로그인لم تكن ملك تكره نور.
على الأقل، هذا ما كانت تقوله لنفسها كلما وجدت ذلك الشعور الثقيل يتسلل إلى صدرها. كانت تحبها. أو ربما كانت تحاول أن تحبها بالطريقة التي تليق بصديقة قضت معها سنوات طويلة، شاركتها الدراسة، وضحكت معها في أيام الجامعة، وبكت إلى جوارها في أصعب أيام حياتها. لكن المشكلة أن الحب والغيرة يمكن أن يعيشا في القلب نفسه. وأن الإنسان قد يبتسم للشخص الذي يحبه، بينما يتمنى في مكان عميق جدًا من نفسه أن يتوقف العالم عن منحه كل شيء. وهذا تحديدًا ما كانت تشعر به ملك تجاه نور. .... في صباح اليوم التالي، وصلت ملك إلى المستشفى قبل موعدها بنصف ساعة. لم تكن معتادة على الوصول مبكرًا. جلست في غرفة الأطباء، وضعت حقيبتها على المقعد، ثم أخرجت هاتفها وأخذت تقلبه بلا اهتمام. كانت تحاول ألا تفكر. لكن عقلها كان يعود إلى الأمس باستمرار. إلى الطريقة التي نظر بها أمير إلى نور. إلى صوته عندما قال لها إنه يهتم. وإلى ابتسامة نور البسيطة التي لم تكن تعرف حتى أنها تملك القدرة على جعل رجل مثل أمير ينظر إليها بتلك الطريقة. تنهدت ملك، ثم تمتمت لنفسها: "ماذا لديها ولا أملكه أنا؟" سكتت لحظة. ثم شعرت بالضيق من السؤال نفسه. لأنها تعرف الإجابة. نور كانت جميلة دون أن تحاول. كانت هادئة دون أن تتصنع الغموض. ناجحة دون أن تتحدث عن نجاحها. وحتى حزنها كان يمنحها شيئًا غريبًا يجعل الآخرين يرغبون في حمايتها. أما ملك، فكانت تشعر أنها طوال حياتها تحاول أن تثبت وجودها. إذا ارتدت ملابس جميلة، قورنت بنور. إذا تحدثت بثقة، بدت نور أكثر هدوءًا واتزانًا. إذا حصلت على إشادة من أحد الأساتذة، كان هناك دائمًا من يقول: "نور أيضًا كانت ممتازة." وإذا دخلتا مكانًا معًا، لم تكن ملك تحتاج إلى أن تنظر لترى من يلتفت إليه الناس. كانت تعرف. دائمًا نور. لكن الأمر لم يكن يزعجها سابقًا أو ربما كانت تقنع نفسها بذلك. حتى أمير. بل خصوصًا أمير. ... "صباح الخير." رفعت ملك رأسها بسرعة. كان أمير يقف عند الباب. ابتسمت له: "صباح الخير." دخل ووضع بعض الملفات على الطاولة، ثم سأل: "هل وصلت نور؟" توقفت ابتسامة ملك للحظة. كان أول سؤال. لم يسألها كيف حالها. لم يسألها إن كانت تحتاج شيئًا. بل سأل عن نور. قالت وهي تحاول أن تجعل صوتها طبيعيًا: "لا، لم تصل بعد." "غريب، ظننت أنها تأتي مبكرة." "هي عادة تصل مبكرًا، ربما تأخرت اليوم." أومأ أمير ثم أخذ هاتفه. كانت ملك تراقبه دون أن يشعر. قال بعد لحظة: "هل تعرفين إن كانت مناوبتها اليوم في الطوارئ؟" وضعت ملك قلمها على الطاولة. "أمير." نظر إليها. "نعم؟" ابتسمت ابتسامة صغيرة. "هل أصبحت مهتمًا بجدول نور إلى هذه الدرجة؟" ضحك أمير. "هل هذا استجواب؟" "مجرد فضول." "ربما." رفع عينيه إليها. ثم قال ببساطة: "أريد أن أدعوها إلى القهوة." شعرت ملك بشيء يسقط في داخلها. لكنها أجبرت نفسها على الابتسام: "لا أعتقد أنها ستكون متفرغة لذلك." "سأحاول." ثم خرج. بينما بقيت ملك تحدق في الباب. كانت تريد أن تغضب. أن تقول شيئًا. أن تفعل أي شيء. لكنها لم تستطع. لأنها كانت تعرف أن أمير لم يفعل شيئًا خاطئًا. هو معجب بنور وهذه ليست جريمة. المشكلة أن قلبها لم يكن مستعدًا لقبول الحقيقة... حقيقة أن نور تحصل على كل شيء، أما هي فلا.أما ملك، فكانت تراقب كل ذلك من بعيد.في البداية، كانت تشعر بالانتصار كلما رأت نور مرتبكة، وكلما سمعت أحدهم يوجه إليها ملاحظة أو ينتقد خطأ ارتكبته.لكن الأمر مع مرور الوقت أصبح أكثر من مجرد رغبة في إزعاجها؛ فقد بدأت تستمتع بذلك الشعور الذي ينتابها عندما ترى نور التي كانت تبدو دائمًا قوية وواثقة، وهي تتساءل عن نفسها وتعيد حساباتها.وكان أسوأ ما في الأمر أن نور لم تكن تدافع عن نفسها كثيرًا، لأنها لم تكن تملك دليلًا على أي شيء.كانت تظن أن المشكلة فيها.وهذا بالضبط ما كانت ملك تريده.حتى جاء ذلك اليوم الذي تغير فيه كل شيء.كان الصباح هادئًا نسبيًا، لكن نور وصلت إلى القسم وهي تبدو أكثر إرهاقًا من المعتاد.فقد أمضت الليلة السابقة وهي تفكر في الأخطاء التي تراكمت خلال الأيام الماضية، وتحاول أن تفهم كيف أصبحت فجأة أقل تركيزًا، ولماذا لم تعد قادرة على أداء عملها بالسهولة نفسها.كانت تجلس أمام مكتبها وتراجع بعض الملفات، عندما اقترب منها مشرف القسم.توقفت نور عن العمل فورًا، ورفعت رأسها إليه.قال بهدوء: "نور، هل يمكنني التحدث معكِ قليلًا؟"شعرت بانقباض في صدرها، ثم أومأت برأسها. "أكيد."جلس المشر
وتوالت الأحداث بعد ذلك بصورة لم تكن نور تفهمها.فكلما ظنت أن ما حدث في اليوم السابق مجرد موقف عابر أو خطأ يمكن تجاوزه، كانت تجد نفسها في اليوم التالي أمام مشكلة جديدة لا تعرف من أين بدأت، ولا كيف حدثت.ولا لماذا أصبحت الأمور التي كانت تنجزها بسهولة تبدو فجأة أكثر صعوبة وتعقيدًا.وكأن شيئًا خفيًا يعمل باستمرار على دفعها إلى الحافة دون أن يمنحها فرصة حقيقية لالتقاط أنفاسها.كانت ملك قد بدأت تتحرك بحذر أكبر، فلم تعد تتصرف بطريقة مباشرة يمكن أن تثير الشك، بل أصبحت تكتفي بتفاصيل صغيرة، تبدو في ظاهرها أخطاء عادية يمكن أن تحدث في أي مكان عمل.لكنها كانت تعرف جيدًا كيف تجعل تلك التفاصيل تقع في الوقت والمكان المناسبين حتى تنعكس في النهاية على نور.في إحدى المرات، وضعت ملك ملف إحدى الحالات في مكان مختلف عن المكان المعتاد، ثم تركته هناك وكأن الأمر مجرد نسيان بسيط.وحين احتاجت نور إلى الملف، اضطرت إلى البحث عنه وسط عشرات الملفات، وتأخر وصول بعض المعلومات إلى الطبيب المسؤول عن الحالة.وهو الأمر الذي جعل نور تتحمل جزءًا من اللوم رغم أنها لم تكن تعرف أصلًا أن الملف قد تم نقله من مكانه.وفي مرة أخرى،
سألت نور في اضطراب: "هل هناك أحد عبث بالعربة؟"ساد الصمت للحظات، ثم قالت إحدى الممرضات: "لا، لكن الدكتورة ملك ساعدت في تجهيزها، ربما تكون قد رأته."التفتت نور إليها، وفي اللحظة نفسها تلاقت عيناها بعيني ملك.لم تستمر النظرة أكثر من ثوانٍ قليلة، لكنها بدت لملك طويلة بصورة مخيفة.وكأن نور تستطيع أن ترى ما تخفيه خلف وجهها الهادئ، وكأنها تستطيع أن تقرأ في عينيها كل ما حاولت إخفاءه منذ أن دخلت الغرفة.قالت نور بهدوء: "ملك، هل تتذكرين إن كان المستلزم موجودًا عندما جهزناها؟"ترددت ملك للحظة، وشعرت بقلبها يخفق بعنف، قبل أن تجيب: "نعم... أعتقد أنه كان موجودًا."ظلت نور تنظر إليها للحظات، وكأنها تحاول تذكر ما حدث.لكنها لم تشك فيها، ولم تطرح سؤالًا آخر، ولم تلمح حتى إلى احتمال أن يكون الأمر متعمدًا.قالت ببساطة: "حسنًا."ثم عادت إلى عملها.وبعد دقائق، عاد المستلزم الناقص، واستُكملت الإجراءات دون أن يحدث شيء خطير.وانتهى الأمر من الناحية العملية كما لو أنه مجرد خطأ بسيط يمكن أن يحدث في أي يوم مزدحم.إلا أن نور ظلت طوال الوقت تشعر بشيء غير مريح، إحساس غامض لم تستطع تحديد سببه، وكأن هناك تفصيلًا صغ
أما ملك، فبقيت واقفة خلفها، تنظر إلى الملف بين يديها، وتقرأ القائمة أكثر من مرة.بينما كانت عيناها تنتقلان ببطء بين الأسماء المكتوبة أمامها وبين نور التي كانت تتحرك في الجهة الأخرى من الغرفة بثقة وهدوء.كانت تعرف أن نور تثق بها، وربما كان هذا هو السبب تحديدًا الذي جعل الفكرة التي مرت في رأسها للحظات تبدو أكثر بشاعة.فهي لم تكن تفكر فقط في ارتكاب خطأ، بل كانت تفكر في استغلال تلك الثقة نفسها ضدها.نظرت ملك إلى قائمة المستلزمات، ثم رفعت عينيها نحو نور، وبعدها عادت إلى القائمة مرة أخرى، وهي تحاول إقناع نفسها بأنها لا تريد إيذاءها، وأن كل ما تريده هو أن تجعلها تخاف قليلًا، أو ترتبك، أو تشعر، ولو لدقائق معدودة، بأنها ليست دائمًا تلك المرأة المثالية التي يثق بها الجميع، وأنها ليست محصنة ضد الأخطاء كما تبدو في أعينهم.أغلقت ملك الملف، ثم غيّرت عمدًا ترتيب بعض المستلزمات، وأخفت أحدها في درج جانبي بدلًا من وضعه في العربة.وكانت الحركة بسيطة إلى درجة يمكن معها أن تبدو كأنها مجرد سهو عادي، ولهذا أقنعت نفسها بأنها لن تسبب مشكلة حقيقية، وأن المستلزم سيُكتشف سريعًا، وأن الأمر كله لن يتجاوز دقائق من
مرت الأيام، وأمير يقترب من نور أكثر فأكثر.ولم يعد الأمر مجرد محاولات متكررة لإقناعها بالخروج معه لتناول القهوة، أو دعوات عابرة كانت ترفضها أحيانًا وتتهرب منها أحيانًا أخرى.بل أصبح يبحث عن أي فرصة صغيرة يمكن أن تجمعهما، فيسألها عن يومها، ويتعمد المرور بالقسم الذي تعمل فيه بحجة الاطمئنان على إحدى الحالات، أو يترك لها ملاحظة صغيرة على مكتبها تحمل تعليقًا ساخرًا أو جملة عابرة يعرف أنها ستجعلها تبتسم رغمًا عنها.وكأنه كان يبني بينهما، يومًا بعد يوم، شيئًا لم تكن نور مستعدة بعد للاعتراف بوجوده.وكانت نور، رغم محاولاتها المستمرة للحفاظ على مسافة واضحة بينهما وعدم السماح له بالتسلل إلى حياتها بسهولة، قد بدأت تعتاد وجوده بصورة لم تكن تتوقعها.حتى أصبح حضوره جزءًا مألوفًا من أيامها، وأصبحت كلماته العابرة تترك أثرًا صغيرًا في مزاجها دون أن تنتبه.ولم تكن تعترف لنفسها بأن اهتمامه بها بدأ يلفت انتباهها، لكنها كانت تلاحظ غيابه عندما لا تراه، وتلتفت دون وعي عندما تسمع صوته يقترب منها، بل وكانت تبتسم أحيانًا قبل أن تدرك أنها ابتسمت، لمجرد أن صوته جاء من مكان قريب.أما ملك، فكانت تراقب كل ذلك بصمت،
بعد دقائق، دخلت نور إلى الغرفة. كانت تحمل حقيبتها بيد، وبعض الملفات باليد الأخرى، وشعرها مربوط بطريقة بسيطة خلف رأسها، بينما بدا وجهها خاليًا تقريبًا من مستحضرات التجميل، ولم تكن قد بذلت أي جهد واضح لتبدو مختلفة عن عادتها. ومع ذلك، ما إن دخلت حتى رفعت إحدى الطبيبات رأسها، ونظرت إليها لثوانٍ قبل أن تبتسم قائلة: "أنتِ تبدين جميلة اليوم." ضحكت نور، وألقت حقيبتها على الكرسي القريب منها. "حقًا؟ لأنني خرجت من المنزل وأنا مقتنعة أنني أبدو كمن لم ينم منذ أسبوع." ضحكت الطبيبة. "وهذا هو الغريب فيكِ، حتى عندما تكونين مرهقة تبدين أفضل من معظمنا في الأيام التي نقضيها ونحن نحاول الظهور بأفضل شكل." ضحكت نور وهزت رأسها. "هذه مجاملة خطيرة جدًا، لأنني سأصدقها." ضحكت الطبيبة معها. أما ملك، فكانت تجلس في مكانها وتستمع. لم تقل شيئًا. لكنها شعرت بشيء بارد ينساب في صدرها. كانت تعرف أن الأمر مجرد مجاملة عابرة، وأن نور لم تطلبها ولم تنتظرها، ومع ذلك لم تستطع منع نفسها من الشعور بالضيق. كان الأمر دائمًا هكذا. نور تدخل فقط... والأنظار تتجه إليها. نور تبتسم فقط... والناس يبتسمون لها. نور تتحدث ب







