로그인بعد دقائق، دخلت نور إلى الغرفة.
كانت تحمل حقيبتها بيد، وبعض الملفات باليد الأخرى، وشعرها مربوط بطريقة بسيطة خلف رأسها، بينما بدا وجهها خاليًا تقريبًا من مستحضرات التجميل، ولم تكن قد بذلت أي جهد واضح لتبدو مختلفة عن عادتها. ومع ذلك، ما إن دخلت حتى رفعت إحدى الطبيبات رأسها، ونظرت إليها لثوانٍ قبل أن تبتسم قائلة: "أنتِ تبدين جميلة اليوم." ضحكت نور، وألقت حقيبتها على الكرسي القريب منها. "حقًا؟ لأنني خرجت من المنزل وأنا مقتنعة أنني أبدو كمن لم ينم منذ أسبوع." ضحكت الطبيبة. "وهذا هو الغريب فيكِ، حتى عندما تكونين مرهقة تبدين أفضل من معظمنا في الأيام التي نقضيها ونحن نحاول الظهور بأفضل شكل." ضحكت نور وهزت رأسها. "هذه مجاملة خطيرة جدًا، لأنني سأصدقها." ضحكت الطبيبة معها. أما ملك، فكانت تجلس في مكانها وتستمع. لم تقل شيئًا. لكنها شعرت بشيء بارد ينساب في صدرها. كانت تعرف أن الأمر مجرد مجاملة عابرة، وأن نور لم تطلبها ولم تنتظرها، ومع ذلك لم تستطع منع نفسها من الشعور بالضيق. كان الأمر دائمًا هكذا. نور تدخل فقط... والأنظار تتجه إليها. نور تبتسم فقط... والناس يبتسمون لها. نور تتحدث بعفوية... فيجد الآخرون في كلامها شيئًا يستحق الإعجاب. حاولت ملك أن تقنع نفسها بأن الأمر مبالغ فيه، وأنها أصبحت حساسة أكثر من اللازم، لكنها ما إن انتهت الطبيبة من حديثها حتى دخل طبيب آخر وألقى التحية على نور، ثم مر ممرض بالقرب منها فتوقف ليسألها عن يومها، وبعده بدقائق جاءت طبيبة من قسم آخر لتخبرها بأمر يتعلق بإحدى الحالات. خلال دقائق قليلة، كانت نور قد تحدثت مع عدد من الأشخاص. كل واحد منهم يعرفها. كل واحد منهم يبتسم لها. وكل واحد تقريبًا كان لديه كلمة لطيفة يقولها لها. كانت نور تتعامل مع الجميع بطبيعتها، تضحك حين يمازحها أحدهم، وتشكر من يساعدها، وتسأل عن أحوال الآخرين دون أن يبدو عليها أنها تدرك أصلًا مقدار الاهتمام الذي تحصل عليه. وهذا تحديدًا ما كان يؤلم ملك أكثر من أي شيء آخر. لو كانت نور تتعمد ذلك، لكان من السهل على ملك أن تكرهها. لو كانت تتباهى بجمالها أو نجاحها أو اهتمام الآخرين بها، لوجدت ملك سببًا واضحًا لحقدها. لكن نور لم تكن تفعل شيئًا. كانت فقط موجودة. وهذا جعل الأمر بالنسبة إلى ملك أكثر قسوة. جلست تراقبها بصمت، وهي تشعر بأن كل ابتسامة تحصل عليها نور كانت تنتزع منها شيئًا. لم تكن تعرف متى بدأ هذا الشعور بالضبط. ربما بدأ منذ سنوات، عندما كانت تقارن نفسها بها دون أن تشعر. في البداية كان إعجابًا. ثم أصبح مقارنة. ثم تحولت المقارنة إلى سؤال مؤلم: لماذا هي؟ لماذا تحصل نور على كل هذا الاهتمام بهذه السهولة؟ ومع مرور الوقت، لم يعد السؤال مجرد فضول، بل أصبح شيئًا يشبه الغضب. غضبًا لم يكن له سبب حقيقي، ولهذا كان أكثر إيلامًا. قالت إحدى الممرضات: "دكتورة نور، الإدارة طلبت منك حضور اجتماع الظهر، يبدو أنهم يريدون مناقشة الحالة التي تعاملتِ معها أمس." التفتت نور إليها وأجابت بهدوء: "حسنًا، سأذهب." ثم اقترب منها طبيب كبير في السن، وربت على كتفها قائلًا: "أحسنتِ أمس يا نور، تصرفتِ بهدوء ممتاز في موقف لم يكن سهلًا على الإطلاق." ابتسمت نور بخجل. "شكرًا دكتور، لكن الفريق كله ساعدني." ابتسم الطبيب. "دائمًا تنسبين الفضل للجميع، وهذه من أكثر الصفات التي أحبها فيكِ." ثم غادر. ظلت ملك تنظر إليه حتى ابتعد، ثم عادت بعينيها إلى نور. مرة أخرى. نور... دائمًا نور. كانت نور ببساطة تملك شيئًا لم تستطع ملك أن تفهمه، شيئًا يجعل الناس يميلون إليها دون أن تطلب منهم ذلك. خفضت ملك عينيها، وشعرت بأن صدرها يضيق. إنها تحصل على كل شيء... والآن أمير أيضًا. وما إن وصلت إلى هذه الفكرة، حتى شعرت بحرارة تصعد إلى وجهها. وضغطت أصابعها على بعضها تحت الطاولة حتى ابيضت أطرافها. لماذا حتى هو؟ وكلما ظنت أنها اعتادت الأمر، ظهر شيء جديد يذكرها بأنها تقف دائمًا في الظل. والأسوأ أنها لم تكن تعرف ماذا تفعل بهذا الشعور. لم تكن تريد أن تخسر نور. كانت نور صديقتها. الشخص الذي عرف أسرارها، ووقف إلى جانبها في أوقات كثيرة، واحتضنها عندما بكت، وضحك معها في الأيام السعيدة. لكن جزءًا آخر داخل ملك كان يتمنى، ولو لمرة واحدة، أن ترى نور وهي تفشل. خفضت ملك رأسها، وحاولت أن تستعيد هدوءها. ثم رفعت عينيها إلى نور من جديد. كانت نور تضحك مع إحدى الطبيبات، غير مدركة أن هناك من يراقبها بعينين لم تعودا تحملان مجرد الغيرة. كان هناك شيء أعمق. شيء تراكم ببطء حتى أصبح الحقد جزءًا من المشاعر التي تخفيها ملك خلف ابتسامتها. ورغم أنها تعلم جيدًا أن نور لم تكن تجذب الانتباه عمدًا، إلا أن الغيرة لا تبحث دائمًا عن العدل، والحقد لا يحتاج دائمًا إلى سبب منطقي. أحيانًا يكفي أن يرى الإنسان في شخص آخر كل ما يشعر بأنه حُرم منه. وهكذا، بينما كانت نور تضحك دون أن تشعر بشيء، كانت ملك تجلس في الجهة الأخرى من الغرفة وتكتشف أن المشكلة لم تعد في نور وحدها... بل في ذلك الجزء المظلم داخلها، الذي بدأ يقنعها بأن سعادة نور هي السبب في تعاستها.أما ملك، فكانت تراقب كل ذلك من بعيد.في البداية، كانت تشعر بالانتصار كلما رأت نور مرتبكة، وكلما سمعت أحدهم يوجه إليها ملاحظة أو ينتقد خطأ ارتكبته.لكن الأمر مع مرور الوقت أصبح أكثر من مجرد رغبة في إزعاجها؛ فقد بدأت تستمتع بذلك الشعور الذي ينتابها عندما ترى نور التي كانت تبدو دائمًا قوية وواثقة، وهي تتساءل عن نفسها وتعيد حساباتها.وكان أسوأ ما في الأمر أن نور لم تكن تدافع عن نفسها كثيرًا، لأنها لم تكن تملك دليلًا على أي شيء.كانت تظن أن المشكلة فيها.وهذا بالضبط ما كانت ملك تريده.حتى جاء ذلك اليوم الذي تغير فيه كل شيء.كان الصباح هادئًا نسبيًا، لكن نور وصلت إلى القسم وهي تبدو أكثر إرهاقًا من المعتاد.فقد أمضت الليلة السابقة وهي تفكر في الأخطاء التي تراكمت خلال الأيام الماضية، وتحاول أن تفهم كيف أصبحت فجأة أقل تركيزًا، ولماذا لم تعد قادرة على أداء عملها بالسهولة نفسها.كانت تجلس أمام مكتبها وتراجع بعض الملفات، عندما اقترب منها مشرف القسم.توقفت نور عن العمل فورًا، ورفعت رأسها إليه.قال بهدوء: "نور، هل يمكنني التحدث معكِ قليلًا؟"شعرت بانقباض في صدرها، ثم أومأت برأسها. "أكيد."جلس المشر
وتوالت الأحداث بعد ذلك بصورة لم تكن نور تفهمها.فكلما ظنت أن ما حدث في اليوم السابق مجرد موقف عابر أو خطأ يمكن تجاوزه، كانت تجد نفسها في اليوم التالي أمام مشكلة جديدة لا تعرف من أين بدأت، ولا كيف حدثت.ولا لماذا أصبحت الأمور التي كانت تنجزها بسهولة تبدو فجأة أكثر صعوبة وتعقيدًا.وكأن شيئًا خفيًا يعمل باستمرار على دفعها إلى الحافة دون أن يمنحها فرصة حقيقية لالتقاط أنفاسها.كانت ملك قد بدأت تتحرك بحذر أكبر، فلم تعد تتصرف بطريقة مباشرة يمكن أن تثير الشك، بل أصبحت تكتفي بتفاصيل صغيرة، تبدو في ظاهرها أخطاء عادية يمكن أن تحدث في أي مكان عمل.لكنها كانت تعرف جيدًا كيف تجعل تلك التفاصيل تقع في الوقت والمكان المناسبين حتى تنعكس في النهاية على نور.في إحدى المرات، وضعت ملك ملف إحدى الحالات في مكان مختلف عن المكان المعتاد، ثم تركته هناك وكأن الأمر مجرد نسيان بسيط.وحين احتاجت نور إلى الملف، اضطرت إلى البحث عنه وسط عشرات الملفات، وتأخر وصول بعض المعلومات إلى الطبيب المسؤول عن الحالة.وهو الأمر الذي جعل نور تتحمل جزءًا من اللوم رغم أنها لم تكن تعرف أصلًا أن الملف قد تم نقله من مكانه.وفي مرة أخرى،
سألت نور في اضطراب: "هل هناك أحد عبث بالعربة؟"ساد الصمت للحظات، ثم قالت إحدى الممرضات: "لا، لكن الدكتورة ملك ساعدت في تجهيزها، ربما تكون قد رأته."التفتت نور إليها، وفي اللحظة نفسها تلاقت عيناها بعيني ملك.لم تستمر النظرة أكثر من ثوانٍ قليلة، لكنها بدت لملك طويلة بصورة مخيفة.وكأن نور تستطيع أن ترى ما تخفيه خلف وجهها الهادئ، وكأنها تستطيع أن تقرأ في عينيها كل ما حاولت إخفاءه منذ أن دخلت الغرفة.قالت نور بهدوء: "ملك، هل تتذكرين إن كان المستلزم موجودًا عندما جهزناها؟"ترددت ملك للحظة، وشعرت بقلبها يخفق بعنف، قبل أن تجيب: "نعم... أعتقد أنه كان موجودًا."ظلت نور تنظر إليها للحظات، وكأنها تحاول تذكر ما حدث.لكنها لم تشك فيها، ولم تطرح سؤالًا آخر، ولم تلمح حتى إلى احتمال أن يكون الأمر متعمدًا.قالت ببساطة: "حسنًا."ثم عادت إلى عملها.وبعد دقائق، عاد المستلزم الناقص، واستُكملت الإجراءات دون أن يحدث شيء خطير.وانتهى الأمر من الناحية العملية كما لو أنه مجرد خطأ بسيط يمكن أن يحدث في أي يوم مزدحم.إلا أن نور ظلت طوال الوقت تشعر بشيء غير مريح، إحساس غامض لم تستطع تحديد سببه، وكأن هناك تفصيلًا صغ
أما ملك، فبقيت واقفة خلفها، تنظر إلى الملف بين يديها، وتقرأ القائمة أكثر من مرة.بينما كانت عيناها تنتقلان ببطء بين الأسماء المكتوبة أمامها وبين نور التي كانت تتحرك في الجهة الأخرى من الغرفة بثقة وهدوء.كانت تعرف أن نور تثق بها، وربما كان هذا هو السبب تحديدًا الذي جعل الفكرة التي مرت في رأسها للحظات تبدو أكثر بشاعة.فهي لم تكن تفكر فقط في ارتكاب خطأ، بل كانت تفكر في استغلال تلك الثقة نفسها ضدها.نظرت ملك إلى قائمة المستلزمات، ثم رفعت عينيها نحو نور، وبعدها عادت إلى القائمة مرة أخرى، وهي تحاول إقناع نفسها بأنها لا تريد إيذاءها، وأن كل ما تريده هو أن تجعلها تخاف قليلًا، أو ترتبك، أو تشعر، ولو لدقائق معدودة، بأنها ليست دائمًا تلك المرأة المثالية التي يثق بها الجميع، وأنها ليست محصنة ضد الأخطاء كما تبدو في أعينهم.أغلقت ملك الملف، ثم غيّرت عمدًا ترتيب بعض المستلزمات، وأخفت أحدها في درج جانبي بدلًا من وضعه في العربة.وكانت الحركة بسيطة إلى درجة يمكن معها أن تبدو كأنها مجرد سهو عادي، ولهذا أقنعت نفسها بأنها لن تسبب مشكلة حقيقية، وأن المستلزم سيُكتشف سريعًا، وأن الأمر كله لن يتجاوز دقائق من
مرت الأيام، وأمير يقترب من نور أكثر فأكثر.ولم يعد الأمر مجرد محاولات متكررة لإقناعها بالخروج معه لتناول القهوة، أو دعوات عابرة كانت ترفضها أحيانًا وتتهرب منها أحيانًا أخرى.بل أصبح يبحث عن أي فرصة صغيرة يمكن أن تجمعهما، فيسألها عن يومها، ويتعمد المرور بالقسم الذي تعمل فيه بحجة الاطمئنان على إحدى الحالات، أو يترك لها ملاحظة صغيرة على مكتبها تحمل تعليقًا ساخرًا أو جملة عابرة يعرف أنها ستجعلها تبتسم رغمًا عنها.وكأنه كان يبني بينهما، يومًا بعد يوم، شيئًا لم تكن نور مستعدة بعد للاعتراف بوجوده.وكانت نور، رغم محاولاتها المستمرة للحفاظ على مسافة واضحة بينهما وعدم السماح له بالتسلل إلى حياتها بسهولة، قد بدأت تعتاد وجوده بصورة لم تكن تتوقعها.حتى أصبح حضوره جزءًا مألوفًا من أيامها، وأصبحت كلماته العابرة تترك أثرًا صغيرًا في مزاجها دون أن تنتبه.ولم تكن تعترف لنفسها بأن اهتمامه بها بدأ يلفت انتباهها، لكنها كانت تلاحظ غيابه عندما لا تراه، وتلتفت دون وعي عندما تسمع صوته يقترب منها، بل وكانت تبتسم أحيانًا قبل أن تدرك أنها ابتسمت، لمجرد أن صوته جاء من مكان قريب.أما ملك، فكانت تراقب كل ذلك بصمت،
بعد دقائق، دخلت نور إلى الغرفة. كانت تحمل حقيبتها بيد، وبعض الملفات باليد الأخرى، وشعرها مربوط بطريقة بسيطة خلف رأسها، بينما بدا وجهها خاليًا تقريبًا من مستحضرات التجميل، ولم تكن قد بذلت أي جهد واضح لتبدو مختلفة عن عادتها. ومع ذلك، ما إن دخلت حتى رفعت إحدى الطبيبات رأسها، ونظرت إليها لثوانٍ قبل أن تبتسم قائلة: "أنتِ تبدين جميلة اليوم." ضحكت نور، وألقت حقيبتها على الكرسي القريب منها. "حقًا؟ لأنني خرجت من المنزل وأنا مقتنعة أنني أبدو كمن لم ينم منذ أسبوع." ضحكت الطبيبة. "وهذا هو الغريب فيكِ، حتى عندما تكونين مرهقة تبدين أفضل من معظمنا في الأيام التي نقضيها ونحن نحاول الظهور بأفضل شكل." ضحكت نور وهزت رأسها. "هذه مجاملة خطيرة جدًا، لأنني سأصدقها." ضحكت الطبيبة معها. أما ملك، فكانت تجلس في مكانها وتستمع. لم تقل شيئًا. لكنها شعرت بشيء بارد ينساب في صدرها. كانت تعرف أن الأمر مجرد مجاملة عابرة، وأن نور لم تطلبها ولم تنتظرها، ومع ذلك لم تستطع منع نفسها من الشعور بالضيق. كان الأمر دائمًا هكذا. نور تدخل فقط... والأنظار تتجه إليها. نور تبتسم فقط... والناس يبتسمون لها. نور تتحدث ب







