Beranda / التشويق / الإثارة / الجنرال الأول / الفصل الرابع: نداء العائلة

Share

الفصل الرابع: نداء العائلة

Penulis: الصياد
last update Tanggal publikasi: 2026-07-04 07:02:50

في الساحة الكبرى وسط حي العقرب، حيث تتوسط دائرة حجرية منقوشًا عليها شعار المجموعة — الدائرة ذات النقاط الست — اجتمع عشرات الرجال عند غروب الشمس، أولئك الذين اختارتهم المجموعة يدًا بيد من بين أبناء الشوارع الذين أُنقذوا يومًا من التشرد والضياع، والذين يحملون اليوم على أذرعهم وشم الدائرة بفخر لا يوصف.

وقف ليث أمامهم على منصة حجرية بسيطة، صامتًا للحظات، عيناه تمسحان وجوه الرجال المصطفين أمامه صفوفًا منظمة، كل واحد منهم يحمل في عينيه ذلك الولاء الذي لا يُشترى بالمال، بل يُبنى بالثقة والإحسان عبر سنوات طويلة.

“إنتوا عارفين ليه إحنا هنا الليلة” بدأ ليث حديثه، بصوت هادئ في البداية، لكنه يحمل حزمًا يتصاعد مع كل كلمة. “مش عشان نجمعكم لكلام إنشائي، ولا عشان نديكم أوامر عادية زي أي يوم”

توقف للحظة، ثم تابع، وصوته يعلو قليلاً: “من كام يوم، حد حاول يخترق مواقعنا. حد بعت ناس مدربة يراقبونا، يجمعوا معلومات عننا، عن تحركاتنا، عن أهلنا. وده مش تهديد لينا إحنا الستة بس، ده تهديد لكل واحد فيكم، ولكل عيلة موجودة في الحي ده”

ساد صمت مطبق بين الرجال، لا صوت يُسمع سوى حفيف الريح بين المباني المحيطة بالساحة.

“إحنا معرفناش بعض من دم واحد” استكمل ليث، وقد بدأت نبرته تحمل ذلك الثقل العاطفي الذي نادرًا ما يظهر منه. “إحنا اتعرفنا في أحلك الظروف، في مكان ماكانش المفروض حد يخرج منه بأمل. وبنينا من العدم حاجة محدش كان متخيل تحصل. مش شركات بس، ولا مباني، ولا فلوس. بنينا عيلة. عيلة حقيقية، بتحمي بعضها، وبتقف مع بعضها، مهما كان الثمن”

نظر إلى الرجال أمامه، ورفع صوته أكثر: “وكل واحد فيكم جزء من العيلة دي. مش موظف، ومش حارس بس. إنتوا إخواتنا. وإحنا مش هنسيب حد يهددكم، ولا يهدد بيوتكم، ولا يهدد الحلم اللي بنيناه سوا”

بدأت همهمة موافقة تنتشر بين صفوف الرجال، بعضهم يومئ برأسه بحزم، وبعضهم يضع يده على قلبه في إشارة صامتة للولاء.

“الليلة، هننتشر في المدينة كلها” أعلن ليث بصوت حاسم. “مش عشان نهاجم حد من غير دليل، لكن عشان نبحث، نراقب، نجمع كل معلومة ممكن توصلنا لمين وراء اللي حصل. كل فريق هياخد منطقة، وكل واحد هيتواصل مباشرة مع أدم أو أدهم لو لقى أي حاجة غريبة، مهما كانت صغيرة”

رفع يده عاليًا، وصرخ بصوت يحمل كل ثقل السنين التي جمعتهم: “العائلة هي كل شيء!”

ردد الرجال الشعار خلفه بصوت واحد مدوٍ ملأ الساحة، صدى الكلمات يتردد بين جدران حي العقرب وكأن المدينة كلها تسمعه.

بدأ التوزيع فورًا بعد انتهاء الخطبة. وقف أدم وأدهم بجانب طاولة كبيرة عليها خريطة مفصلة لأجيادا، مقسّمة إلى مناطق محددة بألوان مختلفة، وبدآ يوزعان الفرق على المناطق واحدة تلو الأخرى.

“الفريق الأول يغطي حي التجارة والمنطقة المالية” قال أدم بصوت حازم، مشيرًا إلى الخريطة. “الفريق الثاني على الميناء والمناطق الصناعية. الفريق الثالث يراقب محيط المطار والطرق الرئيسية”

“وأنا هتابع بنفسي المناطق القريبة من مواقع البناء، بعد اللي حصل امبارح” أضاف أدهم.

اقترب يونس منهما، يحمل خريطة صغيرة خاصة به، وابتسامة واثقة على وجهه رغم الجدية العامة المخيمة على المكان: “وأنا هاخد منطقة الأحياء الشعبية والأسواق القديمة. لو في حد بيحاول يجمع معلومات من الناس العاديين، أنا أقدر أوصل لتفاصيل مش هتوصلها فرق تانية”

نظر إليه أدم بتقدير: “صح. الناس بتتكلم معاك أسهل من غيرك”

“موهبة طبيعية” رد يونس بابتسامة، قبل أن تعود الجدية إلى ملامحه. “هتواصل معاكم أول ما ألاقي حاجة”

انتشر الرجال بعدها في مجموعات منظمة، كل فريق يتجه نحو منطقته المحددة وسط أضواء المدينة التي بدأت تضيء تدريجيًا مع حلول الليل. تحركت السيارات في صفوف منتظمة، تخترق شوارع أجيادا الرئيسية والفرعية على حد سواء، عيون يقظة تراقب كل زاوية، كل وجه غريب، كل حركة غير معتادة.

كان ياسين، من مكتبه في البرج، يتابع تحركات الفرق كافة عبر شاشات المراقبة المركزية، متواصلاً مع كل قائد فريق بين الحين والآخر، يوجه، يسأل، يربط بين المعلومات المتناثرة التي بدأت تتقاطر إليه شيئًا فشيئًا.

في حي التجارة، كان الفريق الأول يتحرك بحذر بين المكاتب والمباني الإدارية المضاءة حتى ساعات متأخرة، يراجعون سجلات الدخول والخروج في المباني القريبة من مقر شركة أفق للاستثمار الوهمية، بحثًا عن أي وجه تكرر ظهوره أكثر من مرة، أو أي سيارة وقفت لفترة أطول من اللازم قرب المبنى.

وفي المنطقة الصناعية قرب الميناء، كان الفريق الثاني يتفحص الشاحنات الداخلة والخارجة من المستودعات المجاورة لمنشآت المجموعة، يقارنون أرقام اللوحات بقوائم مسبقة، ويسألون العمال المناوبين عن أي شيء غير معتاد لاحظوه في الأيام الأخيرة.

أما أدهم، فقد قاد فريقه بنفسه نحو محيط مواقع البناء، يعيد فحص كل زاوية اكتُشف فيها الجاسوسان بالأمس، يبحث عن أي أثر آخر ربما فات على الجميع أول مرة — بصمة حذاء غير معتادة، أو سلك كهربائي مموه بعناية بين الأنابيب، أو حتى رائحة سيجارة معينة تدل على انتظار طويل في مكان واحد.

مرت الساعات الأولى من البحث من غير أي اختراق حقيقي. تقارير متفرقة عن حركات مشبوهة هنا وهناك، لكن لا شيء يشكل خيطًا واضحًا يقود إلى الجهة الحقيقية وراء المراقبة والتهديد.

في منتصف الليل تقريبًا، وصل اتصال من أحد قادة الفريق الثالث المكلف بمراقبة محيط المطار، يبلغ عن سيارة سوداء وقفت لأكثر من ساعة قرب أحد المخارج الجانبية، ثم اختفت فجأة قبل أن يتمكن الفريق من الاقتراب منها بما يكفي لقراءة رقم لوحتها بوضوح.

“ضاعت منا بس على الأقل عرفنا إن في حد فعلاً بيراقب تحركاتنا حوالين المطار” أبلغ القائد ياسين عبر الاتصال. “هنفضل نراقب المكان لبقية الليل، يمكن ترجع تاني”

“كويس، خليكم في مكانكم” رد ياسين، وهو يدون الملاحظة في تقريره المستمر. “أي حركة تانية زي دي، إبلغوني فورًا”

أغلق الخط، ونظر إلى الشاشات أمامه بتركيز، محاولاً أن يربط بين هذه الحادثة الصغيرة وبين كل المعلومات المتناثرة التي جمعوها حتى الآن — العرض الغريب على شركة أدهم، الجاسوسان في موقع البناء، والآن سيارة مجهولة قرب المطار. كانت الخيوط متفرقة، لكنها بدأت، ببطء شديد، ترسم ملامح شبكة أكبر مما توقعوا في البداية.

بعيدًا تمامًا عن كل هذا الحراك، وفي الطرف الآخر من المدينة، كان مستشفى أجيادا العام يعيش ليلة عادية من ليالي العمل المتواصل. أروقته مضاءة بضوء أبيض ثابت، وحركة الممرضين والأطباء لا تهدأ بين الغرف.

في القسم الطارئ، كانت الدكتورة خلود تنهي فحص أحد المرضى، حركاتها دقيقة ومطمئنة، صوتها هادئ وهي تشرح للمريض العجوز أمامها تعليمات العلاج بصبر واضح.

“هتاخد الدوا ده مرتين في اليوم، وأنا عايزاك ترجع تاني بعد أسبوع نتأكد إن كل حاجة تمام” قالت بابتسامة مطمئنة، وهي تدون الملاحظات الأخيرة في ملفه الطبي.

شكرها المريض بامتنان واضح، وغادر الغرفة برفقة ابنته التي جاءت لاصطحابه. استندت خلود للحظة إلى الطاولة خلفها، تأخذ نفسًا عميقًا بعد نوبة عمل طويلة، قبل أن تتوجه نحو المكتب الصغير المخصص للأطباء لتناول استراحة قصيرة.

كانت زميلتها في القسم، الدكتورة سلمى، تجلس هناك بالفعل، تحتسي كوب قهوة سريع بين مريض وآخر. “يوم طويل النهاردة” قالت سلمى وهي ترفع عينيها نحو خلود الداخلة.

“زي كل يوم تقريبًا” ردت خلود بابتسامة تعب خفيفة، وهي تجلس على الكرسي المقابل. “بس حسيت إن في حركة غريبة في المدينة الليلة. سيارات أمنية كتير في الشوارع وأنا جاية على الشغل”

هزت سلمى كتفيها من غير اهتمام كبير: “يمكن حاجة تخص الشرطة، أو تدريبات أمنية. المدينة دايمًا فيها حاجة بتحصل ماحدش بيعرف تفاصيلها”

ضحكت خلود بخفة: “صح، إحنا هنا مشغولين بعالمنا الصغير، والمدينة الكبيرة برة بتعيش حياتها الخاصة”

لم تكن خلود، منذ سنوات طويلة، قد اعتادت على هذا الإيقاع من العمل الشاق والساعات الطويلة إلا بعد رحلة صعبة، منذ أن تخرجت من كلية الطب بتفوق لافت رغم كل الصعوبات التي واجهتها كفتاة نشأت في مؤسسة رعاية اجتماعية صغيرة، من غير عائلة معروفة تسندها، ومن غير أي معلومة عن أصلها الحقيقي سوى اسم منحتها إياه المؤسسة يوم وجدوها طفلة رضيعة أمام بابها في ليلة شتوية باردة قبل أكثر من عشرين عامًا.

لم تكن تعرف شيئًا عن عالم مجموعة الصياد، ولا عن الاضطراب الذي بدأ يتشكل في أرجاء المدينة تلك الليلة بالذات. كانت منشغلة، كما كل ليلة، بعالمها الخاص، عالم المرضى والعلاج والسهر من أجل أرواح غريبة تعتمد عليها.

جلست على كرسيها في المكتب الصغير، تحتسي كوب شاي دافئ، ونظرت للحظة من النافذة الصغيرة إلى أضواء المدينة المتلألئة في الخارج، أضواء لم تكن تعرف أن جزءًا كبيرًا منها ينتمي لإمبراطورية بناها ستة رجال لم تلتقِ بأي منهم بعد، ولم يخطر ببالها يومًا أن مصيرها قد يتقاطع معهم في يوم من الأيام.

تنهدت بهدوء، وأغلقت عينيها للحظة قصيرة من الراحة، غير مدركة أن اسمها كان قد ذُكر بالفعل، من غير علمها، في اجتماع مغلق داخل برج شاهق على بعد كيلومترات قليلة منها، وأن ذكرى قديمة قد استيقظت في قلب رجل لم تره في حياتها، لمجرد أنه سمع اسمها يتردد في تقرير عابر.

رن جهاز النداء الخاص بها فجأة، يعلن عن حالة طارئة جديدة وصلت لتوها إلى القسم. نهضت خلود فورًا من مكانها، تاركة كوب الشاي نصف الممتلئ خلفها، وعادت بخطى سريعة نحو غرف الطوارئ، عقلها ينتقل بسلاسة من أفكارها الشاردة إلى التركيز الكامل الذي يتطلبه عملها، كما فعلت آلاف المرات من قبل، من غير أن تدرك أن الليلة التي بدت لها عادية تمامًا، كانت في الحقيقة نقطة بداية صغيرة وغير مرئية في قصة أكبر بكثير مما تتخيل.

عاد ياسين إلى مكتب حمزة قرب منتصف الليل، بعد ساعات طويلة من متابعة تحركات الفرق المنتشرة في المدينة. كان حمزة لا يزال مستيقظًا، واقفًا كعادته قرب النافذة، ينظر إلى أضواء أجيادا الممتدة تحته.

“لسه مفيش خيط واضح” قال ياسين بإحباط خفيف. “الفرق كلها بتراقب وبتجمع معلومات، بس محدش لقى حاجة تستاهل نتحرك عليها فورًا. حتى السيارة اللي شافوها قرب المطار اختفت قبل ما حد يوصلها”

هز حمزة رأسه ببطء، من غير أن يستدير: “الصبر جزء من المعركة يا ياسين. اللي بيختبئ بحذر ده مش هيظهر بسهولة، لكنه هيغلط في يوم من الأيام. كل حد بيغلط في النهاية”

“وليث خطابه كان قوي جدًا الليلة” أضاف ياسين، وهو يجلس على الكرسي المقابل لمكتب حمزة، متعبًا لكنه راضٍ. “شفت تأثيره في عيون الرجال. حسيت إن كل واحد فيهم مستعد يدي حياته عشان الحي ده والمجموعة. حتى الشباب الجداد اللي انضموا مؤخرًا، حسيت إنهم فهموا معنى الولاء ده لأول مرة بشكل حقيقي”

ابتسم حمزة ابتسامة خفيفة، أول ابتسامة حقيقية منذ ساعات طويلة: “ده لأن كل واحد فيهم بيعرف إن العائلة هنا مش كلام بنقوله بس. إحنا عايشينها فعلاً، من أول يوم لقينا فيه بعض”

توقف للحظة، ثم أضاف بصوت أكثر هدوءًا: “وأنا فخور بكل واحد فيكم، إنتوا وليث والباقيين. بنيتوا حاجة مافيش زيها”

نظر ياسين إليه بامتنان صامت، غير معتاد على سماع مثل هذه الكلمات من حمزة مباشرة، الرجل الذي نادرًا ما يعبر عن مشاعره بصراحة كهذه.

“هنلاقي مين وراء ده، عاجلاً أو آجلاً” قال ياسين أخيرًا، قبل أن ينهض استعدادًا للانصراف.

“أعرف” رد حمزة بثقة هادئة. “واثق فيكم كلكم. زي ما كنت واثق فيكم يوم قررنا نبني كل ده من الصفر”

خرج ياسين من المكتب، تاركًا حمزة وحده من جديد، ينظر إلى مدينته الممتدة تحته. وقف هناك لدقائق طويلة، يستمع لصمت الليل المتقطع بأصوات المدينة البعيدة، وأضواء السيارات المتحركة في الشوارع أسفله، بعضها ينتمي لرجاله المنتشرين في مهمة البحث، وبعضها الآخر لسكان عاديين يعيشون حياتهم من غير أن يشعروا بثقل ما يدور حولهم.

فكر للحظة في كل الوجوه التي مرت أمامه منذ عودته — إخوته الخمسة، نوران، رجال حي العقرب المصطفين في الساحة يرددون الشعار بصوت واحد — وشعر بذلك الدفء الغريب الذي يمنحه إياه الانتماء لعائلة اختارها بنفسه، رغم كل الفقد الذي عاشه في طفولته.

غير أنه لم يكن مدركًا، وهو واقف هناك في صمت الليل، أن بينما كان رجاله ينتشرون بحثًا عن أعداء في الظلام، كانت امرأة لا يعرفها بعد، تنهي مناوبتها الليلية في مستشفى على بعد كيلومترات قليلة، تحمل بين طياتها إجابة على سؤال لم يجرؤ يومًا أن يطرحه على نفسه بصوت عالٍ.

كانت أجيادا، في تلك الليلة تحديدًا، تحتضن دون أن تدري طرفي خيط واحد لم يلتقيا بعد — رجل يحرس مدينة كاملة بجيش من الرجال الأوفياء، وامرأة تحرس أرواح المرضى وحدها في صمت مستشفى لا يهدأ، كل واحد منهما يجهل تمامًا أن الآخر موجود، وأن الزمن، ببطئه المعتاد وقسوته الغامضة، كان قد بدأ بالفعل يحيك الخيط الذي سيجمع بينهما يومًا ما.

وبينما كانت أنوار البرج تنطفئ واحدة تلو الأخرى مع تقدم الليل، وأنوار المستشفى تبقى مضاءة كما هي كل ليلة من غير توقف، ظلت المدينة نائمة بين الاثنين، غافلة تمامًا عن الحكاية التي بدأت تتشكل بصمت في قلب ظلامها الهادئ.

كان الغد يحمل في طياته المزيد من الأسئلة أكثر مما يحمل من إجابات، لكن رجال مجموعة الصياد، بكل ما تعلموه من سنوات القتال والبناء معًا، كانوا يعرفون جيدًا أن الصبر، مهما طال، كان دائمًا الخطوة الأولى نحو أي نصر حقيقي.

وهكذا انتهت تلك الليلة الطويلة كما بدأت، بصمت مشحون بالترقب، وسؤال معلق في الهواء عن الخطوة القادمة، بينما استمرت أجيادا في التنفس ببطء تحت سماء مرصعة بنجوم لا تعرف شيئًا عما يدور تحتها من صراع صامت بين الظل والنور.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • الجنرال الأول   الفصل الثاني والعشرون: الرحلة إلى الماضي

    خلال الأيام التالية، عمل فريق ياسين بصمت وسرية تامة، يتحرى عن مصير الطفل المسجل في دار الأيتام البعيدة، يراجعون كل وثيقة متاحة بدقة متناهية خوفًا من تفويت أي تفصيلة قد تكون مهمة. تبين أن الدار نفسها أُغلقت منذ سنوات طويلة بعد تقاعد القائمين عليها، لكن سجلاتها انتقلت إلى أرشيف حكومي مركزي، حيث تمكن ياسين، بمساعدة علاقاته الواسعة وصبره المعتاد في تتبع التفاصيل، من الحصول على نسخة كاملة من ملف الطفل بعد أيام من المراسلات الرسمية.كشف الملف أن الطفل، الذي سُجل باسم “كريم” من غير أي لقب عائلة، أمضى سنوات طفولته في الدار قبل أن يتبناه رجل أعمال متوسط الحال من مدينة أخرى، واختفى أثره الرسمي بعدها، إذ لم تُحدَّث السجلات لاحقًا كما هو معتاد في مثل هذه الحالات القديمة.“عندنا اسم المتبني على الأقل” قال ياسين في اجتماع عاجل ضم حمزة وليث، وهو يعرض الملف على الشاشة الكبيرة. “لو قدرنا نوصله، ممكن نعرف مصير الولد دلوقتي، وهل لسه في نفس المدينة ولا انتقل لمكان تاني”نظر حمزة إلى الملف بصمت طويل، يقلب الصفحات القليلة ببطء، وكأنه يحاول أن يستشعر شيئًا من تفاصيلها الجافة، بحثًا عن أي أثر إنساني يخبره أن

  • الجنرال الأول   الفصل الحادي والعشرون: خيط جديد

    أقيم في القصر تلك الليلة احتفال عائلي بسيط، بعيد عن أي فخامة أو ضيوف من خارج الدائرة الضيقة، احتفالاً بلمّ شمل يوسف وخلود. أعدت نجية مائدة طعام دافئة بيديها، أطباقها المفضلة لكل واحد من أفراد العائلة، وجلس الجميع حول الطاولة الكبيرة، يتبادلون الحديث والضحك وسط فرح لا يزال طازجًا من صدمة الصباح السعيدة. “لازم نحتفل بطريقة تليق بالمناسبة” قال يونس، وهو يرفع كأس عصير عاليًا، واقفًا على كرسيه بمسرحية معتادة. “نخب يوسف وخلود، الأخ والأخت اللي التاريخ نفسه اتآمر عشان يجمعهم تاني، بعد رحلة كنز مزيفة وصورة قديمة وتحليل نسب، القصة دي تستاهل تتحول لفيلم” ضحك الجميع، ورفعوا أكوابهم معًا، بينما جلست خلود بجانب يوسف، لا تزال تشعر بذلك الدفء الغريب لوجود أخ حقيقي أخيرًا، تتبادل معه نظرات صامتة مليئة بالمعنى بين الحين والآخر، وكأنهما يعوضان بصمت سنوات من الغياب القسري. “عايزة أسألك حاجة” قالت خلود ليوسف بجدية هادئة وسط الاحتفال، صوتها يخفت قليلاً وسط ضجيج الفرح العام. “تعرف حاجة عن والدينا؟ عن سبب اختفائي وقت الولادة؟” هز يوسف رأسه بأسى، وجهه يحمل حزنًا خفيفًا وسط الفرح العام: “للأسف لأ. كل الل

  • الجنرال الأول   الفصل العشرون: العودة

    في صباح اليوم الأخير على الجزيرة، استيقظ الجميع على مزيج من الحزن الخفيف لانتهاء الرحلة، والترقب المتصاعد لما ينتظرهم عند العودة. جمعت خلود أغراضها بهدوء غير معتاد منها، عقلها لا يزال مشغولاً بالسؤال الذي رافقها منذ اكتشاف الصورة والاسم المشترك، من غير أن تتمكن من الاستمتاع بآخر لحظات المرح على الشاطئ كما فعلت في الأيام السابقة. جهز يونس، كعادته، حقيبته الضخمة من جديد، هذه المرة محملة بعينات من الرمال والأصداف التي جمعها كـ”تذكارات ضرورية”، وسط سخرية أدهم المعتادة التي لم تفلح في إثنائه عن جمع المزيد. وقف سامر وعائلته عند مرسى القارب، يودعون الجميع بعناق حار، وامتنان واضح على وجوه الجميع لأيام لن ينسوها بسهولة. اقترب فريد من نوران في لحظة أخيرة، وقال بصدق، صوته يحمل نضجًا غير متوقع من شاب في السابعة والعشرين: “مبسوط جدًا إني اتعرفت عليكِ، وحتى لو الظروف ما ساعدتش، محترم جدًا اللي حسيته، وهفضل صديق ليكي ولعيلتك دايمًا” ابتسمت نوران بامتنان، تدرك أن فريد لاحظ ما بينها وبين يوسف رغم عدم تصريحهما به لأي منهما حتى تلك اللحظة: “إنت شاب محترم بجد يا فريد، وأتمنى لك كل خير، وهفضل صديقة مق

  • الجنرال الأول   الفصل التاسع عشر: صورة قديمة وأسرار جديدة

    في صباح اليوم الثالث، وبينما كانت خلود تساعد حمزة في ترتيب بعض أغراضه المبعثرة على طاولة غرفته بعد يوم طويل من المسابقات، والشمس الصباحية تتسلل بلطف عبر النافذة المفتوحة على الشاطئ، سقطت محفظته الجلدية القديمة على الأرض، وانفتحت صدفة عند جزء صغير مخفي بداخلها لم تكن خلود تعرف بوجوده. انحنت لالتقاطها، فوقعت عيناها على صورة قديمة مطوية بعناية فائقة، حوافها مصفرة من قدمها، صورة طفلة صغيرة تبتسم بجانب زاوية شارع بسيط. جمدت خلود في مكانها، تحملق في الصورة بذهول متزايد، قلبها يتسارع بشكل لم تعتده. كانت ملامح الطفلة، رغم قدم الصورة واهتراء حوافها، أقرب ما يكون لملامحها هي نفسها في طفولتها، من صور قديمة نادرة كانت تحتفظ بها من أيام المؤسسة، صور قليلة جدًا لم تشاركها مع أحد من قبل. “ده… ده أنا؟” سألت بصوت مرتجف، وهي ترفع الصورة نحو حمزة الذي دخل الغرفة في تلك اللحظة، يداها ترتجفان بشكل ملحوظ. نظر حمزة إلى الصورة في يدها، ثم إليها، صمت طويل يخيم على وجهه وهو يحاول استيعاب ما يراه. “دي خلود، حب طفولتي اللي حكيت عنها امبارح. احتفظت بالصورة دي طول السنين دي، من غير ما أوريها لحد، حتى إخواتي”

  • الجنرال الأول   الفصل الثامن عشر: ليلة الصراحة

    استيقظ الجميع في اليوم الثاني على صوت خلود، التي كانت تجول بين الغرف تعلن عن “مسابقات اليوم الثاني” بحماس لم يقل عن اليوم السابق، حاملة قائمة طويلة كتبتها بنفسها في الليل. “النهاردة الكل بيشارك، من غير استثناءات” أعلنت بجدية، وهي تقف أمام الجميع في صالة الإفطار. “وأول استثناء هحذفه من القائمة هو حمزة، اللي عادةً بيهرب من أي مسابقة بحجة الشغل” نظر حمزة إليها بحيرة: “أنا مش بهرب، أنا بس عندي أولويات” “أولوياتك النهاردة هي المشاركة، ولو رفضت، هفعّل اتفاق ‘المسؤولية الرسمية’ اللي وقعته من زمان” ردت خلود بثقة، مشيرة إلى اتفاق قديم لم يكن حمزة قد نسيه بالكامل. ضحك سامر بصوت عالٍ من الطرف الآخر من الطاولة: “يا حمزة، إنت محاصر تمامًا، اقبل الهزيمة بشرف” “وإنت وسهر كمان هتشاركوا” أضافت خلود، ناظرة إلى سامر وزوجته بابتسامة عريضة. “مفيش استثناءات النهاردة” وافق سامر بحماس فوري، بينما ابتسمت سهر بخجل محبب، غير معتادة على هذا النوع من المرح الجماعي بعد سنوات من حياة اجتماعية رسمية صارمة. المسابقة الأولى: شد الحبل انقسم الجميع إلى فريقين، فريق يقوده أدهم وأدم، وفريق يقوده ليث وياس

  • الجنرال الأول   الفصل السابع عشر: جزيرة الأسرار

    استدعى حمزة سامر إلى مكتبه الخاص، وأغلق الباب بعناية قبل أن يبدأ الحديث. “عايزك تعرف سر مهم، سر عائلتنا الحقيقي، ومحتاج وعدك إنه ما يخرجش من بينا” نظر سامر إليه بجدية، يشعر بثقل اللحظة: “وعدني عائلة، وكلامي معاك زي كلامي مع نفسي” شرح له حمزة عن الجزيرة الجديدة، تلك التي بحث عنها ياسين منذ زمن بعيد بعد تحويل جزيرة العقرب لمشروع سكني، الملاذ الخاص الذي لا يعرف بوجوده أحد خارج الدائرة الضيقة للعائلة. “وعايزك تيجي معانا، إنت وسهر وفرح وفريد، أول عائلة برة دايرتنا الأساسية تشرفنا بزيارتها” أضاف حمزة بصدق. تأثر سامر بشدة بهذه الثقة، ووعد أن يحافظ على السر كأنه جزء من روحه. وصلت عائلة سامر إلى القصر في اليوم المحدد، واستقبلهم الجميع بحفاوة. كانت فرح، ابنة سامر، شابة في الثانية والعشرين، جمالها الهادئ وذكاؤها اللافت جعلا كل من قابلها ينتبه لها فورًا، لكن عينيها لم تتوقفا كثيرًا عند أي أحد سوى ليث، الذي كانت تسرقه نظرات خجولة متكررة كل ما تحدث بهدوئه المعتاد. “شفتوا إزاي بنت سامر بتبقى ساكتة كل ما ليث يتكلم؟” همست خلود لنوران بضحكة خبيثة، وهما يراقبان المشهد من بعيد. “وليث نفسه بقى يتل

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status