Home / التشويق / الإثارة / الجنرال الأول / الفصل الثالث: ظل قديم

Share

الفصل الثالث: ظل قديم

Author: الصياد
last update publish date: 2026-07-04 06:28:25

لم ينم حمزة تلك الليلة.

جلس في مكتبه الخاص في الطابق الأخير من البرج، وحيدًا، والأضواء مطفأة إلا من مصباح صغير على مكتبه، ينظر إلى ورقة واحدة أمامه، مكتوب عليها بخط يده اسم واحد فقط: كريم منصور.

اسم لم يكتبه أحد منهم على ورق منذ سنوات طويلة. اسم كان الجميع يظن أنه دُفن مع كل شيء آخر تركوه وراءهم يوم دخلوا السجن، ويوم خرجوا منه رجالًا مختلفين تمامًا.

نظر حمزة إلى المدينة من النافذة، إلى الأضواء المتناثرة كأنها نجوم سقطت من السماء واستقرت على الأرض، وتذكر — رغم إرادته — أيامًا لم يكن فيها شيء من هذا موجودًا. أيامًا كان فيها هو وإخوته مجرد أرقام في ملفات قضائية، أسماء تُذكر بجانب تهم لم يرتكبوها، بينما اسم كريم منصور كان يتحرك بحرية تامة، بعيدًا عن أي مساءلة، وكأن يدًا خفية كانت تحميه من كل اتهام قد يطاله.

كان ذلك الزمن بعيدًا الآن، مطمورًا تحت طبقات من النجاح والسلطة التي بنوها بأيديهم، لكن الورقة الصغيرة أمامه كانت كافية لتعيد كل شيء إلى السطح في لحظة واحدة.

طرق الباب برفق، ودخل ليث من غير انتظار إذن — عادة قديمة بينهما منذ سنوات، لا يحتاج أحدهما أن يستأذن الآخر.

“عارف إنك مش نايم” قال ليث، وهو يجلس على الكرسي المقابل لمكتب حمزة.

“وعارف إنك جاي عشان كده بالظبط” رد حمزة، من غير أن يرفع عينيه عن الورقة.

نظر ليث إلى الاسم المكتوب، وساد صمت طويل بينهما، صمت لا يحتاج كلامًا كثيرًا، لأن كليهما يعرف تمامًا وزن هذا الاسم.

“فاكر آخر مرة سمعنا فيها الاسم ده؟” سأل ليث أخيرًا.

“مش ممكن أنساها” رد حمزة بصوت منخفض. “يوم المحاكمة”

هز ليث رأسه ببطء. “وإحنا فاكرين كويس إن الراجل ده كان وراء تلفيق التهم، بس ما قدرناش نثبت حاجة وقتها. ولا حتى بعد كده”

“وسمعت اسمه تاني في الرحلة” قال حمزة، ونظر أخيرًا إلى ليث مباشرة. “في مكان ما كنت مش متوقعه على الإطلاق”

“وده اللي خلاك تسافر لوحدك من غير ما تقول لحد” لم يكن سؤالًا من ليث، بل تأكيدًا.

أومأ حمزة برأسه. “معلش يا ليث. ماكنتش عايز أورط حد فيها لحد ما أتأكد إن مش مجرد صدفة أو وهم”

“وهل هي صدفة؟”

توقف حمزة لحظة قبل أن يرد. “لأ. مش صدفة”

كان صوته هادئًا كعادته، لكن في عينيه ذلك البريق الذي يعرفه ليث جيدًا — بريق رجل قرر أن يخوض معركة، وإن كان لا يعرف بعد شكلها الكامل.

في الصباح التالي، وبينما كانت المدينة تعود تدريجيًا لحياتها المعتادة، كان أدهم وأدم في طريقهما إلى أحد مواقع البناء التابعة لشركة ليث للمقاولات، لمتابعة إجراءات الأمن المشددة التي فُرضت مؤقتًا بعد أحداث الليلة الماضية.

“حاسس إن في حاجة غريبة في الجو من الصبح” قال أدهم، وهو يقود السيارة بهدوء وسط شوارع أجيادا التي بدأت تمتلئ بالحركة من جديد.

“إحساسك مش غلط غالبًا” رد أدم، وهو يراجع تقريرًا أمنيًا على هاتفه. “وصلني تقرير من فريق المراقبة إن في سيارتين غريبتين بيتابعوا موكب الإمدادات بتاع موقع البناء من الصبح بدري”

“غريبتين إزاي؟”

“بلا لوحات واضحة، وبيحافظوا على مسافة ثابتة، مش بيقتربوا ومش بيبعدوا”

نظر أدهم إليه بجدية: “يبقى مش مصادفة”

“مافيش حاجة مصادفة في الأيام دي” رد أدم.

وصلا إلى الموقع، حيث كانت أعمال البناء مستمرة كالمعتاد، رافعات ضخمة تتحرك ببطء، وعمال يرتدون خوذات صفراء يتنقلون بين السقالات. الشمس بدأت ترتفع فوق أبراج أجيادا، وضوءها ينعكس على الزجاج والحديد في مشهد يوحي بالهدوء التام، لكن أدم، بعينه المدربة على رصد أي خلل مهما كان صغيرًا، لاحظ فورًا شيئًا غير معتاد: عدد الحراس عند البوابة الجانبية كان أقل من المعتاد بشكل ملحوظ.

“فين الحراسة الإضافية اللي المفروض تكون هنا؟” سأل بصوت حاد، وهو يخرج من السيارة بسرعة، عيناه تفحصان المكان بسرعة منهجية اعتاد عليها من سنوات الخدمة العسكرية.

لم يجد أحد إجابة فورية. اقترب أحد المشرفين على عجل، وجهه يحمل ارتباكًا واضحًا: “اثنين من الحراس قالوا إن في تغيير في الجدول يا أستاذ أدم، إحنا افترضنا إنه أمر من الإدارة”

نظر أدم إلى أدهم بجدية، وكلاهما يدرك في اللحظة نفسها أن هذا “التغيير” لم يصدر منهما، ولا من أي جهة في المجموعة.

تفقد أدهم محيط الموقع بعينين سريعتين، وحركة جسده تغيرت فجأة من الاسترخاء إلى التأهب الكامل، كصياد شمّ رائحة فريسته. كانت خطواته صامتة تمامًا رغم سرعتها، جسده منخفض قليلاً، وعيناه تتحركان بين كل زاوية وظل في الموقع.

“في حد دخل من البوابة الخلفية” قال بصوت منخفض، وهو يشير نحو الجهة الشرقية من الموقع، حيث كانت بوابة صغيرة مخصصة لدخول شاحنات الإمدادات، تبدو مفتوحة من غير حراسة.

تحرك الاثنان بسرعة نحو المكان، أيديهما قريبة من أسلحتهما تحت سترتيهما، خطواتهما هادئة لكنها حاسمة، متناغمة تمامًا كأنهما تدربا على هذا التنسيق آلاف المرات من قبل — وهو ما فعلاه بالفعل، في ساحات معارك حقيقية قبل سنوات طويلة.

عند اقترابهما من إحدى الحاويات المعدنية الكبيرة المخصصة لتخزين المعدات، سمعا صوت حركة خفيفة من الداخل. توقف أدهم فجأة، رافعًا يده بإشارة صامتة، وأصغى للحظة. صوت خطوات بطيئة، وحفيف معدات دقيقة تُنقل بحذر شديد.

بإشارة صامتة من أدم، تحرك أدهم نحو الجانب الآخر من الحاوية بخفة تامة، بينما فتح أدم الباب المعدني بقوة مفاجئة.

كان بالداخل رجلان، يرتديان ملابس عمال عاديين، لكن حقيبة مفتوحة أمامهما كشفت عن معدات لا علاقة لها بالبناء إطلاقًا — أجهزة تنصت صغيرة، وكاميرات دقيقة الحجم.

في اللحظة التي أدرك فيها الرجلان أنهما اكتُشفا، حاول أحدهما الاندفاع نحو الباب الخلفي للحاوية، لكن أدهم كان أسرع، فأمسك بذراعه وطرحه أرضًا بحركة واحدة محكمة، بينما تعامل أدم مع الرجل الثاني بضربة دقيقة أفقدته توازنه قبل أن يتمكن من الوصول لأي سلاح.

“مين إنتوا وبتشتغلوا لمصلحة مين؟” سأل أدم بصوت حاد، وهو يثبّت الرجل على الأرض.

لم يرد أي منهما، وجوههما تحمل ذلك التعبير المدرَّب على الصمت — نظرة رجال تلقوا تدريبًا مسبقًا على مواجهة مثل هذا الموقف بالضبط، لا ترددًا فيها ولا خوفًا حقيقيًا، بل انضباط بارد.

“محترفين” علّق أدهم بجدية، وهو يقيّد الرجل الآخر بحركة سريعة ومحكمة. “مش هواة بيحاولوا يسرقوا معدات. شوف الطريقة اللي مركبين بيها الأجهزة دي، ده شغل ناس مدربة على المراقبة الميدانية، مش لصوص عاديين”

فتش أدم حقيبة المعدات بسرعة، ووجد بداخلها، إلى جانب أجهزة التنصت والكاميرات الدقيقة، خريطة مطبوعة لموقع البناء بالكامل، محددًا عليها بدقة أماكن الكاميرات الأمنية، ومسارات الحراسة، وأوقات تبديل الورديات.

“دول ماكانوش بيحاولوا يسرقوا حاجة” قال أدم بصوت منخفض، وهو يرفع الخريطة أمام أدهم. “دول كانوا بيرسموا خريطة كاملة لكل تحركاتنا هنا. من كام يوم شغالين كده يا ترى؟”

لم يرد أي من الرجلين، لكن نظرة سريعة تبادلاها فيما بينهما كانت كافية لتؤكد لأدم أن هذا لم يكن أول يوم لهما في الموقع.

اتصل أدم فورًا بياسين، الذي وصل خبره خلال دقائق بصوت هادئ لكن حاسم عبر السماعة: “خدوهم لمكان آمن، ومحدش يعرف بالموضوع ده غير الدائرة الداخلية. هبعت فريق تحقيق خاص فورًا، وهحاول أوصل لمعلومات عن هوية الشركة اللي بتوظف ناس بالمستوى ده”

“محتاجين نعرف كمان لو في مواقع تانية اتراقبت بنفس الطريقة” أضاف أدم.

“هبدأ المراجعة فورًا على كل المواقع التابعة لينا” رد ياسين. “لو فيه نمط متكرر، هلاقيه”

بينما كان أدهم يتحقق من الرجلين، وصل يونس على عجل، بعدما وصله الخبر من أدم، ملامحه تحمل جدية غير معتادة، خالية تمامًا من أي أثر لمرحه المعتاد. توقف للحظة عند باب الحاوية، عيناه تفحصان المشهد بسرعة — الرجلين المقيدين، المعدات المنتشرة، الخريطة في يد أدم — قبل أن يتقدم بخطوات هادئة.

“عملتوا كويس إنكم مسكتوهم قبل ما يهربوا” قال وهو يفحص المعدات المنتشرة في الحاوية بعين خبيرة، يقلب بعض الأجهزة بين أصابعه بحرص. “الأجهزة دي مش رخيصة، وده معناه إن اللي وراهم عنده إمكانيات حقيقية. الجهاز ده بالذات”، أشار إلى كاميرا صغيرة الحجم، “ده موديل مش بيتباع في السوق المحلي، لازم يكون مستورد بطريقة خاصة”

“يعني إحساسك في الاجتماع كان صح” قال أدم.

هز يونس رأسه ببطء، نظرة عينيه تغيرت فجأة إلى شيء أقرب للبرود القاتل الذي يظهر فيه فقط في أخطر اللحظات، الجانب الذي يجعل حتى أعدى أعدائه ينسحبون حين يعرفون بوجوده في معركة. “مش إحساس بس يا أدم. حد بيراقبنا فعلًا، ومن فترة أطول مما كنا نتخيل”

نظر إلى الرجلين المقيدين بنظرة طويلة باردة، ثم أضاف بصوت منخفض: “ودول مش هيتكلموا بسهولة. ناس زي دول اتدربوا كويس على الصمت”

اتصل أدم بحمزة مباشرة، وأبلغه بما حدث. صمت حمزة للحظة طويلة على الطرف الآخر من الخط، صمت كان أدم يعرف وزنه جيدًا، ثم قال بصوت هادئ لكنه يحمل حزمًا واضحًا: “خدوهم لمكان التحقيق. وياسين وأدهم، عايزكم الاتنين في مكتبي بعد ساعة. يونس، إنت كمان”

أغلق أدم الخط، وتبادل نظرة مع أدهم ويونس، الثلاثة يدركون تمامًا أن ما بدأ كإحساس غامض في اجتماع صباحي، تحول الآن إلى تهديد حقيقي وملموس يحمل بصمات تخطيط طويل ودقيق.

بعد ساعة، اجتمع حمزة وليث وياسين وأدهم ويونس في مكتب حمزة، بينما بقي أدم مع فريق التحقيق لمتابعة استجواب الرجلين الموقوفين.

“الرجلين اللي مسكناهم محترفين، ومعاهم معدات تنصت وتصوير متطورة” بدأ يونس الحديث بجدية، بعيدًا كليًا عن طبعه المعتاد. “حد بيحاول يجمع معلومات دقيقة عن تحركاتنا وموقع البناء”

“وده بيتفق مع العرض الغريب اللي وصلنا على شركة أدهم” أضاف ياسين. “حد عايز يعرف كل حاجة عننا، من الداخل والخارج في نفس الوقت”

نظر حمزة إلى الجميع بصمت لحظات، ثم قال أخيرًا الجملة التي كان يؤجلها منذ عودته: “في رحلتي، سمعت اسمًا فكرت إني مش هسمعه تاني في حياتي”

ساد صمت مطبق في المكتب. حتى يونس لم يعلّق هذه المرة.

“كريم منصور” قالها حمزة أخيرًا.

تغيرت ملامح ياسين فورًا، وتوقفت يده عن الحركة على هاتفه. أما أدهم، فقد شد قبضته من غير وعي منه، وجهه يحمل ذلك التعبير الذي يظهر فقط حين يتذكر شيئًا مؤلمًا من الماضي.

“الاسم ده مفروض يكون خلاص… انتهى” قال ياسين بصوت منخفض.

“وأنا كنت فاكر كده برضو” رد حمزة. “لحد ما سمعته تاني”

نظر يونس بين الجميع بجدية، محاولًا فهم وزن هذا الاسم من ردود أفعال إخوته، ثم سأل بحذر: “مين كريم منصور ده بالظبط؟”

تبادل حمزة وليث نظرة صامتة طويلة، قبل أن يرد حمزة أخيرًا، بصوت يحمل ثقل سنوات طويلة من الألم المكتوم: “شخص من الماضي. من قبل ما نبقى إحنا الستة اللي إنتوا شايفينهم دلوقتي”

لم يضف أي تفاصيل أخرى، وأدرك يونس من نظرة عين حمزة أن هذا كل ما سيُقال في الوقت الحالي.

نظر ياسين إلى الطاولة أمامه بصمت، أصابعه تطرق عليها بإيقاع بطيء، علامة يعرفها الجميع جيدًا — عقله يعمل بسرعة، يعيد ترتيب كل معلومة وصلته مؤخرًا في محاولة لفهم الصورة الكاملة.

“لو الاسم ده رجع يظهر تاني بعد كل السنين دي” قال ياسين أخيرًا، “يبقى إما هو حس إن فيه تهديد حقيقي منا، أو إن حد فكّره بينا لسبب معين”

“أو الاتنين مع بعض” أضاف أدهم بصوت منخفض، وجهه ما زال يحمل ذلك التوتر الذي ظهر عليه لحظة سماع الاسم لأول مرة.

نظر حمزة إليه بتفهم صامت. كان يعرف تمامًا أن أدهم، أكثر من أي أحد آخر في الغرفة باستثناء ليث نفسه، يحمل جرحًا خاصًا مرتبطًا بتلك الفترة من حياتهم، جرحًا لم يتحدث عنه صراحة أبدًا.

“مهما كان السبب” قال حمزة أخيرًا، ناظرًا إلى كل واحد منهم بدوره، “مش هنسيب الماضي يهدد كل اللي بنيناه. هنتحرك بحذر، وهنجمع كل معلومة ممكنة قبل ما نتصرف”

“وأنا هبدأ من الشركة الوهمية اللي عرضت تشتري حصة في شركة أدهم” قال ياسين. “لو في خيط يربطها بمنصور، هلاقيه”

أومأ حمزة برأسه موافقًا، ثم أضاف موجهًا كلامه ليونس: “وإنت، زي ما اتفقنا، تفضل عينك مفتوحة على أي حاجة غريبة، وتعالى لي مباشرة”

“حاضر” رد يونس بجدية تامة، من غير أي أثر لمزاحه المعتاد.

خرج الجميع من المكتب واحدًا تلو الآخر، كل واحد منهم يحمل في ذهنه جزءًا من نفس القلق الصامت. بقي حمزة وليث وحدهما، ينظران معًا من النافذة إلى المدينة الممتدة أمامهما.

“هنقدر نواجه اللي جاي، زي ما واجهنا كل حاجة قبل كده” قال ليث بثقة هادئة.

“عارف كده” رد حمزة. “بس المرة دي حاسس إن اللي جاي مختلف. مش مجرد منافس تجاري أو عدو عادي”

نظر ليث إليه بصمت، يعرف أن حدس حمزة نادرًا ما يخطئ.

“مهما كان” أضاف ليث أخيرًا، “إحنا ستة، وإحنا عائلة. وده أقوى من أي ماضي يحاول يرجع يطاردنا”

ابتسم حمزة ابتسامة خفيفة، أول ابتسامة حقيقية منذ عودته. “العائلة هي كل شيء”

خارج نافذة المكتب، كانت أجيادا تواصل حياتها كالمعتاد، غير عالمة أن ظلًا قديمًا قد بدأ يعود إلى الظهور من جديد، بعد سنوات طويلة من الغياب.

وفي الطابق الأسفل، كانت نوران تراجع تقارير الشركات المتراكمة على مكتبها، غير مدركة بعد لكل ما دار في الاجتماع الأخير، لكنها شعرت، وهي تنظر من نافذة مكتبها إلى حركة الحراس غير المعتادة أسفل البرج، أن شيئًا ما تغيّر في هواء المدينة تلك الليلة. لم تكن تعرف تفاصيل ما يقلق إخوتها الستة، لكنها عرفت — بحدسها الإداري الذي صقلته سنوات من إدارة تفاصيل حياتهم اليومية — أن الأيام القادمة ستكون مختلفة، وأن عليها أن تكون مستعدة، مهما كان الثمن، لحماية العائلة التي اختارت أن تكون جزءًا منها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الجنرال الأول   الفصل الثاني والعشرون: الرحلة إلى الماضي

    خلال الأيام التالية، عمل فريق ياسين بصمت وسرية تامة، يتحرى عن مصير الطفل المسجل في دار الأيتام البعيدة، يراجعون كل وثيقة متاحة بدقة متناهية خوفًا من تفويت أي تفصيلة قد تكون مهمة. تبين أن الدار نفسها أُغلقت منذ سنوات طويلة بعد تقاعد القائمين عليها، لكن سجلاتها انتقلت إلى أرشيف حكومي مركزي، حيث تمكن ياسين، بمساعدة علاقاته الواسعة وصبره المعتاد في تتبع التفاصيل، من الحصول على نسخة كاملة من ملف الطفل بعد أيام من المراسلات الرسمية.كشف الملف أن الطفل، الذي سُجل باسم “كريم” من غير أي لقب عائلة، أمضى سنوات طفولته في الدار قبل أن يتبناه رجل أعمال متوسط الحال من مدينة أخرى، واختفى أثره الرسمي بعدها، إذ لم تُحدَّث السجلات لاحقًا كما هو معتاد في مثل هذه الحالات القديمة.“عندنا اسم المتبني على الأقل” قال ياسين في اجتماع عاجل ضم حمزة وليث، وهو يعرض الملف على الشاشة الكبيرة. “لو قدرنا نوصله، ممكن نعرف مصير الولد دلوقتي، وهل لسه في نفس المدينة ولا انتقل لمكان تاني”نظر حمزة إلى الملف بصمت طويل، يقلب الصفحات القليلة ببطء، وكأنه يحاول أن يستشعر شيئًا من تفاصيلها الجافة، بحثًا عن أي أثر إنساني يخبره أن

  • الجنرال الأول   الفصل الحادي والعشرون: خيط جديد

    أقيم في القصر تلك الليلة احتفال عائلي بسيط، بعيد عن أي فخامة أو ضيوف من خارج الدائرة الضيقة، احتفالاً بلمّ شمل يوسف وخلود. أعدت نجية مائدة طعام دافئة بيديها، أطباقها المفضلة لكل واحد من أفراد العائلة، وجلس الجميع حول الطاولة الكبيرة، يتبادلون الحديث والضحك وسط فرح لا يزال طازجًا من صدمة الصباح السعيدة. “لازم نحتفل بطريقة تليق بالمناسبة” قال يونس، وهو يرفع كأس عصير عاليًا، واقفًا على كرسيه بمسرحية معتادة. “نخب يوسف وخلود، الأخ والأخت اللي التاريخ نفسه اتآمر عشان يجمعهم تاني، بعد رحلة كنز مزيفة وصورة قديمة وتحليل نسب، القصة دي تستاهل تتحول لفيلم” ضحك الجميع، ورفعوا أكوابهم معًا، بينما جلست خلود بجانب يوسف، لا تزال تشعر بذلك الدفء الغريب لوجود أخ حقيقي أخيرًا، تتبادل معه نظرات صامتة مليئة بالمعنى بين الحين والآخر، وكأنهما يعوضان بصمت سنوات من الغياب القسري. “عايزة أسألك حاجة” قالت خلود ليوسف بجدية هادئة وسط الاحتفال، صوتها يخفت قليلاً وسط ضجيج الفرح العام. “تعرف حاجة عن والدينا؟ عن سبب اختفائي وقت الولادة؟” هز يوسف رأسه بأسى، وجهه يحمل حزنًا خفيفًا وسط الفرح العام: “للأسف لأ. كل الل

  • الجنرال الأول   الفصل العشرون: العودة

    في صباح اليوم الأخير على الجزيرة، استيقظ الجميع على مزيج من الحزن الخفيف لانتهاء الرحلة، والترقب المتصاعد لما ينتظرهم عند العودة. جمعت خلود أغراضها بهدوء غير معتاد منها، عقلها لا يزال مشغولاً بالسؤال الذي رافقها منذ اكتشاف الصورة والاسم المشترك، من غير أن تتمكن من الاستمتاع بآخر لحظات المرح على الشاطئ كما فعلت في الأيام السابقة. جهز يونس، كعادته، حقيبته الضخمة من جديد، هذه المرة محملة بعينات من الرمال والأصداف التي جمعها كـ”تذكارات ضرورية”، وسط سخرية أدهم المعتادة التي لم تفلح في إثنائه عن جمع المزيد. وقف سامر وعائلته عند مرسى القارب، يودعون الجميع بعناق حار، وامتنان واضح على وجوه الجميع لأيام لن ينسوها بسهولة. اقترب فريد من نوران في لحظة أخيرة، وقال بصدق، صوته يحمل نضجًا غير متوقع من شاب في السابعة والعشرين: “مبسوط جدًا إني اتعرفت عليكِ، وحتى لو الظروف ما ساعدتش، محترم جدًا اللي حسيته، وهفضل صديق ليكي ولعيلتك دايمًا” ابتسمت نوران بامتنان، تدرك أن فريد لاحظ ما بينها وبين يوسف رغم عدم تصريحهما به لأي منهما حتى تلك اللحظة: “إنت شاب محترم بجد يا فريد، وأتمنى لك كل خير، وهفضل صديقة مق

  • الجنرال الأول   الفصل التاسع عشر: صورة قديمة وأسرار جديدة

    في صباح اليوم الثالث، وبينما كانت خلود تساعد حمزة في ترتيب بعض أغراضه المبعثرة على طاولة غرفته بعد يوم طويل من المسابقات، والشمس الصباحية تتسلل بلطف عبر النافذة المفتوحة على الشاطئ، سقطت محفظته الجلدية القديمة على الأرض، وانفتحت صدفة عند جزء صغير مخفي بداخلها لم تكن خلود تعرف بوجوده. انحنت لالتقاطها، فوقعت عيناها على صورة قديمة مطوية بعناية فائقة، حوافها مصفرة من قدمها، صورة طفلة صغيرة تبتسم بجانب زاوية شارع بسيط. جمدت خلود في مكانها، تحملق في الصورة بذهول متزايد، قلبها يتسارع بشكل لم تعتده. كانت ملامح الطفلة، رغم قدم الصورة واهتراء حوافها، أقرب ما يكون لملامحها هي نفسها في طفولتها، من صور قديمة نادرة كانت تحتفظ بها من أيام المؤسسة، صور قليلة جدًا لم تشاركها مع أحد من قبل. “ده… ده أنا؟” سألت بصوت مرتجف، وهي ترفع الصورة نحو حمزة الذي دخل الغرفة في تلك اللحظة، يداها ترتجفان بشكل ملحوظ. نظر حمزة إلى الصورة في يدها، ثم إليها، صمت طويل يخيم على وجهه وهو يحاول استيعاب ما يراه. “دي خلود، حب طفولتي اللي حكيت عنها امبارح. احتفظت بالصورة دي طول السنين دي، من غير ما أوريها لحد، حتى إخواتي”

  • الجنرال الأول   الفصل الثامن عشر: ليلة الصراحة

    استيقظ الجميع في اليوم الثاني على صوت خلود، التي كانت تجول بين الغرف تعلن عن “مسابقات اليوم الثاني” بحماس لم يقل عن اليوم السابق، حاملة قائمة طويلة كتبتها بنفسها في الليل. “النهاردة الكل بيشارك، من غير استثناءات” أعلنت بجدية، وهي تقف أمام الجميع في صالة الإفطار. “وأول استثناء هحذفه من القائمة هو حمزة، اللي عادةً بيهرب من أي مسابقة بحجة الشغل” نظر حمزة إليها بحيرة: “أنا مش بهرب، أنا بس عندي أولويات” “أولوياتك النهاردة هي المشاركة، ولو رفضت، هفعّل اتفاق ‘المسؤولية الرسمية’ اللي وقعته من زمان” ردت خلود بثقة، مشيرة إلى اتفاق قديم لم يكن حمزة قد نسيه بالكامل. ضحك سامر بصوت عالٍ من الطرف الآخر من الطاولة: “يا حمزة، إنت محاصر تمامًا، اقبل الهزيمة بشرف” “وإنت وسهر كمان هتشاركوا” أضافت خلود، ناظرة إلى سامر وزوجته بابتسامة عريضة. “مفيش استثناءات النهاردة” وافق سامر بحماس فوري، بينما ابتسمت سهر بخجل محبب، غير معتادة على هذا النوع من المرح الجماعي بعد سنوات من حياة اجتماعية رسمية صارمة. المسابقة الأولى: شد الحبل انقسم الجميع إلى فريقين، فريق يقوده أدهم وأدم، وفريق يقوده ليث وياس

  • الجنرال الأول   الفصل السابع عشر: جزيرة الأسرار

    استدعى حمزة سامر إلى مكتبه الخاص، وأغلق الباب بعناية قبل أن يبدأ الحديث. “عايزك تعرف سر مهم، سر عائلتنا الحقيقي، ومحتاج وعدك إنه ما يخرجش من بينا” نظر سامر إليه بجدية، يشعر بثقل اللحظة: “وعدني عائلة، وكلامي معاك زي كلامي مع نفسي” شرح له حمزة عن الجزيرة الجديدة، تلك التي بحث عنها ياسين منذ زمن بعيد بعد تحويل جزيرة العقرب لمشروع سكني، الملاذ الخاص الذي لا يعرف بوجوده أحد خارج الدائرة الضيقة للعائلة. “وعايزك تيجي معانا، إنت وسهر وفرح وفريد، أول عائلة برة دايرتنا الأساسية تشرفنا بزيارتها” أضاف حمزة بصدق. تأثر سامر بشدة بهذه الثقة، ووعد أن يحافظ على السر كأنه جزء من روحه. وصلت عائلة سامر إلى القصر في اليوم المحدد، واستقبلهم الجميع بحفاوة. كانت فرح، ابنة سامر، شابة في الثانية والعشرين، جمالها الهادئ وذكاؤها اللافت جعلا كل من قابلها ينتبه لها فورًا، لكن عينيها لم تتوقفا كثيرًا عند أي أحد سوى ليث، الذي كانت تسرقه نظرات خجولة متكررة كل ما تحدث بهدوئه المعتاد. “شفتوا إزاي بنت سامر بتبقى ساكتة كل ما ليث يتكلم؟” همست خلود لنوران بضحكة خبيثة، وهما يراقبان المشهد من بعيد. “وليث نفسه بقى يتل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status