تسجيل الدخولبعد مغادرة شاكر للمتجر في زيارته الأولى، وقفت رندة خلف واجهتها الزجاجية تراقب سيارته حتى غابت عن الأنظار. لم تكن تشعر بالذعر، بل ببرود قاتل يحسب الاحتمالات. كانت تدرك بنسبة تسعين بالمائة أن هذا الضابط لا يملك كلباً من الأساس. لقد سحب طوقاً مخصصاً للكلاب الصغيرة جداً ليضعه على كلب "راعي ألماني" ضخم! واشترى المقرمشات بشكل عشوائي ليبرر زيارته المباغتة. حللت رندة الموقف بعقلية القاتلة المتسلسلة: "لو كان يحقق بشكل رسمي، لكان أدهم قد علم بالأمر وأخبر نور. بما أن هذا لم يحدث، فهذا الرجل يعمل سراً كذئب منفرد. سيعود حتماً بحجة الكلب ليطرح المزيد من الأسئلة.. لكنه لا يعلم أنني ملأت العلبة بخلطة من قطع فواكه مجففة وبذور مخصصة للببغاوات، يستحيل أن يأكلها كلب!" وضعت رندة قاعدتها الذهبية: إذا عاد وادعى أن كلبه أكلها.. فسيكون قد أثبت أنه يكذب، وأنه يطاردها بمفرده خارج القانون. والذئب الذي يكتشف سر "الأرملة السوداء" بمفرده.. لا يجب أن يعود لقطيعه حياً. بعد مرور ثلاثة أيام، وكما توقعت تماماً، رن جرس المتجر النحاسي. دخل الضابط "شاكر" بملابس مدنية. كان يبدو واثقاً من نفسه، يظن أنه يتلاعب
لم يستطع الضابط "شاكر" الكف عن التفكير. كان الملف مكتملاً في عقله، والأدلة تصرخ بالحقيقة، لكن الفضول الإنساني والمهني كان ينهشه من الداخل. كيف تفكر هذه المرأة؟ كيف تنظر في عينيك وهي تخفي خلف ابتسامتها كل هذا الرعب الدموي؟ وباندفاع لم يعتده من نفسه، وجد شاكر قَدَميه تقودانه نحو حيّها. توقفت سيارته أمام المتجر الزجاجي المضيء، وتأمل اللافتة المبهجة: "رندة للحيوانات الأليفة". ترجل من السيارة، وفتح باب المتجر لتتعالى رنة الجرس النحاسي المعلق في الأعلى، ممتزجة بزقزقة عصافير الكناري وثغثغة الببغاوات الملونة. كانت الأجواء تضج بالحياة والدفء، وهو أمر مناقض تماماً لكل ما كان يختلج في صدر شاكر من ظنون وشكوك. خرجت رندة من الغرفة الخلفية وهي ترتدي مئزراً أنيقاً وتضع ابتسامة هادئة. ولكن بمجرد أن وقعت عينها على شاكر، اتسعت عيناها بذهول خفيف أتقنت إخفاءه في خضم ثانية واحدة. "سيادة الضابط شاكر؟" قالت رندة بنبرة ترحيبية ودودة يشوبها استغراب طبيعي: "أهلاً بك.. هل نسيت الشرطة شيئاً آخر في التفتيش الأخير؟" في تلك اللحظة بالذات، أدرك شاكر حماقة خطوته؛ لقد جاء فجأة، بلا إذَن، وبلا أي حجة أمنية أو
داخل مكتبه الغارق في سحب الدخان الكثيفة، جلس المحقق "شاكر" يفرك عينيه المرهقتين. كان ذهنه يعصف بالتفاصيل، يربط الخيوط ببعضها، حتى توقفت أفكاره فجأة عند تفصيلة محددة كأنها جرس إنذار: نور كانت آخر من شوهد يخرج من غرفة السائح الأجنبي، قبل وفاته نتيجة لدغة عنكبوت! اعتدل شاكر في كرسيه، ولمعت عيناه. تذكر قضية أخرى مشابهة وقعت قبل أشهر؛ جثة شاب عُثر عليها في حالة تعفن وبداية تحلل داخل شقته المغلقة، وكان سبب الوفاة في التقرير الطبي يومها هو نفسه: "لدغة عنكبوت سام". هنا، لم يعد شاكر يشك في العناكب أو يبحث عن قاتل مجهول، بل انصب تركيزه بالكامل على نور ورندة. ضرب بقبضته على سطح المكتب، وقال محدثاً نفسه بثقة ويقين قاطع: "إن كان هذا الشاب قد قُتل بفعل فاعل، فأنا أراهن بحياتي أنني سأجد أثراً لنور أو رندة في محيط شقته ليلة وفاته. هذه ليست صدفة.. هذه بصمتهما المسمومة!" سحب ملف القضية من الأرشيف على الفور، وقلب صفحاته باحثاً عن تقرير الطب الشرعي. وقعت عيناه على "وقت الوفاة التقريبي"، والذي حدده الطبيب بين الحادية عشرة مساءً ومنتصف الليل. تناول قلماً أزرق، ودوّن التوقيت على ظهر يده اليسرى كي ل
كانت الأيام تمر سريعة ومزدحمة. في وضح النهار، كانت نور تعيش حلم كل فتاة؛ تتنقل بين متاجر الأثاث الفاخرة، تختار ستائر شقة الزوجية، وتنتقي ألوان الطلاء برفقة أدهم الذي كان يعاملها كملكة متوجة. كانت تضحك، وتتزين، وتوزع دعوات الزفاف بابتسامة مشرقة، تبدو للجميع كعروس تخطو نحو جنة الأرض. لكن.. بمجرد أن يحل الليل، وتطفأ الأنوار، ويهدأ ضجيج العالم، يسقط القناع المشرق، وتبدأ محكمتها الخاصة في غياهب عقلها الباطن. في إحدى الليالي، غطت نور في نوم عميق بعد يوم شاق من التجهيزات. وفجأة، تغير المشهد في أحلامها. وجدت نفسها تركض حافية القدمين في زقاق مظلم وبارد، رائحة القمامة العفنة واللحم الفاسد تزكم أنفها وتخنقها. كانت تلهث وتتلفت برعب، قبل أن تسمع صوت خطوات ثقيلة تُسحب على الأرض خلفها. التفتت ببطء، لتنطلق من حنجرتها صرخة مكتومة. كان "منصور الجزار" يقف أمامها! لم يكن إنساناً، بل كان جثة مشوهة، الدماء السوداء تنزف من الطعنات التي مزقت جسده، وقطع القمامة تلتصق بلحمه المتعفن. رفع ساطوره الصدئ، وبدأ يركض خلفها بسرعة مرعبة وهو يصرخ بصوت مرعب يخرج من حنجرة ممزقة: "أين ستهربين يا نور؟! جثتي تعفنت ت
كانت الأضواء خافتة في شقة أدهم، وصوت التلفاز يهمس في الخلفية ببرنامج مسائي. تمددت نور باسترخاء تام على الأريكة المريحة، تسند رأسها على صدر أدهم، بينما كانت ذراعه القوية تحيط بها بحنان، وتتلاعب أصابعه بخصلات شعرها بنعومة. رفعت نور رأسها قليلاً ونظرت إليه بابتسامة مشرقة، وقالت بحماس طفولي: "لقد أرهقتُ رندة اليوم يا أدهم! مسحنا متاجر المدينة بحثاً عن الفستان. لو رأيت الفساتين التي قستها في البداية لمتّ من الضحك، كنت أبدو كحبة (مارشميلو) ضخمة! لكننا في النهاية عثرنا على الفستان المنشود.. فستان دانتيل رقيق، محتشم، وأنيق جداً كالأميرات." ابتسم أدهم وطبع قبلة دافئة على جبينها وقال: "أنا واثق أنكِ ستكونين أجمل عروس تمشي على الأرض، حتى لو ارتديتِ كيس خيش.. أنتِ تزيدين الفساتين جمالاً يا نور." ضحكت نور بخجل، وعادت لتسند رأسها على صدره. وفجأة، لفت انتباه أدهم عنوان عريض باللون الأحمر ظهر أسفل شاشة التلفاز، فرفع صوت جهاز التحكم (الريموت). كانت المذيعة تتحدث بنبرة جادة ومتحمسة: "ننتقل الآن لخبر طبي مفرح لأهالي المدينة. أعلن مركز الأبحاث في الجامعة الوطنية عن إنجاز طبي غير مسبوق، بعد أن اجت
في صباح اليوم التالي، لم تنتظر نور شروق الشمس بالكامل. ركضت كفتاة مراهقة نحو متجر "رندة للحيوانات الأليفة". بمجرد أن دخلت، رمت حقيبتها وقفزت لتعانق رندة وهي تصرخ بفرحة: "لقد طلب يدي للزواج يا رندة! أدهم خطبني رسمياً وألبسني الخاتم!" شهقت رندة بفرحة حقيقية، وتركت علب طعام الطيور من يدها، واحتضنت نور تدور بها في المكان وسط زقزقة العصافير ومواء القطط. قالت رندة وهي تتأمل خاتم الألماس في يد نور: "يا له من خاتم رائع! لقد فعلها المحقق الشهم أخيراً! حسناً يا عروس، اتركي كل شيء، اليوم هو يوم البحث عن فستان الزفاف الأسطوري!" بعد ساعتين، كانت نور ورندة تتنقلان بين أرقى "بوتيكات" فساتين الزفاف في قلب المدينة. كانت الأجواء بينهما مليئة بالضحكات الصافية التي افتقدتاها منذ سنوات. جلست رندة على أريكة مخملية في إحدى غرف القياس الفاخرة، بينما خرجت نور وهي ترتدي فستاناً ضخماً جداً، مليئاً بطبقات التل المنفوشة والكشاكش المبالغ فيها. نظرت نور إلى نفسها في المرآة الكبيرة ورفعت حاجبها باشمئزاز، بينما انفجرت رندة في ضحك هستيري وهي تمسك بطنها: "يا إلهي يا نور! تبدين كحبة (مارشميلو) عملاقة! أو كأنكِ







