Masuk
نظرت كاميليا إلى جميلة، مدركة أن ذلك لم يكن سوى عذر.ففي هذه الغرفة ذكريات أجمل لحظاتهما معًا، وربما خشيت جميلة أن تستعيدها، فتزداد معاناتها ويصعب عليها النوم طوال الليل.أومأت كاميليا برأسها، ثم طلبت من السائق إيصال جميلة إلى منزلها.وفي طريق العودة، ظلت جميلة تحدق من نافذة السيارة، غارقة في أفكارها.كانت أضواء الطريق متناثرة في الليل، وتلقي ظلالها المتداخلة على وجهها مسحة من الغموض والحزن.تذكرت جميلة الأيام التي كانت تعود فيها إلى المنزل مع قاسم.كانا دائمًا يتصرفان بعجلة، وكأنهما يريدان اختصار عمر كامل في لحظة واحدة.سواء عند لقائهما، أم حين سجلا زواجهما، أم عند فراقهما.وحين توقفت السيارة عند الإشارة الحمراء، توقفت سيارة أخرى بمحاذاتها.نظرت جميلة عبر النافذة، وخُيل إليها أنها لمحت وجهًا مألوفًا. فعقدت حاجبيها قليلًا، وظنت للحظة أنها تتوهم ما تراه.لكن قبل أن تستوعب ما حدث، كانت السيارة المجاورة قد انعطفت بالفعل إلى طريق آخر."اتبع تلك السيارة!"أمرت جميلة السائق على عجل.لكن يبدو أن سائق السيارة الأخرى لاحظ أنهما يتبعانه، فغير مساره عدة مرات، ثم استغل التقاطع التالي واختفى عن الأ
وفوق ذلك، لم تعد نادين هذه المرة إلا من أجل قاسم.وحين رأى حمدي أن جميلة متمسكة بموقفها، لم يواصل النقاش. وكل ما تمناه هو ألا تخون نادين ثقتها بها.في المساء، وبعد أن أنهت جميلة أعمالها في مجموعة درويش، عادت إلى منزل عائلة درويش.فطوال الأيام الماضية، لم تجرؤ على زيارة الجدة سندس والجد شاكر، خشية أن توقظ رؤيتهما في نفسها ذكريات مؤلمة وتزيد حالتها النفسية سوءًا.لكنها استعادت توازنها إلى حد كبير، ولم يعد من المناسب أن تواصل تجنب زيارتهما.ما إن علمت كاميليا أن جميلة ستزورهم حتى أعدت مائدة مليئة بالأطباق الشهية.حتى جمال عاد إلى المنزل في وقت أبكر من المعتاد، وساعد في إعداد مائدة الطعام.لكن كان هناك طبق وملعقة إضافيان على المائدة."ألم يقل قاسم إنه مسافر في رحلة عمل؟ هل سيعود الليلة؟"ما إن رأت الجدة سندس الطبق والملعقة الإضافيين حتى لمعت عيناها بالمفاجأة والفرح.تبادلت كاميليا وجمال نظرة سريعة، ثم قال جمال للخادمة: "وضعت أدوات طعام إضافية عن طريق الخطأ، أزيليها. لن يعود قاسم اليوم."التزمت جميلة الصمت، لكن حديثهما آلمها بشدة.خفضت جميلة رأسها، وأمسكت الجدة سندس بيدها وأبقتها إلى جوارها
هم حمدي بالكلام، لكنه ندم على الفور.هل أخطأ في اختيار كلماته قبل قليل؟كل ما تمناه الآن ألا يكون قد تسبب في أي سوء فهم....بعد الظهر، طلبت جميلة من حمدي أن يوصل بعض المستندات إلى نادين.ما إن خرج حمدي من موقف السيارات حتى لمح شخصًا مألوفًا يخرج من بهو الفندق.تفاجأ حمدي حين أدرك أن تلك المرأة كانت أميرة.ماذا تفعل هنا؟هل يعقل أنها جاءت للقاء نادين؟ساور حمدي الشك، وحين رأى نادين، أخذ ينظر إليها بريبة وتساؤل."لماذا تحدق بي طوال الوقت؟ هل هناك شيء على وجهي؟"رغم أن نادين كانت منشغلة بتصفح المستندات، فإنها لاحظت نظرات حمدي بطرف عينها.صحيح أن نادين كانت مستاءة منه بعض الشيء، لكنها قررت، مراعاةً لقاسم وجميلة، أن تتجاوز عن الأمر هذه المرة بعد ما قاله لها في السيارة."لا، لا شيء."أشاح حمدي بنظره سريعًا، ثم حك أنفه في حرج.رفعت نادين رأسها، وقالت: "حسنًا، لقد استلمت المستندات. يمكنك الانصراف الآن.""سيدة نادين.""ماذا؟"تردد حمدي لحظة، لكنه قرر في النهاية أن يسألها: "هل قابلت أحدًا قبل قليل؟""من؟" سألت نادين باستغراب."عندما جئت إلى هنا، رأيت أميرة تخرج من الفندق. هل..."نظرت نادين إليه
لماذا تهتم إلى هذا الحد بأمر مجرد مساعد؟بعد أن انتهت جميلة ونادين من تناول الغداء، طلبت جميلة من حمدي أن يوصل نادين إلى منزلها أولًا.وقبل أن تغادر، شددت جميلة على نادين مرة أخرى ألا تفشي ما حدث لقاسم بأي حال من الأحوال قبل انتهاء المناقصة.كادت نادين تقع في فخ أميرة قبل قليل، لذا أصبحت أكثر حذرًا.أومأت نادين برأسها، وقالت لجميلة: "اطمئني."من أجل قاسم، كانت نادين مستعدة هذه المرة للالتزام بكل ما تطلبه منها جميلة.في طريق العودة، لاحظت نادين أن حمدي أكثر توترًا من المعتاد؛ فمنذ أن ركبت السيارة وحتى وصولهما، لم يبادر إلى الحديث معها ولو بكلمة واحدة تقريبًا.وحتى حين التقت عيناهما مصادفة، كان حمدي يسارع إلى صرف نظره عنها.وكأنه بات يعاملها حقًا كما لو كانت وباء يخشى الاقتراب منه.وسرعان ما وصلا إلى الفندق الذي تقيم فيه نادين.فتح حمدي قفل باب السيارة، ثم انتظر بصمت أن تنزل نادين من دون أن ينبس بكلمة."هل تكرهني إلى هذه الدرجة؟"لم تعد نادين قادرة على كتمان ما بداخلها، فسألته مباشرة.تجمد حمدي للحظة، ثم قال مرتبكًا: "سيدة نادين، لماذا تقولين هذا؟ كيف أجرؤ على...""كيف تجرؤ؟ في كل مرة تر
لم ترد جميلة على اتهامات أميرة، بل اكتفت بابتسامة ساخرة، كانت أشبه بصفعة قوية على وجه أميرة، وكأنها أهانتها من دون أن تنطق بكلمة.عقدت أميرة حاجبيها، فقد كان أفراد الأمن يمسكون بها بإحكام، فلم تستطع التحرك رغم محاولاتها الإفلات منهم.اقتربت نادين منها، وقالت بسخرية: "لم أكن أعرف أن الوقاحة قد تصل إلى حد اتهام المذنب للآخرين بذنبه! أما انعدام المبادئ، فلا داعي لأن تذكرينا به، فأنتِ آخر من يحق له الحديث عنه، بل إن وصفك به يعد مجاملة لك!""جميلة، علمت أن قاسم يعاني من مرض خطير. أنا قلقة عليك حقًا. لقد بذلت جهدًا كبيرًا حتى تمكنت أخيرًا من الزواج، فهل يعقل أن تصبحي أرملة بعد كل هذا، وفي وقت مبكر إلى هذا الحد؟"اشتد غضب أميرة، لكنها أدركت أن مجادلة نادين لن تفيدها في شيء، فواصلت توجيه كلامها إلى جميلة، متعمدة نطق كل كلمة ببطء ووضوح.لكن جميلة أرخت قبضتها على وجنتي أميرة بدلًا من أن تزيد ضغطها عليهما.واتسعت ابتسامتها أكثر، من دون أن يبدو عليها أدنى تأثر بكلمات أميرة.ما إن أنهت أميرة كلامها حتى تركت جميلة وجهها، وكأنها لم تعد ترغب في إضاعة المزيد من الوقت معها.وحين رأت أميرة جميلة تستدير،
ما إن بدأت أميرة الكلام حتى عقدت نادين حاجبيها بضيق، ولم تستطع إخفاء استيائها.كانت قد سمعت بعض ما حدث لجميلة، ورغم أنها لم تكن تعرف التفاصيل جيدًا، فإنها كانت تتذكر مدى حقارة أحمد وأميرة ومدى الاشمئزاز الذي يثيرانه.كانت نادين تظن أن فضائح أحمد وأميرة قد انتشرت على نطاق واسع، إلى حدٍ لم يعودا معه يجرؤان على البقاء في مدينة المرجان.لكنها لم تتوقع أن تجرؤ أميرة على العودة إلى مدينة المرجان، فضلًا عن أن تصبح واحدة من العاملين في مجموعة الأفق.وبعد كل ما فعلته، لا تزال تتظاهر بالندم وتأتي للاعتذار؟أليست هذه محاولة متعمدة لإثارة الاشمئزاز واستفزاز الآخرين؟نظرت نادين إلى جميلة، وشعرت فجأة بالإعجاب بقدرتها المذهلة على ضبط أعصابها.قالت جميلة بسخرية: "تقولين إننا في الموقف نفسه؟ يبدو أنكِ بارعة حقًا في تبرئة نفسك وتحسين صورتك!"وما إن حاولت أميرة التقدم خطوة إلى الأمام حتى أمسك بها عدد من أفراد الأمن من ذراعيها، منتظرين أوامر جميلة.ولم تستطع نادين منع نفسها من الضحك بسخرية، وقالت: "يبدو أنني لم أختبر الكثير من هذه الدنيا بعد. فقد رأيت أشخاصًا دنيئين، لكنني لم أرَ في حياتي شخصًا بهذه الدنا
"أنتِ…!"تلعثمت حورية لوهلة، ولم تعرف ماذا تقول.فجميلة اعتادت الصمت والخضوع دائمًا، كيف أصبحت فجأة اليوم فصيحة وواعية لما تقول؟وما زاد الطين بلة أنها كانت تعرف أن انتقالها للخروج من منزل أحمد وترك الشركة، سيجعل والدتها تبدو هي غير المعقولة."حسنًا يا أمي، عندما تختار بهيرة المطعم الذي تريد أن تأكل
"مما أنت خائفة؟"التفت أحمد إليها، واحتضنها بحنان، صوته دافئ وكأنه قادر على إذابة كل الجليد."أخشى أن يتدخل أفراد عائلتك ويمنعونا من البقاء معًا، أخشى أن أعيش أنا وحازم بلا اسم ولا حق طوال العمر، وأخشى أنه عندما أشيخ، قد تغير قلبك..."خفضت أميرة عينيها، وكادت كلماتها تختنق بالعبرة عند حديثها."لن يح
حين همّت جميلة بالصعود إلى السيارة، رتَّب أحمد ملامحه بسرعة، مستعدًا للذهاب معها.اعتادا الذهاب معًا إلى الشركة في كل صباح."دع مساعدك يوصلك، أنا مرتبطة بموعد مع سمسار العقارات. سأذهب لرؤية المنزل." قالت جميلة بهدوء.توقف أحمد للحظة، وقال متفاجئًا: "لكن لدينا اجتماع مهم في الشركة اليوم..."قاطعته جم
لم يكن لدى جميلة وقت لتدرك ما يحدث، قبل أن يصبّ عليها حازم عصير الفاكهة في وجهها!على الفور، هرع الخدم لمساعدتها في التنظيف."حازم!" صرخ أحمد بغضب، ففزع الطفل وركض إلى الطابق العلوي كالريح.عندما همّ بملاحقته، نهضت أميرة سريعًا لتوقفه: "أحمد، إنه مجرد طفل، لا يمكن استخدام العنف لتربيته. سأذهب لأطمئن







