登入مرت الأيام ثقيلة وكئيبة كأنها دهر. أُجل الزفاف لأجل غير مسمى، وتحولت بهجة التجهيزات إلى صمت جنائزي يخيم على شقة "نور". كان أدهم يعيش أسوأ أيامه؛ عيناه غائرتان، ذقنه نبتت بغير عناية، وهاتفه لا يفارق يده بانتظار أي خبر من المديرية عن شريكه المختفي. في إحدى الأمسيات الباردة، كان أدهم يجلس وحيداً في غرفة النوم، بينما كانت نور في المطبخ تعد له كوباً من الأعشاب المهدئة. نظر أدهم إلى زاوية الغرفة؛ هناك، كان فستان زفاف نور الأبيض معلقاً داخل غلافه الشفاف، يبدو كطيف حزين ينتظر معجزة لن تأتي قريباً. شعر أدهم بصداع نصفي عنيف يكاد يفتك برأسه من كثرة التفكير وقلة النوم. نهض بتثاقل، وتوجه نحو تسريحة نور (طاولة الزينة) ليبحث في أدراجها عن أي مسكن للألم. سحب الدرج الأول برفق. كانت هناك مستحضرات تجميل، زجاجات عطر، وعلبة مجوهرات خشبية صغيرة ومفتوحة. وبينما كان يقلب الأشياء بيده بحثاً عن شريط الدواء، وقعت عيناه على شيء غريب يقبع في زاوية العلبة. كان خاتماً أسود اللون، تصميمه معقد وغير مألوف، يتوسطه حجر ياقوت أحمر قاني يلمع كلون الدم الطازج. مد أدهم يده والتقط الخاتم. لقد رآه مسبقاً عدة مر
أشرقت شمس الصباح ببرود على المدينة، وبدت الحياة في الشارع الهادئ الذي يقع فيه متجر "رندة" طبيعية ومسالمة إلى حد يبعث على الملل. استيقظت رندة من نومها العميق والمريح، وكأنها لم ترتكب في الأمس جريمة قتل بحق ضابط شرطة، ولم تحوّل جثته إلى قطع مقرمشات صغيرة تُحفظ في علب بلاستيكية. ارتدت ملابسها البسيطة، وخرجت من باب متجرها متوجهة نحو الـ "سوبر ماركت" القريب لشراء بعض الأغراض اليومية وبعض المنظفات. كانت تمشي بخطوات واثقة، تستنشق هواء الصباح وتبتسم لجيرانها القلائل. لكن، وما إن تجاوزت متجرها بعدة أمتار، حتى تسمرت قدماها في مكانهما! على الجانب الآخر من الرصيف، وتحت ظل شجرة كبيرة، كانت تقبع سيارة سيدان رمادية اللون، تبدو مألوفة جداً. ضيقت رندة عينيها، وألقت نظرة فاحصة، ليتجمد الدم في عروقها للحظة. "يا إلهي! إنها سيارة شاكر!" صرخت رندة في سرها، وحافظت بصعوبة على ثبات ملامحها أمام المارة. لم تكن تعلم أنه جاء بسيارته الشخصية! لقد افترضت أنه أوقفها في شارع بعيد أو جاء بسيارة أجرة كي لا يلفت الانتباه أثناء قيامه بتحقيقه السري. وجود سيارة ضابط شرطة مفقود مركونة أمام متجرها مباشرة هو ب
مرّت ثمانٍ وأربعون ساعة على دخول الضابط "شاكر" إلى متجر الحيوانات الأليفة. يومان كاملان انقضيا، ولم يظهر له أي أثر. في مديرية الأمن، كان الجو مشحوناً بتوتر خانق يخيم على المكان بأكمله. لم يكن غياب شاكر ليوم واحد أمراً غريباً؛ فقد اعتاد الجميع على انغماسه في العمل، ومبيته أحياناً على مكتبه أو في سيارته حين تسيطر عليه قضية معقدة. لكن أن تنقطع اتصالاته تماماً، وتُغلق هواتفه ليومين متتاليين.. كان هذا مؤشراً مرعباً في لغة رجال الشرطة. وقف اللواء "مجدي"، رئيس وحدة المباحث، وسط مكتب التحريات، يضرب بعصاه الخشبية الصغيرة على راحة يده بعصبية بالغة. صرخ في الضباط المتجمعين أمامه: "هل يعقل أن يتبخر ضابط مباحث في الهواء؟! ألم يصلكم أي رد من عائلته؟" أجابه أحد الضباط بصوت متوتر: "يا فندم، تواصلنا مع زوجته وعائلته. لم يذهب إلى المنزل منذ ثلاثة أيام. بحثنا في المستشفيات وأقسام الحوادث، ولا يوجد أي بلاغ يطابق مواصفاته أو مواصفات سيارته." دخل "أدهم" إلى المكتب بخطوات ثقيلة، وملامحه تعكس إرهاقاً شديداً. ورغم انشغاله بترتيبات زفافه الذي لم يتبقَ عليه سوى أسبوع واحد، إلا أن غياب شريكه وصديقه
بعد مغادرة شاكر للمتجر في زيارته الأولى، وقفت رندة خلف واجهتها الزجاجية تراقب سيارته حتى غابت عن الأنظار. لم تكن تشعر بالذعر، بل ببرود قاتل يحسب الاحتمالات. كانت تدرك بنسبة تسعين بالمائة أن هذا الضابط لا يملك كلباً من الأساس. لقد سحب طوقاً مخصصاً للكلاب الصغيرة جداً ليضعه على كلب "راعي ألماني" ضخم! واشترى المقرمشات بشكل عشوائي ليبرر زيارته المباغتة. حللت رندة الموقف بعقلية القاتلة المتسلسلة: "لو كان يحقق بشكل رسمي، لكان أدهم قد علم بالأمر وأخبر نور. بما أن هذا لم يحدث، فهذا الرجل يعمل سراً كذئب منفرد. سيعود حتماً بحجة الكلب ليطرح المزيد من الأسئلة.. لكنه لا يعلم أنني ملأت العلبة بخلطة من قطع فواكه مجففة وبذور مخصصة للببغاوات، يستحيل أن يأكلها كلب!" وضعت رندة قاعدتها الذهبية: إذا عاد وادعى أن كلبه أكلها.. فسيكون قد أثبت أنه يكذب، وأنه يطاردها بمفرده خارج القانون. والذئب الذي يكتشف سر "الأرملة السوداء" بمفرده.. لا يجب أن يعود لقطيعه حياً. بعد مرور ثلاثة أيام، وكما توقعت تماماً، رن جرس المتجر النحاسي. دخل الضابط "شاكر" بملابس مدنية. كان يبدو واثقاً من نفسه، يظن أنه يتلاعب
لم يستطع الضابط "شاكر" الكف عن التفكير. كان الملف مكتملاً في عقله، والأدلة تصرخ بالحقيقة، لكن الفضول الإنساني والمهني كان ينهشه من الداخل. كيف تفكر هذه المرأة؟ كيف تنظر في عينيك وهي تخفي خلف ابتسامتها كل هذا الرعب الدموي؟ وباندفاع لم يعتده من نفسه، وجد شاكر قَدَميه تقودانه نحو حيّها. توقفت سيارته أمام المتجر الزجاجي المضيء، وتأمل اللافتة المبهجة: "رندة للحيوانات الأليفة". ترجل من السيارة، وفتح باب المتجر لتتعالى رنة الجرس النحاسي المعلق في الأعلى، ممتزجة بزقزقة عصافير الكناري وثغثغة الببغاوات الملونة. كانت الأجواء تضج بالحياة والدفء، وهو أمر مناقض تماماً لكل ما كان يختلج في صدر شاكر من ظنون وشكوك. خرجت رندة من الغرفة الخلفية وهي ترتدي مئزراً أنيقاً وتضع ابتسامة هادئة. ولكن بمجرد أن وقعت عينها على شاكر، اتسعت عيناها بذهول خفيف أتقنت إخفاءه في خضم ثانية واحدة. "سيادة الضابط شاكر؟" قالت رندة بنبرة ترحيبية ودودة يشوبها استغراب طبيعي: "أهلاً بك.. هل نسيت الشرطة شيئاً آخر في التفتيش الأخير؟" في تلك اللحظة بالذات، أدرك شاكر حماقة خطوته؛ لقد جاء فجأة، بلا إذَن، وبلا أي حجة أمنية أو
داخل مكتبه الغارق في سحب الدخان الكثيفة، جلس المحقق "شاكر" يفرك عينيه المرهقتين. كان ذهنه يعصف بالتفاصيل، يربط الخيوط ببعضها، حتى توقفت أفكاره فجأة عند تفصيلة محددة كأنها جرس إنذار: نور كانت آخر من شوهد يخرج من غرفة السائح الأجنبي، قبل وفاته نتيجة لدغة عنكبوت! اعتدل شاكر في كرسيه، ولمعت عيناه. تذكر قضية أخرى مشابهة وقعت قبل أشهر؛ جثة شاب عُثر عليها في حالة تعفن وبداية تحلل داخل شقته المغلقة، وكان سبب الوفاة في التقرير الطبي يومها هو نفسه: "لدغة عنكبوت سام". هنا، لم يعد شاكر يشك في العناكب أو يبحث عن قاتل مجهول، بل انصب تركيزه بالكامل على نور ورندة. ضرب بقبضته على سطح المكتب، وقال محدثاً نفسه بثقة ويقين قاطع: "إن كان هذا الشاب قد قُتل بفعل فاعل، فأنا أراهن بحياتي أنني سأجد أثراً لنور أو رندة في محيط شقته ليلة وفاته. هذه ليست صدفة.. هذه بصمتهما المسمومة!" سحب ملف القضية من الأرشيف على الفور، وقلب صفحاته باحثاً عن تقرير الطب الشرعي. وقعت عيناه على "وقت الوفاة التقريبي"، والذي حدده الطبيب بين الحادية عشرة مساءً ومنتصف الليل. تناول قلماً أزرق، ودوّن التوقيت على ظهر يده اليسرى كي ل







