Masukظلت تريل تحدق في كلمات أبيها، وكأنها تحاول أن تجد بين الحروف تفسيرًا لما يحدث حولها.
مد جاسر يده وأمسك بالكتاب بهدوء.
"عمران كان يعرف أن هذا سيحدث."
قال سالم بصوت منخفض:
"كان يعرف أكثر مما أخبرنا به."
قلب جاسر الصفحات بحذر، حتى وصل إلى صفحة كانت مختلفة عن باقي الصفحات.
لم تكن تحتوي على حكاية...
بل على أسماء.
أسماء كثيرة من عائلات قديمة، وبجانب بعضها علامات غريبة.
قالت تريل:
"ما هذه العلامات؟"
اقترب سالم.
ثم تغيرت ملامحه.
"هذه ليست أسماء..."
نظر إليه جاسر.
"إذن ماذا تكون؟"
أجاب سالم:
"هذه قائمة بمن حملوا العهد عبر السنين."
سكت لحظة.
"وبعضهم لم يكمل الطريق."
شعرت تريل بالقلق.
"ماذا يعني لم يكمل؟"
لم يجب سالم.
لكن جاسر لاحظ شيئًا في أسفل الصفحة.
اسم قديم كان مشطوبًا بعناية.
اقترب أكثر.
ثم اتسعت عيناه.
"سالم..."
اقترب سالم، وما إن رأى الاسم حتى تجمد.
قالت تريل:
"من هذا؟"
أجاب سالم بصوت متردد:
"أول شخص خان العهد."
ساد الصمت.
ثم سألت تريل:
"ولماذا شطبوا اسمه؟"
أغلق سالم الكتاب قليلًا.
"لأن الحقيقة كانت أخطر من أن تُكتب."
في تلك اللحظة...
تحركت إحدى صفحات الكتاب وحدها.
ظهرت كلمات جديدة أمامهم، كأن يدًا خفية تكتبها:
"الحارس الذي يخشى فقدان الآخر... هو الحارس الأقرب للخيانة."
نظر جاسر إلى تريل.
ونظرت هي إليه.
لأول مرة...
لم يكن الخطر خارج القصر فقط.
بل بدأ الشك يتسلل بينهما.
لكن قبل أن يقول أحدهما شيئًا...
جاء صوت مألوف من خلف الباب:
"كنت أعلم أنكم ستصلون إلى هنا."
استداروا جميعًا.
وكان الشخص الواقف عند الباب...
شخصًا لم يتوقعوا رؤيته أبدًا.د
---
ظل الجميع ينظر إلى الشخص الواقف عند الباب.
لم يتكلم أحد.
حتى صوت الرياح التي كانت تضرب نوافذ القصر بدا وكأنه اختفى.
تقدمت تريل خطوة إلى الأمام، وعيناها لا تفارقان القادم.
"أنت؟"
ابتسم الشخص ابتسامة هادئة، لكنها لم تحمل أي طمأنينة.
"يبدو أنكم وجدتم الطريق أخيرًا."
شد جاسر قبضته، ووقف أمام تريل بحذر.
"كيف دخلت إلى هنا؟"
نظر إليه القادم بهدوء.
"لأن هذا المكان يعرفني."
ساد الصمت.
تبادل سالم وجاسر النظرات.
قال سالم بصوت متوتر:
"هذا غير ممكن..."
التفت إليه الشخص.
"مر وقت طويل يا سالم."
تغير وجه سالم.
وكأن صوتًا من الماضي عاد فجأة أمامه.
قالت تريل:
"من أنت؟"
اقترب الرجل ببطء، ونظر إلى الكتاب فوق الطاولة.
"أنا الشخص الذي حاولوا محو اسمه من تاريخ العهد."
نظرت تريل إلى الصفحة التي تحمل الاسم المشطوب.
ثم عادت بعينيها إليه.
"أنت..."
أكمل هو:
"أنا الحارس الذي ظن الجميع أنه اختفى."
تقدم جاسر بحذر.
"ولماذا عدت الآن؟"
نظر الرجل إلى جاسر وتريل.
ثم قال:
"لأن العهد استيقظ مرة أخرى."
توقف لحظة.
"ولأنكما لم تعرفا بعد الثمن الحقيقي الذي ينتظركما."
وفي تلك اللحظة، بدأ الكتاب فوق الطاولة يُقلب صفحاته وحده...
حتى توقف عند صفحة جديدة.
وكانت تحمل جملة واحدة:
"عندما يعود الحارس المنسي... يبدأ الاختبار الأخير."
ظلّت الكلمات على الصفحة مضيئة للحظات، ثم خفت نورها تدريجيًا.
اقتربت تريل من الكتاب.
"من أنت؟ وما الذي تريده منا؟"
نظر الحارس المنسي إليها طويلًا.
"اسمي أدهم."
تغيرت ملامح سالم فور سماعه الاسم.
"أدهم... أنت كنت..."
توقف.
كأنه لم يستطع نطق باقي الجملة.
قال أدهم بهدوء:
"كنت الحارس الثاني... قبل أن يقرروا أن يجعلوني الخائن."
نظر جاسر إليه بحذر.
"ولماذا نتأكد أنك تقول الحقيقة؟"
ابتسم أدهم ابتسامة حزينة.
"لأنك تشبهه كثيرًا."
قطب جاسر حاجبيه.
"من؟"
نظر أدهم إلى العلامة الموجودة على يد جاسر.
"الحارس الذي حمل العهد قبلك."
ثم نظر إلى تريل.
"وأنت تشبهين والدك أكثر مما تظنين."
تراجعت تريل قليلًا.
"أبي كان يعرفك؟"
ساد الصمت.
ثم قال أدهم:
"عمران لم يكن يحاول إخفاء الحقيقة عنكِ... كان يحاول حمايتكِ منها."
فتحت تريل الكتاب مرة أخرى.
وجدت صفحة لم تكن موجودة من قبل.
وفي أعلاها كان خط أبيها.
"تريل... إذا قرأتِ هذه الكلمات، فهذا يعني أن الوقت قد حان لمعرفة الحقيقة."
توقفت أنفاسها.
بدأت تقرأ بصوت منخفض:
"العهد لا يختبر قوة الحارسين... بل يختبر اختيارهما."
نظر جاسر إليها.
"اختيارهما؟"
قلبت الصفحة.
لكن باقي الكلمات كانت ممزقة.
قال أدهم:
"لأن في النهاية... سيطلب العهد من أحدكما قرارًا لا يمكن التراجع عنه."
ساد الصمت.
ثم سُمع صوت قوي من خارج الغرفة.
صوت شيء يقترب من القصر.
رفع سالم رأسه فجأة.
"لقد وجدنا."
أمسك جاسر بسيفه.
"الساحر؟"
نظر أدهم نحو الباب.
"نعم..."
ثم أضاف بصوت منخفض:
"لكنه لم يأتِ وحده."
ابتسم جاسر وهو يمسك يد تريل، وقال وهو ينظر في عينيها: "لو كنتِ هتيجي بالشكل ده... كنت مستعد أستنى العمر كله." احمرّ وجه تريل، وابتسمت له ابتسامة صغيرة، لكنها أخفت خلفها خوفًا لم يفارق قلبها منذ أن قرأت كلمات الدفتر الأسود. تقدم المأذون بخطوات هادئة، ثم جلس أمامهما وقال: "بسم الله... نبدأ." ساد الهدوء في أرجاء الحديقة، وانخفضت أصوات الحضور، ولم يعد يُسمع سوى صوت المأذون وهو يبدأ إجراءات عقد القران. وقف سالم خلف جاسر، يراقب المكان بعينين لا تعرفان الراحة، وكأن قلبه يخبره أن شيئًا ما سيحدث. أما تريل... فشعرت فجأة بحرارة تسري في معصمها. نظرت سريعًا... فوجدت العلامة القديمة بدأت تضيء بضوء خافت. أغلقت يدها عليها بسرعة حتى لا يراها أحد. رفعت رأسها نحو جاسر... فلاحظت أن علامته هو الآخر بدأت تظهر أسفل كم بدلته، لكنها كانت خافتة لدرجة أنه لم ينتبه لها. همست لنفسها: "بدأ..." حاولت أن تتمالك نفسها، وابتسمت حتى لا يلاحظ جاسر شيئًا. قال المأذون: "يا أستاذ جاسر... هل تقبل..." وقبل أن يكمل... صدر صوت محركات سيارات توقفت أمام بوابة القصر. التفت الجميع في اللحظة
مرت الأيام التالية، وكانت تريل تحاول أن تخفي القلق الذي يسكن داخلها. كانت تبتسم أمام الجميع، وتضحك مع جاسر، وكأن كل شيء عاد طبيعيًا... لكن في داخلها كانت تخوض حربًا لا يراها أحد. كان جاسر يعرفها أكثر من أي شخص آخر. وفي إحدى الليالي، وجدها تقف أمام نافذة غرفتها، تحدق في الظلام الذي يحيط بالقصر. قال بهدوء: "تريل... هناك شيء تخفينه عني." التفتت إليه بسرعة. "لا... ليس هناك شيء." اقترب منها ونظر في عينيها. "منذ متى وأنتِ تكذبين عليّ؟" صمتت طويلًا، ثم اتجهت إلى الخزانة، وأخرجت الكتاب القديم، ووضعته بين يديه. فتح جاسر صفحاته، وما إن وقعت عيناه على الكلمات الجديدة حتى تغيرت ملامحه. "الحب جمع الحارسين... لكنه أيقظ الثمن." رفع رأسه إليها. "ماذا يعني هذا؟" همست بصوت مرتجف: "رأيت النهاية يا جاسر..." "أي نهاية؟" أغمضت عينيها وهي تقول: "رأيت أننا إذا بقينا معًا... سيدفع أحدنا الثمن." ساد الصمت بينهما. ثم أغلق جاسر الكتاب برفق وقال: "وهل قررتِ أن تبتعدي عني وحدك... دون أن تسأليني ماذا أريد؟" انهمرت دموعها. "أنا فقط لا أريد أن أخسرك." اقترب منها وأمسك يديها. "وأنا لا أريد حيا
وصل جاسر وتريل إلى المعبد القديم، وكانت الجدران تحمل نفس الرموز التي ظهرت في القصر.وقف سالم أمام النقش الكبير وقال:"هذا هو المكان الذي بدأ منه كل شيء."اقتربت تريل من الكتابة المنقوشة على الحائط، وبدأت الكلمات تظهر ببطء:"العهد لا يُكسر بالقوة... بل بالاختيار."نظر جاسر إلى أدهم."إذن كل ما حدث كان اختبارًا؟"أجاب أدهم:"كان العهد يخشى أن تتحد أرواح الحارسين، لأنه يعرف أن قوتهما معًا قد تكون عظيمة."سألت تريل:"لكن لماذا كان يريد إبعادنا؟"قال أدهم:"لأن أسهل طريقة للسيطرة على القوة... هي زرع الخوف بين أصحابها."في تلك اللحظة، ظهر الساحر أمامهم."ما زلتم لا تفهمون."ارتفعت الظلال حوله."العهد طلب منكما الفراق، وأنتم تظنون أن التمسك ببعضكما سينقذكم؟"وقف جاسر أمام تريل."لن نسمح لك أن تختار لنا."ابتسم الساحر."إذن ستدفعون الثمن."لكن قبل أن يكمل، بدأ المعبد يهتز.ظهرت كلمات جديدة على الجدران:"الحارسان لا يُختبران بما يفصل بينهما... بل بما يجعلهما أقوى."تغير وجه الساحر."مستحيل..."أدرك الجميع الحقيقة.لم يكن العهد يريد دمارهما...بل كان يريد معرفة إن كانا سيختاران الثقة بدل الخوف.
ساد الصمت داخل الغرفة بعد كلمات أدهم."لكنه لم يأتِ وحده."نظر جاسر نحو الباب."إذن أخبرنا بالحقيقة كاملة قبل أن يصل."تنهد أدهم، ثم اقترب من الكتاب ووضع يده عليه.بدأت الصفحات تتحرك، وظهرت كلمات جديدة:"العهد لا يُفتح إلا بثمن... والثمن هو أثر من يحملونه."نظرت تريل إلى أدهم."ما معنى هذا؟"قال بصوت هادئ:"العهد القديم لم يكن مجرد وعد بين حارسين... كان رابطًا. وعندما يجتمع الحارسان في الوقت الخطأ، تتحول القوة التي تحميهما إلى قوة لا يمكن السيطرة عليها."نظر جاسر إلى تريل."يعني وجودنا معًا هو المشكلة؟"خفض أدهم عينيه."ليس وجودكما فقط... بل اجتماع قوّتكما."اقتربت تريل من الكتاب."وماذا يريد العهد منا؟"ساد الصمت للحظة.ثم قال أدهم:"يريد الاختيار."قطبت حاجبيها."أي اختيار؟"أجاب:"إذا اختار الحارسان السير في الطريق نفسه، يطلب العهد ثمنًا كبيرًا... لأن القوة التي تُولد من اتحادهما قد تفتح بابًا لقوة مظلمة."نظر جاسر إليه بجدية."يعني العهد يريد أن يمنعنا من البقاء معًا."أومأ أدهم."لأنه يخشى ما قد يحدث إذا اجتمعت العلامتان بالكامل."نظرت تريل إلى جاسر.ولأول مرة لم يكن خوفها من الع
ظلت تريل تحدق في كلمات أبيها، وكأنها تحاول أن تجد بين الحروف تفسيرًا لما يحدث حولها.مد جاسر يده وأمسك بالكتاب بهدوء."عمران كان يعرف أن هذا سيحدث."قال سالم بصوت منخفض:"كان يعرف أكثر مما أخبرنا به."قلب جاسر الصفحات بحذر، حتى وصل إلى صفحة كانت مختلفة عن باقي الصفحات.لم تكن تحتوي على حكاية...بل على أسماء.أسماء كثيرة من عائلات قديمة، وبجانب بعضها علامات غريبة.قالت تريل:"ما هذه العلامات؟"اقترب سالم.ثم تغيرت ملامحه."هذه ليست أسماء..."نظر إليه جاسر."إذن ماذا تكون؟"أجاب سالم:"هذه قائمة بمن حملوا العهد عبر السنين."سكت لحظة."وبعضهم لم يكمل الطريق."شعرت تريل بالقلق."ماذا يعني لم يكمل؟"لم يجب سالم.لكن جاسر لاحظ شيئًا في أسفل الصفحة.اسم قديم كان مشطوبًا بعناية.اقترب أكثر.ثم اتسعت عيناه."سالم..."اقترب سالم، وما إن رأى الاسم حتى تجمد.قالت تريل:"من هذا؟"أجاب سالم بصوت متردد:"أول شخص خان العهد."ساد الصمت.ثم سألت تريل:"ولماذا شطبوا اسمه؟"أغلق سالم الكتاب قليلًا."لأن الحقيقة كانت أخطر من أن تُكتب."في تلك اللحظة...تحركت إحدى صفحات الكتاب وحدها.ظهرت كلمات جديدة أمامه
لم يكن الصمت الذي حلّ داخل القصر صمتًا عاديًا...كان كأنه انتظار لشيء قادم.ظل جاسر واقفًا في منتصف المكتب، وعيناه لا تفارقان الكلمات التي ظهرت على الورقة."أحدهما سيحمل النهاية... والآخر سيحمل الخيانة."قال بصوت منخفض:"من يكتب مثل هذه الكلمات؟ ولماذا يريد أن يجعلنا نشك في بعضنا؟"لم يرد سالم فورًا.كان ينظر إلى الورقة وكأنه يرى شيئًا من الماضي يعود أمامه.قالت تريل:"أنت تعرف أكثر مما تقول."رفع سالم عينيه إليها."أعرف ما يكفي لأخاف."اقتربت منه."الخوف لا يحمي أحدًا يا سالم."تنهد."أحيانًا يكون الصمت هو الشيء الوحيد الذي يبقي الناس أحياء."تدخل جاسر بنبرة حاسمة:"انتهى وقت الأسرار."نظر إليه سالم طويلًا، ثم أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا قديمًا.وضعه فوق المكتب."هناك مكان في القصر لم يدخله أحد منذ سنوات."نظرت تريل إلى المفتاح."أين؟"أجاب سالم:"الغرفة التي أُغلق بابها يوم اختفى أصحاب العهد الأول."شعر جاسر بثقل في صدره."ولماذا نذهب إليها الآن؟"نظر سالم إلى الظلام خلف النوافذ."لأنها فتحت من تلقاء نفسها."ساد الصمت.ثم جاء صوت خافت من آخر الممر...صوت باب قديم يُفتح ببطء.تبادلت







