LOGINكانت د. نادية، الطبيبة النفسية الأربعينية، تدير عيادة صغيرة متخصصة في استشارات العلاقات في الطابق الثالث من بناية قديمة وسط المدينة، بسلم خشبي يئن تحت الأقدام ومصعد صغير لا يثق به أحد. وقد أصبحت في السنوات الأخيرة من أكثر المتخصصين طلبًا بعد الارتفاع الملحوظ في حالات "الانهيار العاطفي الرقمي" التي بدأت تصل إليها من كل الأعمار والخلفيات، حتى إن قائمة الانتظار في عيادتها امتدت إلى ثلاثة أشهر. التقت برغد للمرة الأولى حين جاءت الأخيرة تطلب استشارة بخصوص قلقها المتزايد على صديقتها، بعد أن قضت أسبوعًا كاملًا تتردد قبل أن تحجز الموعد، وكأن الاعتراف بحاجتها إلى مساعدة خارجية يعني الاعتراف بأنها فشلت في حماية أقرب الناس إليها.
في غرفة الانتظار، جلست رغد تحدّق في نبتة صناعية في الزاوية، وتعبث بحزام حقيبتها بأصابع متوترة. كانت الجدران مطلية بلون أخضر باهت يبعث على الهدوء، وعلى الطاولة الصغيرة أمامها كتيبات عن التنفس العميق والحدود الشخصية، وفي الركن ساعة حائط تدق ببطء يكاد يبعث على الجنون. حين فُتح الباب ونودي اسمها، شعرت بأن قدميها ثقيلتان، لكنها نهضت ودخلت.
كانت تفكر في ياسمين وهي تنتظر: في السنوات التي تقاسمتا فيها سكنًا صغيرًا أيام الجامعة، وفي ليلة امتحان الإنشاءات حين نامت ياسمين على كتفها والكتاب مفتوح على صدرها. عرفتها امرأة تحسب كل شيء مرتين قبل أن تقرر، ولذلك كان انهيارها أمام كلمات مجهولة يبدو لرغد أكثر إخافة من أي مصيبة معلنة.
جلست رغد أمام د. نادية وشرحت لها كل التفاصيل: تطبيق التعارف، الرجل الغامض، اللقاء الملغى، تغيّر سلوك ياسمين. حكت لها كيف كانت ياسمين قبل أشهر تسخر من هذه التطبيقات وتصفها بأنها مصائد لقلوب المتعبين، ثم كيف صارت تحمل هاتفها كأنه عضو من جسدها. حكت لها عن المرات الثلاث التي حدد فيها سليم موعدًا للقاء ثم ألغاه قبل الموعد بساعات، وعن ياسمين التي كانت في كل مرة تبتسم وتقول: "معلش، ظروفه"، وتلبس ثيابها الجميلة على أي حال، كأنها تتمرن على الفرحة. وحكت أن ياسمين كفّت عن الحديث عن عملها الذي كانت تعشقه، وعن الكتب التي كانت لا تفارقها، وأن كل موضوع صار يبدأ باسم سليم وينتهي به. وحين وصلت رغد إلى وصف الليلة التي وجدت فيها ياسمين تحدّق في شاشة هاتفها حتى الفجر بعينين لا ترمشان، انكسر صوتها، فمدت الطبيبة يدها إلى علبة المحارم بحركة اعتادتها ألف مرة.
استمعت الطبيبة بتركيز، ثم قالت بهدوء مهني: "اللي بتوصفيه دي أعراض معروفة، بنسميها في العيادة (تعلق العلاقة الافتراضية)، وهي بتحصل لما شخص بيبني احتياجه العاطفي كله على تفاعل مش قادر يتحقق منه في الواقع".
أوضحت د. نادية أن هذا النوع من العلاقات يعتمد على مبدأ نفسي بسيط لكنه فعّال: كلما زاد الغموض حول الطرف الآخر، زاد الخيال يملأ الفراغات بصورة مثالية لا وجود لها في الواقع. "المخ بيحب المجهول يا رغد، وبيحاول يكمله بأحلى صورة ممكنة، وده بالظبط اللي بيستغلوه في تصميم التطبيقات دي، عشان يخلوكِ تفضلي مرتبطة، مش عشان توصلي لحد حقيقي".
ثم أضافت أن هناك عاملًا ثانيًا لا يقل خطورة، يسميه علماء النفس "التعزيز المتقطع". قالت وهي ترسم دائرة صغيرة على ورقة أمامها: "زي ماكينة القمار بالظبط. مش كل مرة بتكسب، بس كل مرة بتفتكر إن الجاية هتكسب. لما يبعتلها رسالة حلوة بعد ساعات من الصمت، الفرحة بتبقى أقوى بكتير من لو كان بيرد عليها كل خمس دقايق. الصمت هنا مش عيب في التصميم، الصمت هو التصميم". ثم رسمت دائرة ثانية وقالت إن العامل الثالث هو العزل، فهذه العلاقات تبدأ تدريجيًا بتصوير كل من حول الضحية كأنهم لا يفهمونها، حتى تصبح الشاشة هي الجهة الوحيدة التي تصغي إليها.
وقالت إن الأخطر في الأمر أن المستخدمين لا يشعرون بأنهم يُدفعون إلى شيء، بل يشعرون أنهم يختارونه بأنفسهم، وهذا ما يجعل الخروج منه أصعب من الدخول، فمن لا يرى القيد لا يفكر في كسره.
سألتها رغد بقلق: "طب أعمل إيه؟ أقولها إيه؟"، فأجابت الطبيبة بحكمة: "متحاوليش تقنعيها إنه وهم بالقوة، هي هتقاوم أكتر. بس افضلي جنبها، وسيبيها تكتشف بنفسها، مع دعمك، مش نصيحتك المباشرة". ثم أعطتها ثلاث قواعد بسيطة كتبتها بخط واضح على ظهر بطاقة: لا تسخري من الرجل أمامها، ولا تسأليها أسئلة تشبه الاستجواب، ولا تختفي مهما ابتعدت عنك. "هي محتاجة تعرف إن الباب اللي بترجعي منه مفتوح على طول. الناس بتتوه أسرع لما تحس إن مفيش حد هيستقبلها لو رجعت".
ثم رفعت الطبيبة عينيها نحوها وقالت بنعومة: "وإنتِ يا رغد؟ بتحاولي تنقذيها ولا بتنقذي نفسك من حاجة قديمة؟". ارتبكت رغد، ثم اعترفت بأنها جربت التطبيق نفسه قبل سنتين، وأنها خرجت منه بجرح لم تحكِ عنه لأحد، وأن كل تحذير تلقيه لياسمين هو في الحقيقة تحذير لنفسها القديمة. أومأت الطبيبة دون أن تصدر حكمًا، وقالت إن هذا الاعتراف وحده يجعلها أقدر الناس على مساندة صديقتها، بشرط ألا تحمّلها جراحها هي.
وقبل أن تنتهي الجلسة، سكتت الطبيبة لحظة وهي تقلّب صفحات دفترها، وقالت بنبرة مختلفة: "في حاجة تانية لازم تعرفيها يا رغد. من حوالي سنة، وأنا بشوف حالات كتير بنفس الأسلوب بالظبط. نفس الجمل تقريبًا، نفس توقيتات التأجيل، نفس طريقة تحويل الشك لذنب. في الأول افتكرت إنها صدفة، بس دلوقتي بقيت أشوف إن في حاجة بتتكرر". سألتها رغد بصوت خافت: "تقصدي إيه؟"، فهزت الطبيبة رأسها: "لسه مش عارفة أقول. بس خلي بالك من أي تفصيلة، أي كلمة غريبة، أي حاجة تحسي إنها مش طبيعية. وسجليها".
شعرت رغد ببرودة تسري في ذراعيها. تذكرت الجملة التي سمعتها هي نفسها قبل سنتين، وتذكرت أن الطبيبة لم تذكر تطبيقًا بعينه، ومع ذلك جاء اسمه إلى ذهنها بلا استئذان. أخرجت هاتفها بأصابع باردة وكتبت في ملاحظاتها: "الجمل متشابهة. التأجيل متشابه. لازم أعرف أكتر".
كانت هذه الجلسة نقطة تحول مهمة في فهم رغد لما يحدث، وبدأت من حينها تتعامل مع الموضوع بحكمة أكبر، بعيدًا عن الحدة التي ميزت مواجهتها الأولى مع ياسمين. في تلك الليلة، جلست على سريرها وأخرجت البطاقة التي كتبت عليها الطبيبة قواعدها، وقرأتها ببطء، ثم علّقتها على المرآة حيث تراها كل صباح. أدركت أن حبها لصديقتها كان صادقًا، لكنه كان غاضبًا أكثر مما ينبغي، وأن الغضب لا يبني جسرًا يعبر عليه أحد.
خرجت رغد من العيادة ودخلت أول مقهى وجدته، وطلبت شايًا لم تشربه، وجلست تراقب الناس يمرون في الشارع، كل منهم يحدّق في هاتفه كأنه نافذة أخيرة إلى العالم. كانت تحمل شعورًا مختلطًا بين الارتياح لفهمها الجديد، والقلق من أن الوقت قد لا يكون كافيًا لإنقاذ صديقتها قبل أن تقع في شيء لا يمكن التراجع عنه. لم تكن تعلم حينها أن مخاوفها كانت في محلها تمامًا، وأن الأسابيع القادمة ستحمل تطورًا لم تكن تتوقعه أي منهما.
لم يكن أمام كريم إلا ثلاث دقائق.ثلاث دقائق بين دورية الحراسة الأولى والثانية، وثلاث دقائق قبل أن تتحول بطاقة الدخول القديمة في جيبه إلى قطعة بلاستيك بلا قيمة، حين يتنبه النظام أخيرًا إلى أن اسمه ما زال حيًا فيه.كان يقف عند الباب الخلفي للمبنى منذ الحادية عشرة والنصف، يراقب الحارس وهو يشرب الشاي ويقلب هاتفه. حين استدار الحارس أخيرًا نحو الواجهة الأمامية، تحرك كريم.مرّر البطاقة على القارئ الإلكتروني. ظل الضوء أحمر ثانيتين طويلتين، ثم صار أخضر.همس لنفسه: «الحمد لله أنهم لا يحذفون شيئًا.»دخل.كان الممر خاليًا، بارد الضوء، تفوح منه رائحة المكيفات والسجاد الجديد. تجاوز الغرف التسع التي قضى فيها شهورًا يعيش بأصوات لا تخصه، وتجاوز غرفة 9 دون أن ينظر إليها، وهو يعرف أن الجملة المكتوبة تحت المكتب ما زالت هناك.لا تحبها. إنهم يريدونك أن تحبها.لم يكن قد قال لأحد أنه يحفظها كما يحفظ الأدعية. كان يتلوها كل صباح في السيارة، قبل أن يصعد، ثم يتوقف عند اسم ياسمين ولا يكمل.نزل السلم الخلفي إلى الطابق الأرضي، ثم إلى الطابق الذي لا يظهر في لوحة المصعد. كان الهواء أثقل هناك، وأبرد، وكأن المبنى كله ي
لم تكن عيادة د. نادية تشبه العيادات.لا سماعة طبية على المكتب، ولا شهادات معلقة على الجدران، ولا رائحة مطهرات. كان فيها مصباح واحد مضاء، وثلاثة فناجين قهوة باردة، وملف كرتوني سميك وضعته نادية بين ياسمين ورغد كما توضع ورقة الحكم أمام المتهم.جلست ياسمين على حافة الكرسي، وكأنها تستعد للهرب. كان هاتفها في حقيبتها مطفأً منذ ساعتين، وكانت تشعر مع ذلك أنه يراقبها.قالت نادية دون مقدمات: «اختفى أحد عشر شخصًا في ثلاث سنوات. وأنتِ الثانية عشرة، إن لم نحسبك ناجية.»ابتلعت ياسمين ريقها.«أنا لم أختفِ. هو الذي اختفى.»«هذا بالضبط ما قالته الأخريات.»فتحت نادية الملف وبدأت تبسط الصفحات على الطاولة الواحدة تلو الأخرى: صور، لقطات شاشة، تواريخ، أرقام هواتف مشطوبة. كل صفحة تحمل اسمًا، وتحت الاسم عبارة واحدة مكتوبة بخط أحمر: «انقطع الاتصال».قالت رغد بصوت خافت: «كلهم كانوا على التطبيق؟»«كلهم. وكلهم كانوا على وشك الانتقال من الكلام إلى اللقاء. ثم ينقطع كل شيء دفعة واحدة، فلا رسائل ولا أرقام ولا حسابات. كأن الشخص الآخر لم يوجد أصلًا، وكأن هؤلاء النساء والرجال تخيلوا كل شيء.»«وكيف عرفتِ أنتِ؟»نظرت نادي
مرّ أسبوعان كاملان دون أي إشارة من سليم. كانا أسبوعين ثقيلين على ياسمين، تمر ساعاتهما ببطء غريب، وكأن الزمن نفسه توقف عند اللحظة التي أرسلت فيها آخر رسالة له. حاولت ياسمين الاتصال به بكل الوسائل المتاحة: رسائل التطبيق، بريد إلكتروني قديم تبادلا فيه رسالتين فقط في بداية تعارفهما، وحتى محاولة البحث عن أي حساب آخر يحمل اسمه على منصات التواصل الاجتماعي. جربت أسماء مختلفة، وصورًا محتملة، وبحثت في كل زاوية تخيلت أنها قد تقودها إليه، لكنها لم تجد شيئًا؛ كأن الرجل الذي أمضت معه أشهرًا من حياتها العاطفية قد تبخّر فجأة، تاركًا خلفه فراغًا لا يمكن وصفه.في محاولة أخيرة يائسة، فتحت التطبيق نفسه لتجد رسالة تلقائية تفيد بأن الحساب "تم إيقافه بناءً على طلب المستخدم". قرأت الجملة مرارًا وتكرارًا، وكأنها تنتظر أن تتغير كلماتها في كل مرة، أو أن تجد فيها تفسيرًا مختلفًا عمّا تعنيه فعلًا. لكن المعنى ظل ثابتًا لا يتغير: هو من اختار الرحيل، بإرادته الكاملة، دون أن يترك ولو كلمة وداع واحدة. شعرت بصدمة أعمق من أي وقت مضى؛ فالاختفاء المفاجئ لم يكن نتيجة ظرف طارئ كما اعتادت أن تُقنع نفسها في الأيام الأولى من ص
في يوم عطلته الأسبوعية، ذهب كريم كعادته لزيارة لينا في دار الحضانة. كان الطريق إلى هناك قد أصبح جزءًا ثابتًا من أسبوعه، يعرف كل منعطف فيه، وكل إشارة مرور، وكأن سيارته تسير به وحدها دون أن يحتاج إلى التفكير. لكن رغم اعتياده على هذا الطريق، لم تخفّ العقدة التي تتشكل في صدره كل مرة يقترب فيها من الدار، عقدة مزيج من الشوق والذنب، شوق لرؤية ابنته وذنب لأنه لم يعد الشخص الذي يحتضنها كل يوم كما كان يفعل قبل الطلاق.كانت ابنته قد بدأت تعتاد على النظام الجديد لحياتها، تلعب مع أطفال آخرين، وتتعلم كلمات جديدة كل أسبوع، وأصبحت أكثر استقلالية مما كانت عليه قبل أشهر قليلة. لاحظ كريم هذا التغيّر بمزيج من الفخر والحزن، فخر لأن ابنته تتأقلم وتنمو بشكل جيد، وحزن لأن جزءًا كبيرًا من هذا النمو يحدث بعيدًا عنه، في مكان لا يشاركها فيه يومياتها الصغيرة. لكن نظراتها حين ترى والدها تحمل دائمًا سؤالاً صامتًا: "هترجع تعيش معايا إمتى؟". لم يكن لدى كريم إجابة يقينية يقدمها لها، فاكتفى، كعادته، بأن يحتضنها بقوة ويعدها بأنه "قريب جدًا هيكون كل حاجة تمام".جلس معها في حديقة الدار الصغيرة، يراقبها وهي ترسم بألوان زاه
لاحظت رغد شحوب وجه ياسمين وتراجع نشاطها خلال الأسابيع التالية، فقررت أن تزورها دون سابق إنذار. لم تكن هذه أول مرة تشعر فيها رغد بأن شيئًا ما يتغيّر في صديقتها المقربة، فقد بدأت تلاحظ منذ أسبوعين أن ياسمين تتأخر في الرد على رسائلها، وأن حماسها المعتاد للحديث عن تفاصيل يومها قد خفت تمامًا، وكأن شخصًا آخر حلّ محلها. اتصلت بها مرتين في ذلك الصباح دون جواب، فقررت أن تذهب إليها مباشرة بعد انتهاء دوامها، متجاهلة صوتًا داخليًا كان يخبرها أنها ربما تتدخل فيما لا يعنيها.وجدتها جالسة في شقتها بملابس النوم في منتصف النهار، والستائر مغلقة تمامًا وكأنها تختبئ من الضوء ذاته. كانت الشقة التي اعتادت رغد أن تراها مرتبة ومليئة بالحياة، قد تحوّلت إلى مكان كئيب، أكواب قهوة باردة متناثرة على الطاولة، وأوراق مبعثرة، ورائحة خفيفة لغرفة لم تُفتح نوافذها منذ أيام. وقفت رغد عند الباب للحظة، تتأمل المشهد بحزن، قبل أن تتقدم بهدوء وتجلس بجانب صديقتها.جلست بجانبها بصمت طويل، تمسك يدها دون أن تقول شيئًا، تاركة للصمت نفسه أن يفعل ما لا تستطيع الكلمات فعله. مرّت دقائق ثقيلة قبل أن تسألها بلطف غير معتاد: "فيه إيه يا
جاءت الليلة التي غيّرت كل شيء بهدوء لا يليق بحجم ما حملته. لم تكن هناك عاصفة ولا نذير، بل مساء عادي من مساءات الخريف، برائحة أوراق مبللة بمطر خفيف، وأضواء الإعلانات الهولوغرافية تتراقص فوق الشارع كما تفعل كل ليلة. كانت ياسمين قد قررت، بعد أشهر من الانتظار والتردد، أن "الحب الحقيقي" الذي تعيشه يستحق أن تتجاوز من أجله كل الحدود التي وضعها المجتمع، وكل التحذيرات التي سمعتها. لم يكن قرارها مفاجئًا بقدر ما كان تراكمًا بطيئًا لشهور من العزلة العاطفية والحاجة الملحة لأن تشعر بأنها مرغوبة ومميزة، كقطرات صغيرة تتجمع في وعاء إلى أن تأتي قطرة لا تختلف عن سابقاتها فيفيض.في تلك المرحلة، كانت ياسمين قد التقت بسليم أخيرًا، بعد أشهر طويلة من التأجيل، في لقاء واحد قصير غامض، لم يشبه ما تخيلته، لكنها أقنعت نفسها أن "الواقع دائمًا أقل بريقًا من الخيال". كان اللقاء في حديقة فندق هادئ على أطراف المدينة، تحت مصابيح خافتة تلقي على الأشياء ضوءًا أصفر مبهمًا. وصل متأخرًا نصف ساعة، بقبعة مسدلة ووشاح يخفي نصف وجهه، معتذرًا بأن عينيه تتأذيان من الضوء القوي. تحدث قليلًا وبصوت منخفض، وكان في نبرته ذلك الدفء المأل







