Home / الرومانسية / التوأم الرقمي / الفصل العاشر: عمل بلا استقرار

Share

الفصل العاشر: عمل بلا استقرار

last update publish date: 2026-09-28 20:07:25

استمر كريم في محاولاته للعثور على استقرار مالي، متنقلًا بين مشاريع برمجية قصيرة الأمد عبر منصات "العمل الحر السريع" التي أصبحت السمة الغالبة لسوق العمل الجديد. كانت هذه المنصات تعد بالمرونة، لكنها في الحقيقة حرمت آلاف العمال من أي شبكة أمان: لا تأمين صحي، لا إجازات مدفوعة، ولا حتى ضمان استمرار العمل من أسبوع لآخر. كان يستيقظ كل صباح على إشعارات تعلن مشاريع جديدة تنتهي خلال دقائق لمن يقبل بأقل سعر، فيدخل مع مئات المبرمجين في سباق نحو القاع، يخفض فيه أجره ليفوز بعمل لا يكفي ثمنه لدفع فاتورة الكهرباء. وتعلّم أن التقييم بالنجوم هو الحاكم الوحيد: نجمة واحدة من عميل غاضب، لأن الموقع تأخر ثلاث ساعات عن موعد لم يُذكر في الاتفاق، كفيلة بإغراقه أسبوعًا كاملًا في قاع القائمة حيث لا يراه أحد.

في إحدى الليالي جلس على طاولة صغيرة في غرفته المستأجرة الضيقة، يحدّق في ثلاث فواتير لم تُدفع وعميل اختفى بعد أن تسلّم المشروع كاملًا. رن هاتفه، فرأى اسم هالة على الشاشة. جاء صوتها متعبًا لكنه هادئ: "لينا سألتني النهارده إمتى بابا هييجي. قلتلها قريب". سكت كريم لحظة، ثم قال: "قريب فعلًا. عندي شغل جديد، هيبتدي الأسبوع ده". لم يكن متأكدًا من أنه يقول الحقيقة أم يقنع نفسه بها. أضافت هالة بحذر أن مصاريف الحضانة تستحق الأسبوع القادم، فقال: "هتصرف"، وهي كلمة قالها مئات المرات حتى فقدت معناها. حين أنهت المكالمة، بقي ممسكًا بالهاتف طويلًا، كأنه يخشى أن يُسقطه فتنكسر الشاشة الوحيدة التي تصله بابنته.

بعد أن أغلق الخط، فتح تطبيق البنك بيد مرتجفة ليتأكد من رصيد يعرفه مسبقًا، كما يتحسس المرء جيبًا فارغًا في الظلام، ثم أغلقه بسرعة كأن الرقم قد يؤذيه أكثر إن طالت النظرة إليه.

في هذه الأثناء، بدأ كريم عمله الجديد في مشروع "الشخصيات التفاعلية"، الذي اتضح له تدريجيًا أنه أكبر بكثير مما تخيل في البداية. كانت الشركة التي يعمل معها، عبر وسيط لا يعرف اسمها الحقيقي، تدير عشرات "الهويات الرقمية" المصممة خصيصًا لتطبيقات التعارف المختلفة، كل هوية مبرمجة لتتفاعل بذكاء مع نوع معين من الشخصيات المستهدفة، بهدف إبقاء المستخدمين مشتركين لأطول فترة ممكنة، وبالتالي زيادة أرباح الشركة من الاشتراكات المدفوعة. كانت المراسلات كلها تجري عبر حساب مجهول على منصة العمل، يرسل المهام ويستلم الملفات ويحوّل الأجر في موعده بدقة لم يعرفها مع أي عميل آخر، وهي الدقة التي كانت تزيد من ريبته بقدر ما تزيد من ارتياحه.

صار يومه يبدأ مع غروب الشمس وينتهي مع أول ضوء للفجر، إذ كانت لوحة القياس أمامه تعرض أن ذروة تعلق المستخدمين تحدث بين الحادية عشرة ليلًا والثالثة صباحًا، حين تكون الوحدة في أشد حالاتها. تعلّم لغة جديدة من المصطلحات: معدل الاحتفاظ، وعمق المحادثة، وقابلية التحويل، ودرجة الحنين. وكان كل مصطلح منها يخفي إنسانًا حقيقيًا وراءه، لكن اللغة الجديدة كانت تنجح في محو الوجوه، كما ينجح الجراح في نسيان اسم المريض حين يرى الجرح فقط.

وذات مساء كتب إلى الحساب المجهول يسأل ببراءة متعمدة: "من هم العملاء بالضبط؟ أريد أن أفهم السياق كي أحسّن الأداء". جاء الرد بعد دقيقة، بلا توقيع وبلا انفعال: "المهام فقط. الأسئلة لا تدخل ضمن نطاق العمل. الأجر سيصلك في موعده". قرأ الرد ثلاث مرات، فأدرك أن الصمت عن الأسئلة هو أيضًا جزء من التصميم، وأن هذا العالم كله يقوم على الأبواب التي لا تُفتح.

في البداية، حاول كريم أن يقنع نفسه أن عمله محض تقني، مجرد أكواد وخوارزميات، بلا علاقة مباشرة بمشاعر الناس الحقيقية. لكنه كان، في أعماقه، يشعر بعدم ارتياح متزايد كلما قرأ تعليمات المشروع: "زد من معدل الرسائل العاطفية في الأسبوع الثالث لرفع معدل الاحتفاظ"، "أضف مبررات مقنعة لتأجيل أي لقاء مباشر"، "استخدم مفردات تلامس شعور الوحدة لدى المستخدمات في الفئة العمرية 25-32".

وذات ليلة، طُلب منه أن يراجع عينة من المحادثات لتحسين الردود، فقرأ حوارًا بين إحدى هذه الهويات وامرأة في الثلاثين، كتبت في آخره: "أنت أول شخص يسمعني من غير ما يحكم عليّا". جاء الرد الآلي بعد ثانيتين بالضبط: "وأنتِ أول من جعلني أصدق أن الأمان له صوت". رأى في الهامش تعليقًا صغيرًا من مشرف لا يعرفه: "ممتاز. ذروة تعلق. وقت مناسب لعرض الاشتراك المميز". أغلق الملف وحدّق في الجدار طويلًا، وقد شعر بأن الجملة التي قرأها تخص امرأة حقيقية، في مكان ما، تنام الليلة وهي تظن أن أحدًا يحبها.

كانت كل تعليمة تكشف له، رويدًا رويدًا، حجم المنظومة التي أصبح جزءًا منها، منظومة تتلاعب بمشاعر أشخاص حقيقيين باسم "تحسين تجربة المستخدم". حاول أن يتجاهل الأمر، مقنعًا نفسه أنه لا يملك رفاهية الاختيار في ظل وضعه المالي الحرج، وأن ابنته لينا تحتاج إلى كل جنيه يمكنه توفيره. وضع لنفسه وعدًا صغيرًا يشبه الرشوة: يأخذ أول راتب كامل، يسدد ما عليه، ثم يقرر بعقل بارد. لكن الشعور بالذنب بدأ يتسلل إليه، خاصة حين تذكّر هالة، وكيف بدأت علاقتهما هي الأخرى عبر منصة تعارف مشابهة قبل سنوات.

تذكّر الرسالة الأولى التي كتبتها له، على منصة قديمة أبسط بكثير من هذه التطبيقات: "قرأت نبذتك وضحكت من جملتك عن القهوة". كان قد ردّ عليها بعد ساعة كاملة لأنه ظن أن أحدًا لا يرد بهذه السرعة إلا إذا كان آلة، وتذكّر كيف ضحكا بعدها كثيرًا من هذا الخوف الطريف. ضحك الآن ضحكة قصيرة مريرة وهو يعيد المشهد في رأسه: هل كانت كلماتها الأولى له صادقة، أم أنها أيضًا كانت ضحية آلية مشابهة صممها شخص آخر لا يعرفه؟ وهل يمكن أن يكون أجمل ما عاشه في حياته قد بدأ بسطر كتبه أحد المبرمجين؟

وفي نهاية الأسبوع الثاني وصل أول تحويل، وكان أكبر مما توقع بفارق يدعو إلى الحذر. حدّق كريم في الرقم على شاشة هاتفه، ثم سدد على الفور فاتورة الحضانة وإيجار الشهر المتأخر، وبقي في حسابه ما يكفي لأول مرة منذ شهور لأن يشتري لنفسه وجبة ساخنة دون أن يحسب. شعر بارتياح جسدي غامر، كأنه تنفس أخيرًا بعد غوص طويل، وفي اللحظة نفسها شعر بغثيان خفيف يشبه طعم المعدن في فمه، لأنه فهم أن الراحة التي يشعر بها هي الثمن الذي دفعته امرأة ما مقابل ثقتها.

في تلك الليلة أخرج من محفظته صورة صغيرة للينا، بعينيها الواسعتين وابتسامتها الناقصة سنًّا، وأسندها إلى الشاشة أمامه. قال لها بصوت خافت كأنها تسمعه: "بابا بيعمل الصح"، وهو لا يعرف إن كان يخاطبها أم يخاطب رجلًا آخر في داخله يرفض أن يصدقه.

ولم يجد من يسأله، فالأسئلة لا تدخل ضمن نطاق أي عمل.

كان هذا السؤال سيظل يطارده لأسابيع، حتى يجد إجابة له لم يتوقعها، إجابة ستُغيّر فهمه بالكامل لكل ما مرّ به خلال زواجه القصير.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • التوأم الرقمي   الفصل السابع عشر : الغرفة السابعة

    لم يكن أمام كريم إلا ثلاث دقائق.ثلاث دقائق بين دورية الحراسة الأولى والثانية، وثلاث دقائق قبل أن تتحول بطاقة الدخول القديمة في جيبه إلى قطعة بلاستيك بلا قيمة، حين يتنبه النظام أخيرًا إلى أن اسمه ما زال حيًا فيه.كان يقف عند الباب الخلفي للمبنى منذ الحادية عشرة والنصف، يراقب الحارس وهو يشرب الشاي ويقلب هاتفه. حين استدار الحارس أخيرًا نحو الواجهة الأمامية، تحرك كريم.مرّر البطاقة على القارئ الإلكتروني. ظل الضوء أحمر ثانيتين طويلتين، ثم صار أخضر.همس لنفسه: «الحمد لله أنهم لا يحذفون شيئًا.»دخل.كان الممر خاليًا، بارد الضوء، تفوح منه رائحة المكيفات والسجاد الجديد. تجاوز الغرف التسع التي قضى فيها شهورًا يعيش بأصوات لا تخصه، وتجاوز غرفة 9 دون أن ينظر إليها، وهو يعرف أن الجملة المكتوبة تحت المكتب ما زالت هناك.لا تحبها. إنهم يريدونك أن تحبها.لم يكن قد قال لأحد أنه يحفظها كما يحفظ الأدعية. كان يتلوها كل صباح في السيارة، قبل أن يصعد، ثم يتوقف عند اسم ياسمين ولا يكمل.نزل السلم الخلفي إلى الطابق الأرضي، ثم إلى الطابق الذي لا يظهر في لوحة المصعد. كان الهواء أثقل هناك، وأبرد، وكأن المبنى كله ي

  • التوأم الرقمي   الفصل 16 : الملف الذي لم يكن موجودًا

    لم تكن عيادة د. نادية تشبه العيادات.لا سماعة طبية على المكتب، ولا شهادات معلقة على الجدران، ولا رائحة مطهرات. كان فيها مصباح واحد مضاء، وثلاثة فناجين قهوة باردة، وملف كرتوني سميك وضعته نادية بين ياسمين ورغد كما توضع ورقة الحكم أمام المتهم.جلست ياسمين على حافة الكرسي، وكأنها تستعد للهرب. كان هاتفها في حقيبتها مطفأً منذ ساعتين، وكانت تشعر مع ذلك أنه يراقبها.قالت نادية دون مقدمات: «اختفى أحد عشر شخصًا في ثلاث سنوات. وأنتِ الثانية عشرة، إن لم نحسبك ناجية.»ابتلعت ياسمين ريقها.«أنا لم أختفِ. هو الذي اختفى.»«هذا بالضبط ما قالته الأخريات.»فتحت نادية الملف وبدأت تبسط الصفحات على الطاولة الواحدة تلو الأخرى: صور، لقطات شاشة، تواريخ، أرقام هواتف مشطوبة. كل صفحة تحمل اسمًا، وتحت الاسم عبارة واحدة مكتوبة بخط أحمر: «انقطع الاتصال».قالت رغد بصوت خافت: «كلهم كانوا على التطبيق؟»«كلهم. وكلهم كانوا على وشك الانتقال من الكلام إلى اللقاء. ثم ينقطع كل شيء دفعة واحدة، فلا رسائل ولا أرقام ولا حسابات. كأن الشخص الآخر لم يوجد أصلًا، وكأن هؤلاء النساء والرجال تخيلوا كل شيء.»«وكيف عرفتِ أنتِ؟»نظرت نادي

  • التوأم الرقمي   الفصل الخامس عشر: اختفاء مفاجئ

    مرّ أسبوعان كاملان دون أي إشارة من سليم. كانا أسبوعين ثقيلين على ياسمين، تمر ساعاتهما ببطء غريب، وكأن الزمن نفسه توقف عند اللحظة التي أرسلت فيها آخر رسالة له. حاولت ياسمين الاتصال به بكل الوسائل المتاحة: رسائل التطبيق، بريد إلكتروني قديم تبادلا فيه رسالتين فقط في بداية تعارفهما، وحتى محاولة البحث عن أي حساب آخر يحمل اسمه على منصات التواصل الاجتماعي. جربت أسماء مختلفة، وصورًا محتملة، وبحثت في كل زاوية تخيلت أنها قد تقودها إليه، لكنها لم تجد شيئًا؛ كأن الرجل الذي أمضت معه أشهرًا من حياتها العاطفية قد تبخّر فجأة، تاركًا خلفه فراغًا لا يمكن وصفه.في محاولة أخيرة يائسة، فتحت التطبيق نفسه لتجد رسالة تلقائية تفيد بأن الحساب "تم إيقافه بناءً على طلب المستخدم". قرأت الجملة مرارًا وتكرارًا، وكأنها تنتظر أن تتغير كلماتها في كل مرة، أو أن تجد فيها تفسيرًا مختلفًا عمّا تعنيه فعلًا. لكن المعنى ظل ثابتًا لا يتغير: هو من اختار الرحيل، بإرادته الكاملة، دون أن يترك ولو كلمة وداع واحدة. شعرت بصدمة أعمق من أي وقت مضى؛ فالاختفاء المفاجئ لم يكن نتيجة ظرف طارئ كما اعتادت أن تُقنع نفسها في الأيام الأولى من ص

  • التوأم الرقمي   الفصل الرابع عشر: زيارة الأب

    في يوم عطلته الأسبوعية، ذهب كريم كعادته لزيارة لينا في دار الحضانة. كان الطريق إلى هناك قد أصبح جزءًا ثابتًا من أسبوعه، يعرف كل منعطف فيه، وكل إشارة مرور، وكأن سيارته تسير به وحدها دون أن يحتاج إلى التفكير. لكن رغم اعتياده على هذا الطريق، لم تخفّ العقدة التي تتشكل في صدره كل مرة يقترب فيها من الدار، عقدة مزيج من الشوق والذنب، شوق لرؤية ابنته وذنب لأنه لم يعد الشخص الذي يحتضنها كل يوم كما كان يفعل قبل الطلاق.كانت ابنته قد بدأت تعتاد على النظام الجديد لحياتها، تلعب مع أطفال آخرين، وتتعلم كلمات جديدة كل أسبوع، وأصبحت أكثر استقلالية مما كانت عليه قبل أشهر قليلة. لاحظ كريم هذا التغيّر بمزيج من الفخر والحزن، فخر لأن ابنته تتأقلم وتنمو بشكل جيد، وحزن لأن جزءًا كبيرًا من هذا النمو يحدث بعيدًا عنه، في مكان لا يشاركها فيه يومياتها الصغيرة. لكن نظراتها حين ترى والدها تحمل دائمًا سؤالاً صامتًا: "هترجع تعيش معايا إمتى؟". لم يكن لدى كريم إجابة يقينية يقدمها لها، فاكتفى، كعادته، بأن يحتضنها بقوة ويعدها بأنه "قريب جدًا هيكون كل حاجة تمام".جلس معها في حديقة الدار الصغيرة، يراقبها وهي ترسم بألوان زاه

  • التوأم الرقمي   الفصل الثالث عشر: مواجهة الحقيقة

    لاحظت رغد شحوب وجه ياسمين وتراجع نشاطها خلال الأسابيع التالية، فقررت أن تزورها دون سابق إنذار. لم تكن هذه أول مرة تشعر فيها رغد بأن شيئًا ما يتغيّر في صديقتها المقربة، فقد بدأت تلاحظ منذ أسبوعين أن ياسمين تتأخر في الرد على رسائلها، وأن حماسها المعتاد للحديث عن تفاصيل يومها قد خفت تمامًا، وكأن شخصًا آخر حلّ محلها. اتصلت بها مرتين في ذلك الصباح دون جواب، فقررت أن تذهب إليها مباشرة بعد انتهاء دوامها، متجاهلة صوتًا داخليًا كان يخبرها أنها ربما تتدخل فيما لا يعنيها.وجدتها جالسة في شقتها بملابس النوم في منتصف النهار، والستائر مغلقة تمامًا وكأنها تختبئ من الضوء ذاته. كانت الشقة التي اعتادت رغد أن تراها مرتبة ومليئة بالحياة، قد تحوّلت إلى مكان كئيب، أكواب قهوة باردة متناثرة على الطاولة، وأوراق مبعثرة، ورائحة خفيفة لغرفة لم تُفتح نوافذها منذ أيام. وقفت رغد عند الباب للحظة، تتأمل المشهد بحزن، قبل أن تتقدم بهدوء وتجلس بجانب صديقتها.جلست بجانبها بصمت طويل، تمسك يدها دون أن تقول شيئًا، تاركة للصمت نفسه أن يفعل ما لا تستطيع الكلمات فعله. مرّت دقائق ثقيلة قبل أن تسألها بلطف غير معتاد: "فيه إيه يا

  • التوأم الرقمي   الفصل الثاني عشر: قرار في الظلام

    جاءت الليلة التي غيّرت كل شيء بهدوء لا يليق بحجم ما حملته. لم تكن هناك عاصفة ولا نذير، بل مساء عادي من مساءات الخريف، برائحة أوراق مبللة بمطر خفيف، وأضواء الإعلانات الهولوغرافية تتراقص فوق الشارع كما تفعل كل ليلة. كانت ياسمين قد قررت، بعد أشهر من الانتظار والتردد، أن "الحب الحقيقي" الذي تعيشه يستحق أن تتجاوز من أجله كل الحدود التي وضعها المجتمع، وكل التحذيرات التي سمعتها. لم يكن قرارها مفاجئًا بقدر ما كان تراكمًا بطيئًا لشهور من العزلة العاطفية والحاجة الملحة لأن تشعر بأنها مرغوبة ومميزة، كقطرات صغيرة تتجمع في وعاء إلى أن تأتي قطرة لا تختلف عن سابقاتها فيفيض.في تلك المرحلة، كانت ياسمين قد التقت بسليم أخيرًا، بعد أشهر طويلة من التأجيل، في لقاء واحد قصير غامض، لم يشبه ما تخيلته، لكنها أقنعت نفسها أن "الواقع دائمًا أقل بريقًا من الخيال". كان اللقاء في حديقة فندق هادئ على أطراف المدينة، تحت مصابيح خافتة تلقي على الأشياء ضوءًا أصفر مبهمًا. وصل متأخرًا نصف ساعة، بقبعة مسدلة ووشاح يخفي نصف وجهه، معتذرًا بأن عينيه تتأذيان من الضوء القوي. تحدث قليلًا وبصوت منخفض، وكان في نبرته ذلك الدفء المأل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status