LOGINتلاشت عتمة الغرفة تدريجياً لتعوضها حركة دافئة في المطبخ المجاور. فتحت الباب لتجد والدتها قد استيقظت بالفعل، كانت ترتب أطباق الفطور البسيط بروحها الهادئة التي تشع طمأنينة وسط كل هذا الجنون المحيط بهما.
"لم تنامي مجدداً، أليس كذلك؟" سألت الأم بنبرة عاتبة مليئة بالحب وهي تضع كوب الشاي الساخن أمامها.ابتسمت البطلة، متناولة قطعة من الخبز: "الجسد المستعد لا ينام كثيراً يا أمي. أمامي يوم طويل شاق". تناولا الفطور في صمت مريح، كان هذا الوقت القصير هو ملاذها الآمن، والذكرى التي تستدعيها في عقلها كلما شعرت برغبة في الاستسلام؛ إنها تقاتل لتبقي هذه الابتسامة على وجه والدتها وضمان أمانها المستقبلي. قبلت رأس أمها قبل أن تحمل معداتها وتغادر نحو ساحة التدريب الخلفية المستورة تماماً عن الأعين.هناك، كانت صديقتها المقربة ليرا بانتظارها، وإلى جانبها وقف "إيرون"، المقاتل الموفد سرّاً من المملكة لتدريبهما. كان إيرون يجسد الصرامة العسكرية الصارمة؛ درعه الخفيف يحمل شعار الحرس الملكي، وعيناه الحادتان تفحصان كل حركة وسكنة بدقة ."تأخرتِ دقيقتين،" قال إيرون ببرود وهو يربط واقي الساعد الجلدي. "في المعركة، دقيقتان تعنيان موتكِ وموت فصيلكِ كاملاً. لنبدأ بالجزء الأهم الآن.. قدرتكِ الخاصة كطائر الليكان." أخذت البطلة نفساً عميقاً، وأغلقت عينيها لتستدعي الوحش الكامن في عروقها. شعرت بالحرارة تسري في عمودها الفقري، وتحت جلد ظهرها بدأت ألياف عضلية جديدة تتشكل وتتمدد بسرعة مرعبة. بفتحة مفاجئة لعينين تحولتا إلى اللون الأصفر الثاقب كعين الصقر الجارح، انطلقت من ظهرها أجنحة الليكان الضخمة؛ أجنحة ذات ريش أسود داكن كالعتمة، مدعومة ببنية عضلية مذهلة ومخالب حادة نبتت في أطراف أصابعها. هذا المزيج الفريد بين ضخامة وقوة الليكان وخفة ورشاقة الطيور كان سلاحها السرّي الأخطر الذي تخفيه عن العالم. "ليرا، هاجميها بكل قوتكِ!" أمر إيرون فجأة دون مقدمات.اندفعت ليرا بسرعة مستلة سيفها الخشبي التدريبي، وسددت طعنة مباشرة دقيقة نحو صدر ها. لكن مع قدرة طائر الليكان، أصبحت حواس إيلارا متطورة بمرونة فائقة؛ رأت حركة ليرا بالتصوير البطيء. بحركة رشيقة من جناحها الأيسر العملاق، صدت السيف بقوة محدثة دويّاً مسموعاً في الهواء، واستغلت خفة وزنها لتقفز عالياً في الهواء بارتفاع ثلاثة أمتار، مستخدمة ضغط أجنحتها لتثبيت جسدها في نقطة الصفر. ثانية واحدة، قبل أن تهبط كصاعقة خاطفة خلف ليرا، واضعة مخلبها الحاد بلطف شديد فوق عنق صديقتها كإشارة للنصر السريع ."جيد، لكنكِ اعتمدتِ على الغريزة الحيوانية فقط،" قاطع إيرون متقدماً بخطوات ثابتة مستلاً سيفه الطويل. "الليكان يقاتل بشراسة، والطيور تقاتل برشاقة، لكن جنود المملكة يقاتلون بالتكنيك الحركي المنظم. واجهيني الآن معاً، أنتِ وليرا." تحرك إيرون بسرعة مرعبة لم تتوقعها البطلة أبداً. اندفعت ليرا بشجاعة لتغطية ظهر البطلة مستخدمة ترسها الخشبي لحجب ضربة إيرون الأولى، لكنه استغل اندفاعها العنيف والواثق ليمسك بجناح البطلة الأيمن المفتوح ويلوي ذراعها خلف ظهرها، مثبتاً إياها بقسوة على الأرض بعد أن دفع ليرا جانباً لترتطم بالعشب.أفلتها إيرون بعد ثوانٍ، لتقف البطلة بمساعدة ليرا وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة بالغة. ونظرت البطلة إلى صديقتها المقربة، ورأت في عينيها المتعبتين نفس الإصرار والشرارة التي رأتها في الليلة التي هربتا فيها معاً من أسوار القصر المظلم وتحت وطأة السهام.ابتسمت ليرا رغم الألم الحاد وهي تنفض الغبار عن ملابسها، وقالت بصوت منخفض حازم: "لقد نجونا من حراس القصر وكلاب الصيد الشرسة في تلك ليلة الهروب العظيمة يا صديقتي.. لن يسقطنا مدرب من المملكة الآن." منحتها هذه الكلمات الدافئة دفعة قوية من الأدرينالين، ونظرت البطلة إلى إيرون بوعيد جديد، مدركة أن حريتهما المصيرية تعتمد تماماً على اتقان هذا التدريب الصارم وتجاوز نقاط الضعف الحركية لأجنحتها.جلس الثلاثة في حلقة صغيرة على العشب، والتقطت البطلة الدفتر العسكري التكتيكي الذي جلبته معها منذ الصباح. فتحت صفحة تشكيلات المعارك وحصار الحصون وقالت بإصرار: "إيرون، إذا طبقنا تكنيك 'الإغارة الصامتة' من الأعلى باستخدام أجنحتي لتشتيت انتباه الحرس، بينما تتسلل ليرا من الأرض لفتح البوابة.. هل سننجح في اختراق الحصن الجنوبي للمملكة دون خسائر؟" تغيرت ملامح إيرون الصارمة الجافة إلى نظرة احترام خفيفة، ونظر إلى الدفتر ثم بعمق إلى عينيها الصفراوين: "الآن بدأتِ تفكرين كقائدة حقيقية تقرأ الميدان، وليس كوحش غاضب يندفع بلا وعي. دعونا نعدل على هذا التكنيك ليتناسب مع قدراتكما معاً لتفادي الانكشاف الجوي." ومع غروب شمس ذلك اليوم، كانت الخطوط المرسومة على الورق القديم المتهالك تتحول تدريجياً إلى خطة دم حقيقية للمواجهة القادمة.تسلل ذعر حقيقي إلى أعماق "سيرافينا" بعد المواجهة الصامتة مع إيلارا في جناحها؛ فرؤية الزجاجة القاتمة في يد رفيقة الألفا السابقة جعلت عقلها يتخبط في جنون وتوجس مفرط. أدركت أن حصن أكاذيبها شارف على الانهيار، وأن الكلمات النبيهة التي أطلقها الصغير ليو في وجه كاسيان بدأت تزرع شكوكاً لن تنتهي. وتحت تأثير هذا الرعب، قررت سيرافينا التحرك في نفس الليلة لتنفيذ محاولتها الأخيرة واليائسة لاستعادة السيطرة التامة؛ توجهت بخطوات مرتجفة نحو جناح الألفا في عتمة الليل، وبيدها زجاجة الرماد الأسود لتضع جرعة مضاعفة وقاتلة داخل شراب النبيذ الخاص به، ظانّة بغباء أن القصر يغط في نوم عميق ولا أحد يراقب تحركاتها .في هذه الأثناء، دلف الألفا "كاسيان" إلى مكتبه الخاص وهو ممسك برأسه من شدة الصداع العنيف والتشتت الذهني الذي ينهش عقله. كانت عبارات ابنه ليو: "عيناك مريضتان يا أبي.. وأمي تملك الدواء الشافي لكنك لا تستحقه" تتردد في مسامعه كصوت الطبول، تذكره بكل لحظة جفاء وظلم مارسها طوال السنين الماضيه وجد سيرافينا تقف بجانب الطاولة، وعلى وجهها ابتسامة ناعمة ومصطنعة تخفي وراءها توتراً ملحوظاً، تقدمت منه بخبث وق
عند الحدود الشمالية المتاخمه للغابة المحرمة، ساد هدوء مريب انقطع فجأة باضطراب حاد في الطقس. بدأت الرياح تدور في حلقات عنيفة، واهتزت أوراق الأشجار العملاقة رغماً عن سكون الجو في المناطق المجاورة. كانت "ليرا" تقف في الظلام خلف حافة الضباب الكثيف، تقود فرقة صغيرة من نخبة محاربي اللايكان. وبناءً على الرسالة السحرية التي تلقتها من إيلارا عبر القلادة، رفعت ليرا يدها وأعطت إشارتها للجنود. لم يتقدم المحاربون خطوة واحدة نحو أراضي المستذئبين، ولم يظهروا أجسادهم، بل أطلقوا بالتزامن نبضات طاقة جسدية مكثفة وموجهة نحو خط الحدود، محدثين دويًا صامتاً تسبب في اهتزاز الأرض بشكل خفيف ومتواصل تصاعدت معه الأتربة في الهواء.في القصر الملكي، ارتجفت النوافذ الزجاجية فجأة، ودقت طبول الطوارئ بعنف شق صمت المساء. اندفعت مجموعات الحراس في الردهات، واصطدمت الأبواب رعباً من هذا التهديد المجهول. في مكتبه، انتفض الألفا "كاسيان" فور سماعه تقارير الحراس المرعوبين؛ فالمستذئبون لم يشعروا طوال تاريخهم بمثل هذه القوة المباغتة والمقلقة عند حدودهم. وبدافع غريزته القيادية لحماية قطيعه وأراضيه من أي غزو محتمل، أصدر كاسيان أمر
انتصفت ليلة القطيع، وغرق القصر الملكي في سكون مطبق لم يقطعه سوى صفير الرياح الجافة عبر الممرات الحجرية. تأكدت "إيلارا" من نوم طفلها "ليو" بعمق، ثم نهضت من فراشها البسيط بخطوات صامتة كخيال مألوف. لم تكن بحاجة لإشعال أي ضوء؛ فتدريباتها في أرض اللايكان جعلت عينيها ترى تفاصيل العتمة بوضوح. تسللت عبر المخرج الخلفي لجناحها، متفادية مسارات الحرس بدقة مستغلة معرفتها القديمة بجدول نوباتهم.كان هدفها واضحاً: الجناح الخاص بـ "سيرافينا". نجحت في التسلل عبر شرفة الجناح الجانبية المستترة بالظلال، ودلفت إلى الداخل مستغلة غياب سيرافينا التي كانت تجلس مع بعض نساء القطيع في القاعة السفلية. بدأت إيلارا تفتش الأدراج الخشبية الفخمة وخلف الستائر بهدوء تام دون ترك أي أثر يدل على وجودها. خلف لوحة معلقة في زاوية الغرفة، عثرت على تجويف سري صغير يحتوي على زجاجة قاتمة مغلقة بإحكام.فتحت الزجاجة بحذر، واشتمت رائحتها بحواسها الحادة.لم تكن رائحة سم عادي، بل كانت خليطاً نفاذاً من رماد نبات "المورغانا" المحرم والأعشاب السامة المخلوطة بدماء فاسدة. تذكرت فوراً كتابات السحر الملكية التي قرأتها في مكتبة والدتها؛ هذا ال
لم يكن العيش داخل جدران قصر الألفا كاسيان يعني الاستسلام، بل كان بمثابة مراقبة الصياد لفرائسه من داخل عرينهم. ومع إشراقة صباح اليوم الأول، رفض الألفا كاسيان بروح ثائرة كبريائه أن تأكل رفيقته وابنه وريث الدم من طعام القصر العادي أو الخدم، فأمر الطهاة بإعداد أفخم أنواع اللحوم والمأكولات الملكية الطازجة، وتوجه بنفسه يحمل الأطباق نحو غرفتها القديمة الباردة، مدفوعاً بلهفة الأب وجحيم الندم الذي يحرق وجدانه ويريد كسب رضا طفله بأي طريقة.دلف كاسيان إلى الغرفة بهيبته الطاغية ورائحة الغابة والمطر تفوح منه، ووضع الأطباق الفخمة المذهبة فوق الطاولة الخشبية البسيطة. التفت نحو الصغير "ليو" الذي كان يجلس بهدوء فوق مقعد صغير، وجثا الألفا على ركبتيه ليكون بمستوى طوله، ومد يده المرتجفة بقطعة من اللحم الناضج يحاول إطعام ابنه بنفسه، وعيناه الرماديتان تلمعان ببريق عاطفي باَكٍ وهو يقول بنبرة رخيمة دافئة خافتة: "ليو.. يا بني الصغير.. خذ هذا الطعام من يد والدك. لقد حُرمتُ من رؤيتك لعامين، وجسدك الصغير يحتاج القوة ليعوض أيام الحرمان والبرد. ارجوك.. اقترب مني."لكن رد فعل الطفل جاء صاعقاً وممزقاً لروح الألف
وقفت إيلارا على حافة الغابة المحرمة، تتأمل الضباب الكثيف الذي يفصل بين عالمين؛ عالم مملكة اللايكان الفخمة التي احتضنتها وصنعت منها ملكة، وعالم قطيع المستذئبين الظالم الذي ذاقت فيه الويلات. لم تكن ترتدي درعها الفضي المصقول، ولا عباءتها الحريرية الزرقاء. بدلاً من ذلك، كانت ترتدي ثوباً قديماً وبسيطاً، رمادي اللون وممزق الحواف، تعمدت اختياره بعناية لخداع أعدائها. لقد أخفت هالتها الفضية والذهبية بالكامل خلف حواجز سحرية ملكية، لتبدو أمام الجميع مجرد امرأة بشرية منكسرة، منهكة، وجائعة، عادت لتستجدي العطف العائلي .بجوارها، كانت والدتها الملكة تقف بهيبتها الطاغية، وعيناها الذهبيتان تلمعان بدموع الفراق والقلق. ربتت الملكة على كتف ابنتها وهمست بنبرة دافئة ممتلئة بالحب: "إيلارا.. يا قلب أمكِ. روحي ترتعد خوفاً من عودتكِ إلى ذلك الوكر اللعين، حتى وإن كانت هذه خطتكِ. تذكري أن جيشنا بقيادة ليرا يعسكر الآن في الخفاء التام خلف حدود هذا الضباب. بـإشارة واحدة من قلادتكِ، سنحرق حدود قطيعهم ونقلب قصرهم رأساً على عقب لحمايتكِ." ابتسمت إيلارا ابتسامة غامضة وهادئة، ونظرت إلى والدتها بثقة مفرطة قائلة
على الجانب الآخر من الغابة المحرمة، حيث تقبع مملكة اللايكان المخفية تحت حماية تعاويذ الإخفاء القديمة، كانت الأجواء مختلفة تماماً. لم يكن هناك شحوب أو ضعف، بل كانت الساحة الملكية الكبرى للقصر الفضي تنبض بالطاقة العسكرية المهيبة. كانت شمس الصباح تعكس بريقها فوق الدروع الفضية للمحاربين الذين اصطفوا باحترام تام على جوانب الساحة، تملأ قلوبهم الهيبة وهم يراقبون القتال العنيف الدائر في المنتصف.في وسط الساحة، كانت هناك امرأة تتحرك بخفة خارقة وبسرعة لا يمكن لعين بشرية أو حتى ذئب عادي ملاحقتها. كانت ترتدي درعاً فضياً مصقولاً بعناية يحمل شعار "الذئب ذو الأجنحة"، وتتطاير خلفها عباءة من الحرير الأزرق الملكي الداكن. وبحركة التوائية ذكية، تفادت ضربة سيف قادمة من أعتى قادة حرس اللايكان، واستدارت بسرعة مرعبة لتسدد له ركلة قوية في صدره دفعت بجسده الضخم ليتهاوى أرضاً وسط غبار الساحة، مسببة صوتاً مدوياً أتبعه صمت مذهول من الحاضرين.تنفست الصعداء، وغمدت سيفها الفضي الطويل بخفة واحترافية عالية، ثم التفتت نحو المرآة الكبيرة الموضوعة عند حافة ساحة التدريب لتتأمل انعكاس صورتها. لم تكن هذه المرأة سوى "إيلارا