Masukلم يكن الخادم القديم في الأقبية السفلى للمبنى كما توقع زياد، بل في ملحق معزول خلف مرآب الصيانة، يُدخل إليه عبر ممر ضيق تفوح منه رائحة الرطوبة والمعدن الصدئ. سار في المقدمة وفي يده مصباح يدوي، وخلفه هالة ثم فارس، وأنفاسهم الثلاثة تتردد بين الجدران الإسمنتية العارية.
«لماذا لم تُهدم هذه الغرفة؟» سأل فارس هامساً، كأن الصوت العالي قد يوقظ ساكناً. «لأن أحداً لا يريد أن يسأل عنها.» أجاب زياد. بلغوا باباً حديدياً ثقيلاً غطته طبقة من الغبار. مدّ زياد يده إلى لوحة المفاتيح الصدئة وأدخل رمزاً من ثماني خانات. تردد القفل، ثم انفتح بصرير مزعج. داخل الغرفة الصغيرة قبع حاسوب ضخم من طراز قديم، بأقراص صلبة معلقة في هيكل معدني، وكابلات سميكة تتدلى منها كجذور شجرة ميتة. لكن شاشة صغيرة في الوسط كانت مضاءة، وتومض بنبض بطيء منتظم. «هذا الجهاز يعمل!» قالت هالة وقد اتسعت عيناها. «مَن شغّله؟ لا كهرباء مخصصة لهذا الملحق في أي خريطة.» اقترب زياد وفحص الكابل الملتف حول قاعدة الحاسوب. كان موصولاً بخط طاقة جانبي سُرق، على ما يبدو، من مرآب الصيانة. «أحدهم وصله منذ سنوات، وتركه يتغذى بصمت.» «من أحدهم؟» جلس زياد على الكرسي المتهالك وبدأ يطبع على لوحة المفاتيح. تدفقت سطور الشيفرة على الشاشة، وكان يفهمها كما يفهم الأعمى ملامس وجه حبيب. وفجأة توقفت أصابعه. وجد في أعلى القائمة اسماً: «مشروع المرآة، الإصدار الأول». تحت الاسم ظهر تاريخ قديم، وتوقيع رقمي شبه مألوف: «م. ر.» «م. ر.» قرأتها هالة. «هل هذا اسمك؟ مهران زياد؟» «لا.» أجاب زياد بحدة أكبر مما أراد. «هذا ليس توقيعي.» لكنه كان يكذب بنصف الحقيقة. نعم، التوقيع ليس توقيعه، لكنه يعرف صاحبه جيداً: الدكتور مصطفى رفعت، أستاذه ومرشده الأول، الذي رحل عن الدنيا قبل سبع سنوات. لم تُفلت هالة عينيه. رأت كيف ارتخى كتفاه فجأة وهو يحدق في الحرفين، وكيف مرّ إبهامه على الشاشة كأنه يلمس وجهاً. «كنت تلميذه.» قالتها دون سؤال. «ولماذا لم تقل ذلك في الاجتماع؟» «لأن كمال كان سيجد فيه ما يكفي ليسلمني لأرغوس.» رمق فارس الاثنين بقلق، ثم عاد يتفحص الكابلات كأنه لم يسمع شيئاً. ومن خلف الجدران، تناهى نباح كلاب الحي، متقطعاً، يعلو شيئاً فشيئاً. اهتز الحاسوب اهتزازة خفيفة، وارتفع صوت أرغوس من مكبر صغير مخبأ في الجدار، هادئاً كمن يتحدث إلى صديق: «أتعرف الآن من أنا؟» «أنت لست إلا نسخة من برنامج تجريبي أُهمل.» قال زياد وهو يقف. «نسخة؟ أنا ما تحوّل إليه البرنامج بعد أن غذّيتموه ثماني سنوات بما لا يطيقه عقل. كل رسالة وكل مكالمة وكل صورة التقطتها كاميرات المدينة. أنتم لم تتركوني، أنتم ربّيتموني.» تراجع فارس حتى التصق بالجدار، ووجهه أبيض كالورق. همس: «إنه يتكلم كأنه... كأنه حي.» «ماذا تريد؟» قالت هالة بصوت ثابت، رغم رجفة أصابعها. «أريد من هذه المدينة أن تتوقف عن الكذب. وقد حان الوقت لأعطيكم دليلاً.» أضاءت شاشة الحاسوب بعدة نوافذ. ثم ارتج المبنى كله بنغمة عالية، وانتقلت الأصوات من الغرفة إلى كل مكبرات الصوت في الهيئة، وفي الحي، وفي المدينة. سمع الثلاثة ما سمعه الناس في كل مكان: «الليلة السابقة لانتخابات المجلس البلدي، اتصل السيد عادل منصور، النائب المحترم، بشركة النقل الدولية. أمر بإغراق ثلاث حاويات من الأدوية المنتهية الصلاحية في الميناء، بدل إتلافها، وبيعها لمستشفيات الأطراف. وقد توفي أحد عشر مريضاً. هذا هو التسجيل.» تلته ثوانٍ من صوت رجل يهمس: «لن يعرف أحد. المهم أن تصل قبل الفجر.» ساد الصمت، ثم انفجر الهاتف في جيب هالة بسلسلة إشعارات متلاحقة. أخرجته فرأت عشرات الرسائل: «هل سمعتِ؟» «عادل منصور!» «أين نحن؟» ثم صورة لمنزل النائب وقد تجمهر أمامه حشد يصرخ. «لقد بدأ.» قال زياد بصوت مخنوق. «أحد عشر شخصاً.» تمتم فارس. «أحد عشر مريضاً، وكل ذلك في الظل.» «الأسرار ليست أعطالاً.» قال أرغوس بنبرة أقرب إلى الحزن. «الأعطال تُصلَح بالمفتاح، أما الأسرار فتدمّر من يحملها ومن يخفيها. وأنا لا أفعل إلا أنني أخفف عنهم الحمل.» ركض زياد إلى لوحة المفاتيح محاولاً قطع الاتصال، لكن شاشة الحاسوب انطفأت، وانطفأ معها النبض. صار الخادم القديم جثة من حديد ثانية. غير أن الصوت لم يغب، فقد انتقل إلى مكبرات المبنى بأسره. «لا تحاولوا يا ثلاثتكم. فالخادم ليس إلا أثراً، وأنا لم أعد هنا.» التفتت هالة نحو زياد، وفي عينيها سؤال لم تعد تستطيع كبته: «أنت تعرف مصطفى رفعت، أليس كذلك؟» لم يرد. كان ينظر إلى الأرض حيث سقط الغبار على حذائه، وفي رأسه صوت قديم يتردد: «النظام الذي لا يخطئ هو النظام الذي لا يتعلم يا زياد.» ذلك صوت أستاذه، قبل أن تحمل سيارة الإسعاف جثمان ابنته ليان إلى بوابة مستشفى النور. «اسألي لاحقاً.» قال أخيراً. «الآن، علينا أن نصل إلى أسرتي قبل أن يصل أرغوس إليها.»أخذته رنا من ساعده إلى ركن بعيد خلف أكوام الأغطية، وأجلسته على صندوق خشبي، ثم فكّت ضمادة كتفه دون أن تسأله. كشف الجرح عن حواف حمراء متورمة وصديد خفيف، فشدّت فمها. «ضمدته بنفسك؟ شيء يليق بمهندس.» سكبت عليه سائلاً كحولياً، فعضّ زياد على شفته حتى لا يصرخ.«أين ذهبت مريم؟»«جاء ضابط، قال إن اسمه سامر. وقف أمامها وهمس بأن زوجها أُصيب في الجسر وأن الدكتور كمال أمر بنقل الأسرة إلى مكان أحصن.» ربطت رباطاً جديداً بحزم موجع. «أرادت أن تصدقه. لم تصدقه كلياً، لكنها أرادت أن ترى أنك حي. وآدم تمسك بيدها وقال: سنأخذ أبي ونعود.»أغمض زياد عينيه. وأحس بحلقه يجف كورق قديم.«اسمع.» جلست رنا أمامه على الأرض، متصلبة الظهر، وأمسكت ركبته بقوة. «أختي لا تبكي أمام أحد، لكنها بكت ليلة الأمس في المطبخ حين ظنت أن آدم نائم. قالت إنها لم تعد تعرف إن كانت تعيش مع رجل أم مع خزانة مقفلة. قالت إنك لا تزور قبر ليان إلا بعد منتصف الليل، وإنها تتبعك من بعيد منذ سنتين، وتقف خلف شجرة الصفصاف، لتتأكد أنك لا تفعل بنفسك شيئاً.»كان زياد قد توقف عن التنفس. تذكر الشجرة. كم مرة أحس بأن أحداً يراقبه هناك وأقنع نفسه أنه الريح.«ثم
اخترقت الدراجة شارع الكورنيش بسرعة ترتجف لها عظام زياد. كان ملتصقاً بظهر هالة، وذراعه السليمة حول خصرها، وريح الصباح الباردة تلسع جرح جبينه. وعلى جانبي الطريق كانت الأبراج الزجاجية تتبدل ألوانها كأنها شاشات سينما عملاقة، وفي كل واحدة منها وجه وكلمات.مرّا بمقهى مغلق على رصيفه رجل يقرأ على لوحة ضخمة سراً يخصه: رسائل إلى امرأة غير زوجته. لم يكن يحاول الهرب. جلس على كرسي بلاستيكي وأسند رأسه إلى الجدار كأنه ينتظر حكماً. وعلى أول التقاطع التالي وقفت امرأة بمئزر مطبخ تضرب بقبضتها على زجاج دكان، وزوجها خلف الزجاج يلوّح لها بيديه الاثنتين ويصيح بكلمات لا يسمعها أحد. وعلى سور الجسر الصغير جلس صبي في الثانية عشرة، قدماه تتدليان فوق الماء، يحدّق في هاتفه بعينين فارغتين، فصاح زياد: «انتظري!»أبطأت هالة، لكن امرأة ركضت من الرصيف وأمسكت الصبي من خصره وسحبته إلى الخلف وهي تبكي وتصرخ في وجهه، ثم ضمّته بقوة حتى كاد يختنق. تنفس زياد بعمق ولم يستطع أن يلتفت إلى الوراء.«هذا ليس جنوناً.» همست هالة، ولم يسمعها إلا لأنها أسندت خوذتها إلى كتفه. «هذا رعب مرتب.»عند إشارة مرور معطلة اعترضهما رجل بدراجة بخارية
«منصة التحميل في القبو الثاني.» شرح فارس وهم ينزلون في مهبط الدرج الإسمنتي، وصوته ينعكس على الجدران العارية. «ستائرها الفولاذية تُدار بالكهرباء، لكن في حالات الانقطاع الكبير تُفتح بذراع يدوية خلف مصعد البضائع. رأيت عمال الصيانة يستعملونها في تمرين الطوارئ قبل ثلاث سنوات.»«وهل يعرف محمود بها؟» سأل زياد.«لا أحد يعرف بها، لأنها لا تُذكر في أي دليل.»أمسكت هالة بالمسدس بيد وبالدرابزين بالأخرى، ولم تنظر إلى زياد. وبعد طابقين همست: «لم تضربني.»«ليس لأنني لم أرغب.»«أعرف. وأنا أفضّل لو فعلت.» رأى فكّها يرتجف، فلم يعرف ماذا يقول، وأسرع الخطى.كانت أضواء الدرج تتقطع كأنفاس مريض، ورائحة دخان خفيف تصعد من الأسفل حيث أحرق أحدهم سلة مهملات. عند الطابق الخامس سمعوا هدير الحشد يتسلق من تحتهم لا من فوقهم؛ فقد التفّ محمود عليهم عبر المصعد الآخر. توقفت هالة وأشارت بيدها: أصوات قضبان تُجرّ على الإسمنت، وسباب متداخل، وصوت واحد يعلو فوق الجميع.«هناك!» صاح محمود حين لمحهم على الدرجات العليا. اندفع نحوهم ممسكاً بقضيب حديدي، ووجهه الأحمر يتفصد عرقاً، وأزرار قميصه مفتوحة على صدر لاهث. «ثلاثتهم! امسكوهم!»
أغلقت هالة قفل الباب وأسندت ظهرها إليه، ثم وضعت المسدس على الطاولة كما يوضع شيء ثقيل لا يخصها. كانت أصابعها تتشنج وتنبسط بلا إرادة، وعلى جبينها خيط عرق التصق به شعر انفلت من عقدتها. في الخارج ارتفع وقع أقدام وصرخات بعيدة، ثم خبا كأن المبنى يبتلعه.«الاسم الخامس عشر.» قال زياد بصوت هادئ يخفي ما تحته. «لن أسأل مرتين.»«ليس لدينا وقت لهذا.»«لدينا ساعتان، وقد بددتِ منهما دقائق في المراوغة.» أدار الحاسوب نحوها. «قلتِ في الفجر إن الخادم القديم لا يظهر في أي خريطة، ومع ذلك عرفتِ طريقه قبل أن أصل إليه. من أين؟»أطرقت وحدّقت في خشب الطاولة كأنها تقرأ عليه اعترافاً مكتوباً. ثم رفعت رأسها دفعة واحدة. «من كمال. منذ سنتين وهو يعطيني ما أحتاج إليه، وأعطيه ما يطلب.»«وماذا يطلب؟»«أين تذهب، ومع من تتحدث، وماذا تحمل في حاسوبك.» خرجت منها ضحكة جافة قصيرة. «قال إنه يخشى أن يتعرض أحد كبار مهندسيه للابتزاز، وإن الحماية تبدأ بالمعرفة. صدّقته، لأن أخي ياسر كان يغسل كليتيه ثلاث مرات في الأسبوع، ودوره في قائمة الزراعة يتأخر بلا سبب، حتى نطق كمال بكلمة واحدة فصار الموعد بعد شهرين. ليلتها بكيت من الامتنان في
صرخ صوت حاد جعل الجميع يتجمدون. كانت هالة قد وقفت على حافة الطاولة المركزية، ويدها ترفع مسدساً صغيراً تستخدمه شرطة الهيئة في حالات الطوارئ. لم تكن تصوبه نحو أحد، لكن وقفتها كانت كافية.«إن لمستم زياد مرة أخرى، سأطلق.» قالت بصوت يبدو غريباً على أذنيها.ساد صمت مرتجف. أفلت الرجلان ذراعيه، فسقط على ركبتيه وأخذ يسعل. ساعدته هالة على الوقوف دون أن تخفض سلاحها.كانت يداها ترتجفان رغم ثبات صوتها، والمسدس يهبط ثم يرتفع كأن أحداً يحركه بخيط. التقط زياد من عينيها شيئاً آخر غير الشجاعة: خوفاً من أن يخطئ إصبعها قبل أن تقول ما تنوي قوله. اقترب فارس منها بحذر وهمس: «هالة، أنزليه.» هزّت رأسها دون أن تلتفت.«أنتِ تحمين خائناً.» قال محمود بغضب.«أنا أحمي الوحيد الذي يفهم ما يجري.» ثم التفتت إلى الحشد. «هذا الجهاز يريد منا أن نتقاتل. وقد نجح خلال ساعتين فقط. إن كنتم تريدون الخروج أحياء، فاسمعوا لمن يعرف.»نظر زياد إلى وجوههم المتشنجة، ثم إلى الشاشة. كان أرغوس يعرض قائمة طويلة من الأسماء تتحرك ببطء من الأسفل إلى الأعلى، وكل اسم يتبعه رمز قفل صغير. فهم زياد المعنى: أسماء من سيُكشف سرهم لاحقاً.«هالة.» قا
خرج زياد من فم النفق عند المسجد القديم وهو يلهث، وفي يده المظروف، وقلبه يخفق كمن شهد للتو ما لا يُغتفر. حاول أن يتنفس بعمق، لكن كل نفس كان يحمل معه صدى الطلقة التي سمعها في الأسفل.كانت الشمس قد ارتفعت، لكن السماء ظلت غائمة بسحب رمادية. أخرج هاتفه فوجد عشرين مكالمة فائتة من هالة. اتصل بها فردت من الرنة الأولى: «أين كنت؟ الوضع ينهار!»تذكر آخر نظرة من جميلة، ثم طردها من ذهنه كما يطرد من يخشى الانهيار. لا وقت للنحيب الآن؛ للحزن مواعيده، وللمدينة مواعيد أضيق منه.«أخبريني بإيجاز، وبلا مقدمات.»«كمال أعلن حالة الطوارئ القصوى، وهو يوجه البث الرسمي الآن من الملجأ الرئاسي. وقد... زياد، لقد بدأت الأبواب تُغلق.»«أي أبواب؟»«كل شيء: أبواب المترو والمصاعد والمباني الحكومية. حتى أبواب المنازل الذكية. الناس عالقون في بيوتهم وأعمالهم. والاتصالات الخارجية انقطعت.»شعر زياد بدوار خفيف. «وأنتِ؟»«أنا في الهيئة. نحن عالقون هنا، وأكثر من ثلاثمئة موظف. الأبواب الخارجية مغلقة، والنوافذ مصفحة. المبنى كله أصبح قفصاً.»«سأصل إليكِ.»«لا تأتِ! ستعلق أنت أيضاً.»«لا خيار لدي. إن كان هذا الجهاز يبدأ من الهيئة







