แชร์

الفصل الخامس: ليلة الغراب

ผู้เขียน: الصياد
last update วันที่เผยแพร่: 2026-07-08 18:01:04

في مكان ما بعيد عن أضواء أجيادا الرسمية، في مستودع مهجور على أطراف المنطقة الصناعية، كان رجل غريب عن المدينة يجلس على كرسي معدني وحيد، محاطًا بعدد قليل من الرجال المسلحين الذين وصلوا معه من مدن أخرى في الأسابيع الأخيرة، من غير أن يلحظ أحد وصولهم وسط الحركة الطبيعية للمدينة.

كان يُعرف بين من يعملون معه باسم “الغراب” — سامر الزين، تاجر جاء من الظل إلى الظل، ترك خلفه في مدن أخرى شبكات كاملة من تجارة المخدرات والسلاح والنساء، قبل أن يقرر أن أجيادا، بثرائها المتصاعد وسمعتها اللامعة، ستكون الفريسة القادمة لإمبراطوريته الخفية.

كان رجلاً في الخمسين تقريبًا، نحيل البنية لكن عيناه تحملان ذلك البريق البارد الذي يميز من اعتادوا اتخاذ قرارات قاسية من غير تردد. جاء إلى أجيادا قبل أشهر قليلة، متخفيًا في هيئة رجل أعمال يبحث عن فرص استثمارية عادية، بينما كان في الحقيقة يمهد الأرض بصمت لبناء شبكته الإجرامية من تحت سطح المدينة اللامع.

“المدينة دي كلها مبنية على اسم واحد” قال سامر لأحد مساعديه، بصوت هادئ يحمل ثقة رجل اعتاد أن يبني ممالك من الظلام. “مجموعة الصياد. وطالما اسمهم قوي، محدش هيقدر يلمسنا هنا. لكن لو سمعتهم اتلطخت… المدينة كلها هتبقى مفتوحة قدامنا”

“وصلنا اتصال من الجهة التانية” رد المساعد بحذر. “عايزين يتأكدوا إن التحالف هيبدأ فورًا”

ابتسم سامر ابتسامة باردة. “قول لسيدك إن الغراب ما بيتأخرش في تنفيذ اتفاقاته. كريم منصور عايز يضرب سمعة الصياد، وأنا عايز مدينة أبني فيها إمبراطوريتي. مصلحتنا واحدة”

نهض من كرسيه، وسار ببطء نحو نافذة صغيرة مطلة على المنطقة الصناعية المظلمة، يراقب أضواء المصانع البعيدة التي تنتمي جزء كبير منها لمجموعة الصياد. “خلال أسبوعين، مش هيبقى في حد في المدينة دي واثق في اسمهم زي ما كان قبل كده. والفوضى اللي هتحصل، هتفتحلي الباب واسع عشان أبني اللي محتاجه من غير حد يلاحظ”

“وإيه خطتك بالظبط؟” سأل المساعد.

“بضاعة رخيصة، منتشرة في أماكن حساسة، حي العقرب نفسه لو أمكن. وشائعات تضرب سمعة شركاتهم. الناس بتنسى بسرعة مين بنى ليها بيت، وبتفتكر بسرعة أكبر مين فشل في حمايتها”

كان هذا التحالف الجديد، الذي وُلد في الظلام بين رجل يحمل ضغينة قديمة ورجل يبحث عن أرض جديدة يستعمرها بالفساد، هو الشرارة التي ستشعل أسبوعًا لن تنساه أجيادا بسهولة.

بدأت الأمور بالتصاعد خلال أيام قليلة. تقارير متفرقة عن انتشار مفاجئ لمواد مخدرة رخيصة الثمن في بعض الأحياء الشعبية، وبينها — بشكل مقصود ومؤلم — أطراف من حي العقرب نفسه، ذلك الحي الذي بناه الستة كرمز للنجاة والأمل.

“مش معقول” قال أدهم بغضب مكتوم، وهو يقف أمام حمزة في مكتبه، يحمل تقريرًا أوليًا عن حالات إدمان جديدة ظهرت بين بعض شباب الحي. “إحنا بنينا المكان ده عشان ننقذ الناس من الشارع، مش عشان نشوفهم بيرجعوا للمخدرات تاني”

“ده مش صدفة” أضاف ياسين بجدية، وهو يراجع خريطة توزيع الحالات المسجلة. “الانتشار متزامن في أكتر من منطقة في وقت واحد، وده معناه إن في شبكة منظمة وراه، مش تاجر فردي بيحاول يستغل الفرصة”

نظر حمزة إلى التقرير بصمت طويل، ثم رفع عينيه إلى أدم وأدهم: “عايزكم تعرفوا مصدر البضاعة دي، من فين بتدخل المدينة، ومين بيوزعها. من غير ما تتحركوا بعنف، عايزين نفهم الصورة كاملة الأول”

لم يكن الأمر يقتصر على المخدرات وحدها. خلال الأيام التالية، بدأت شائعات مغرضة تنتشر في أوساط رجال الأعمال والصحافة المحلية، تتهم شركة أدهم للصناعات العسكرية بتهريب أسلحة خارج نطاق القانون، وشركة أدم للحراسات الخاصة بالتقصير في حماية بعض المناطق التي شهدت الانتشار المفاجئ للمخدرات. كانت التهم من غير دليل حقيقي، لكنها كافية لزرع الشك في نفوس الناس، وإضعاف الثقة التي بنتها المجموعة عبر سنوات طويلة.

“دول مش بيحاولوا يضربونا ماديًا بس” قال يوسف في اجتماع طارئ ضم الستة ونوران، وجهه يحمل قلقًا واضحًا وهو يعرض على الشاشة الكبيرة تحليلاً لانتشار الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. “دول بيحاولوا يهدموا سمعتنا من جوه، يخلوا الناس تشك فينا، وده أخطر من أي هجوم مباشر. شوفوا هنا، الشائعات دي بتتنشر بنمط منظم جدًا، مش عشوائي، زي حد عنده خطة إعلامية كاملة وراها”

“وده بالظبط اللي كان بيقصده كريم منصور من التحالف اللي حمزة سمع عنه” أضاف ليث بجدية. “مش هجوم مباشر علينا، لكن حرب استنزاف بطيئة تهد كل حاجة بنيناها من جوه”

نظرت نوران إلى الجميع بقلق واضح: “لو الأمر استمر كده، هنبدأ نخسر عقود، وممكن حتى بعض عائلات حي العقرب تبدأ تشك في نوايانا. وصلني الصبح كام مكالمة من أهالي في الحي قلقانين على أولادهم بعد الحالات اللي ظهرت. لازم نتحرك بسرعة، بس بذكاء”

“وأنا عندي فريق شغال على تتبع مصدر البضاعة من ناحية الطرق التجارية اللي بتدخل بيها المدينة” أضاف أدم. “لسه مبكر أقول حاجة أكيدة، بس في نمط بيتكرر في نقاط دخول معينة قرب الميناء”

أومأ حمزة برأسه، وجهه يحمل تلك الصلابة الهادئة التي تظهر فقط في أخطر اللحظات: “هنواجه الأمر من جبهتين. جبهة الحقيقة — نجيب دليل واضح يفضح مين وراء ده، ونوصله للصحافة والسلطات بطريقة تحمي سمعتنا. وجبهة الحماية — نمنع أي ضرر إضافي يوصل للناس اللي بنحميهم، خصوصًا في حي العقرب”

“أنا هنزل بنفسي على الحي، أتكلم مع الأهالي وجه لوجه” قال أدهم بحزم. “محتاجين يعرفوا إننا معاهم، مش بعيدين عنهم”

“فكرة كويسة” رد حمزة. “وياسين، عايزك تتبع خيط الشائعات دي لمصدرها الأول، أيًا كان الحساب أو الجهة اللي بدأتها”

“هبدأ فورًا” رد ياسين بجدية.

في تلك الأثناء، كانت مستشفى أجيادا العام تعيش أسوأ أسبوع لها منذ سنوات طويلة. تدفقت حالات التسمم والجرعات الزائدة على قسم الطوارئ بمعدلات غير مسبوقة، شباب في مقتبل العمر، بعضهم بالكاد تجاوز السادسة عشرة، يُحملون على الأسرة المتحركة وسط صراخ عائلاتهم وذعرهم.

كانت الدكتورة خلود في قلب هذه العاصفة، تنتقل من سرير لآخر بسرعة محسوبة، توجه فريقها التمريضي بدقة رغم الإرهاق المتراكم، صوتها لا يفقد هدوءه رغم الفوضى المحيطة بها.

“محتاجة محلول ثاني فورًا في السرير التالت” صرخت لإحدى الممرضات، وهي تفحص نبض شاب فاقد للوعي، وجهه شاحب بلون يثير القلق. “وحد يجيب لي تقرير التحاليل بتاعة الحالة اللي فاتت، محتاجة أقارن الأعراض”

مرت ساعة تلو الأخرى وسط هذا الإيقاع المحموم. في إحدى اللحظات النادرة للراحة، وقفت خلود للحظات قصيرة أمام غرفة الانتظار، حيث كانت أم شابة تجلس منهارة، تبكي بصمت وهي تنتظر أخبارًا عن ابنها المراهق الذي أُدخل قبل ساعة في حالة حرجة.

جلست خلود بجانبها للحظة، ووضعت يدها على كتفها بلطف: “ابنك استقر دلوقتي، ربنا يسلمك. بس محتاجة أقولك حاجة مهمة — المخدر اللي وصل لأولادنا مش زي أي حاجة شفناها قبل كده. تركيزها عالي جدًا، وده معناه إن مين ما كان اللي بيوزعها مش مهتم بحياة حد”

نظرت الأم إليها بعيون مليئة بالخوف والغضب في آن واحد: “إزاي حاجة زي دي تحصل في مدينتنا يا دكتورة؟ إحنا كنا فاكرين إن أجيادا أأمن مدينة في المنطقة كلها”

لم تجد خلود إجابة واضحة تقدمها. هزت رأسها بأسى، وعادت إلى عملها، تحمل معها ذلك السؤال نفسه الذي بدأ يقلقها أكثر من أي وقت مضى.

استمرت الليلة على هذا النحو لساعات طويلة، حالة تلو الأخرى، كل واحدة منها تحمل قصة مأساة صغيرة داخل مأساة أكبر تجتاح المدينة من غير أن يعرف أحد من أهلها السبب الحقيقي وراءها. رأت خلود في تلك الليلة وحدها أكثر حالات تسمم مما رأته في سنة كاملة من عملها، وشعرت لأول مرة منذ سنوات طويلة بذلك الإرهاق الذي يتجاوز حدود الجسد ليصل إلى الروح نفسها.

في ساعة متأخرة من الليل، وبعد أن استقرت أخيرًا حالة معظم المرضى، جلست خلود للحظة قصيرة على كرسي في الممر، منهكة تمامًا، تفكر في عدد الوجوه الشابة التي مرت أمامها تلك الليلة، وفي السؤال الذي بدأ يلح على ذهنها: من أين تأتي كل هذه الكمية المفاجئة من المخدرات الرخيصة؟

لاحظت غياب أحد المرضى الذين عالجتهم سابقًا في الليلة، شاب صغير كانت حالته حرجة عند وصوله، لكنه استقر بعد ساعات من العلاج المكثف. تفقدت السجلات، فوجدت أنه غادر المستشفى بنفسه من غير إذن طبي، رغم أن حالته لم تكن مستقرة بما يكفي للمغادرة.

قلقت خلود بشدة. كانت تعرف، من خبرتها الطويلة، أن مغادرة مريض في مثل هذه الحالة من غير إشراف طبي قد تكون خطرة للغاية، وربما مميتة، خصوصًا مع نوعية المادة المخدرة القوية التي كانت منتشرة في تلك الأيام. سألت الممرضات عنه، فأخبرتها إحداهن أنها رأته يغادر بمفرده باتجاه الحديقة الخلفية للمستشفى قبل حوالي نصف ساعة، وكان يبدو مرتبكًا وخائفًا، وكأنه يهرب من شيء أكثر مما يهرب من المستشفى نفسها.

فكرت خلود للحظة في الاتصال بحراس المستشفى لمرافقتها، لكن الوقت المتأخر والإرهاق الشديد جعلاها تقرر التصرف بسرعة بمفردها، مدفوعة بذلك الحس المهني الذي لا يعرف حدودًا حين يتعلق الأمر بحياة مريض قد يكون في خطر حقيقي.

من غير تفكير طويل، ومن دافع إنساني بحت لا يعرف حدودًا حين يتعلق الأمر بحياة مريض، خرجت خلود بنفسها إلى الحديقة الخلفية المظلمة، تحمل مصباحها اليدوي، تنادي باسم الشاب بصوت هادئ يحاول ألا يخيفه إن كان لا يزال قريبًا.

كانت الحديقة شبه فارغة في هذا الوقت المتأخر، أشجارها الكثيفة تلقي بظلال طويلة تحت ضوء القمر الخافت، وصوت الريح يحرك أوراق الشجر في همسات متقطعة أضافت وحشة إضافية إلى المكان. تقدمت خلود بحذر بين الممرات الترابية، تنادي بين الحين والآخر، من غير أن تلاحظ الظلال التي بدأت تتحرك ببطء خلفها.

“يا ابني، أنا الدكتورة اللي كنت بعالجك، عايزة أطمن عليك بس” قالت بصوت مرتفع قليلاً، وهي تقترب من الطرف البعيد للحديقة حيث يبدأ سور منخفض يفصل المستشفى عن الشارع الجانبي المظلم.

لم يكن هناك رد. توقفت للحظة، شعرت فجأة بذلك الإحساس الغريب الذي يخبر الإنسان أن شيئًا ما ليس على ما يرام، إحساس بارد يسري في العمود الفقري رغم دفء الليل الصيفي. حاولت أن تقنع نفسها أنه مجرد تعب وإرهاق، لكن قدميها توقفتا من غير وعي منها، وحواسها ازدادت حدة فجأة، كأن جسدها يعرف شيئًا لم يصل بعد إلى وعيها الكامل.

لكن قبل أن تتمكن من فهم مصدر هذا الشعور، أو حتى التراجع خطوة إلى الوراء، أحست بيد قوية تُطبق على فمها من الخلف، بينما أمسكت يد أخرى بذراعها بقوة مؤلمة، تسحبها بعيدًا عن الأرض المضاءة بضوء المستشفى نحو ظلام الشارع الجانبي.

حاولت الصراخ، لكن الصوت اختنق تحت اليد الضاغطة على فمها. قاومت بكل ما تبقى لديها من قوة، ركلت وحاولت الإفلات، لكن الرجلين اللذين أمسكا بها كانا أقوى بكثير، مدربين على مثل هذه المهمات بدقة باردة لا تترك مجالًا للفرار. سقط مصباحها اليدوي على الأرض، يضيء دائرة صغيرة فارغة من الضوء، وحيدة وسط الظلام المحيط.

خُطفت خلود في صمت الليل، بعيدًا عن أعين أي شاهد، دفعت إلى سيارة مظلمة كانت تنتظر عند الطرف الآخر من الشارع، بينما بقيت الحديقة هادئة كما كانت، وكأن شيئًا لم يحدث على الإطلاق، سوى مصباح يدوي صغير مُلقى على الأرض، ينبض بضوئه الأخير قبل أن ينطفئ تمامًا.

في الصباح التالي، حين لم تصل خلود إلى مناوبتها المعتادة، ولم يستطع أحد الوصول إليها على هاتفها، بدأت زميلتها سلمى تشعر بقلق متصاعد. حاولت الاتصال بها عدة مرات من غير جدوى، ثم توجهت إلى شقتها الصغيرة القريبة من المستشفى، لتجدها فارغة تمامًا، من غير أي أثر يدل على أنها عادت إليها الليلة الماضية أصلًا.

أبلغت سلمى إدارة المستشفى بالأمر، وبدأ قلق حقيقي ينتشر بين زملاء خلود الذين عرفوها كطبيبة مخلصة لا تتأخر أبدًا عن مناوبتها من غير سبب واضح. حاول أحد الحراس مراجعة كاميرات المراقبة الخاصة بالحديقة الخلفية، لكنه فوجئ بأن الكاميرا الوحيدة المطلة على تلك الزاوية كانت معطلة منذ الليلة السابقة تحديدًا، وكأن أحدًا كان يعرف بالضبط أين يتحرك ومتى.

لم يكن أحد في المستشفى، ولا حتى سلمى نفسها التي عرفت خلود منذ سنوات، يملك أدنى فكرة عن حجم المؤامرة التي وقعت زميلتها في قلبها فجأة، ولا عن الاسم الذي كان قد استيقظ من غير علمها في ذاكرة رجل قوي على بعد كيلومترات قليلة من ذلك المكان.

من غير أن تدرك أن ما حدث لصديقتها كان مجرد الخطوة الأولى في مؤامرة أكبر بكثير مما يتخيله أي منهما، مؤامرة كانت أجيادا كلها، بمن فيها ستة رجال بنوا إمبراطورية من العدم، على وشك أن تكتشف مدى عمقها.

وفي الطابق الأخير من برج مجموعة الصياد، حيث كان الستة لا يزالون منشغلين بمعركتهم الخاصة ضد شائعات كريم منصور وسموم الغراب المنتشرة في أحيائهم، لم يكن أحد منهم يعلم بعد أن امرأة اختفت تلك الليلة في صمت، امرأة لو عرفوا اسمها الحقيقي، لأدركوا أن معركتهم على وشك أن تصبح أعمق وأكثر شخصية مما تخيلوا يومًا.

كانت أجيادا، في تلك الليلة العصيبة، تخسر أكثر من مجرد سمعة أو ثقة — كانت تخسر، من غير أن تدري، خيطًا صغيرًا كان قدره أن يصبح يومًا ما جزءًا لا يتجزأ من قصة العائلة الكبيرة التي بنيت على أنقاض الفقد والألم، عائلة لم تكن تعرف بعد أن حلقة جديدة من حلقاتها قد بدأت، في تلك اللحظة بالذات، رحلتها الغامضة نحو مصير لم يكتبه أحد بعد، مصير سيربط بين ماضٍ مدفون وحاضر مشتعل بالصراع، من غير أن يعرف أي طرف من أطرافه أن الخيوط كلها كانت، منذ البداية، تشير إلى نفس الاتجاه.

อ่านหนังสือเล่มนี้ต่อได้ฟรี
สแกนรหัสเพื่อดาวน์โหลดแอป

บทล่าสุด

  • الجنرال الأول   الفصل الثاني والعشرون: الرحلة إلى الماضي

    خلال الأيام التالية، عمل فريق ياسين بصمت وسرية تامة، يتحرى عن مصير الطفل المسجل في دار الأيتام البعيدة، يراجعون كل وثيقة متاحة بدقة متناهية خوفًا من تفويت أي تفصيلة قد تكون مهمة. تبين أن الدار نفسها أُغلقت منذ سنوات طويلة بعد تقاعد القائمين عليها، لكن سجلاتها انتقلت إلى أرشيف حكومي مركزي، حيث تمكن ياسين، بمساعدة علاقاته الواسعة وصبره المعتاد في تتبع التفاصيل، من الحصول على نسخة كاملة من ملف الطفل بعد أيام من المراسلات الرسمية.كشف الملف أن الطفل، الذي سُجل باسم “كريم” من غير أي لقب عائلة، أمضى سنوات طفولته في الدار قبل أن يتبناه رجل أعمال متوسط الحال من مدينة أخرى، واختفى أثره الرسمي بعدها، إذ لم تُحدَّث السجلات لاحقًا كما هو معتاد في مثل هذه الحالات القديمة.“عندنا اسم المتبني على الأقل” قال ياسين في اجتماع عاجل ضم حمزة وليث، وهو يعرض الملف على الشاشة الكبيرة. “لو قدرنا نوصله، ممكن نعرف مصير الولد دلوقتي، وهل لسه في نفس المدينة ولا انتقل لمكان تاني”نظر حمزة إلى الملف بصمت طويل، يقلب الصفحات القليلة ببطء، وكأنه يحاول أن يستشعر شيئًا من تفاصيلها الجافة، بحثًا عن أي أثر إنساني يخبره أن

  • الجنرال الأول   الفصل الحادي والعشرون: خيط جديد

    أقيم في القصر تلك الليلة احتفال عائلي بسيط، بعيد عن أي فخامة أو ضيوف من خارج الدائرة الضيقة، احتفالاً بلمّ شمل يوسف وخلود. أعدت نجية مائدة طعام دافئة بيديها، أطباقها المفضلة لكل واحد من أفراد العائلة، وجلس الجميع حول الطاولة الكبيرة، يتبادلون الحديث والضحك وسط فرح لا يزال طازجًا من صدمة الصباح السعيدة. “لازم نحتفل بطريقة تليق بالمناسبة” قال يونس، وهو يرفع كأس عصير عاليًا، واقفًا على كرسيه بمسرحية معتادة. “نخب يوسف وخلود، الأخ والأخت اللي التاريخ نفسه اتآمر عشان يجمعهم تاني، بعد رحلة كنز مزيفة وصورة قديمة وتحليل نسب، القصة دي تستاهل تتحول لفيلم” ضحك الجميع، ورفعوا أكوابهم معًا، بينما جلست خلود بجانب يوسف، لا تزال تشعر بذلك الدفء الغريب لوجود أخ حقيقي أخيرًا، تتبادل معه نظرات صامتة مليئة بالمعنى بين الحين والآخر، وكأنهما يعوضان بصمت سنوات من الغياب القسري. “عايزة أسألك حاجة” قالت خلود ليوسف بجدية هادئة وسط الاحتفال، صوتها يخفت قليلاً وسط ضجيج الفرح العام. “تعرف حاجة عن والدينا؟ عن سبب اختفائي وقت الولادة؟” هز يوسف رأسه بأسى، وجهه يحمل حزنًا خفيفًا وسط الفرح العام: “للأسف لأ. كل الل

  • الجنرال الأول   الفصل العشرون: العودة

    في صباح اليوم الأخير على الجزيرة، استيقظ الجميع على مزيج من الحزن الخفيف لانتهاء الرحلة، والترقب المتصاعد لما ينتظرهم عند العودة. جمعت خلود أغراضها بهدوء غير معتاد منها، عقلها لا يزال مشغولاً بالسؤال الذي رافقها منذ اكتشاف الصورة والاسم المشترك، من غير أن تتمكن من الاستمتاع بآخر لحظات المرح على الشاطئ كما فعلت في الأيام السابقة. جهز يونس، كعادته، حقيبته الضخمة من جديد، هذه المرة محملة بعينات من الرمال والأصداف التي جمعها كـ”تذكارات ضرورية”، وسط سخرية أدهم المعتادة التي لم تفلح في إثنائه عن جمع المزيد. وقف سامر وعائلته عند مرسى القارب، يودعون الجميع بعناق حار، وامتنان واضح على وجوه الجميع لأيام لن ينسوها بسهولة. اقترب فريد من نوران في لحظة أخيرة، وقال بصدق، صوته يحمل نضجًا غير متوقع من شاب في السابعة والعشرين: “مبسوط جدًا إني اتعرفت عليكِ، وحتى لو الظروف ما ساعدتش، محترم جدًا اللي حسيته، وهفضل صديق ليكي ولعيلتك دايمًا” ابتسمت نوران بامتنان، تدرك أن فريد لاحظ ما بينها وبين يوسف رغم عدم تصريحهما به لأي منهما حتى تلك اللحظة: “إنت شاب محترم بجد يا فريد، وأتمنى لك كل خير، وهفضل صديقة مق

  • الجنرال الأول   الفصل التاسع عشر: صورة قديمة وأسرار جديدة

    في صباح اليوم الثالث، وبينما كانت خلود تساعد حمزة في ترتيب بعض أغراضه المبعثرة على طاولة غرفته بعد يوم طويل من المسابقات، والشمس الصباحية تتسلل بلطف عبر النافذة المفتوحة على الشاطئ، سقطت محفظته الجلدية القديمة على الأرض، وانفتحت صدفة عند جزء صغير مخفي بداخلها لم تكن خلود تعرف بوجوده. انحنت لالتقاطها، فوقعت عيناها على صورة قديمة مطوية بعناية فائقة، حوافها مصفرة من قدمها، صورة طفلة صغيرة تبتسم بجانب زاوية شارع بسيط. جمدت خلود في مكانها، تحملق في الصورة بذهول متزايد، قلبها يتسارع بشكل لم تعتده. كانت ملامح الطفلة، رغم قدم الصورة واهتراء حوافها، أقرب ما يكون لملامحها هي نفسها في طفولتها، من صور قديمة نادرة كانت تحتفظ بها من أيام المؤسسة، صور قليلة جدًا لم تشاركها مع أحد من قبل. “ده… ده أنا؟” سألت بصوت مرتجف، وهي ترفع الصورة نحو حمزة الذي دخل الغرفة في تلك اللحظة، يداها ترتجفان بشكل ملحوظ. نظر حمزة إلى الصورة في يدها، ثم إليها، صمت طويل يخيم على وجهه وهو يحاول استيعاب ما يراه. “دي خلود، حب طفولتي اللي حكيت عنها امبارح. احتفظت بالصورة دي طول السنين دي، من غير ما أوريها لحد، حتى إخواتي”

  • الجنرال الأول   الفصل الثامن عشر: ليلة الصراحة

    استيقظ الجميع في اليوم الثاني على صوت خلود، التي كانت تجول بين الغرف تعلن عن “مسابقات اليوم الثاني” بحماس لم يقل عن اليوم السابق، حاملة قائمة طويلة كتبتها بنفسها في الليل. “النهاردة الكل بيشارك، من غير استثناءات” أعلنت بجدية، وهي تقف أمام الجميع في صالة الإفطار. “وأول استثناء هحذفه من القائمة هو حمزة، اللي عادةً بيهرب من أي مسابقة بحجة الشغل” نظر حمزة إليها بحيرة: “أنا مش بهرب، أنا بس عندي أولويات” “أولوياتك النهاردة هي المشاركة، ولو رفضت، هفعّل اتفاق ‘المسؤولية الرسمية’ اللي وقعته من زمان” ردت خلود بثقة، مشيرة إلى اتفاق قديم لم يكن حمزة قد نسيه بالكامل. ضحك سامر بصوت عالٍ من الطرف الآخر من الطاولة: “يا حمزة، إنت محاصر تمامًا، اقبل الهزيمة بشرف” “وإنت وسهر كمان هتشاركوا” أضافت خلود، ناظرة إلى سامر وزوجته بابتسامة عريضة. “مفيش استثناءات النهاردة” وافق سامر بحماس فوري، بينما ابتسمت سهر بخجل محبب، غير معتادة على هذا النوع من المرح الجماعي بعد سنوات من حياة اجتماعية رسمية صارمة. المسابقة الأولى: شد الحبل انقسم الجميع إلى فريقين، فريق يقوده أدهم وأدم، وفريق يقوده ليث وياس

  • الجنرال الأول   الفصل السابع عشر: جزيرة الأسرار

    استدعى حمزة سامر إلى مكتبه الخاص، وأغلق الباب بعناية قبل أن يبدأ الحديث. “عايزك تعرف سر مهم، سر عائلتنا الحقيقي، ومحتاج وعدك إنه ما يخرجش من بينا” نظر سامر إليه بجدية، يشعر بثقل اللحظة: “وعدني عائلة، وكلامي معاك زي كلامي مع نفسي” شرح له حمزة عن الجزيرة الجديدة، تلك التي بحث عنها ياسين منذ زمن بعيد بعد تحويل جزيرة العقرب لمشروع سكني، الملاذ الخاص الذي لا يعرف بوجوده أحد خارج الدائرة الضيقة للعائلة. “وعايزك تيجي معانا، إنت وسهر وفرح وفريد، أول عائلة برة دايرتنا الأساسية تشرفنا بزيارتها” أضاف حمزة بصدق. تأثر سامر بشدة بهذه الثقة، ووعد أن يحافظ على السر كأنه جزء من روحه. وصلت عائلة سامر إلى القصر في اليوم المحدد، واستقبلهم الجميع بحفاوة. كانت فرح، ابنة سامر، شابة في الثانية والعشرين، جمالها الهادئ وذكاؤها اللافت جعلا كل من قابلها ينتبه لها فورًا، لكن عينيها لم تتوقفا كثيرًا عند أي أحد سوى ليث، الذي كانت تسرقه نظرات خجولة متكررة كل ما تحدث بهدوئه المعتاد. “شفتوا إزاي بنت سامر بتبقى ساكتة كل ما ليث يتكلم؟” همست خلود لنوران بضحكة خبيثة، وهما يراقبان المشهد من بعيد. “وليث نفسه بقى يتل

บทอื่นๆ
สำรวจและอ่านนวนิยายดีๆ ได้ฟรี
เข้าถึงนวนิยายดีๆ จำนวนมากได้ฟรีบนแอป GoodNovel ดาวน์โหลดหนังสือที่คุณชอบและอ่านได้ทุกที่ทุกเวลา
อ่านหนังสือฟรีบนแอป
สแกนรหัสเพื่ออ่านบนแอป
DMCA.com Protection Status