تسجيل الدخولانتهت أيام شهر العسل العذبة الساحرة كحلم خاطف، وعاد بهاء إلى جدران مكتبه القديم، لكنه لم يعد ذلك الرجل المثقل بالهموم؛ بل كان يحمل بين جوانحه إشراقة طاغية، إشراقة رجل تزوّج حبيبته ونال مراده للتو بعد طول عناد مع القدر. كان يجرّ خلف خطواته هالة لا تخطئها العين من الرضا التام والسكينة، كمن عبر بسلام إلى الضفة الأخرى الآمنة من الحياة، ووجد فيها أخيرًا مستقره والسلام الذي طالما بحث عنه. استقبلته الجدران المألوفة بنكهة العمل والروتين اليومي، وبدت ابتسامات الموظفين والمهنئين خجولة، قاصرة أمام ذلك الوهج المشعّ بالعشق والسعادة في عينيه. لكن وسط كل هذا الاحتفاء والصخب الهادئ، كان هناك أمر آخر غريب يشد انتباهه الحاد... شيء خفي يتسلّل ببطء كالماء تحت الأبواب الموصدة، لا يُرى بالعين المجردة ولكن يُحسّ بالقلب والوجدان. ارتكن بهاء إلى كرسيه الوثير خلف مكتبه، وجعل يراقب عن كثب "جنات" وهي تتبادل أطراف الحديث مع "أمجد" في زاوية الغرفة؛ كانت بينهما نظرات عابرة، خاطفة، ولكنها أبعد ما تكون عن البراءة الزمالية المعتادة. كان ثمة صمت مشحون بكهرباء العاطفة يولد بين الجمل والعبارات، وابتسامات عذبة تولد عل
حدّقت به جنات لبرهة من الوقت بصدمة، ثم لم تتمالك نفسها وانفجرت ضاحكة من قلبها على طريقته الفكاهية ومحاولته الفاشلة فى التحدث باللغة العربية الفصحى الممزوجة بالعامية... ضحك أمجد معها ممتناً لزوال خوفها، لتنقلب اللحظة المأساوية في ثوانٍ من دموع وحيرة إلى دفء إنساني غير متوقّع، ثم تحركت بخطوات هادئة واستقلت السيارة بجواره لتنطلق بهما الشوارع. وفي الزاوية الأخرى من القاعة، بعيداً عن أعين المدعوين، كان هناك فتيل توتر آخر يوشك على الاشتعال... كان حسن يقف بجوار جلنار في ممر جانبي، ويبدو على ملامحه الضيق الشديد والإنهاك... وجهه كان مشدودًا بعنف، صوته منخفض حذر، لكن نبرته كانت متوترة للغاية وتشي بمصيبة. أما جلنار، فكانت عيناها تلمعان بالدموع المحبوسة كالآليء تحت ضوء الثريات، لكنها كانت تضغط على شفتيها وتحبسها بكبرياء جارف، فهى بطبيعتها القوية تكره تماماً أن تُرى ضعيفة أو مكسورة الجناح أمام أي كائن. اقترب منهما يوسف بخطوات سريعة بعد أن لاحظ انعزالهما، وقال بقلق ظاهر وعينين تتفحصان حالتهما - مالك يا حسن في إيه؟ جرى لكم إيه يا جماعة؟ أنت جايب جلنار ومطلعها من الجزيرة والعالم بتاعها علشا
كانت خطواتها هادئة فوق الأرض الخشبية، وئيدة، لكنها كانت تحمل في طياتها الخفية شيئًا من التوتر اللامرئي، ذلك الذي لا يلمحه العابرون وإنما يزلزل الوجدان. أمسكت مي بحقيبتها الجلدية الصغيرة بأصابع مرتجفة، تأكدت برعشة سريعة من وجود مفاتيحها ومحفظتها، ثم أخذت نفسًا عميقًا ورفعت صوتها الناعم قليلًا وهي تمر بجانب غرفة الجلوس الدافئة، علّها تخفي بحروفها اضطراب نبضها - أنا طالعة يا تيتة... محتاجة مني أي حاجة وأنا راجعة؟ لم تنتظر الرد؛ إذ كانت دقات قلبها تستعجلها للرحيل، فامتدت يدها الرقيقة لتُمسك بمقبض الباب المعدني البارد... لكن، ما إن لامسته أناملها الغضة، حتى سرت قشعريرة مباغتة في جسدها، وشعرت بأن ثمة ثقلاً مقاوماً وحضوراً طاغياً يقف خلفه مباشرة. كان الباب لا يفتح، كأنما هناك قوة خفية تحجبه عن العالم. في تلك الأجزاء من الثانية، تجمدت اللحظة تماماً، وتراجع نفسُها الخائف للخلف خطوة متهيبة، قبل أن تدرك بحسها الأنثوي أن شخصاً ما يقف بالخارج مستنداً بكليته على الباب. وما إن فُتح الباب جزئيًا، وتسلل منه خيط الضوء الخارجي، حتى ارتبك نبض قلبها ارتباكاً عنيفاً، وهو ارتباك المفاجأة الممتزج بالصدم
استفاقت الجزيرة مع أول خيوط الفجر الواهنة على فاجعة مروعة تقشعر لها الأبدان، وتجمدت الدماء في عروق كل من شهدها... لم يكن صباحًا عاديًا، بل كان مستهل يومٍ كئيب حطّ بثقله فوق الصدور، حين تراءى للصيادين جسد طافٍ ينكفئ على وجهه فوق سطح المياه الراكدة؛ جسد مشوه المعالم، منتفخ ومحتقن بك كأن البحر غضب منه فلفظه إلى السطح بعد أن استهلكت أمواجه العاتية كل رمق فيه. تقدم أحد الرجال الأشداء بحذر شديد، تخترق خطواته الوجلة حاجز الصمت المطبق الذي خيّم على الشاطئ، مادّاً يده المرتجفة ليجذب الجثة الهامدة نحو الرمال. وما إن نجح بمشقة في إخراجها وتقليبها على ظهرها، حتى تراجع إلى الخلف بذعر وهلع، سقط على ركبتيه، وصرخ بصوت حاد مزق سكون الفجر - إنه مـديـد! يا لَلْهَوْل... إنه مديد انتشر الخبر المفزع بين العائلات كالنار في الهشيم، يتناقله الناس بهمس ذعور، حتى وصلت الكلمات الصادمة إلى مسامع الحاكم "عليان". كان واقفًا في هيبته المعتادة، شاردًا بذهنه أمام أفق البحر اللامتناهي، وعيناه الثاقبتان ترقبان حركة الأمواج بكبرياء، كأنما كان يستشعر بحدسه القيادي أن خطبًا جللًا قد وقع، أو كأنه كان ينتظر هذه النهاية تح
رَفّت عيناها بذعر مبهوظ وذهول شلّ تفكيرها. تابع الأب ضاحكًا وهو يغمز لوليد - ونسيّت أقولك كمان... إنه هو اللي هيوصلنا بنفسه لبيت عيلتنا علشان يتعرف على إخواتك الكبار. رفعت رزان يدها نحو صدرها وضغطت عليه بقوة، وكأنها تتحسّس قلبها المتمرد، لتتأكد بيقين أنه لا يزال ينبض في مكانه ولم يغادر ضلوعها من فرط الصدمة. أضاف والدها بنبرة ذات معنى - ونسيّت أقولك الكبيرة بقى... إنه من يومين بقى صاحب أخوكي رامي جدًا... والاتنين قضوها مكالمات وكانوا بيتكلموا عنك وعن تفاصيلك طول اليوم انطلقت ضحكات الحاضرين ممتزجة بالفرحة... إلا رزان..... لم تكن في وعيها لتضحك... كانت تذوب، تتلاشى، وتنصهر كقطعة سكر وسط فيضان مشاعرها. كان فمها مفتوحًا بغير تصديق، عيناها تائهتين في تفاصيل ملامحه الوسيمة، وداخل جوفها تدور أعاصير وآلاف المشاعر المتضاربة... دهشة صعقتها، فرحة عارمة خلعت قلبها، ارتباك أنثوي ساحر، دموع محبوسة أبت أن تنزل، ونبضات عنيفة ترتجف وتضرب صدرها كطبل حرب. تقدّم وليد منها بخطوات واثقة، متزنة كعادته، وعيناه تشتعلان بشغف وهيام لا يفارقان وجهها الشاحب، ثم انحنى قليلاً وقال بصوت منخفض، أجش، يحمل ذبذبا
استفاقت جلنار على قشعريرة سرت في جسدها إثر برودة الفراش الخالي بجوارها. مدّت يدها الرقيقة تتحسّس الفراغ المخملي، تبحث بأصابع مرتجفة عن بقايا دفء غادرها باكراً، كمن يرجو جرعة أمان لم تجدها. تنهدت بلوعة، ثم نهضت ببطء شديد، تحاول أن توقظ عزيمتها المنكسرة لتواجه يوماً آخر تبدأه في بيت بارد، غريب، لا ينتمي لقلبها ولا يعترف بوجودها. خرجت من الغرفة متجهة إلى الصالة بخطوات متهيبّة، لتلتقي بوجه الأزمة الصارخ... وفاء. ألقت جلنار عليها تحية الصباح بصوت خافت، رخيم، يحمل نبرة رجاء صامت لسلام لم تذق طعمه هنا. لكن وفاء لم تكلف نفسها عناء الرد؛ بل اكتفت بتوجيه تلك النظرة السامة، مسحت تفاصيل جلنار من رأسها حتى قدميها باحتقار فجّ، كأنها تتفحص كائناً أدنى مرتبة من البشر. سارت وفاء خطوتين للأمام بصلف، قبل أن تستدير فجأة كأفعى تتهيأ للفتك، وصرخت بها بحدة جارحة مزقت سكون الصباح - ادخلي يا مدلّعة يا ست هانم.... المطبخ وراكِ عايز يتشطب ويدعك من أول وجديد، وفي جبل هدوم ملقى عالغسالة اغسليه وانشريه، واعملي حسابك في غدا تقيل... أنا رايحة عند ماما أشوفها، وساعتين وراجعة، ألاقي كل شبر في الشقة بيبرق... أنا مش
حاول جاهدًا أن يبدو طبيعيًا ومتماسكًا أمامها، رغم الخدر والآلام التي تنهش كتفه، وابتسم برقة بالغة وردّ بصوت أشبه بالهمس الدافئ- أنا تمام... طول ما عيني شايفاكي قصادي متقلقيش عليا..... أنا هنام على الكرسي ده مكاني، وإنتِ اطلعي نامي وارتاحي على السرير.لم يترك لها أي فرصة للاعتراض أو الجدال الذي تعش
تساعده نُهى على النهوض بجسدها الغضّ، بينما ذراعه المصابة ما زالت ترتجف بعنف تحت وطأة الألم النابض، في حين تتكأ كتفه العريضة على كتفها الضئيل كأنها تحوّلت في لحظة فارقة إلى عكاز روحٍ لا غنى عنه، وسندٍ أثمن من مصائر البشر. كانت نظرات عمر المجهدة لا تغادر تفاصيل ملامحها المذعورة، وكأن كل قطرة دم فقدها
تزينت الجزيرة بأكملها كما لم تتزين من قبل عبر تاريخها الطويل؛ أُضرمت الأنوار اللاهبة في كل ركن وصوب، وتلألأت ألوان الزينة القنديلية في سمائها لسبع ليالٍ مخملية متتالية احتفالًا بذوبان العشق وزواج ولي عهدهم وفارسهم المغوار. كل شيء حولهم كان مبهرًا للحد الذي يسلب الأنفاس، كأن الطبيعة البكر في كالاتيا
أما تلك الرحلة الموعودة إلى أقاصي الشمال… فكانت في حقيقتها عكس كل المخاوف والظنون السوداء التي عششت في صدر سلمى تمامًا. كان القلق الجاثم على أنفاسها يتلاشى تدريجيًا ويتسرب بعيدًا مع كل خطوة خطتها بجوار عليان، ومع كل نبرة ترحيب دافئة وكلمة طيبة تلقتها من قلوب أهله وعشيرته في الشمال. لقد استقبلوها ب







