تسجيل الدخولساد السكون القاتل أرجاء القفر؛ سكونٌ ثقيل يُشبه ذاك الذي يعقب سقوط الممالك وتداعي العروش. كانت الشمس تُنسحب ببطءٍ خائف خلف أفق الصحراء المظلمة، صابغةً السماء بلونِ دَمٍ قانٍ يُحاكي الجراح التي أُثخنت بها الأجساد والقلوب. لم يكن صفيح الريح العاتية يستطيع أن يغطي على الأنين الصامت الذي كان ينبعث من جنبات المكان.في أرض "أَمُورِيَا" المنسية، كانت كل قطعة صخر تحكي قصة انكسار. المعركة انتهت، وانجلت غبارها، لكن الحرب الحقيقية دارت رحاها في الأنفس... حربٌ لم تُستخدم فيها السيوف العريضة ولا المقامع العظمية، بل أُديرت برماح الكبرياء وشفرات الرفض القاطعة.كان مُهاب "الجَهْم" ملقىً تحت جذع الشجرة البركانية العتيقة، كالأسد المكسور الذي أثخنته جراح الصيد والغدر. لم تكن الطعنة التي أخذها في كتفه الأيسر أو نزيف خاصرته هما ما يعتصرانه، بل كان ذاك الجدار الصخري المنيع الذي بنى قبيلته وطفله حول أرواحهم. كان يرى ابنه صَارِم؛ ذو السنوات العشر، يبتعد عنه بخطواتٍ جادة، متكئاً على أمه عَفْراء، وممسكاً بعباءة خاله طَلاَل الموت.حاول "الجَهْم" أن يرفع يده الملوثة بالدم والغبار، حادجاً الفضاء بصوتٍ بحّ فيه
انجلت المعركة أخيراً، لكن غبارها لم يكن سوى السِتار الذي انزاح ليعلن عن ملحمة أكثر قسوة وأشد إيلاماً. كانت الرائحة المنتشرة في الأفق مزيجاً خنق الأنفاس؛ عبق الدماء الطازجة المتداخلة مع ثرى الأرض المضروبة، ودخان الخيام الخشبية المحترقة، وأنفاس الرجال المنهكين الذين كتب الله لهم النجاة على هامش الموت.في وسط هذا الخراب المتراكم، كان مهاب جالساً إلى جوار جَذع شجرة عتيقة خضبتها الدماء. كان جسده الممشوق الذي طالما أرهب الخصوم يتهاوى تحت وطأة جراحٍ بليغة؛ رمحٌ غائر في كتفه الأيسر، وقطعٌ عميق في خاصرته لا يكف عن النزيف، ووجهٌ غطاه الصدأ والغبار والدم الدافئ. كان يئن صامتاً، كبرياؤه يأبى أن يطلق الصراخ، لكن عينيه المتعبتين كانت تغوصان في الفراغ بحثاً عن شاطئ أمان لم يعد موجوداً.وعلى مسافة غير بعيدة، كانت عفراء تستند على جدار حجري انهار نصفه. كانت تتألم بجسدها المنهك الذي أنهكته الشظايا الخاطفة، وبقلبها الذي أدمته السنون قبل الحجارة. لم تكن جراح جسدها هي ما يعتصرها، بل كان الشوق الممزوج بالمرارة، والذكريات المقيتة التي تتزاحم في مخيلتها وهي تنظر إلى مهاب. كانت تراه الرجل الذي وهبته شبابها،
مَرَّتْ سَبْعُ سَنَوَاتٍ كَامِلَةٌ عَلَى غُرْبَةِ أَقْصَى الأَرْض...كانت الصحراء المنسية في "أَمُورِيَا" تئن تحت قيظ الشمس وزمهرير الليالي الباردة. تحول الصغير "صَارِم" إلى غلامٍ في الحادية عشرة من عمره، لكنه لم يكن صبياً كبقية الصبية؛ كان جسده مشدود العود، وسيم الملامح بشرة خمرية صافية كأمه عَفْراء، لكن فكه العريض وعينيه العقيقيتين البرّاقتين وطريقة وقفته المهيبة كانت صورةً ناطقة ومطابقةً لأبيه مُهاب "الجَهْم"!كان طَلاَل الموت يدربه يومياً على الشاطئ الصخري؛ يعلمه كيف يلوح بالسيف العريض ويرمي الخنجر، بينما عَفْراء تراقبهما من شرفة كوخها الحجري، يمتزج في قلبها الفخر الأمهوي باللوعة والكبرياء المكسور.لكن ما لم تكن تعلمه الكاهنة... هو أن السكون الأبدي في "أَمُورِيَا" كان على وشك أن يتزلزل!ففي ذلك المساء العاصف، وبينما كانت أمواج البحر التائه تضرب الصخور البركانية، رست سفينةٌ حربية ضخمة ذات أشرعةٍ سوداء ممزقة عند الخليج المجهول. لم تكن سفينة تجار ولا غزاة من القرمزية... بل كانت سفينة طلائع يحمل فرسانها راية "الذئب الأسود"—راية آل هَزّام!ترجل من السفينة ثلةٌ من الفرسان الأشداء ي
مَرَّت الأَيَّامُ وَالأَشْهُرُ سَرِيعَةً وَقَاسِيَة...سافرت عَفْراء مع أخيها طَلاَل والعرّاف طَارِق مسافاتٍ طائلة وشاسعة نحو أقصى الجنوب المظلم. عبروا الصحاري القاحلة والسهول المنسية، وركبوا السفن العتيقة عبر "بحار الظلمات" ليتواروا عن أنظار القارات المأهولة.خلال رحلة السفر الطويلة التي استمرت تسعة أشهر كاملة... كانت عَفْراء تتغير وتتحول كلياً.انطفأت نبرة الأنثى العاشقة والدفء الذي ذاقه مُهاب في ليالي الصخيرة. تحولت إلى كاهنةٍ صلبة وقاسية كأحجار الصوان. كان جرح الفراق والذل يغذي سحرها الكاهني، وجنينها ينمو داخل أحشائها ببطء وسرعة، يمتص قوة آلامها وحقدها على عالم العروش الخائنة.وكان طَلاَل الموت يخدم أخته بكل جوارحه؛ يصطاد لها، يحميها من الوحوش والقطاع في السفر، ويحلف يومياً أمام القمر بأنه سيكفل هذا الطفل ويكون له الأب والسيف الحامي حتى يسترد حق أمه المغصوب.وفي ليلةٍ قاسية مطيرة، هبت فيها العواصف على سواحل "أَمُورِيَا" المهجورة... أتاها المخاض داخل كوخٍ حجري أثري أقاموه على أطراف البحر المظلم.تعالت صرخات الألم والكبرياء من صدر عَفْراء. لم تكن صرخات ضعف، بل كانت صرخات ولادة
في "قصر الأوراس الفولاذي"، كانت الثلوج تنزل ببطء على القباب الرخامية، والدفوف تضرب في الساحات الخارجية معلنةً قرب حلول ليلة الزفاف الموعودة.كان مُهاب "الجَهْم" يجلس في قاعة السلاح الملكية، يرتدي درعاً فضياً فاخراً أهدته إياه عائلة الملك شَهْرَيَار. كانت الأميرة "سِيرِين" تقف بجانبه، تجعل وشاحه المخملي يلتف حول كتفيه بأصابعها الناعمة، وابتسامة النصر والدلال تشع من وجهها الأبيض الثلجي.قالت بصوتها الرقيق:— "غداً في هذا الوقت يا مولاي... سيعلن السحرة اتحاد مملكتنا بجبال الرماد، وسوف تنحني لك كل قبائل الشمال."لم ينظر إليها مُهاب. كان يضع يده على حزام سيفه، وفجأة... اعتصر قلبه ألمٌ مفاجئ وساطع عبر عهد الدم!سرت في جسده موجة حرارةٍ كاهنية عاتية، تجعله يتنفس بصعوبة! لم تكن حرارة السحر فقط، بل كانت دقات قلبٍ ثانية... نبضاً ضئيلاً وحاراً يرتجف بعيداً، يرتبط بعروقه ارتباط الروح بالروح!اتسعت عينا "الجَهْم" بدفقة ذعرٍ رهيبة، وتصبب العرق على جبينه. وضع كفه القوية على صدره تحت الدرع، وهمس بصوتٍ خفيض هز القاعة:— "هذا النبض... هذا ليس سحراً غريباً... إنه دمي!"تراجعت الأميرة سِيرِين بذهو
لم تكن المعركة في "سهل الشقاق" مواجهةً بين جيشين فحسب، بل كانت فخاً جغرافياً وسحرياً هائلاً أُعدّ بدقةٍ شيطانية من الإمبراطورية القرمزية!في أوج الملحمة، وعندما كان مُهاب "الجَهْم" وعَفْراء يقاتلان كتفاً بكتف وسط غبار المعركة وصرخات الفرسان، حفر السحرة الكارماتيون الأرض بسحر النفط والزلزال الأسود. بكبسة زرٍ سحرية وسلسلة تفجيراتٍ أرضية هزت أركان السهل، انشق "سهل الشقاق" إلى نصفين بغتة!تكون أخدودٌ ناري بركاني سحيق شق الصفوف، ليفصل بين قلب الجيش وطليعته. وفي خضم الغبار والدمار الذي ساد المكان، سقطت عَفْراء مع مجموعة من فرسان آل ذُهْل في جرف الأخدود الجنوبي المحترق، بينما انحرف مُهاب بفرسانه إلى الجانب الشمالي ليدخل في معركة طاحنة ضد الحرس الإمبراطوري الخاص.حاول "الجَهْم" القفز عبر الأخدود، زاعقاً باسمها حتى بحّ صوته:— "عَفْرااااء!"لكن انفجاراً نفطياً هائلاً اندلع بينهما، محولاً الأخدود إلى بحرٍ من اللهب يتصاعد منه الدخان الأسود الكثيف، ليقطع الاتصال السحري والجسدي بينهما بالكامل، ويشتت الجمع تحت وطأة الهزيمة والدمار.«لَيْسَ الفِرَاقُ سَهْمًا يُصِيبُ الجَسَدَ فيَرْتَاحُ بالمَوْ







