All Chapters of الجَهَم(حيث لا ترحم القلوب، ولاتجف الدماء) : Chapter 1 - Chapter 10

13 Chapters

تمهيد

​"يقولون إن الصحراء لا تذكر أسماء قتلاها، لكنها لا تنسى أبداً أثر الدم الأول."​لم تكن نيران الحرب بين آل هَزّام وآل ذُهْل شرارةً أُشعلت بالأمس، بل كانت جمراً يتوهج تحت رماد قرن كامل من الثأر والذبح. كانت أرضاً تُسقى بالسيف، وسماءً لا تمطر إلا غضباً.​في تلك البقعة السوداء من العالم، حيث تُقاس هيبة الرجال بعدد الرؤوس التي يقطعونها، وُلد "الجَهْم"—مُهاب. رجلٌ أُفرغت منه الرحمة كغمد أُسلَّ منه السيف، حتى صار وجهه كليلةٍ لا نجم فيها، وقلبه حجراً لا ينبض. كان يرى في السيف حلاً وحيداً لكل شيء، وفي قبيلة آل ذُهْل دناسةً يجب محوها عن وجه التراب.​لكن الأقدار لا تُحاك في ميادين القتال وحدها.​ففي المعبد العتيق المنزوي خلف أودية الرماد، كانت عَفْراء تنسج سحرها المحرم. لم تكن مجرد امرأة ترتجف عند سماع صهيل الخيل، بل كانت كاهنة الدماء الأخيرة؛ تملك من الأسرار ما هو أشدّ فتكاً من ألف حديد.​ليلة اكتمال القمر المدمّى، حين التقت شفرة الجَهْم بروح الكاهنة، لم تسقط قطرة الدم على الأرض... بل سقطت في نسيج القدر، لتربط الموت بالحياة، والهوس بالانتقام.​هناك، حيث لا ترحم القلوب... ولا تجف الدماء.كانت ال
last updateLast Updated : 2026-09-19
Read more

2

​لم يكن يحميها رحمةً بها، بل كان يحمي حبل حياته المربوط بعنقها.​ألقى بها فوق ظهر جواده الأسود الشامخ، ثم قفز خلفها، محيطاً بجسدها الضئيل كالسجن. انطلق الجواد بركضٍ حثيث وسط صحراء الرماد، متجهاً نحو ديار آل هزّام.وصل الموكب مع هبوط الليل الكاحل. كانت خيام آل هَزّام تمتد كبقع سوداء فوق هضبة مرتفعة، وتتوسطها خيمة "الجَهْم" الضخمة المصنوعة من شعر الإبل الأسود، والمحاطة بحراس لا يغمض لهم جفن.​ألقى مُهاب بـ عَفْراء داخل الخيمة بقسوة، فتداعت على السجاد العتيق. أغلقت سدلة الخيمة، وعمّ المكان هدوءٌ ثقيل لا يقطعه إلا صوت صرير المشاعل وتنهدات الريح في الخارج.​كانت الخيمة مظلمة، يفوح منها عبق الجلد المشدود، الزيت القديم، ورائحة الدم الخاثر.​جلس مُهاب على مقعد خشبي عريض، وسحب سيفه ليبدأ بمسح الدم عن نصله بقطعة قماش. كان يتجاهل وجودها ظاهرياً، لكن عيناه الحادتان كانتا تراقبان كل رفة جفن منها.​فجأة، تحركت عفراء ببطء، وحاولت النهوض للوصول إلى جرة الماء القريبة.​مع كل حركة صغيرة منها، كان مُهاب يشعر بشدٍّ غريب في عضلات ظهره، كأن ثقلاً خفياً يكبله! ألقى بقطعة القماش أرضاً، وقام ببطء متجهاً نحوها
last updateLast Updated : 2026-09-19
Read more

3

​قدمت عفراء رأسها المجهد نحو مصدر الصوت، وعيناها الرماديتان تلمعان وسط الظلام بألمٍ ممزوج بتحدٍّ مجنون. وقالت بحشرجة صوت مسموم:​ "لقد... طُعنت يا ابن هَزّام... والسُّم الذي يفور في دمك... يحرق أحشائي أنا أيضاً!"​جثا مُهاب على ركبتيه أمامها مباشرة. خارت قواه لأول مرة أمام امرأة. وضع يده الضخمة المدماة على فكها، ورفعه لينظر في عينيها عن قرب شديد. كانت أنفاسهما المجهدة تتلاحق وتختلط، وضربات قلبيهما المتسارعة تسير على إيقاع واحد مرعب!​قال بصوت خفيض بحشرجة القوة المحتضرة: "تتألمين؟... ممتاز. إذن تعلمين أن أي محاولة غدر منكِ... ستحرقكِ معي في نفس النار."​ابتسمت عفراء رغم ألمها الحارق، وقربت شفتيها المشتعلتين بالحُمّى من أذنه وهسست:"إن أردتَ أن تنقذ نفسك وتعيش لتقتل المزيد منا... عليك أن تُخرج السُّم من جرحك الآن... لأنني إن ماتت روحي تحت هذا السُّم، فستسقط جثة هامدة بجواري فوراً."​تراجع الجَهْم قليلاً، ونظر إلى جرح كتفه، ثم إلى جرحها.​سحب خنجره الصغير من حزامه، وقرب نصله من نار الشمعة المتبقية في الخيمة حتى أحمرّ الحديد وغدا جمراً متوهجاً.​نظر إليها بنظرة حادة لا رحمة فيها، وقال:
last updateLast Updated : 2026-09-19
Read more

4

​ترجل الجَهْم ببطء، وساعد عفراء على الهبوط. كانت شفتاها زرقاوين من البرد والألم.​نظر إليها في ظلام الكهف الضيق، وقدم لها عباءته الجلدية الثقيلة الملطخة بدمائه. ألقاها على كتفيها بصرامة دون أن ينظر في عينيها مباشرة، وقال بصوت بحّ فيه الصداقة مع الموت: "ارتديها... إن متِ من البرد، فستنخفض حرارة جسدي حتى أتجمّد معكِ. لا تجعلي موتي على يد البرد بسبب ضعفكِ."​أخذت عفراء العباءة، ولفّتها حول جسدها المنهك، وابتسمت بسخرية دافئة رغم الألم:​"قسوتك هذه يا ابن هَزّام... هي حيلتك الوحيدة لكي لا تعترف بأنك تخاف عليّ الآن."​قبل أن يرد مُهاب بكلمة، انبعث من عمق الكهف المظلم صوتُ صفيرٍ غريب... تبعته ضحكة خفيفة جافة كاحتراك الحطب.​برز من بين الظلال ظلُّ رجلٍ نحيل، يرتدي ثياباً من جلد الأفاعي، وعلى وجهه قناع خشب عتيق يحجب نصفه الأيسر. يمسك في يده عوداً عظمياً صغيراً وينقر عليه بأصابع مشوهة.​كان هذا "طَارِقُ اللَّيْل"—العَرّاف المنبوذ وقائد شبكة "العِربان السود"، الرجل الذي يعرف أسرار طقوس الدم وسلالات الكاهنات أكثر من أي شخصٍ حي!​توقف طَارِق على بُعد بضع خطوات، وتأمل الوهج الأحمر الخافت الذي ينبض
last updateLast Updated : 2026-09-19
Read more

5

​عندما رفع القائد سيفه ليسدد ضربة قاضية نحو عنق عفراء، شعر "الجَهْم" بانقباضٍ حاد في صدره تحذيراً من الخطر. وبدلاً من أن يتفادى السيف الموجه إليه هو، قفز بجسده الضخم في الهواء كالعاصفة، وسحب عفراء بذراعه القوية ليُديرها في الهواء تحته!سدد مُهاب ضربة سيف قاطعة باتجاه قائد الصيادين فبتر سيفه ونصف صدره!​وفي نفس اللحظة وهي طائرة في الهواء بحضنه، غَرَسَت عَفْراء خنجرها العظمي في عين الصياد الثاني المتربص بظهره!​سقط الجثتان في الهاوية السحيقة بصوت اختفى وسط صداء الجبال.​كان الانضباط السحري بينهما مهولاً؛ كل ألم يصيب أحدهما يُنبّه الآخر بالخطر قبل وقوعه بمقدار رمشة عين!​تبصّر الصيادان المتبقيان هذا العجب، فتراجعا خطوتين للخلف بذهولٍ ورعب، وصرخ أحدهما بنبرة مرتجفة:"هذا ليس قتالاً... إنها لعنة! الجَهْم والكاهنة يقرآن أفكار بعضهما!"​استلّ مُهاب أنفاسه الثقيلة، والدم المالح يقطر من جبهته، ونظر إلى الصيادين بعينين تلمعان بغضبٍ كاسر، وقال صوته كالرعد:"ارجعا إلى طَلاَل الموت... وقولا له: إن أراد رأس أخته ودم الجَهْم، فليأتِ بنفسه... ولا يبعث كلاباً لتنوب عنه!"​قبل أن يتفوّها بكلمة، ضرب مُه
last updateLast Updated : 2026-09-19
Read more

6

​تداخل صليل الحديد مع صخيب الرياح المحملة بالرماد.​ارتدّ الجَسَدان للوراء خطوتين. كان طَلاَل يحمل قوة غاشمة وعاطفة أعمى يُحرّكها الحقد والنخوة الثائرة، لكن مُهاب وعَفْراء كانا يقاتلان بيقين سحري أعمق؛ يرى كل منهما حركة الآخر في ذهنه قبل أن تحسبها جوارحه!​انقض طَلاَل مجدداً بضربة جانبية متوحشة تستهدف خصر مُهاب.​في تلك الوهلة، استشعرت عَفْراء مسار الهجوم عبر نبض الحميّ المتبادل في صدرها! بدون تفكير، اندفعت كالسهم وغرست خنجرها العظمي في حلقة الدرع المتمفصلة تحت إبط أخاها طَلاَل!​ "آغغغ!"​صرخ طَلاَل بألمٍ مفاجئ، وتشتت تركيزه لجزء من الثانية! كانت كافية لـ "الجَهْم"؛ استغل الثغرة ووجه ركلة حارقة ومباشرة إلى صدر طَلاَل، أطارت به متدحرجاً على حجارة الوادي المسنونة!​صدمة ذهول أخرست مئات الفرسان من آل ذُهْل المقنعين بالظلال! قائدهم الذي لا يُقهر يترجل على الأرض أمام عيني كاهنتهم وخصمهم الأزلي!​رفع طَلاَل رأسه والدم يقطر من فمه، ينظر إلى أخته بعينين متقدتين بجنون الخيبة والغضب، وقال بصوت حشرج بالدماء:​ "تغرسين نصلكِ في جسد أخيكِ... من أجل هذا الغريب الذي استعبدكِ؟"​وقفت عَفْراء بينه وب
last updateLast Updated : 2026-09-20
Read more

7

فإن 'عهد الجَهَم' سيصل إلى ذروته: إما أن يُفك الرباط وتعودا غريبين كما كنتما... أو تتحد أرواحكما إلى الأبد في جسدٍ وسيفٍ واحد!"​تلاقت أعين مُهاب وعَفْراء. في تلك اللحظة الخاطفة، أحسا بشيء أعمق من الخوف؛ كأن الساعات القليلة التي قضاها معاً في الدم والحروب قد نسجت بينهما رابطاً يتجاوز طقس السحر وحقد القبيلتين.​قال مُهاب بنبرة خفيضة، وعيناه النافذتان تصطدمان بحدقتيها الرماديتين:​"أتخافين من عودة حريتكِ يا كاهنة؟ أن ترجعي كما كنتِ... بلا الجَهْم في صدركِ؟"​ردت عفراء وهي تضع كفها على صدره المدمى فوق موضع النبض المشترك، وقالت بصوت يقطر شجاعةً وسوداوية:​ "أنا لم أعد أعرف من أكون بدون هذا الألم يا ابن هَزّام... الحرية التي تبعدني عن نَبْضِك، هي مجرد سجنٍ آخر أرفض لدخوله!"​​دخلوا إلى قاعة المحراب العظمى. كانت الجدران مغطاة بطلاسم حمراء تتوهج بالظلام، وفي المنتصف يربض "مذبح الأضحية"—حوضٌ حجري عملاق يمتلئ بدمٍ قديم لا يجف.​لكن المحراب لم يكن فارغاً!​يقف خلف المذبح شيخان طاعنان في السن يرتديان مسوحاً سوداء، ويمسكان بـ "شعال كاهنات آل ذُهْل" و**"تمائم آل هَزّام"**. هما شيوخ الظلام الذين ح
last updateLast Updated : 2026-09-20
Read more

8

​«مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ بَتْرَ العَهْدِ الَّذِي كُتِبَ بِالدَّمِ... يَنْسَى أَنَّ السيُوفَ تَنْكَسِرُ عَلَى أَعْتَابِ القُلُوبِ الَّتِي تَعَلَّمَتْ كَيْفَ تُقَاتِلُ المَوْتَ مَعًا!» دوت طبول الحرب في ساحة حصن الصخيرة، واشتعلت المشاعل فوق الأسوار العالية لتضيء ليل جبال الرماد الداجي. ​كانت الخطط تُحاك في قاعة العرش الحجري. انطرحت خريطة المنطقة الجلدية فوق المائدة، وحولها يقف "الجَهْم"، عَفْراء، وطَلاَل الموت، بينما كان العرّاف طَارِق يذرع القاعة جيئة وذهاباً، ينقر بأصابعه المشوهة على عوده العظمي. ​أشار طَلاَل بيده الضخمة نحو ممر ضيق على الخريطة يُدعى "مخنق الموتى"، وقال بصوته الجهوري: ​— "عشرة آلاف فارس لا يستطيعون التحرك في الجبال بكامل قوتهم... سيضطر 'الصَّمْصَام' لتقسيم جيشه والتسلل عبر هذا المخنق الضيق. إن حاصرناهم هناك، أكلناهم لقماً سهلة!" ​ردت عَفْراء بصوتٍ هادئ وعينين تتوهجان بالدهاء الكاهني: ​— "الصَّمْصَام ليس أحمقاً يا أخي... هو يعرف أننا نتوقع منه دخول المخنق. لذلك سيرسل طليعة من فرسانه للتضحية بهم، بينما يلتف هو بجيشه الرئيسي عبر 'صحراء الرماد المالح' لضرب
last updateLast Updated : 2026-09-21
Read more

​🩸 الفصل التاسع: عرشٌ فوق الحطام

كان الليل يلقي بسدوله الثقيلة فوق "حصن الصخيرة"، الحصن العتيد الذي بات يتوسط جبال الرماد كعملاقٍ من الصخر الفولاذي الشاخص نحو السماء. لم تكن الرياح التي تهب عبر الممرات الصخرية سوى صدى لمعارك صامتة لم تُخمد نيرانها بعد. على الرغم من انقضاء أيامٍ على انجلاء غبار معركة "صحراء الرماد المالح" وسحق فرسان "عشيرة السِّباع"، إلا أن رائحة الدم المحترق والرماد المالح كانت لا تزال تعلَق بأسوار الحصن، وتُذكّر الجميع بأن الملك الذي يُبنى على جثث الأعداء يحتاج إلى حراسةٍ لا تنام.​في أعلى برجٍ من أبراج الحصن الشاهقة، كان مُهاب "الجَهْم" يقف شاهقاً، مستنداً بكفيه القويتين على الشرفة الحجرية. كان يرتدي عباءته الصوفية السوداء المبطنة بجلد الفهد، وتحتها درعه الفولاذي الذي يحمل ندوب السيوف والحروب القديمة. كانت عيناه النافذتان كالصلب البارد تسبران غور الوادي المظلم الممتد تحت قدميه. لم يكن يرى الحصن مجرد ملاذٍ حربي، بل كان يراه النواة الأولى لشيءٍ أعظم وأخطر... «سلطنة الدم الأسود».​تحرك الجَهْم ببطء، ويده اليسرى تلامس مقبض سيفه الضخم. كان يتنفس بإيقاعٍ منتظم، لكنه كان يشعر بتلك النبضة الخفية التي تسري
last updateLast Updated : 2026-09-21
Read more

🩸 الفصل العاشر: ظِلاَلُ الرَّغْبَةِ وَالدَّم

كانت الليلة تسري برودةً ووحشة في قاعة العرش الخاصة داخل "حصن الصخيرة". خفتت طبول الحرب في الصحن الأسفل، وغرق الحصن المنيع في صمتٍ ثقيل إلا من حفيف الرياح الأثيرية التي تنوح بين الصخور، وصوت طقطقة الخشب المحترق في الموقد الحجري الضخم الذي كان يرسل ظلالاً قرمزية دافئة على الجدران العارية.​توارى الخوف والفرسان، وبقيت القاعة حكراً على جسدين ربطهما القدر برباطٍ أعمق من الموت نفسه.​كان مُهاب "الجَهْم" قد خلع درعه الفولاذي الثقيل وعباءته الصوفية. يقف أمام الموقد بسرواله الجلدي وقميصه الكتان المفتوح عند الصدر، مبرزاً العضلات المفتولة والندوب الشائرة التي رسمت على جسده خريطة معارك لا تنتهي. كان يمسك بقطعة قماشٍ يمسح بها نصل سيفه العريض ببطء ورصانة، لكن تركيزه لم يكن على الصلب البارد... بل كان معلقاً بالحضور المشتعل الذي يملأ أركان الغرفة.​على الطرف الآخر، عند حوض الماء الدافئ المعطر بأوراق الشيح والرماد، كانت عَفْراء تقف أمام المرآة النحاسية. فكت عقدة ردائها الكاهني الأسود، ليتساقط الثوب الرطب ببطء وثبات سالباً ظلال الكتفين، ويكشف عن بشرتها الخمرية الصافية ونعومة جسدها الممشوق الذي تعالت عل
last updateLast Updated : 2026-09-22
Read more
PREV
12
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status