Share

الفصل الحادي عشر

Author: Rosalia
last update publish date: 2026-09-22 05:04:56

في الجناح الشرقي للقصر.

كانت الليلة هادئة على غير عادتها.

خفتت أصوات العاملين في الممرات، وانطفأت معظم أضواء القصر، بينما بقي ضوء خافت يتسلل من غرفة الوالدين؛ سلمى وأحمد.

كانت سلمى تستند إلى صدر أحمد وهي ترتدي رداء نوم أبيض حريري.

كانت امرأة فائقة الجمال في خمسيناتها، بشعر أشقر وعينين بلون العسل،

جلس أحمد أمامها، يطبع قبلات رقيقة على كتفها ويُداعب شعرها، مستمعاً في صمت.

وضعت سلمى هاتفها على الطاولة، ثم تنهدت بعمق.

• تحدثت مع مراد.

رفع أحمد عينيه إليها.

— ماذا قال؟

ابتسمت ابتسامة حزينة.

• كالعادة... لن يعود.

خفض أحمد نظره.

قالت سلمى:

• أنا حقا لا أفهمه يا أحمد، منذ سنوات وهو يعيش في إيطاليا وكأنه لا يملك عائلة هنا، لا يريد العودة، لا يريد أن يتحدث معنا، وحتى عندما أتصل به أشعر وكأنني أزعجه.

سكتت للحظة، ثم أضافت:

• إنه ابني، ومع ذلك أشعر أنني فقدته وهو لا يزال حيًا.

ظل أحمد صامتًا.

تابعت سلمى بصوت أكثر انكسارًا:

• مراد كان مختلفًا قبل كل شيء.

نظر إليها أحمد

— كلنا تغيرنا يا سلمى.

هزت رأسها.

• لا... ليس بهذه الطريقة.

أطرقت عينيها.

• منذ اختفاء أميرة، لم يعد أحد كما كان.

تغيرت ملامح أحمد قليلًا، لكن سلمى لم تنتبه، أو ربما اختارت ألا تتوقف عند ذلك.

• انظر إلى آدم.

تنهدت.

• أصبح قاسيًا أكثر مما ينبغي، قليل الكلام، منعزل في جناحه، وكأنه يعيش داخل جدار لا يسمح لأحد بالاقتراب منه.

صمت أحمد.

— أحيانًا أنظر إليه وأشعر أنني لا أعرفه هو الٱخر.

ثم رفعت عينيها إليه.

• كان طفلًا مختلفًا قبل أن تختفي أميرة.

توقفت للحظة.

• كان يضحك أكثر.

ساد الصمت في الغرفة.

قال أحمد أخيرًا:

— آدم يحمل ذنبه بطريقته.

نظرت إليه سلمى باستغراب.

• ذنبه؟

— ليس بالضرورة ذنبًا حقيقيًا.

أخذ نفسًا بطيئًا.

— أحيانًا الإنسان يعاقب نفسه على أشياء لم يكن يستطيع منعها.

خفضت سلمى رأسها.

• أعرف.

ثم ابتسمت بحزن.

• لكن ماذا عن سيرين وياسمين؟

تغير صوتها.

• هما أيضًا كبرتا وسط هذه الفوضى.

كانت ابنتاهما التوأم في الحادية والعشرين من عمرهما الآن.

شابتان يفترض أن تعيشا حياتهما، وتبنيا مستقبلهما، وتفكرا في الحب والزواج والعمل...

لكن القصر الذي نشأتا فيه كان يحمل فوق جدرانه تاريخًا لم تستطيعا الهروب منه.

قالت سلمى:

• سيرين تحاول دائمًا أن تبدو قوية، وياسمين تخفي كل شيء خلف ابتسامتها.

ثم مسحت بيدها على وجهها.

• أخشى أن يأتي يوم ونستيقظ فيه فنجد أن كل واحد منا أصبح يعيش وحده.

رفع أحمد عينيه إليها.

— سلمى...

• أخشى أن تتفكك عائلتنا أكثر.

ساد صمت طويل.

ثم ضمها أحمد إلى صدره أكثره.

— لن تتفكك.

نظرت إليه.

• كيف أنت متأكد؟

— لأننا مهما ابتعدنا، نبقى عائلة.

ابتسمت بمرارة.

• وهل تكفي كلمة "عائلة" لإصلاح كل شيء؟

لم يجب فورًا.

ثم قال بهدوء:

— كل واحد منا يحمل جرحًا يا سلمى.

نظر إلى الباب المغلق.

— مراد يحمل جرحه بطريقته.

ثم أضاف:

— آدم يحمل جرحه بطريقته.

وسكت قليلًا قبل أن يقول: وأنتِ تحملين جرحك وجراح أبنائنا أيضًا.

ساد الصمت.

كان واضحًا أن الجميع يحمل شيئًا لم يعرف كيف يتعامل معه.

شيئًا بقي مدفونًا تحت سنوات طويلة من الصمت.

رفعت سلمى عينيها إلى زوجها.

كان هناك سؤال يثقل صدرها منذ سنوات.

ترددت قبل أن تنطق به.

ثم قالت:

• إلى متى سنبقى ندفع ثمن ما حدث لأميرة؟

تجمد أحمد وتغير وجهه فورًا.

لم يجب.

لاحظت سلمى ذلك.

حدقت فيه طويلًا.

• أحمد؟

ظل صامتًا.

• لماذا تغير وجهك؟

أشاح بنظره عنها.

— لا شيء.

• بل هناك شيء.

اقتربت منه قليلًا.

• كلما تحدثنا عن أميرة، تتصرف وكأنك تخفي شيئًا.

رفع أحمد عينيه إليها.

كانت نظرته مختلفة هذه المرة.

أكثر ثقلًا.

أكثر توترًا.

قالت سلمى:

• هل هناك شيء لم تخبرني به؟

— لا.

جاءت الإجابة سريعة.. لكنها لم تطمئنها.

• هل تعتقد أن أميرة ماتت فعلًا؟

لم يجب أحمد.

مرت ثانية.

ثم أخرى.

وثالثة.

ظل ينظر إلى مكان بعيد، وكأن السؤال أعاده إلى زمن لا يريد العودة إليه.

خفض رأسه قليلًا، وحين تكلم أخيرًا، خرج صوته منخفضًا:

— لا أعرف، لكنني ٱمل أنها ليست كذلك.

نظرت إليه سلمى بدهشة.

كانت تلك الكلمات أبعد ما توقعت أن تسمعه.

أما أحمد...

فبقي صامتًا.

وكأن كلمة واحدة أعادت فتح باب حاول إغلاقه لسنوات.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل: الثالث عشر

    ريم: جدتي... أريد أن أسألك عن شيء.نظرت إليها الجدة باهتمام.الجدة: اسألي عزيزتي.ترددت ريم.• عن طفولتي.ساد الصمت.تغيرت ملامح الجدة للحظة.لاحظت ريم ذلك فورًا.• أنتِ تعرفين شيئًا، أليس كذلك؟تنهدت الجدة.- ماذا تريدين أن تعرفي؟• كل شيء.ثم أضافت بصوت أخفض: خصوصًا عن اليوم الذي وجدتني فيه بعد الحادث.تجمدت ملامح الجدة.كانت تلك الذكرى قديمة، لكنها لم تختفِ من عقلها.جلست ريم أقرب إليها.• كنت طفلة، أليس كذلك؟أومأت الجدة.- نعم كنتِ صغيرة جدًا... ربما خمس أو ست سنوات. خفضت ريم عينيها.• وماذا حدث؟أخذت الجدة نفسًا طويلًا.- وجدتك بعد الحادث.• أين؟صمتت الجدة قليلًا.• في مكان بعيد عن القرية.رفعت ريم رأسها بسرعة.• أي قرية؟ترددت الجدة.- قرية قديمة جدا.• وما اسمها؟لم تجب.• جدتي...نظرت إليها الجدة بحزن.- لا أتذكر كل شيء يا ريم.عبست ريم.• لكنك كنتِ هناك يا جدتي.- نعم.• إذن كيف وجدتني؟ أخفضت الجدة عينيها.- كنتِ خائفة جدًا.سكتت ريم.تابعت الجدة: عندما رأيتك للمرة الأولى، كنتِ جالسة وحدك، ملابسك متسخة، ووجهك مليئًا بالكدمات و الغبار، وكنتِ تبكين.توقفت للحظة.- لم تكوني

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل الثاني عشر

    في صباح اليوم التالي... استيقظت ريم وهي تشعر بثقل في جسدها.فتحت عينيها ببطء، وظلت للحظات تحدق في السقف دون أن تتحرك.كان رأسها لا يزال يؤلمها قليلًا.وضعت يدها على جبينها، ثم حاولت الجلوس وتوقفت للحظة عندما تذكرت ما قاله الطبيب.نوبة مفاجئة.إرهاق.راحة.لكنها لم تكن معتادة على الراحة ولم تكن تريد أن تتأخر عن عملها.ارتدت ملابسها ببطء، وربطت شعرها الأسود، ثم وضعت عدساتها البنية كعادتها.نظرت إلى نفسها في المرآة.لثوانٍ، لم تعرف لماذا شعرت بانقباض في صدرها.كانت هناك صورة لا تزال عالقة في ذهنها.فتاة صغيرة.. شعر أسود مجعد وعينان زرقاوان.تلك الصورة التي رأتها في غرفة آدم.وضعت يدها على صدرها.• من تكونين؟لم تجد جوابًا.-------------------------بدأت ريم عملها كالمعتاد.كانت تحمل بعض الملابس وتعيد ترتيب إحدى الغرف، ثم انتقلت إلى الممرات، لكنها لم تستطع التركيز.كانت يداها تعملان، بينما عقلها بقي في مكان آخر.وبعد فترة، وجدت سارة في المطبخ.كانت سارة ترتب بعض الأشياء فوق الطاولة.اقتربت منها ريم.• سارة؟التفتت إليها.- نعم؟ترددت ريم للحظة.• أريد أن أسألك عن شيء.- اسألي.خفضت ريم صو

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل الحادي عشر

    في الجناح الشرقي للقصر.كانت الليلة هادئة على غير عادتها.خفتت أصوات العاملين في الممرات، وانطفأت معظم أضواء القصر، بينما بقي ضوء خافت يتسلل من غرفة الوالدين؛ سلمى وأحمد.كانت سلمى تستند إلى صدر أحمد وهي ترتدي رداء نوم أبيض حريري.كانت امرأة فائقة الجمال في خمسيناتها، بشعر أشقر وعينين بلون العسل،جلس أحمد أمامها، يطبع قبلات رقيقة على كتفها ويُداعب شعرها، مستمعاً في صمت. وضعت سلمى هاتفها على الطاولة، ثم تنهدت بعمق.• تحدثت مع مراد.رفع أحمد عينيه إليها.— ماذا قال؟ابتسمت ابتسامة حزينة.• كالعادة... لن يعود.خفض أحمد نظره.قالت سلمى:• أنا حقا لا أفهمه يا أحمد، منذ سنوات وهو يعيش في إيطاليا وكأنه لا يملك عائلة هنا، لا يريد العودة، لا يريد أن يتحدث معنا، وحتى عندما أتصل به أشعر وكأنني أزعجه.سكتت للحظة، ثم أضافت:• إنه ابني، ومع ذلك أشعر أنني فقدته وهو لا يزال حيًا.ظل أحمد صامتًا.تابعت سلمى بصوت أكثر انكسارًا:• مراد كان مختلفًا قبل كل شيء.نظر إليها أحمد— كلنا تغيرنا يا سلمى.هزت رأسها.• لا... ليس بهذه الطريقة.أطرقت عينيها.• منذ اختفاء أميرة، لم يعد أحد كما كان.تغيرت ملامح أحمد

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل العاشر

    في مكان بعيد، وتحديدًا في إيطاليا...كانت ميلانو غارقة في المطر.خلف النوافذ الزجاجية، كانت أضواء المدينة تنعكس على الشوارع المبللة، بينما خيّم داخل الشقة صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت المطر.وقف مراد أمام النافذة.كان في منتصف الثلاثينات، طويلًا، عريض الكتفين، بملامح قاسية جعلت وجهه يبدو أكبر من عمره.كان قميصه الأسود مفتوحًا عند عنقه، وأكمامه مرفوعة إلى ساعديه، بينما كانت الندبة الممتدة على جانب وجهه تزداد وضوحًا تحت الضوء الخافت.كانت هناك امرأة في الغرفة.امرأة أو بالأحرى عاهرة، لم تكن تعرف عنه سوى اسمه.أما هو، فلم يكن يعرف عنها شيئًا تقريبًا، ولم يكن يريد أن يعرف.كانت تفوح منها رائحة عطر فرنسي نفاذ يختلط برائحة السجائر، حاولت أن تضع يدها على كتفه، في حركة تحمل من الدلال ما لا يطيقه مراد، لكنه أمسك معصمها فجأة وأوقفها.تغيرت ملامحه.كان في عينيه شيء جعلها تتراجع خطوة.قال بصوت منخفض: ــــ قلت لكِ... لا تقتربي.ساد الصمت.تنفس مراد ببطء، ثم أمرها بالرحيل فورا ونظر إلى انعكاس وجهه في الزجاج.إلى الندبة.إلى الرجل الذي أصبحه.وفجأة...عاد إليه الماضي.لم يعد في ميلانو.كان هناك.في ال

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل التاسع

    وصل الطبيب بعد دقائق قليلة.كانت خطواته سريعة وهو يدخل إلى الممر برفقة أحد العاملين، بينما كانت سارة لا تزال جاثية بجانب ريم، تراقب جسدها الذي بدأ يهدأ تدريجيًا بعد النوبة.أما آدم، فكان واقفًا بالقرب منها، وجهه شاحب على غير عادته، وعيناه لا تفارقانها.اقترب الطبيب منها فورًا.- ابتعدوا قليلًا من فضلكم.تراجعت سارة، بينما بقي آدم مكانه للحظات قبل أن يتحرك ببطء.انحنى الطبيب لفحص ريم، راقب تنفسها، نبضها، وحركة عينيها، ثم فتح حقيبته وأخرج بعض أدواته.مرّت دقائق بدت طويلة على الجميع.وأخيرًا، رفع الطبيب رأسه.- إنها بخير.تنفسَت سارة براحة واضحة.أما آدم فسأله مباشرة:— ماذا حدث لها؟أعاد الطبيب ترتيب أدواته وقال بنبرة هادئة: يبدو أنها تعرضت لنوبة صرع مفاجئة.تغيرت ملامح آدم.— صرع؟- نعم، قد تحدث مثل هذه النوبات بشكل مفاجئ، خصوصًا مع الإجهاد الشديد، قلة النوم، الضغط النفسي أو الإرهاق.نظر آدم إلى ريم، كانت مستلقية على الأرض، شاحبة وهادئة الآن، وشعرها مبعثر حول وجهها.قال الطبيب:— لا أستطيع تحديد السبب الدقيق من نوبة واحدة فقط، لكنها في الوقت الحالي مستقرة، تحتاج إلى الراحة، والنوم الكا

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل الثامن

    حلّ الصباح على القصر بعد ليلة طويلة من الاحتفال.اختفت الموسيقى، وغادرت معظم الضيوف، لكن القصر لم يستعد هدوءه بعد.منذ الساعات الأولى، بدأ العاملون في تنظيفه بالكامل.كانت الطاولات تُفرغ من بقايا الطعام، والأكواب تُجمع، والشموع التي ذابت أطرافها تُستبدل بأخرى جديدة.وفي الممرات، كان صوت المكانس وحركة العاملين يملآن الصمت الذي خلّفته ليلة رأس السنة.كانت ريم تعمل منذ الصباح.تشعر بالإرهاق، لكنها لم تتوقف.كانت تحمل سلة صغيرة بيدها، وتسير في الممرات حاملة بعض الأشياء التي طلبت منها سارة التخلص منها.وحين وصلت إلى الطابق العلوي، مرّت بجانب جناح آدم.توقفت للحظة.كان الباب مفتوحًا.عبست باستغراب.لطالما كان آدم شديد الحرص على إبقاء جناحه مغلقًا، وسبق أن حذرتها أكثر من مرة من الاقتراب منه.نظرت حولها.لم يكن هناك أحد.ثم لمحت شيئًا داخل الغرفة.سلة نفايات، كانت ممتلئة بالأوراق.ترددت.قالت لنفسها إنها لن تدخل سوى لثوانٍ.ستأخذ السلة وتفرغها، ثم تغادر.خطت إلى الداخل بسرعة.كانت الغرفة مرتبة بشكل مثالي، كما توقعت.كل شيء في مكانه.. الأثاث الفخم، الستائر الثقيلة، المكتب الواسع، والسرير المرت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status