أكاديمية المستذئبين: العبدة بلا ذئب

أكاديمية المستذئبين: العبدة بلا ذئب

last updateLast Updated : 2026-10-05
By:  Jacy writesUpdated just now
Language: Arab
goodnovel12goodnovel
Not enough ratings
34Chapters
449views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

كانوا يسمّونني "بلا ذئب". عديمة القيمة. غير مرغوب فيها. أمة. في اليوم الذي بِعتُ فيه في مزاد أكاديمية المستذئبين، اشتراني أقوى ألفا كينغ بعملةٍ نحاسية واحدة... فقط ليدمّرني. ثم ارتكب القدر خطأه المستحيل. كان هو رفيق روحي. وقبل أن أصدّق ذلك، رفضني أمام الأكاديمية بأكملها. محطّمة، ومهانة، ومتروكة للموت، اكتشفتُ سرًّا دُفن لقرون: لم أولَد بلا ذئب، بل وُلِدت بصفتي آخر الملكات القرمزية، وريثةَ قوةٍ يمكنها أن تُخضع كل ألفا. الآن، الرجل الذي وصفني باللا شيء يحتاج إلى دمي ليبقى حيّاً. يقول إنني علاجه. أُقسم أنني سأصبح ندمه الأعظم.

View More

Chapter 1

الفصل الأول: ثمنها عملة واحدة

قالوا عني: بلا ذئب.

صدّق الحشد ذلك قبل أن يروني. وقفت في قفص حديدي لا يليق بالبشر، وأنا أسمع همساتهم تتساقط حولي كالمطر: لا قيمة لها، لا دم، لا نسب، حظها كئيب. كانوا يبيعونني كقطعة لحم لا تصلح حتى للذبائح.

لكنني لم أبكِ. تعلمت باكرًا أن الدموع تغرق صاحبها في هذا المكان. رفعت رأسي، ومسحت الذل عن وجهي بنظرة باردة، ونظرت إلى الجموع التي تزاحمت في ساحة المزاد.

كانت ساحة الأكاديمية لا تشبه أي سوق. أعمدة عالية من الرخام الأسود، وجوه حاضرة بلا ملامح، وحراس خلف كل طاولة. هنا، لم يكن العبيد يُباعون فحسب؛ بل كانت الأسرار تُباع أيضًا. وكانوا يظنون أنني أهون الأسرار جميعًا.

"وليدتنا اليوم"، صاح المزاد علنًا، ودفعني بيده إلى الأمام. "فتاة، الثامنة عشرة، بلا ذئب. أُمسكت ليلة أمس وهي تحاول الهروب من الأكاديمية."

لم أقل شيئًا عن سبب هروبي. لم يطلب أحد مني التوضيح.

"ماذا كانت تحاول أن تهرب منه؟" سأل أحدهم من الجموع.

"لا أحد يعرف"، أجاب المزاد وهو يهز كتفيه. "لكنها كانت تحمل حقيبة صغيرة، وفيها ملابس وخبز جاف. ربما كانت ستتضور جوعًا في الغابة، أو ربما كانت تحاول الوصول إلى شيء ما."

لم يذكروا القلادة. لم يرَها أحد تحت قميصي الرّث.

ضحكوا.

"خمسة فضيات؟" قال أحدهم. "تصلح لتنظيف الأرضيات."

"فضية واحدة؟" صاح آخر. "لا تساوي حتى ذلك."

لكنني لم أسمع كلماتهم. رأيت شيئًا آخر في الزاوية البعيدة من الساحة، خلف الأعمدة وتحت ضوء المشاعل. رأيت رجلًا يجلس وحده، لم يضحك، لم يسخر، لم يمد يده. كان يرتدي عباءة داكنة، ووجهه شاحب، وعيناه مركزتان عليّ — ليس على جسدي كما فعل الآخرون، بل على عنقي.

على القلادة.

قلادة أمي.

تعلقت بها صغيرة؛ كانت الشيء الوحيد الذي تركته لي قبل أن تختفي في الليل. كلما ذلوني، لمستها في صدري وقلت: غدًا. كانت عيناه مثبتتين عليها، لا على وجهي. لم أكن أعرف من هو، لكن شيئًا غريبًا خفق في صدري، ولم يكن خوفًا.

ثم وقف.

تحركت الساحة كلها. توقفت الضحكات، وتراجع الناس جانبًا، حتى المزاد نفسه سكت. انتبه الجميع إلى الرجل الذي صار يمشي بينهم بهدوء، خطواته لا تصدر صوتًا، لكنها كانت تزلزل الأرض. خرج من ظل العباءة، فعرفت وجهه من الصور المعلقة في كل قاعة من قاعات الأكاديمية.

كايل. ملك الألفا. حاكم المنطقة.

لكنني رأيت ما لا يراه الآخرون. رأيت الطريقة التي ارتجفت بها يده وهو يمسك بحافة معطفه. رأيت العرق المتجمع على جبينه رغم برودة القاعة. رأيت شحوبًا لا يلوّن وجه الأصحاء، وكان يعرف أنني رأيت.

"كم قلت؟" سأل المزاد دون أن يرفع صوته.

"عملة واحدة... يا مولاي. عملة نحاسية واحدة."

نظر إليّ طويلًا، ثم قال بصوت هادئ يجعل المكان أبرد:

"سأدفعها."

لم يفهم الحشد ما يحدث. ظنوا أنه يمزح. لكنه أخرج عملة نحاسية من جيبه، رماها على الطاولة، وقال:

"هي لي."

همست الوجوه وتكاثرت الأصوات، لكن كايل لم يلتفت. مد يده، فلم أتحرك. وقفت أمامه، والخوف يضغط على صدري، لكنني لم أتراجع. كان واضحًا أن هذا الرجل لا يفعل شيئًا بلا سبب.

"هل ستأتين بقدميك؟" سألني بصوت منخفض.

"إذا كان مصيري أن أتبع أحدًا، فسأتبع من يملك سببًا لشرائي"، قلت بجرأة لم أكن أعرف أنني أملكها. "لا من اشتراني لأنها كانت صفقة رابحة."

رفع حاجبه، وابتسم ابتسامة باردة لا تصل إلى عينيه:

"أنتِ جريئة أكثر مما يليق بخادمة."

"أعتذر عن جرأتي، يا مولاي. لكن الجرأة هي كل ما أملكه الآن، ولا أريد أن أتنازل عنه قبل أن أُقتل."

صمت. نظر إليّ كما لو كنت معادلة خاطئة في حسابه. ثم قال:

"خذها إلى البرج الشرقي. لا تدع أحدًا يقترب منها."

مشيت أمامه بين الحشود المندهشة، وأنا أشعر بأعينهم تحترق في ظهري. كان الجميع يهمس بنفس السؤال: لماذا اشترى ملك الألفا فتاة بلا ذئب؟ وما الذي يخطط له؟

لم أكن أعرف الإجابة. لكنني كنت أعرف أن الملك مريض، وأنه لم يشترني لأنه رأى فيّ جارية، بل لأنه رأى شيئًا آخر في عنقي.

في البرج، أغلق كايل الباب الثقيل خلفنا. كانت الغرفة واسعة، لكنها فارغة، مليئة بالصمت والظل. وقف بجانب النافذة، ظهره إليّ، وقال دون أن يلتفت:

"قولي لي: ما اسمك؟"

"ليرا."

"اسمك الحقيقي."

توقفت. لم يكن أحد يسألني عن اسمي الحقيقي؛ كانوا يسألون عن رقمي، عن فصيلتي، عن عائلتي التي لا أملكها. رفعت ذقني، وقلت:

"ليرا. هذا كل ما أعرفه. وجدوني طفلة عند بوابة الأكاديمية قبل ستة عشر عامًا، ملفوفة بقطعة قماش، وفي رقبتي قلادة. لم يعرفوا اسمي، فسموني ليرا، وتركوني أعيش بين الخدم."

"قلادة"، كررها، فتقدم نحوي. "أريني."

شددت يدي على صدري:

"إنها ليست شيئًا ذا قيمة، يا مولاي. مجرد خرزة قديمة."

"أرينيها."

كان أمرًا لا يقبل الرفض، لكنني ترددت. هذه القلادة كانت كل ما يربطني بمن أحبتني. أخرجتها ببطء من تحت قميصي الرث، ورفعتها في الضوء.

كانت صغيرة، دائرية، مصنوعة من حجر أحمر داكن، وفي وسطها نقش لا أستطيع فهمه — تاج وهلال. كنت أظنها خرزة عادية، فلم يلاحظها أحد. لكنه نظر إليها ونظر إليّ، ثم اقترب خطوتين.

"من أين حصلتِ عليها؟" ظهرت خشونة مفاجئة في صوته.

"قلت لك: كانت معي يوم تركوني على البوابة."

"لا."، قال بصوتٍ كانت فيه رعشة. "هذه القلادة... هذا الختم... مستحيل."

مد يده فجأة، وأمسك القلادة.

انفجر شيء في الغرفة.

لا صوت، لا نار، لكنني رأيت عينيه تتسعان، ورأيت الجلد على كفه يتحول إلى احمرار، ثم إلى أثر حرق، كأنه لمس معدنًا ملتهبًا. أفلت القلادة، فسقطت في كفي، وتراجع، وتلوى على ركبته، وأنفاسه تتقطع كأنها لا تجد طريقًا إلى صدره.

"يا مولاي!" اندفعت نحوه دون تفكير، لكنه رفع يده ليبعدني.

"لا تقتربي!"، زمجرة خرجت من أعماق صدره، لكنها لم تكن زمجرة غضب، بل زمجرة خوف. "لا تقتربي..."

وقفت في مكاني، والقلادة تتأرجح في يدي، وأنا لا أفهم شيئًا. كان هذا الرجل أقوى ملك ألفا في المنطقة، وها هو يرتجف أمام قطعة حجر صغيرة.

"ما هذه؟" سألت، وصوتي كان عمليًا، فلم أعد أشعر بالخوف. "ما الذي يحدث؟ ولماذا تلمس قلادتي فتحرقك؟"

رفع كفه المصابة، ونظر إليها بذهول. كان أثر الحرق على شكل الهلال المنقوش على القلادة، لم يلتئم، بل ظل يتوهج بضوء أحمر خافت.

"أنتِ..."، قال بصوت يشبه الهمس، "لا يمكن أن تكوني..."

"ألاكون ماذا؟"

صمت، ورفع عينيه إليّ. في نظراته، رأيت شيئًا لم أكن أتوقعه: خوفًا حقيقيًا، ليس مني، بل من شيء يتعلق بي. ثم انقبض وجهه، وعاد الصمت الحذر إلى ملامحه، وقال:

"ما زال أمامنا وقت لنعرف من أنتِ."

وقف، ومسح أنفاسه، واتجه نحو الباب. عند العتبة، توقف دون أن يلتفت، وقال:

"الباب غير مقفل."

"وتتوقع أن أهرب؟"

التفت قليلًا، وقال:

"أريد أن أعرف ماذا ستفعلين عندما لا يجبرك أحد على البقاء."

ثم أغلق الباب، وتركني وحيدة في الغرفة الواسعة.

وقفت والقلادة تضغط على كفي، وقلبي يخفق بسرعة. كان بإمكاني الهرب. لكن الهرب سيعيدني إلى كل شيء حاولتُ الفرار منه. نظرت إلى القلادة في ضوء القمر المتسلل من النافذة، وقالت بهدوء:

"سأبقى."

نهضت، ورفعت القلادة إلى الضوء، ورأيت النقش يلمع — تاج وهلال. شعرت للحظة بشيء يهتز في أعماق الأرض تحت قدمي، اهتزازًا خفيفًا كأن شيئًا قد استيقظ من نوم طويل.

ثم سمعت صوتًا من بعيد، خشنًا وقديمًا، لا يشبه صوت إنسان، يخرج من خلف الجدران، من مكان لا يصله الضوء:

"أخيرًا... عدتِ."

التفت حولي، لكن الغرفة كانت فارغة. لا أحد.

ظللت واقفة، والقلادة تتأرجح في يدي، وأنا أسأل نفسي بصوت مرتجف:

"من أنا؟"

1

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
34 Chapters
الفصل الأول: ثمنها عملة واحدة
قالوا عني: بلا ذئب. صدّق الحشد ذلك قبل أن يروني. وقفت في قفص حديدي لا يليق بالبشر، وأنا أسمع همساتهم تتساقط حولي كالمطر: لا قيمة لها، لا دم، لا نسب، حظها كئيب. كانوا يبيعونني كقطعة لحم لا تصلح حتى للذبائح. لكنني لم أبكِ. تعلمت باكرًا أن الدموع تغرق صاحبها في هذا المكان. رفعت رأسي، ومسحت الذل عن وجهي بنظرة باردة، ونظرت إلى الجموع التي تزاحمت في ساحة المزاد. كانت ساحة الأكاديمية لا تشبه أي سوق. أعمدة عالية من الرخام الأسود، وجوه حاضرة بلا ملامح، وحراس خلف كل طاولة. هنا، لم يكن العبيد يُباعون فحسب؛ بل كانت الأسرار تُباع أيضًا. وكانوا يظنون أنني أهون الأسرار جميعًا. "وليدتنا اليوم"، صاح المزاد علنًا، ودفعني بيده إلى الأمام. "فتاة، الثامنة عشرة، بلا ذئب. أُمسكت ليلة أمس وهي تحاول الهروب من الأكاديمية." لم أقل شيئًا عن سبب هروبي. لم يطلب أحد مني التوضيح. "ماذا كانت تحاول أن تهرب منه؟" سأل أحدهم من الجموع. "لا أحد يعرف"، أجاب المزاد وهو يهز كتفيه. "لكنها كانت تحمل حقيبة صغيرة، وفيها ملابس وخبز جاف. ربما كانت ستتضور جوعًا في الغابة، أو ربما كانت تحاول الوصول إلى شيء ما." لم يذكروا القل
last updateLast Updated : 2026-08-14
Read more
الفصل الثاني: بابٌ مفتوح
ظللتُ أحدق في الباب حتى طلع الفجر. لم يكن مقفلًا، تمامًا كما قال. كان هذا أول بابٍ مفتوح في حياتي يتركني أحدٌ أمامه دون أن يعرف ماذا سأفعل. كان بإمكاني أن أنهض وأمشي، وأن أعود إلى الظل الذي عشت فيه دائمًا. لكنني بقيت جالسة على حافة السرير، وأنا أسمع صوتي الداخلي يقول: إنه يمتحنك. نهضت ببطء، ووضعت راحتي على الخشب البارد. فتحتُ الباب قليلًا، فشعرت بنسيم الممر يلامس وجهي. لا حراس أمامه، لا قيود، لا أحد. كان الاختيار حقيقيًا، أو كان يبدو كذلك. ولم أكن أريد أن أختار كالأمة. خرجت من الغرفة، ومشيت في الممر الطويل، حتى وصلت إلى نهايته. عندها خرج رجلان من خلف العمودين، كأنهما كانا ينتظرانني منذ لحظة خروجي. لم يرفعا سلاحًا، لكنهما تصالبا أمامي وسدّا الطريق. "إلى أين؟" سأل أحدهما بصوت بارد. "هذا قرار ملككم، ليس قراري", قلت بهدوء. ثم سمعت خطوات خلفي. لم ألتفت، فعرفت صوتها قبل أن يصل إليّ: "لقد سمحت لكِ بالاختيار، لا بالركض." التفتُ. كان كايل واقفًا في منتصف الممر، يرتدي معطفًا داكنًا، وعيناه تلمعان كأنه لم ينم الليلة أيضًا. "لم أكن أركض", قلت. "كنت أختبر ما إذا كان الباب المفتوح وعدًا أم
last updateLast Updated : 2026-08-14
Read more
الفصل الثالث: قاعدة واحدة تكسرت
كان صوت صراخها هو ما جعلني أنسى القاعدة الأولى. لم أكن أنوي مغادرة البرج. وقفتُ بجانب النافذة أراقب الساحة السفلى، حين رأيتها: فتاة صغيرة، في الرابعة عشرة من عمرها تقريبًا، اسمها لينا. كان ثلاثة من الطلاب الأكبر منها يحيطون بها في زاوية الفناء، يدفعونها ذهابًا وإيابًا كأنها لعبة. "أرينا ذئبكِ، يا لينا"، قال أحدهم بسخرية. "أم أن ذئبكِ ما زال يختبئ تحت سريركِ؟" "أنا لستُ بلا ذئب"، قالت بصوت مرتجف. "ذئبي سيعرفني قريبًا." "لم يعد هناك وقت، يا عزيزتي. هل رأيتِ أحدًا بلا ذئب في عمركِ؟ إنه عارٌ على الأكاديمية أن تحمل اسمنا." دفعها الآخر، فسقطت على ركبتيها، وانكسرت قارورة صغيرة كانت تحملها. انسكب منها دواءٌ أبيض على التراب، فصرخت لينا: "لا! كنتُ أحضره لأمي!" "أمك مريضةٌ لأنها ضعيفة. مثلك تمامًا." رفع أحدهم قدمه، وسحق ما تبقى من الزجاجة. لم أفكر. مشيتُ نحو الباب، وفتحته، وخرجت من البرج — وأنا أعلم أنني أكسر القاعدة الأولى. القاعدة التي قالها كايل بصوته الهادئ البارد: لا تخرجي من هذا البرج دون إذني. ركضتُ عبر الممرات حتى وصلت إلى الساحة، وصرخت بصوتٍ دوّى في أرجاء الساحة: "اتركها!" ت
last updateLast Updated : 2026-08-14
Read more
الفصل الرابع: دعيني
استيقظتُ على ألمٍ يزحف من ظهري إلى صدري. حاولت أن أتحرك، فشعرت بالجروح تشدّ جلدها على ظهري. كان الضوء يدخل من النافذة، وعلى الطاولة بجانب السرير بقايا خبز لم آكلها. كان خبز لينا، عرفت ذلك من رائحته ومن الطريقة التي كانت قد شقّت بها رغيفها الصغير في اليوم السابق. خرجت من الغرفة، فالتفت الخدم بعيدًا عني. لم أكن أعرف إن كانوا يخافونني أو يشفقون عليّ. لكن توقفت امرأة عجوز عند باب المخزن، ونظرت إليّ مليًا، ثم قالت بصوت خافت: "من أجلكِ، لن يجرؤ أحد على لمسها. لا تقلقي." لم أكن أعرف أن القصة انتشرت إلى هذا الحد. فجأة شعرت بالخوف على لينا. ركضت إليها في زاوية الخدم، وأمسكت بذراعها: "لا تفعلي ذلك مرة أخرى. لا تأتي إليّ، ولا تحضري لي طعامًا، ولا تنظري في عيني أمام أحد." نظرت إليّ وقالت ببساطة: "لا أندم." "سيعاقبونكِ." "ربما. لكنني رأيتُ ما لم يرَه الآخرون." "ماذا رأيتِ؟" "بنتًا وُلدت وحدها... واختارت ألا تبقى وحدها." دخلتُ القاعة الكبرى في وقت الغداء بأمرٍ من كايل. كان عليّ أن أخدم طلاب النخبة، وأن أحمل الأطباق أمامهم. كان بعضهم يحدق بي كأنني شيء غريب، وبعضهم يهمس: "هي التي دافعت عن
last updateLast Updated : 2026-08-14
Read more
الفصل الخامس: دمي الذي يشبه القمر
لم أنم تلك الليلة. أخرجت قطعة القماش الحمراء من تحت وسادتي، وقلبتها بين يدي. لم تكن تحمل نقشًا، ولم تكن فيها رائحة تميزها عن أي قماش آخر. لكنها أيقظت قلادتي بعد سكونٍ طويل، وتركت في صدري سؤالًا لم يستطع النوم أن يطرده: من تركها أمام بابي؟ ولماذا حذّرني من كايل؟ أعدت القماشة إلى مكانها، وقررت ألا أخبر أحدًا. في اليوم التالي، نقلني أحد الحراس إلى حديقة الأعشاب الطبية خلف البرج. قيل إن كايل أمر بذلك حتى لا أخدم في القاعة الكبرى بعد ما حدث. لم أمانع. كانت الحديقة مكانًا هادئًا، بعيدًا عن الأعين التي تحاول أن تقرأ شيئًا في وجهي. كنت أزيل الأشواك اليابسة من أغصان وردة برية، حين انغرست شوكة في طرف إصبعي. أدرت يدي لأنظر إلى الجرح، فتجمد الدم في عروقي. لم يكن الدم الذي يخرج من إصبعي أحمر. كان فضيًا، يلمع مثل خيط من ضوء القمر. ركزت عينيّ، وظننت للحظة أنني أرى وهمًا. مسحت القطرة بإبهامي، فانفتح الجرح قليلًا وخرجت قطرة أخرى. فضية. صافية. لا تشبه أي دمٍ عرفته. سقطت القطرة قبل أن أمسكها على زهرة بيضاء صغيرة ذابلة عند قدمي. اهتزت الزهرة، ثم بدأت تتفتح ببطء، وكنت أرى الخضرة تعود إلى ساقها. انت
last updateLast Updated : 2026-08-14
Read more
الفصل السادس: لستِ مثلهم
في صباح اليوم التالي، فتحتُ وسادتي قبل أن أخرج من الغرفة. كانت القماشة الحمراء ساكنة، والزهرة الفضية فوقها كما تركتها ليلًا. وضعت إصبعي على إحدى بتلاتها، فاهتزت بلطف تحت يدي. انتزعتُ بتلةً صغيرة، ووضعتها في جيبي. لم أكن أعرف لماذا فعلت ذلك، لكنني شعرت أنني لا بد أن أحمل معي شيئًا من تلك الليلة. نقلني أحد الحراس بعد ذلك إلى الساحة الخارجية. كان الطلاب يتدربون هناك بحضور كايل، وكان على الخدم أن يقفوا على الأطراف يحملون الماء والمناشف. وقفت في الزاوية، بعيدًا عن الجميع. لم أنظر طويلًا إلى وجوههم. كان يكفيني أن أرى ما يحدث في مركز الساحة: طلاب النخبة يتحولون، فتمتلئ أجسادهم قوةً لا أملكها، وتشتدّ أصواتهم وتحضنهم الأرض كأنهم ولدوا لها. أدرت عينيّ عن التفاصيل التي كانت تجعل قلبي ينقبض. لم يكن يؤلمني شكلهم، بل ما كانوا يملكونه وأنا لا أملكه. "أنتِ." التفتُ. كانت إحدى الطالبات واقفة أمامي، في يدها قربة ماء، وعلى وجهها ذلك الابتسام الذي رأيته كثيرًا منذ وصلت إلى هنا. "حذائي اتّسخ"، قالت. "نظّفيه." نظرت إلى حذائها. كان نظيفًا، لكنها رفعته أمامي ببطء. لم أتحدث. انحنيت، وأخرجت قطعة القماش ال
last updateLast Updated : 2026-08-14
Read more
الفصل السابع: الرفيق
كان الليل في تلك الليلة مختلفاً عن كل الليالي. القمر مكتملٌ، ضخمٌ وعاجي، معلقٌ فوق الأكاديمية كعينٍ لا ترمش، والنسيم يحمل رائحة التراب المبلل والراتنج، ورائحة شيءٍ آخر لا أعرف اسمه. ربما كان التوتر، أو ربما كان التوقع؛ تلك الرائحة التي تسبق الأحداث الكبيرة، رائحة الهواء قبل أن ينشقّ.أخبرني خادمٌ صامت، عبر طرقته الخافتة على الباب، أنني يجب أن أرتدي ثوباً أسود وأذهب إلى الساحة المركزية. لم أكن أعرف ما الذي يحدث، لكنني تعلمتُ ألا أسأل. ارتديتُ الثوب، وخرجتُ.كانت الساحة مكتظة. اصطفّ الطلاب جميعاً في صفوفٍ طويلة، يرتدون أثواباً بيضاء تلمع تحت ضوء القمر، وجوههم متجهة نحو منصةً حجرية في منتصف الساحة حيث وقف كايل وحده، مرتدياً ذهباً داكناً، ويداه مشبوكتان أمامه. كان منظره مؤلماً لسببٍ لا أستطيع تفسيره، كأنه مصنوع من مسافة لا يمكن عبورها.وقفتُ في الظل، خلف صفوف المتفرجين، بعيداً عنهم. لم يكن أحد قد رآني بعد، أو هكذا ظننت.وقف رجلٌ عجوزٌ أمام المنصة، ورفع يديه عالياً، فأخذت الساحة تصمت تدريجياً. كان صوته خشنًا لكنه يصل إلى كل ركن، وهو يقول كلماتٍ لا أستطيع تذكرها الآن، عن القمر، والذئاب، وال
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more
الفصل الثامن: الرفض
استيقظتُ على صوت تنفسٍ ثقيل، وعلى ألمٍ يختبئ في كل خليةٍ من جسدي كأنني نزلتُ من حلمٍ طويل عن طريق الصدمة. كان سقفاً حجرياً فوقي، وبجانبي، غرفةٌ مليئة بالوجوه التي تحوم في ضباب. لم أكن أعرف كم مرّ من الوقت. ربما دقائق، ربما ساعات. كل ما عرفته أنني ممددةٌ على الأرض، وأن شيئاً في صدري ما زال ينبض بنبضةٍ غريبة، كأنه قلبان.رفعتُ رأسي بصعوبة. كان الطلاب قد شكّلوا دائرةً واسعة حولنا، عيونهم مفتوحة على مصراعيها، وهمساتهم تتصاعد وتنخفض كأمواج بعيدة. المدير العجوز وقف عند المنصة، ووجهه شاحبٌ غير متحرك. ثم رأيتُه.كايل كان جالساً على الأرض أيضاً، على بعد خطواتٍ مني. كان مرفقاه على ركبتيه، ورأسه منحنٍ، يتنفس بصعوبة كما لو أنه ركض مسافةً طويلة. كان شعره مبعثراً، ويده اليمنى تضغط على صدره حيث كان الضوء قد دخل. لم يكن ينظر إليّ؛ كان ينظر إلى الأرض، إلى نقطةٍ لا أفهمها."كايل", قال المدير العجوز بصوتٍ يرتجف قليلاً. "هذا... هذا مستحيل. نحن بحاجة إلى فهم ما حدث."رفع كايل رأسه ببطء. رأيتُ عينيه: كانتا لا تزالان تحملان وميضاً ذهبيًّا من أثر الانفجار، لكنهما كانتا يصطادان شيئاً آخر. كان يشبه الخوف، لكنه
last updateLast Updated : 2026-08-22
Read more
الفصل التاسع: محطّمة
كان الجليد يزحف على الجدران حين أدركتُ أنني لن أخرج من هنا كما دخلتُ. لم أكن أتحدث عن الجسد؛ كان الجسد قد توقف عن الاهتمام بنفسه منذ ساعات، أو أيام. كنتُ أتحدث عن الشيء الذي يجعل الإنسان ينهض في الصباح، ذلك الخيط الرفيع الذي يربط الروح بالجسد. كنتُ أشعر به ينقطع ببطء، خصلةً بعد خصلة.الزنزانة صغيرة لدرجة أنني أستطيع لمس جدرانها الأربعة إذا فردتُ ذراعيّ. سقفها منخفض، وفي زاويتها ثقبٌ ضيق لا يمر منه سوى هواءٍ بارد ورائحة طين. وضعوني على قشٍّ معفن، وتركوني. لم أكن أبكي بعد الآن. كنتُ قد انتهيت من البكاء في مكانٍ ما بين منتصف الليل والفجر. توقفت دموعي، لكن الجليد بقي. غطى الأرض، وتسلق الجدران، وشكّل زهوراً صغيرة في الزوايا. كنتُ أنظر إليها في الضوء الخافت وأفكر: حتى أنا أصبحت شيئاً ينتج الجمال فقط حين يؤلمه.ثم سمعت الأصوات.كانت تأتي من خلف الجدار العلوي، من مكانٍ لا أراه، عبر فجوةٍ ضيقة بين الحجارة. ربما كانوا يظنون أنني لا أستطيع سماعهم. ربما كانوا يظنون أن الفتاة المكسورة التي ألقوها في القبو لا تملك أذنين. لكنني سمعت. كل كلمة، كل همسة، كل حفيف أ
last updateLast Updated : 2026-08-23
Read more
الفصل العاشر: شفاءٌ ولعنة
كان باب الزنزانة يُفتح بعنف قبل أن أسمع أزمة المزلاج. دخل جنديان، ووجهاهما متصلبان، وأمسكا بذراعيّ من دون كلمة. جرّاني أحدهما إلى الممر، والآخر أمسك كتفي، وكانت أناملهم قاسية."ما الخبر؟" سألت، لكنهم لم يجيبوا.كانت الممرات مضاءة بمشاعل لم تكن مضاءة من قبل. كانت الأصوات تتضخم كلما تقدمنا: خطى متسارعة، همسات مبحوحة، وصرخة مكتومة تخرج من غرفةٍ في نهاية الممر. عرفت تلك الغرفة. كانت غرفة كايل.وقف حارسٌ عند الباب، ومدّ يده يمنعني. لكن أحد الجنديين قال: "المجلس أمر بها." فتح الباب، وسُحبت إلى الداخل.كان الهواء في الغرفة ساخناً ورطباً، ورائحة العرق والدم تملؤه. وقف ثلاثة من الشيوخ حول السرير، ووجوههم مظلمة بالقلق. على السرير، كان كايل يرتجف.لا أعرف كيف أصف ما رأيت. كان جسده ينحني ويتمدد، كأن عظامه تتكسر وتعود مكانها بلا إرادة. كانت عيناه مفتوحتين لكنهما لا ترى شيئاً، مائلتان إلى الخلف، والبياض يغطيهما كأنهما مغمضتان على نحوٍ خاطئ. كان فمه نصف مفتوح، وشفتاه تزرقّان، ومن حلقه يخرج صوتٌ يشبه الأنين، لكنه أعمق، كعويل حيوانٍ محبوس.
last updateLast Updated : 2026-08-24
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status