليلًا نحوها. — هل تشعرين بألم؟ وضعت ريم يدها على رأسها. • رأسي يؤلمني قليلًا. — هذا طبيعي بعد ما حدث. نظرت إليه باستغراب. • ما الذي حدث؟ نظر آدم إليها طويلًا. — ألا تتذكرين؟ هزت رأسها ببطء. • لا. كانت تحاول أن تستعيد ما حدث. الممر... الغرفة... الصورة... ثم شيء آخر.. شيء بعيد جدًا. أغلقت عينيها. ظهرت في ذهنها صورة سريعة لحديقة واسعة، لكن الصورة اختفت بسرعة. قال آدم: — ماذا تذكرتِ؟ نظرت إليه. ترددت. ثم هزت رأسها. • لا شيء سيدي. ظل يراقبها. — أنتِ متأكدة؟ • نعم. لم يكن مقتنعًا تمامًا. قال بعد لحظات: — تعرضتِ لنوبة مفاجئة. اتسعت عيناها. • نوبة؟ — الطبيب قال إنها مرتبطة بالإجهاد. خفضت ريم عينيها. • لا أتذكر شيئًا. — هذا طبيعي. رفعت عينيها إليه. • هل... كنت هنا؟ ظلت ريم تنظر إليه للحظات. — نعم... كنت هنا. قالها آدم ببساطة، وكأن الأمر لا يحمل أي أهمية. لكن ريم لم تستطع منع نفسها من الشعور بالدهشة. نظرت إليه مرة أخرى، ثم إلى الكرسي الذي كان يجلس عليه بجانب سريرها. خفضت عينيها قليلًا، ثم عادت لتنظر إليه. لم تكن معتادة على هذا النوع من الاهتمام منه. لطالما كان آدم باردًا، حازمًا، قليل الكلام معها، وكثيرًا ما جعلها تشعر بأنه لا يريد وجودها بالقرب منه. أما الآن... فقد كان أول شخص رأته عندما فتحت عينيها. وأول شخص سألها عن حالها. وأول شخص بقي بجانبها حتى استيقظت.في الجناح الشرقي للقصر.كانت الليلة هادئة على غير عادتها.خفتت أصوات العاملين في الممرات، وانطفأت معظم أضواء القصر، بينما بقي ضوء خافت يتسلل من غرفة الوالدين؛ سلمى وأحمد.كانت سلمى تستند إلى صدر أحمد وهي ترتدي رداء نوم أبيض حريري.كانت امرأة فائقة الجمال في خمسيناتها، بشعر أشقر وعينين بلون العسل،جلس أحمد أمامها، يطبع قبلات رقيقة على كتفها ويُداعب شعرها، مستمعاً في صمت. وضعت سلمى هاتفها على الطاولة، ثم تنهدت بعمق.• تحدثت مع مراد.رفع أحمد عينيه إليها.— ماذا قال؟ابتسمت ابتسامة حزينة.• كالعادة... لن يعود.خفض أحمد نظره.قالت سلمى:• أنا حقا لا أفهمه يا أحمد، منذ سنوات وهو يعيش في إيطاليا وكأنه لا يملك عائلة هنا، لا يريد العودة، لا يريد أن يتحدث معنا، وحتى عندما أتصل به أشعر وكأنني أزعجه.سكتت للحظة، ثم أضافت:• إنه ابني، ومع ذلك أشعر أنني فقدته وهو لا يزال حيًا.ظل أحمد صامتًا.تابعت سلمى بصوت أكثر انكسارًا:• مراد كان مختلفًا قبل كل شيء.نظر إليها أحمد— كلنا تغيرنا يا سلمى.هزت رأسها.• لا... ليس بهذه الطريقة.أطرقت عينيها.• منذ اختفاء أميرة، لم يعد أحد كما كان.تغيرت ملامح أحمد
في مكان بعيد، وتحديدًا في إيطاليا...كانت ميلانو غارقة في المطر.خلف النوافذ الزجاجية، كانت أضواء المدينة تنعكس على الشوارع المبللة، بينما خيّم داخل الشقة صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت المطر.وقف مراد أمام النافذة.كان في منتصف الثلاثينات، طويلًا، عريض الكتفين، بملامح قاسية جعلت وجهه يبدو أكبر من عمره.كان قميصه الأسود مفتوحًا عند عنقه، وأكمامه مرفوعة إلى ساعديه، بينما كانت الندبة الممتدة على جانب وجهه تزداد وضوحًا تحت الضوء الخافت.كانت هناك امرأة في الغرفة.امرأة أو بالأحرى عاهرة، لم تكن تعرف عنه سوى اسمه.أما هو، فلم يكن يعرف عنها شيئًا تقريبًا، ولم يكن يريد أن يعرف.كانت تفوح منها رائحة عطر فرنسي نفاذ يختلط برائحة السجائر، حاولت أن تضع يدها على كتفه، في حركة تحمل من الدلال ما لا يطيقه مراد، لكنه أمسك معصمها فجأة وأوقفها.تغيرت ملامحه.كان في عينيه شيء جعلها تتراجع خطوة.قال بصوت منخفض: ــــ قلت لكِ... لا تقتربي.ساد الصمت.تنفس مراد ببطء، ثم أمرها بالرحيل فورا ونظر إلى انعكاس وجهه في الزجاج.إلى الندبة.إلى الرجل الذي أصبحه.وفجأة...عاد إليه الماضي.لم يعد في ميلانو.كان هناك.في ال
وصل الطبيب بعد دقائق قليلة.كانت خطواته سريعة وهو يدخل إلى الممر برفقة أحد العاملين، بينما كانت سارة لا تزال جاثية بجانب ريم، تراقب جسدها الذي بدأ يهدأ تدريجيًا بعد النوبة.أما آدم، فكان واقفًا بالقرب منها، وجهه شاحب على غير عادته، وعيناه لا تفارقانها.اقترب الطبيب منها فورًا.- ابتعدوا قليلًا من فضلكم.تراجعت سارة، بينما بقي آدم مكانه للحظات قبل أن يتحرك ببطء.انحنى الطبيب لفحص ريم، راقب تنفسها، نبضها، وحركة عينيها، ثم فتح حقيبته وأخرج بعض أدواته.مرّت دقائق بدت طويلة على الجميع.وأخيرًا، رفع الطبيب رأسه.- إنها بخير.تنفسَت سارة براحة واضحة.أما آدم فسأله مباشرة:— ماذا حدث لها؟أعاد الطبيب ترتيب أدواته وقال بنبرة هادئة: يبدو أنها تعرضت لنوبة صرع مفاجئة.تغيرت ملامح آدم.— صرع؟- نعم، قد تحدث مثل هذه النوبات بشكل مفاجئ، خصوصًا مع الإجهاد الشديد، قلة النوم، الضغط النفسي أو الإرهاق.نظر آدم إلى ريم، كانت مستلقية على الأرض، شاحبة وهادئة الآن، وشعرها مبعثر حول وجهها.قال الطبيب:— لا أستطيع تحديد السبب الدقيق من نوبة واحدة فقط، لكنها في الوقت الحالي مستقرة، تحتاج إلى الراحة، والنوم الكا
حلّ الصباح على القصر بعد ليلة طويلة من الاحتفال.اختفت الموسيقى، وغادرت معظم الضيوف، لكن القصر لم يستعد هدوءه بعد.منذ الساعات الأولى، بدأ العاملون في تنظيفه بالكامل.كانت الطاولات تُفرغ من بقايا الطعام، والأكواب تُجمع، والشموع التي ذابت أطرافها تُستبدل بأخرى جديدة.وفي الممرات، كان صوت المكانس وحركة العاملين يملآن الصمت الذي خلّفته ليلة رأس السنة.كانت ريم تعمل منذ الصباح.تشعر بالإرهاق، لكنها لم تتوقف.كانت تحمل سلة صغيرة بيدها، وتسير في الممرات حاملة بعض الأشياء التي طلبت منها سارة التخلص منها.وحين وصلت إلى الطابق العلوي، مرّت بجانب جناح آدم.توقفت للحظة.كان الباب مفتوحًا.عبست باستغراب.لطالما كان آدم شديد الحرص على إبقاء جناحه مغلقًا، وسبق أن حذرتها أكثر من مرة من الاقتراب منه.نظرت حولها.لم يكن هناك أحد.ثم لمحت شيئًا داخل الغرفة.سلة نفايات، كانت ممتلئة بالأوراق.ترددت.قالت لنفسها إنها لن تدخل سوى لثوانٍ.ستأخذ السلة وتفرغها، ثم تغادر.خطت إلى الداخل بسرعة.كانت الغرفة مرتبة بشكل مثالي، كما توقعت.كل شيء في مكانه.. الأثاث الفخم، الستائر الثقيلة، المكتب الواسع، والسرير المرت
حلّت ليلة رأس السنة.ومنذ ساعات الصباح، كان القصر مختلفًا، الأضواء تملأ الممرات، والشموع موزعة فوق الطاولات، بينما كانت القاعة الكبرى تستعد لاستقبال الضيوف.أصوات العاملين لا تتوقف.. ضحكات متقطعة.. أطباق تُنقل إلى المطبخ وموسيقى هادئة تأتي من القاعة.كل شيء كان يوحي بأن الليلة لن تكون عادية.أما ريم... فقد وقفت أمام المرآة في غرفتها.للمرة الأولى منذ وصولها إلى القصر، لم ترتدِ ملابس العمل.كان الثوب الأحمر طويلًا وأنيقًا، ينساب على جسدها ويبرز قوامها الأنثوي الممتلئ بطريقة أنيقة.نظرت إلى نفسها للحظات وشعرت بأنها مختلفة، أكثر ثقة وأكثر جمالا وأنوثة.رفعت شعرها الأسود في تسريحة مرتبة، وتركت بعض الخصلات تنسدل برقة حول وجهها، ثم وضعت عدساتها البنية كعادتها.تأملت انعكاسها في المرآة وابتسمت ابتسامة صغيرة.— هل هذه أنا فعلًا؟لم تكن معتادة على رؤية نفسها بهذه الصورة، لكنها لم تكن تعرف أن شخصًا آخر سيراها بطريقة مختلفة تمامًا.---في القاعة الكبرى، بدأ الضيوف بالوصول.رجال ببدلات أنيقة ونساء بفساتين فاخرة، ضحكات وأحاديث.وفي وسط كل ذلك، كان آدم يقف بجانب والديه.كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة،
تجاوزت الساعة منتصف الليل بقليل.كان القصر غارقًا في الصمت، وفي الطابق العلوي، كان آدم يقف أمام نافذة مكتبه، ينظر إلى الحديقة المغطاة بالثلج.منذ أن غادر غرفة ريم..لم يستطع التركيز.حاول العودة إلى عمله.فتح ملفًا وقرأ سطرين منه، ثم أغلقه.حاول النوم، لكنه لم يستطع إليه سبيلا فظل مستيقظًا.لم يكن يعرف السبب.كلما أغمض عينيه، رأى وجهها الشاحب.وتلك الطريقة التي عضت بها شفتها.نفس الحركة، نفس النظرة المتألمة.رفع يده ومسح وجهه بضيق.• «هذا سخيف.»ظل صامتًا للحظات، ثم خرج من مكتبه.كان الممر مظلمًا إلا من أضواء خافتة على الجدران.فتوقف آدم أمام باب غرفة ريم ولم يعرف حتى لماذا جاء إلى هنا.كان يستطيع أن يطلب من سارة الاطمئنان عليها، كان يستطيع أن يسأل الطبيب في الصباح.لم يكن هناك أي سبب يجعله يأتي بنفسه.ومع ذلك...كانت يده قد وصلت إلى مقبض الباب.تردد للحظة، ثم فتحه ببطء ودخل.كانت الغرفة مظلمة، ولم يكن فيها سوى ضوء القمر المتسلل من النافذة.أغلق الباب خلفه دون صوت، ثم نظر إلى السرير.كانت ريم نائمة، بهدوء هذه المرة.لم تكن تتحرك كثيرا كما كانت في بداية مرضها.اقترب منها، ثم توقف بجانب ا