INICIAR SESIÓNكان منير يكتشف، للمرة الأولى في حياته، أن التعامل مع المافيا بأكملها قد يكون أهون بكثير من التعامل مع حبيبته حين تقرر الانتقام منه. كان لا يزال يجلس إلى جانب ليلى في أحد أركان المنتجع، محافظًا على هدوئه المعتاد، بينما كانت هي تجلس على الطرف الآخر من الأريكة العريضة، وبينهما مسافة صغيرة لم تكن تتجاوز شبرًا واحدًا، لكنها بدت له أشبه بحدود دولة معادية أغلقت جميع معابرها في وجهه. أما ليلى، فلم تكن تبدو منشغلة بحربها الباردة معه بقدر انشغالها بقطعة الكعك التي تحملها بين أصابعها. رفعت الشوكة الصغيرة إلى فمها، واقتطعت منها قطعة شهية، ثم أغمضت عينيها باستمتاع مبالغ فيه، وكأنها تتذوق ألذ اختراع عرفته البشرية. وبعد أن ابتلعتها، عادت إلى طبقها لتقتطع قطعة أخرى، غير مكترثة بالرجل الجالس إلى جانبها، والذي كان يراقبها منذ عشر دقائق محاولًا استعادة انتباهها دون جدوى. تنحنح منير. لم تلتفت. عدل جلسته، ثم وضع ذراعه على ظهر الأريكة خلفها. لم تلتفت. اقترب قليلًا. رفعت ليلى الشوكة إلى فمها، وأكلت قطعة أخرى. حدق فيها بجمود، ثم قال: "ليلى." "ممم..." أجابت وفمها ممتلئ بالكعك، دون أن تنظر إليه.
"إذن لماذا؟" وقف أيوب لثوانٍ، وشردت عيناه قليلًا قبل أن يعود وينظر إليها. "كنت صغيرة جدا، وكانت هناك أمور لم أعرف كيف أتعامل معها، وقرارات اتخذتها وأنا أظن أن الابتعاد هو الخيار الأفضل. لم أفكر بما يكفي في أثر ذلك عليكِ، ولم أدرك كم يمكن لغيابي أن يؤلمكِ. وهذا خطئي، ولن أتهرب منه." مرر إبهامه برفق على خدها، ثم أضاف: "لكنني لم أتوقف عن الاهتمام بكِ، حتى حين لم أكن إلى جانبكِ." ظلت ياسمين صامتة، تحدق فيه بعينين دامعتين، بينما كان قلبها يتشبث بكلماته رغم كل ما حاولت إقناعه به من برود ولا مبالاة. لقد أرادت طوال الوقت أن تسمع منه شيئًا كهذا، لكن سماعه الآن لم يجعل الألم يختفي، بل جعلها تدرك كم كانت تتمنى لو قاله لها قبل سنوات. وحين لاحظ أيوب أنها بدأت تهدأ، مسح دموعها بأطراف أصابعه، ثم قال بصوت حنون: "لا أريدك أن تحملي هذا الألم وحدك بعد الآن. إن كنتِ تريدين أن تلوميني، فسأستمع إليكِ، وإن كنتِ تحتاجين إلى وقت، فسأمنحكِ إياه. لكن أرجوكِ، لا تقنعي نفسك بأنك لم تكوني مهمة بالنسبة إليّ." أغمضت ياسمين عينيها للحظة، واستنشقت نفسًا عميقًا، ثم تراجعت خطوة صغيرة عن يديه. كانت تشعر بأنها ع
لم تتوقف ياسمين عن السير إلا حين شعرت بأصابع أيوب تلتف حول يدها برفق، مانعة إياها من مواصلة طريقها. التفتت نحوه بضيق، مستعدة للاعتراض، لكنه لم يمنحها الفرصة؛ إذ جذب يدها إليه برفق، ثم جعلها تستدير لتواجهه. كانت أنفاسه متسارعة قليلًا من أثر اللحاق بها، وعيناه تتفحصان وجهها بقلق واضح، بينما حاولت هي أن تبدو غير مبالية، رافعة ذقنها بكبرياء مصطنع. "ياسمين، أرجوكِ، استمعي إليّ ولو لمرة واحدة." قالها أيوب بصوت هادئ، وهو لا يزال يمسك يدها برفق، ثم أضاف بأسف صادق: "أنا آسف يا صغيرتي. آسف لأنني تركتك كل تلك السنوات، ولأنني لم أكن إلى جانبك حين كنتِ تحتاجين إليّ." لم تجبه. اكتفت بالنظر إليه لثوانٍ، ثم أشاحت بوجهها، كأن اعتذاره لم يحرك فيها شيئًا، رغم أن قلبها كان يرتجف خلف ذلك الهدوء المتكلف. كان جزء منها يريد أن يصرخ في وجهه، أن يسأله لماذا تركها تنتظر كل تلك السنوات، ولماذا لم يبحث عنها كما بحثت هي عن أي إشارة تدل على أنها لا تزال تعني له شيئًا، لكن كبرياءها منعها من نطق حرف واحد. تنهد أيوب، وشد على يدها برفق قبل أن يقول: "أعرف أن اعتذاري لن يمحو ما حدث، وأعرف أنني لا أملك الحق في مط
خرجت ياسمين من المنتجع بخطوات متسارعة، وقد رفعت رأسها بعناد، كأنها تحاول إقناع نفسها بأنها لن تسمح لدموعها بالانهمار مهما حدث. كانت تشعر بأن قلبها يضيق داخل صدرها، وأن الكلمات التي سمعتها من أيوب أعادت فتح جرح ظنت أنها اعتادت عليه؛ فقد اكتشفت للتو أنه لم ينسها كما اعتقدت، وأنه كان يتذكر تفاصيلها الصغيرة، بينما ظلت هي مقتنعة بأنه لم يعد يراها سوى فتاة عادية من العائلة. "ياسمين! انتظري قليلًا!" جاءها صوت أيوب من خلفها، دافئًا لكنه مشوب بالقلق، غير أنها لم تلتفت إليه. زادت من سرعة خطواتها، ورفعت يدها لتمنع شعرها من التطاير أمام وجهها، متجاهلة نداءه المتكرر وكأنها لم تسمعه أصلًا. "يا صغيرتي، أرجوكِ، توقفي حتى نتحدث!" توقفت للحظة قصيرة عند سماع ذلك اللقب، وشعرت بقلبها يرتجف رغمًا عنها، لكنها سرعان ما استعادت عنادها ومضت في طريقها. لم تكن مستعدة لمواجهته، ولا لسماع تفسير قد يجعلها أكثر تعلقًا به، ثم يتركها في النهاية مجددا وحيدة مع مشاعرها كما فعل طوال السنوات الماضية. لحق بها أيوب، وقد بدأ صبره يتلاشى أمام إصرارها على تجاهله. لم يكن معتادًا أن يركض خلف أحد، لكنه وجد نفسه يفعل ذل
سمعت ضربات قلبه تحت أذنها، وشعرت بذراعه تحيط بها بثبات وحنان، فاختلطت مشاعرها بين الدهشة والراحة. لم تبتعد، بل أغمضت عينيها للحظات، مستسلمة لذلك الدفء الذي افتقدته طويلًا، وكأن جسدها عرف قبل عقلها أن هذا المكان آمن، وأنها تستطيع أن تكون ضعيفة قليلًا ما دامت بين ذراعيه. شعر أيوب باستسلامها الهادئ، فابتسم دون أن يراها. كان يعرف ياسمين الجادة والصارمة، تلك التي تحاول دائمًا أن تبدو أقوى مما تشعر به، لكنه كان يعرف أن بداخلها لا تزال نفس تلك الفتاة الصغيرة التي كانت تهرع إليه، ولا تحتاج إلا إلى لمسة حنونة لتسمح لنفسها بالاطمئنان. مال برأسه نحوها، ثم همس باعتذار صادق: "أنا آسف يا ياسمين." رفعت رأسها قليلًا، ونظرت إليه باستغراب، قبل أن تسأله بعينيها ثم بصوت خافت: "على ماذا؟" ألقى أيوب نظرة نحو والدته التي كانت تراقبهما بفخر، وإلى دادا رقية التي لم تكن أقل سعادة بنجاح خطتهما، ثم عاد ببصره إلى ياسمين وقال: "على أمي. كان ينبغي ألا تضعك في هذا الموقف بهذه الطريقة، وألا تجبرك على الرقص معي أمام الجميع." خفضت ياسمين عينيها، ثم أجابت بهدوء: "هي لم تقصد إحراجي، أظن أنها أرادت فقط أن..." توق
حين حان وقت الرقص، بدأت القاعة تتغير تدريجيًا؛ خفتت الأحاديث، وانسابت الموسيقى الهادئة في الأرجاء، وبدأت الثنائيات تنهض من مقاعدها وتتجه إلى ساحة الرقص، حيث امتزجت الأضواء الدافئة بأجواء الأمسية الرومانسية. وكان جسور أول من نهض. مد يده إلى جود، فرفعت عينيها إليه خلف نظارتها، وبدت الحيرة واضحة على وجهها قبل أن تضع يدها الصغيرة في يده بتردد. ابتسم لها ابتسامة نادرة، ثم قادها نحو ساحة الرقص، بينما أخذ وجهها يحمر شيئًا فشيئًا، وتمتمت بتلعثم: "أ-أنا... لا أعرف إن كنت أجيد الرقص." اقترب منها قليلًا وقال بهدوء مطمئن: "لا يهم، فقط اتبعيني." ابتلعت ريقها وأومأت، ثم همست وهي تشد على يده: "سأحاول... لكن إذا تعثرت، فلا تضحك عليّ." "لن أضحك عليك." ترددت لحظة قبل أن تسأله بجدية بريئة: "وإذا ف-فعلت شيئًا غبيًا؟" فأجابها بملامح هادئة تخفي ابتسامته: "سأعتبره جزءًا من الرقصة." نظرت إليه جود لثوانٍ، ثم ابتسمت بخجل، ولم يدرك جسور أن ابتسامتها وحدها كانت كافية لتجعله ينسى الموسيقى وكل ما حوله. وفي الجهة الأخرى من القاعة، تبادلت لالا رحمة ودادا رقية نظرة سريعة، ثم مالت الأولى نحو رفيقتها وهمست بابت







