Masukكانوا يسمّونني "بلا ذئب". عديمة القيمة. غير مرغوب فيها. أمة. في اليوم الذي بِعتُ فيه في مزاد أكاديمية المستذئبين، اشتراني أقوى ألفا كينغ بعملةٍ نحاسية واحدة... فقط ليدمّرني. ثم ارتكب القدر خطأه المستحيل. كان هو رفيق روحي. وقبل أن أصدّق ذلك، رفضني أمام الأكاديمية بأكملها. محطّمة، ومهانة، ومتروكة للموت، اكتشفتُ سرًّا دُفن لقرون: لم أولَد بلا ذئب، بل وُلِدت بصفتي آخر الملكات القرمزية، وريثةَ قوةٍ يمكنها أن تُخضع كل ألفا. الآن، الرجل الذي وصفني باللا شيء يحتاج إلى دمي ليبقى حيّاً. يقول إنني علاجه. أُقسم أنني سأصبح ندمه الأعظم.
Lihat lebih banyakكانوا يسمّونني "بلا ذئب". في هذا العالم، لم تكن تلك صفةً عابرة، بل حكماً بالإعدام. واقفةٌ على منصّة المزاد، بين خشبٍ باردٍ يلسع قدميّ الحافيتين وحرابِ مئةِ عينٍ تلتهمني، استوعبتُ للمرة الألف أنني لستُ إنسانةً ولا مستذئبة، بل شيئاً بينهما. شيئاً لا يريد أحدٌ أن يدفع ثمنه.
رفع المُنادِي يديّ إلى الأعلى، فانزلق الكمّ القطني فكشف عن ندوبٍ قديمة على ساعديّ. كان حبلٌ خشنٌ يربط معصميّ، والحبلُ مربوطٌ بحلقةٍ حديديةٍ في الأرض. قال بحنجرةٍ مبحوحة: "ليـرا ڤيكس، الثامنة عشرة، بلا ذئب. لا قدرة على التحوّل، لا رائحة ذئب، لا قيمة."
"لا قيمة" كلمتان دخلا صدري كسهمٍ مسموم. سمعتهما طوال حياتي بصيغٍ مختلفة، لكن اليوم صارتا تُعلَنان بصوتٍ عالٍ أمام المدرّج الممتلئ، وكأنهما شهادةُ ميلادٍ جديدة. حاولتُ ألا أرتجف. تعلّمتُ منذ زمنٍ طويل أن البكاء يجعلهم يعضّون أشدّ، وأن الصمتَ أفضلُ دروعِ الضعيف.
ضحك أحدهم في الصفوف الأمامية: "من يشتري خادمةً لا تستطيع حتى أن تمرّغ فراء أعدائها؟"
انفجر الحشد بالضحك. لم أرفع رأسي. ركّزت على عقدةٍ صغيرةٍ في خشب المنصّة، على شكلها الدائري الذي يشبه قمراً مصغّراً. ثم انتبهتُ إلى شيءٍ آخر: القلادة الفضّية المخبّأة تحت ثوبي. كانت دافئةً أكثر من المعتاد، تطنّ طنيناً خافتاً كأنها قلبٌ ثانٍ.
قبل أن يكمل المُنادِي حديثه، وقف فتىً ذو شعرٍ أحمر في الصف الأول. التقط شيئاً من الأرض، قشرةً متعفّنة، ورمى بها نحو المنصّة. أصابتني في كتفي، فسقطتُ على ركبتيّ. وقع القشر على خشب المنصّة أمامي، ورائحته نفّاذةٌ كريهة.
"هذه هديتي للمزاد!" صرخ الفتى.
ضحك الجميع. ضحكوا حتى أطلق بعضهم صفيراً. لم أبكِ. لا لأنني شجاعة، بل لأنني نسيتُ كيف. جلستُ على ركبتيّ، والخشب يؤلم عظامي، والعارُ يلسع جلدي. أردتُ أن أختبئ. لكنني بقيتُ. لأنني أعرف أن الهروب يجعلهم أشرس.
المُنادِي لوّح بيده: "هل من عطاء؟ عملةٌ نحاسية واحدة مقابل خادمةٍ للأكاديمية، للتنظيف والخدمة، حتى اكتمال دورة القمر."
صمت. طويلٌ، مؤلمٌ، ممتدّ. لا أحد يرفع يده. لا أحد يهتم.
وفي تلك اللحظة، قبل أن يتكلم المُنادِي ثانيةً، سمعتُ صوتاً قادماً من خلف الصفوف، عميقاً كهدير عاصفة بعيدة:
"عملةٌ نحاسية واحدة."
انشقّ الحشد. مشى بينهم رجلٌ طويلٌ كأن الأرض تحت قدميه لا تليق به. شعرٌ أسود كليلٍ بلا نجوم، وعينان رماديتان تلتقطان ضوء المشاعل فتبدوان كبرقٍ محبوس. يرتدي معطفاً أسودَ بأزرارٍ فضّية، وخنجراً منقوشاً برموزٍ قديمة. لم يكن بحاجة إلى أن يعرّف بنفسه. عرفتُه من الهمسات التي تلاحقه أينما ذهب: كايل فروست، ألفا كينغ، حاكم القطعان الشمالية. أقوى مستذئبٍ في جيله.
قالوا إن ذئبه لم يُهزم قط. قالوا إنه لا يضحك أبداً. قالوا إنه اشترى عبيداً من قبل، لكنه لم ينظر إليهم. اليوم نظر إليّ.
صعد المنصّة بخطواتٍ ثقيلة. وقف أمامي، أطولَ منّي بكثير، فاضطررتُ أن أرفع رأسي. كان وجهه صخرةً لا تقرأ، لكن عينيه تحركتا فجأةً إلى عنقي، إلى المكان الذي تختبئ فيه القلادة، ثم عادتا إلى وجهي.
أخرج عملةً نحاسية من جيبه. رفعها عالياً بين إبهامه وسبّابته. "عملةٌ واحدة. لا أكثر."
رمى العملةَ على المنصّة. دارت في الهواء، ساخرةً، ثم سقطت عند قدميّ وأصدرت رنيناً حادّاً.
"مباعة"، قال المُنادِي، بصوتٍ لم يستطع إخفاء الدهشة فيه.
أمسك كايل بالحبل الذي يربط معصميّ وسحبني بقوة. تمايلتُ، وكدتُ أسقط، لكنه لم ينتظرني. سار بي عبر الممرات الحجرية الطويلة، والطلاب يفرّون من طريقه، والهمسات تتطاير خلفنا: "لماذا اشترى ألفا كينغ خادمةً بلا ذئب؟" "ماذا سيفعل بها؟"
لم أكن أعرف الجواب. لكنني كنت أعرف أن العملةَ النحاسيةَ كانت أرخص من شيءٍ واحد: حياتي.
فتح باباً منحوتاً عليه شعار عائلة فروست، ذئبٌ تحت هلال. دخلتُ غرفةً واسعةً تلفحها نارٌ دافئة، وسريرٌ ضخمٌ مغطى بحريرٍ أسود، ومكتبٌ مكدّس بالأوراق والخرائط. كانت رائحته في كل مكان، رائحة صنوبرٍ وعاصفةٍ وشيءٍ معدني. وتحتها شيءٌ آخر، مرارةٌ خفيفة كمرضٍ مخبّأ تحت عطر فاخر.
أغلق الباب. التفت نحوي. "انظري إليّ."
رفعتُ رأسي. نظر إليّ طويلاً، كأنه يقرأ شيئاً مخبّأً في وجهي. ثم قال بهدوءٍ قاتل: "اشتريتك بعملةٍ نحاسية واحدة. هل تعرفين ماذا يعني ذلك؟"
"أنني خادمتك، يا ألفا كينغ."
"خطأ." انحنى حتى صار وجهه قريباً من وجهي. "هذا يعني أنكِ لا شيء. أقل من لا شيء. العملةُ النحاسية لا تساوي عندي حتى رغيفَ خبزٍ يابس. لكنني اخترت أن أنفقها عليك. ذلك يعني أن كلّ نفسٍ تأخذينه، وكلّ نبضةٍ في قلبك، أنتِ موجودةٌ لأنني أسمح بذلك."
وقف منتصباً، وجسده يفصلني عن الضوء.
"سوف تندمين لأنكِ وُلدتِ، يا ليـرا ڤيكس."
الكلمات دخلت كالسكين. توقعتُ القسوة طوال حياتي، لكن أن يقولها هو، بهذا الصوت الهادئ، جعل شيئاً في داخلي ينكسر. للحظةٍ خاطفةٍ على المنصّة، تساءلتُ في سرّي إن كان هذا الألفا مختلفاً. إن كان سيرى فيّ شيئاً لا يراه الآخرون. إن كان البردُ مجرد قناع.
غباء. غباءُ أن أأمل.
أدار ظهره ومشى نحو المكتب. "ستنامين في الخزانة. هناك بطانية. لن تلمسي سريري ولا ملابسي ولا طعامي ولا أي شيءٍ يخصّني إلا بإذني. لن تتكلمي إلا إذا خاطبتك. ستجيبين على كل سؤالٍ بصدقٍ فوراً، وعيناك على الأرض. إذا كسرتِ أي قاعدة، فسوف تُعاقَبين."
أومأت.
"أجيبي، يا خادمة."
"نعم، يا ألفا كينغ."
مشيتُ نحو الخزانة: بابٌ ضيقٌ في زاوية الغرفة. فتحته. في الداخل كومةٌ من البطانيات الرمادية، ودلو، وفانوسُ زيتٍ صغير. لا نافذة. لا فراش. رائحةُ غبارٍ وعفن. دخلتُ وأغلقتُ الباب خلفي، فالتهمني الظلام.
انزلقتُ على الجدار، وضممتُ ركبتيّ إلى صدري. وضعتُ راحتي على القلادة المخبّأة تحت الثوب. كانت دافئةً، تطنّ طنيناً خافتاً. همسةٌ لا تنتمي إلى هذا العالم البارد.
لم أبكِ. لقد نسيتُ كيف.
مرّت ساعات، أو ربما دقائق. في الظلام، لا معنى للوقت. سمعتُه يتحرك في الغرفة، صفحاتٍ تُقلَّب، وقدميه تصطكان بالأرض، وطقطقةَ النار. في لحظةٍ ما، سمعتُ سعالاً جافّاً. بدأ كصفيرٍ خفيف، ثم تصاعد إلى سعالٍ عميقٍ متقطّع، كأن شيئاً في صدره يتمزّق. كتمه سريعاً، لكنني سمعتُ شهيقاً حادّاً بعده، كأنه يتألم.
"إنه مريض"، فكّرت. "تلك الرائحة ليست رائحةَ ذئبٍ سليم. إنها شيءٌ خاطئ."
توقف السعال. عاد الصمت.
ثم اقتربت خطواتٌ نحو الخزانة. حبستُ أنفاسي. أدار المقبض، فانفتح الباب، واندفع ضوءُ النار إلى الداخل. وقف في المدخل، وظلّه طويلٌ على الأرض. وجدني في الزاوية.
"ما زلتِ هنا"، قال، وكأنه توقع أن أختفي.
"إلى أين سأذهب، يا ألفا كينغ؟"
"إلى العدم." حدّق فيّ طويلاً. "لماذا لا تبكين؟"
فاجأني السؤال. لم يكن لديّ جوابٌ لا يبدو مفتعلاً. قلتُ أخيراً: "لم يعد عندي دموع."
ومض في عينيه شيءٌ لم أفهمه. نفسُ الجوع الذي رأيته على المنصّة، لكنه اختلط بلمسةِ حيرة. كأن عدمَ بكائي أربكه.
"أريني يديك."
مددتُ يديّ. أمسك بهما، وكان دفؤه مفاجئاً. شعرتُ بخشونة الكالو على راحتيه. ضغط إبهاماه على معصميّ، فانكمشتُ من الألم الذي تركته السلاسل.
"ستلتئم هذه بحلول الغد"، قال، وأطلق يديّ. "إذا لم تلتئم، سأجلدك لأنكِ هشّةٌ جداً."
استدار ومشى بعيداً، تاركاً بابَ الخزانة مفتوحاً. "اتركيه مفتوحاً الليلة. أريد أن أراك."
لم أتحرك. استلقيتُ على البطانية، وانحنيتُ على نفسي، ونظرتُ عبر الباب المفتوح إلى ظهره وهو جالسٌ على المكتب يقرأ بضوء المصباح. كانت النار تشتعل، والريح تعوي خارج النافذة. وفي مكانٍ ما في الليل، عوى ذئبٌ وحيد.
أغمضتُ عينيّ. ولأول مرةٍ في حياتي، حلمتُ بقمرٍ فضّي وذئبٍ بلون الدم.
---
استيقظتُ على ضغطٍ مفاجئٍ على صدري.
فتحتُ عينيّ. كان كايل منحنياً فوقي، ويده مضغوطةٌ على عظمة ترقوتي، فوق القلادة تماماً. كان وجهه شاحباً، وعيناه واسعتين، والعرق يتصبّب من جبينه.
"ما هذا؟" سأل بصوتٍ خشن.
"قلادة أمي."
"من أين حصلتِ عليها؟"
"تركتها معي عند بوابات الأكاديمية قبل ست عشرة سنة."
قبضَ يده حولها. للحظةٍ خشيتُ أن يمزقها من عنقي. لكن أصابعه ارتجفت، فأطلقها وترنّح للخلف. شهق، ويده على صدره، وتنفّسه متقطّع. "اخرجي"، همس بصوتٍ بالكاد مسموع.
نهضتُ بسرعةٍ وقلبي يدقّ. "ألفا كينغ..."
"قلتُ اخرجي!"
لم أنتظر. ركضتُ خارج الغرفة، عبر الممر الحجري البارد، دون أن أعرف إلى أين. ركضتُ حتى احترقت ساقاي وصرخت رئتاي. عندما توقفتُ أخيراً، كنتُ في ممرٍ خافت الإضاءة قرب الجناح الشرقي. كان ثوبي مبتلاً بالعرق. وضعتُ يدي على القلادة، التي ما تزال دافئةً، ما تزال تطنّ.
لكن الطنين كان أقوى الآن. كأنه نبض.
وفي البعيد، سمعتُ صوته يصرخ باسمي:
"ليـرا!"
صرخةٌ لم تكن غضباً.
كانت خوفاً.
مرت الأيام كقطط خائفة: تنسلّ، تختفي، ولا تترك أثراً. كنتُ أحصيها واحدةً تلو الأخرى من خلف نافذة غرفتي الصغيرة، حيث الضوء يأتي متأخراً ويغادر مبكراً. لم أكن أخرج إلا عندما يُطلب مني، ولم يكن أحد يطلب مني شيئاً. كايل لم يرسل إليّ طعاماً بنفسه؛ كان يرسل خادماً صامتاً يضع الصينية عند الباب ويختفي. ولم أكن أعرف إن كان ذلك عقاباً أم حمايةً أم مجرد نسيان.في جيبي، بقيت البتلة الفضية التي قطفتها تلك الليلة. كانت قد ذبلت، لكنها كانت تحتفظ بلونها، كأنها ترفض أن تموت تماماً. كنتُ أخرجها في الليل، وأحدق فيها تحت ضوء القمر، وأتساءل: ما الذي يجعل دمي فضيًّا؟ ما الذي جعل الزهور تفتح عند لمسي؟ لم أكن أعرف الإجابة. لكنني كنتُ أعرف أن كايل كان يبحث عنها أيضاً؛ رأيتُ الكتب تُكوم في مكتبه، رأيتُه يقرأ حتى وقت متأخر، والضوء تحت بابه كان يتوهج كأنه جرحٌ مفتوح.في اليوم السابع، فُتح الباب دون طرق. وقف كايل في المدخل، مرتديًا معطفاً أسود طويلاً، وعيناه تنظران إليّ كعادتهما: بلا شفقة، بلا قسوة، فقط مراقبة. قال: "ارتدي معطفكِ الثقيل. سترافقينني اليوم."لم أسأل إلى أين. لا فائدة من الأسئلة معه؛ كان يجيب فقط بما
بعد حادثة الحظيرة، تغير شيءٌ في الطريقة التي ينظر بها الطلاب إليّ. لم يعودوا يتجاهلونني كقطعة أثاث. صاروا ينظرون إليّ بنوعٍ من الفضول، كأنني شيءٌ غريب أُحضر إلى معرض، يُشار إليه بالأصابع لكن لا أحد يلمسه. ربما كانت القصة قد انتشرت: أنني أكلتُ من بقايا الطعام ولم أبكِ. ربما كان ذلك غريباً بما يكفي ليجعلني شيئاً يُذكر، حتى لو كان الذكر ازدراءً.لكن كايل لم يتغير. كان لا يزال يأمرني بأشياء صغيرة كل يوم: أحضر له الماء، نظف حذاءه، رتّب مكتبه. لم يكن هناك عنفٌ جسدي هذه المرة، بل شيءٌ أقسى: الاعتياد. أن أعتاد أن أكون ظلاً يتحرك بأمره.في اليوم الخامس بعد خروجي من الجناح الطبي، أرسلني إلى الحديقة الخلفية لأقطف بعض الأعشاب. قال إنه يحتاجها لخلطةٍ طبية، لكنني شعرتُ أن السبب الحقيقي هو أنه أراد أن يراني أتسخ يديّ بالتراب. لم أقل شيئاً؛ ذهبتُ.وكانت الحديقة شاسعة، مسوّرة بأشجار طويلة تجعلها تبدو بمنأى عن العالم. كان الهواء فيها مختلفاً، يحمل رائحة النعناع والزعتر والندى، كأنها قطعة من عالم آخر. مشيتُ بين الصفوف، وأنا أقطف ما طلبه، وأشعر بيدي ترتعشان قليلاً من البرد. ثم وجدتُ شيئاً غير متوقع: زهور
خرجتُ من الجناح الطبي بعد ثلاثة أيام، وأنا أظن أن الألم سيبقى هناك خلفي. لكن الألم ليس شيئاً يتركك. إنه يمشي معك، يلتصق بظهرك كظلّ، يوقظك في منتصف الليل ليطمئن أنك ما زلت تتذكره. تعلمتُ أن أتعايش معه كما تتعايش مع صوتٍ مزعج في غرفة مجاورة: تسمعه، لكنك تدفنه تحت أشياء أخرى.كان الصباح بارداً. وقفتُ في زاوية الفناء، أنتظر أمراً لم يأتِ بعد. كايل لم يكن قد خرج من مبناه، لكنني شعرتُ به قبل أن أراه. كان هناك نوعٌ من التواصل الصامت بيننا، لا أفهمه؛ كخيطٍ ممدودٍ بين جسدين، يهتزّ كلما اقترب مني. لم أكن أريد أن أسميه ما هو. كنتُ أعرف أنني إذا أطلقتُ عليه اسماً، فسوف يصبح حقيقياً.ظهر أخيراً عند درج الساحة، ومشى نحوي بخطواتٍ محسوبة. لم يكن يحمل سوطاً هذه المرة، ولا كان يحمل شيئاً ظاهراً. لكنه كان يحمل شيئاً في عينيه، نوعاً من القرار الذي سبق أن اتخذه في مكانٍ لا أستطيع الوصول إليه.قال: "سأريكِ اليوم كم تساوين."لم يسأل إن كنتُ جاهزة. لم يسأل إن كان ظهري قد التئم. مشى أمامي، وأنا تبعته كأن قدميّ تعرفان الطريق من غير عقلي.أدخلني قاعة الطعام الكبرى، تلك القاعة التي رأيتُها من بعيد عند وصولي؛ صفو
في الصباح، لم يكن هناك أملٌ يشبه الضوء. كان الضوء نفسه بارداً، يزحف عبر ثقبٍ صغير في السقف، فبدا كخيطٍ مقطوع. نهضتُ بصعوبة، وثوبي الرمادي يلتصق بظهري حيث جفّ الدم، لكنني لم أنظر إلى الجرح. كان هناك شيءٌ واحدٌ أريده في ذلك الصباح: ألا أنكسر.وجدت كايل واقفاً عند الباب، ممتلئاً بالصمت كعادته. قال: "اتبعيني". ولم يسأل إن كنتُ أستطيع المشي.مشيتُ خلفه عبر الممرات، وكانت كل خطوةٍ توقظ ألماً جديداً. كأن ظهري كان طفلاً يبكي، وكأن كل خطوةٍ تهزّه. لكنني تعلمتُ منذ زمنٍ بعيد أن الألم لا يختفي؛ بل يتعلم أن يسير خلفك كظلٍ مطيع. كان الطلاب يمرون بنا، ويتفرقون أمامه كالماء، وبعضهم نظر إليّ بنوعٍ من الفضول الذي يشبه الشفقة، لكنه لم يكن شفقةً حقيقية.وصلنا إلى ساحةٍ داخلية واسعة، حجارتها رمادية مبللة. في منتصف الساحة كان حشدٌ متجمع، وفي قلبه دائرةٌ تتسع كجرح. اقتربتُ، فرأيتُ ما لم أكن أريد رؤيته: فتاةً صغيرة، في الرابعة عشرة من عمرها تقريباً، لا يتجاوز مئزرها الغبار، واقفةً أمام ألفا شابٍ بعينين بلون الرمال. كانت الصينية قد سقطت، والمرق يتسرب إلى شقوق الأرض، والفتاة ترتجف حتى صار ارتجافها واضحاً كأنه