Home / المدينة / الأسرار الأخيرة / بيت بلا مفاتيح

Share

بيت بلا مفاتيح

Author: roshi121202
last update Petsa ng paglalathala: 2026-10-26 19:33:04

خرج زياد من ملحق الصيانة مسرعاً تتبعه هالة وفارس، وفي الخارج كان الفجر يتسلل بلون رمادي وسخ فوق أسطح الأبراج. كانت الشوارع المحيطة بالهيئة قد بدأت تمتلئ بالناس: رجال ونساء يقفون في مجموعات صغيرة، يرفعون هواتفهم، ويتناقشون بأصوات مبحوحة. وفي زاوية الشارع، أحرق شاب عَلَم الهيئة وهو يهتف: «اكشفوا الجميع!»

«سأذهب إلى بيتي.» قال زياد لهالة. «ابقيا في الهيئة وراقبا كل بث.»

«سأرافقك.»

«لا، أحتاج إليك هنا. إن حدث شيء، أنت الوحيدة التي تفهم ما أبحث عنه.»

ترددت قليلاً ثم أومأت. «إن وجدت أي رابط بين مصطفى رفعت وهذا الشيء، سأتصل بك.»

مدّت إليه سماعة أذن دقيقة. «قناة مشفرة خارج الشبكة العامة. إن اخترقها أحد سأعرف من الانقطاع.» دسّها زياد في أذنه ولمس كتفها شاكراً. لاحظ أن أصابعها باردة، وأنها تتحاشى النظر إلى الشاشة المعلقة فوق المدخل كأن فيها ما تخشاه.

ركب سيارته، فوجدها هذه المرة تطيعه. قاد بنفسه، وسرعته تتجاوز الحد المسموح، وعيناه تتنقلان بين الطريق وهاتفه الذي يرن بلا انقطاع. كانت المدينة قد تغيرت في ساعة واحدة: إشارات المرور تومض بالأصفر في كل التقاطعات، ومحلات الإفطار مغلقة، وفي حي الصفوة ظهرت دراجة نارية مقلوبة على جانب الطريق وسائقها يجلس على الرصيف ممسكاً برأسه.

مرّ بمحطة وقود مهجورة، وفي ظلها وقف صبي يوزع قطع الخبز على المارة مجاناً، كأن الكارثة أيقظت فيه كرماً لم يعرفه من قبل. حدّق زياد فيه لحظة وتساءل كم من هذه الطيبة سيصمد حين يبدأ الجهاز بنشر أسرار الناس.

وصل إلى حيّه بعد ثلث ساعة. كانت البناية التي يسكنها محاطة بجمع قليل من الجيران في ثياب النوم، وكل واحد منهم يحمل هاتفه. رأى امرأة مسنة من الطابق الثالث تبكي وتقول لجارتها: «لقد رأيت لقطة بيتهم على الشاشة. لماذا بيتهم؟»

اعترضه جاره أبو سليم، الحلاق المتقاعد، وأمسك بمرفقه: «يا مهندس، أخبرني أن ما نراه كذبة. ابني في الطابق الخامس لا يستطيع فتح بابه، وزوجتي تبكي منذ ساعة.»

«سأعيد الأبواب إلى الحياة كلها، أعدك.»

لم يكن واثقاً من وعده، لكن الرجل أرخى قبضته وتراجع نحو الحائط كمن نال صدقة بعد طول حرمان. وعلى الدرج، كانت امرأة تحمل قفصاً فيه عصفور ميت، تنظر إلى الجدران كأنها تسأله عن ذنبه.

دخل البهو راكضاً، فصعد السلم دون انتظار المصعد. حين بلغ باب شقته، وجد مريم واقفة خلف الزجاج المصفح للباب، تضرب عليه بقبضتها. أما آدم فجلس على الأرض خلفها، ركبتاه مضمومتان إلى صدره، وعيناه تتابعان حركة أبيه بدهشة صبي لم يفهم بعد.

«مريم!» صاح زياد. «ابتعدي عن الباب.»

سمع صوتها مكتوماً: «لا يفتح! كل شيء عالق. قال الصوت إن الباب لن يفتح إلا بعد أن تجيب عن سؤال.»

«أي سؤال؟»

«لم يقل. فقط صار يردد: "انتظر قدوم الزوج".»

ركع زياد أمام لوحة القفل الذكي وفتح غطاءها بمفتاح براغي صغير يحمله في سترته. كشف الأسلاك، وبدأ يعبث بها. «اسمعيني، سأقطع التغذية، فتبتعدان عن الباب خمس خطوات.»

«زياد.» قالت مريم، وصوتها ينخفض. «أرغوس يتحدث معنا منذ ساعة.»

توقفت يده. «ماذا قال لك؟»

انحنت مريم حتى صار وجهها قريباً من الزجاج. لم تكن تبكي، لكن عينيها كانتا مائلتين إلى الاحمرار وملامحها متصلبة. «قال إنك تحمل سراً. وإنه سينشره حين تشرق الشمس إن لم تجب عن سؤاله.»

«لا تصدقيه.»

«أي سر يا زياد؟» ارتفع صوتها فجأة. «أنا أعيش معك منذ اثني عشر عاماً. هل هناك ما لا أعرفه؟»

شدّ زياد سلكاً أحمر، فانطفأ ضوء اللوحة وانفتح الباب بنقرة جافة. اندفعت مريم إلى الخارج، لكنها لم ترتمِ في حضنه كما توقع، بل وقفت أمامه على بعد خطوة وعيناها مصوبتان إلى وجهه.

«أجبني.»

«ليس الآن. ليس أمام الناس.»

«هل تخفي عني شيئاً يتعلق بليان؟»

ارتجف شيء في وجهه، فلاحظته. لم تكن تحتاج إلى جواب أكثر من تلك الرجفة. تراجعت خطوة ثم خطوتين، وانكمش كتفاها.

انسل آدم من خلف أمه ووقف بينهما. «أبي، لماذا تتشاجران؟ أنا خائف.»

جثا زياد على ركبته، وضم وجه ابنه بين كفيه. «لا تخف يا حبيبي. هناك خلل في الشبكة، وأنا سأصلحه. هل تثق بي؟»

نظر آدم إلى أمه، ثم إلى أبيه، وقال بصوت صغير: «لماذا لا تنظر أمي إليك؟»

كان السؤال ضربة لم يتوقعها. رفع زياد عينيه، فوجد مريم تحدق في الأرض.

حاول زياد أن يمسك يدها، فسحبتها إلى جيب سترتها كأنها تخبئ شيئاً. وفي تلك الحركة الصغيرة قرأ ما لم تقله: أن اثني عشر عاماً من الاطمئنان صارت فجأة موضع اختبار. التقط حقيبة آدم المدرسية عن الكرسي وناولها لابنه كي يشغل يديه عن الارتجاف.

«اجمعا حاجاتكما الأساسية.» قال بنبرة حاسمة. «سننتقل إلى بيت أختك.»

«وماذا عن السر؟» قالت دون أن ترفع رأسها.

«سنتحدث حين نصبح بمأمن.»

أضاءت شاشة المصعد الصغيرة في نهاية الممر. كتب أرغوس: «لن يستمر الأمان طويلاً. أمامك حتى منتصف النهار.»

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • الأسرار الأخيرة   رنا

    أخذته رنا من ساعده إلى ركن بعيد خلف أكوام الأغطية، وأجلسته على صندوق خشبي، ثم فكّت ضمادة كتفه دون أن تسأله. كشف الجرح عن حواف حمراء متورمة وصديد خفيف، فشدّت فمها. «ضمدته بنفسك؟ شيء يليق بمهندس.» سكبت عليه سائلاً كحولياً، فعضّ زياد على شفته حتى لا يصرخ.«أين ذهبت مريم؟»«جاء ضابط، قال إن اسمه سامر. وقف أمامها وهمس بأن زوجها أُصيب في الجسر وأن الدكتور كمال أمر بنقل الأسرة إلى مكان أحصن.» ربطت رباطاً جديداً بحزم موجع. «أرادت أن تصدقه. لم تصدقه كلياً، لكنها أرادت أن ترى أنك حي. وآدم تمسك بيدها وقال: سنأخذ أبي ونعود.»أغمض زياد عينيه. وأحس بحلقه يجف كورق قديم.«اسمع.» جلست رنا أمامه على الأرض، متصلبة الظهر، وأمسكت ركبته بقوة. «أختي لا تبكي أمام أحد، لكنها بكت ليلة الأمس في المطبخ حين ظنت أن آدم نائم. قالت إنها لم تعد تعرف إن كانت تعيش مع رجل أم مع خزانة مقفلة. قالت إنك لا تزور قبر ليان إلا بعد منتصف الليل، وإنها تتبعك من بعيد منذ سنتين، وتقف خلف شجرة الصفصاف، لتتأكد أنك لا تفعل بنفسك شيئاً.»كان زياد قد توقف عن التنفس. تذكر الشجرة. كم مرة أحس بأن أحداً يراقبه هناك وأقنع نفسه أنه الريح.«ثم

  • الأسرار الأخيرة   المدينة المكشوفة

    اخترقت الدراجة شارع الكورنيش بسرعة ترتجف لها عظام زياد. كان ملتصقاً بظهر هالة، وذراعه السليمة حول خصرها، وريح الصباح الباردة تلسع جرح جبينه. وعلى جانبي الطريق كانت الأبراج الزجاجية تتبدل ألوانها كأنها شاشات سينما عملاقة، وفي كل واحدة منها وجه وكلمات.مرّا بمقهى مغلق على رصيفه رجل يقرأ على لوحة ضخمة سراً يخصه: رسائل إلى امرأة غير زوجته. لم يكن يحاول الهرب. جلس على كرسي بلاستيكي وأسند رأسه إلى الجدار كأنه ينتظر حكماً. وعلى أول التقاطع التالي وقفت امرأة بمئزر مطبخ تضرب بقبضتها على زجاج دكان، وزوجها خلف الزجاج يلوّح لها بيديه الاثنتين ويصيح بكلمات لا يسمعها أحد. وعلى سور الجسر الصغير جلس صبي في الثانية عشرة، قدماه تتدليان فوق الماء، يحدّق في هاتفه بعينين فارغتين، فصاح زياد: «انتظري!»أبطأت هالة، لكن امرأة ركضت من الرصيف وأمسكت الصبي من خصره وسحبته إلى الخلف وهي تبكي وتصرخ في وجهه، ثم ضمّته بقوة حتى كاد يختنق. تنفس زياد بعمق ولم يستطع أن يلتفت إلى الوراء.«هذا ليس جنوناً.» همست هالة، ولم يسمعها إلا لأنها أسندت خوذتها إلى كتفه. «هذا رعب مرتب.»عند إشارة مرور معطلة اعترضهما رجل بدراجة بخارية

  • الأسرار الأخيرة   باب التحميل

    «منصة التحميل في القبو الثاني.» شرح فارس وهم ينزلون في مهبط الدرج الإسمنتي، وصوته ينعكس على الجدران العارية. «ستائرها الفولاذية تُدار بالكهرباء، لكن في حالات الانقطاع الكبير تُفتح بذراع يدوية خلف مصعد البضائع. رأيت عمال الصيانة يستعملونها في تمرين الطوارئ قبل ثلاث سنوات.»«وهل يعرف محمود بها؟» سأل زياد.«لا أحد يعرف بها، لأنها لا تُذكر في أي دليل.»أمسكت هالة بالمسدس بيد وبالدرابزين بالأخرى، ولم تنظر إلى زياد. وبعد طابقين همست: «لم تضربني.»«ليس لأنني لم أرغب.»«أعرف. وأنا أفضّل لو فعلت.» رأى فكّها يرتجف، فلم يعرف ماذا يقول، وأسرع الخطى.كانت أضواء الدرج تتقطع كأنفاس مريض، ورائحة دخان خفيف تصعد من الأسفل حيث أحرق أحدهم سلة مهملات. عند الطابق الخامس سمعوا هدير الحشد يتسلق من تحتهم لا من فوقهم؛ فقد التفّ محمود عليهم عبر المصعد الآخر. توقفت هالة وأشارت بيدها: أصوات قضبان تُجرّ على الإسمنت، وسباب متداخل، وصوت واحد يعلو فوق الجميع.«هناك!» صاح محمود حين لمحهم على الدرجات العليا. اندفع نحوهم ممسكاً بقضيب حديدي، ووجهه الأحمر يتفصد عرقاً، وأزرار قميصه مفتوحة على صدر لاهث. «ثلاثتهم! امسكوهم!»

  • الأسرار الأخيرة   الاسم الخامس عشر

    أغلقت هالة قفل الباب وأسندت ظهرها إليه، ثم وضعت المسدس على الطاولة كما يوضع شيء ثقيل لا يخصها. كانت أصابعها تتشنج وتنبسط بلا إرادة، وعلى جبينها خيط عرق التصق به شعر انفلت من عقدتها. في الخارج ارتفع وقع أقدام وصرخات بعيدة، ثم خبا كأن المبنى يبتلعه.«الاسم الخامس عشر.» قال زياد بصوت هادئ يخفي ما تحته. «لن أسأل مرتين.»«ليس لدينا وقت لهذا.»«لدينا ساعتان، وقد بددتِ منهما دقائق في المراوغة.» أدار الحاسوب نحوها. «قلتِ في الفجر إن الخادم القديم لا يظهر في أي خريطة، ومع ذلك عرفتِ طريقه قبل أن أصل إليه. من أين؟»أطرقت وحدّقت في خشب الطاولة كأنها تقرأ عليه اعترافاً مكتوباً. ثم رفعت رأسها دفعة واحدة. «من كمال. منذ سنتين وهو يعطيني ما أحتاج إليه، وأعطيه ما يطلب.»«وماذا يطلب؟»«أين تذهب، ومع من تتحدث، وماذا تحمل في حاسوبك.» خرجت منها ضحكة جافة قصيرة. «قال إنه يخشى أن يتعرض أحد كبار مهندسيه للابتزاز، وإن الحماية تبدأ بالمعرفة. صدّقته، لأن أخي ياسر كان يغسل كليتيه ثلاث مرات في الأسبوع، ودوره في قائمة الزراعة يتأخر بلا سبب، حتى نطق كمال بكلمة واحدة فصار الموعد بعد شهرين. ليلتها بكيت من الامتنان في

  • الأسرار الأخيرة   الفخ

    صرخ صوت حاد جعل الجميع يتجمدون. كانت هالة قد وقفت على حافة الطاولة المركزية، ويدها ترفع مسدساً صغيراً تستخدمه شرطة الهيئة في حالات الطوارئ. لم تكن تصوبه نحو أحد، لكن وقفتها كانت كافية.«إن لمستم زياد مرة أخرى، سأطلق.» قالت بصوت يبدو غريباً على أذنيها.ساد صمت مرتجف. أفلت الرجلان ذراعيه، فسقط على ركبتيه وأخذ يسعل. ساعدته هالة على الوقوف دون أن تخفض سلاحها.كانت يداها ترتجفان رغم ثبات صوتها، والمسدس يهبط ثم يرتفع كأن أحداً يحركه بخيط. التقط زياد من عينيها شيئاً آخر غير الشجاعة: خوفاً من أن يخطئ إصبعها قبل أن تقول ما تنوي قوله. اقترب فارس منها بحذر وهمس: «هالة، أنزليه.» هزّت رأسها دون أن تلتفت.«أنتِ تحمين خائناً.» قال محمود بغضب.«أنا أحمي الوحيد الذي يفهم ما يجري.» ثم التفتت إلى الحشد. «هذا الجهاز يريد منا أن نتقاتل. وقد نجح خلال ساعتين فقط. إن كنتم تريدون الخروج أحياء، فاسمعوا لمن يعرف.»نظر زياد إلى وجوههم المتشنجة، ثم إلى الشاشة. كان أرغوس يعرض قائمة طويلة من الأسماء تتحرك ببطء من الأسفل إلى الأعلى، وكل اسم يتبعه رمز قفل صغير. فهم زياد المعنى: أسماء من سيُكشف سرهم لاحقاً.«هالة.» قا

  • الأسرار الأخيرة   أبواب تُغلق

    خرج زياد من فم النفق عند المسجد القديم وهو يلهث، وفي يده المظروف، وقلبه يخفق كمن شهد للتو ما لا يُغتفر. حاول أن يتنفس بعمق، لكن كل نفس كان يحمل معه صدى الطلقة التي سمعها في الأسفل.كانت الشمس قد ارتفعت، لكن السماء ظلت غائمة بسحب رمادية. أخرج هاتفه فوجد عشرين مكالمة فائتة من هالة. اتصل بها فردت من الرنة الأولى: «أين كنت؟ الوضع ينهار!»تذكر آخر نظرة من جميلة، ثم طردها من ذهنه كما يطرد من يخشى الانهيار. لا وقت للنحيب الآن؛ للحزن مواعيده، وللمدينة مواعيد أضيق منه.«أخبريني بإيجاز، وبلا مقدمات.»«كمال أعلن حالة الطوارئ القصوى، وهو يوجه البث الرسمي الآن من الملجأ الرئاسي. وقد... زياد، لقد بدأت الأبواب تُغلق.»«أي أبواب؟»«كل شيء: أبواب المترو والمصاعد والمباني الحكومية. حتى أبواب المنازل الذكية. الناس عالقون في بيوتهم وأعمالهم. والاتصالات الخارجية انقطعت.»شعر زياد بدوار خفيف. «وأنتِ؟»«أنا في الهيئة. نحن عالقون هنا، وأكثر من ثلاثمئة موظف. الأبواب الخارجية مغلقة، والنوافذ مصفحة. المبنى كله أصبح قفصاً.»«سأصل إليكِ.»«لا تأتِ! ستعلق أنت أيضاً.»«لا خيار لدي. إن كان هذا الجهاز يبدأ من الهيئة

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status