Home / التشويق / الإثارة / ما تبقي من ليلي / الفصل الخامس مرآة الزمن

Share

الفصل الخامس مرآة الزمن

Author: Pepo
last update publish date: 2026-03-14 12:52:42

لم تستغرق ليلى وقتًا طويلًا في التفكير؛ كانت تشعر أن الوقوف على الأعتاب هو الموت بحد ذاته. الصوت الذي خرج من خلف الباب كان واضحًا كأنه يخرج من حنجرتها هي، صدى مألوف لدرجة مرعبة، لكن رغم ذلك، لم تتراجع خطوة واحدة. كانت هناك لحظة صمت قصيرة بين نبضتين متلاحقتين، لحظة قررت فيها بقلب ميت أن التردد لن يفيدها هذه المرة، وأن الحقيقة مهما كانت قاسية، فهي أرحم من هذا الجهل القاتل.

​أدخلت المفتاح في القفل، وشعرت برعشة خفيفة تسري من المعدن البارد إلى ذراعها. صوت احتكاك المفتاح بمسننات القفل بدا أعلى مما ينبغي، كأنه يتردد في مكان أوسع بكثير من ذلك الممر الضيق والموحش، كأن العمارة كلها تصغي لهذه اللحظة. لفت المفتاح ببطء شديد، وكل جزء داخلها كان يتابع الحركة بتركيز حاد، كأن العملية تحدث في تجاويف قلبها لا في خشب الباب.

​"طَق…"

​انفتح القفل، وصدر صوت معدني أعلن عن انكسار القيد الأخير. توقفت يد ليلى للحظة على المقبض المعدني البارد، لم يكن خوفاً بالمعنى التقليدي، بل كان إحساساً غريباً بالرهبة، بأنها على وشك عبور خط فاصل.. ليس مجرد باب خشبي، بل بوابة بين عالمين.

​ثم دفعت الباب. لم يُصدر الباب أي صرير هذه المرة، بل فتح بسلاسة مريبة وهدوء قاتل، كأنه كان مزيتاً وينتظر قدومها منذ وقت طويل جداً. خطت خطوة واحدة إلى الداخل، وهي تحبس أنفاسها في صدرها.. وتجمدت.

​لم يكن هناك قبو غارق في العفن، ولم يكن هناك ظلام كثيف يبتلع الرؤية، بل كانت أمامها.. الشقة. نفس الشقة 408 التي خرجت منها للتو، لكنها لم تكن كما تركتها منذ دقائق. الإضاءة كانت خافته ودافئة تنبعث من مصابيح جانبية لم تكن موجودة، الهواء لم يكن ثقيلاً برائحة الرطوبة، بل كان عادياً.. ساكناً، وقابلاً للتنفس بعمق. الأرضية كانت نظيفة ولامعة، لا أثر للغبار المتراكم، ولا لشظايا الزجاج المكسور التي كانت تملأ المكان وتجرح ذكرياتها منذ قليل.

​تحركت ببطء، عيناها تتحركان بذهول بين التفاصيل؛ الطاولة الخشبية في مكانها المتوسط، لكنها لم تعد مغطاة بتلك الملاءات البيضاء التي تشبه الأكفان. الستارة كانت ثابتة ومنسدلة بأناقة، لا تتحرك بفعل رياح مجهولة. كل شيء بدا طبيعياً.. أكثر مما ينبغي، وهذا هو قمة الرعب.

​"ده مش نفس المكان…" همست ليلى، وصوتها بدا غريباً في هذا الهدوء. لكن عقلها كان يرفض التصديق؛ كل شيء يصرخ بأنها نفس الشقة بتفاصيلها الهندسية، لكن الزمن هنا يبدو وكأنه انحرف عن مساره. تقدمت خطوة أخرى، ثم أخرى، وحذاؤها لم يُصدر الصوت المعتاد على الأرضية، وكأن المكان يمتص حركتها ووجودها.

​وصلت إلى منتصف الغرفة، وبدأت تدور حول نفسها بتركيز يحاول التقاط أي غلطة في هذا المشهد المثالي. وفي تلك اللحظة، لاحظت شيئاً لم يكن موجوداً من قبل على الحائط المقابل؛ صورة. اقتربت منها ببطء، قلبها يدق بانتظام ثقيل. كان إطار الصورة بسيطاً، قديماً نسبيًا لكنه نظيف جداً. رفعت يدها المرتعشة ولمست الحافة الخشبية بحذر، ثم نظرت داخل الصورة.. وتوقفت أنفاسها تماماً.

​كانت الصورة لها، لكنها ليست ليلى التي تعرفها في المرآة كل صباح. كانت واقفة في نفس هذه الشقة، ترتدي ملابس أبسط وأهدى، شعرها مربوط بطريقة تقليدية لا تفعلها ليلى أبداً في حياتها اليومية. لكن الأهم من الملابس والشعر كانت النظرة؛ لم تكن نظرة ليلى الخائفة والمشتتة، بل كانت نظرة هادئة، عميقة، كأن صاحبة الصورة تفهم كل لغز يحيط بهذا المكان، كأنها تملك مفاتيح الكون كله بين يديها.

​سحبت ليلى يدها بسرعة كأن الصورة لسعتها. "دي مش أنا…" قالتها، لكن نبرة الإنكار في صوتها لم تكن مقنعة حتى لنفسها. "ولا يمكن تكون.." الفكرة المجنونة قفزت لذهنها لكنها لم تجرؤ على إكمالها. لفت بسرعة تحاول الهروب من نظرات الصورة، وبينما هي تمسح الغرفة بعينيها، لاحظت شيئاً آخر على الطاولة؛ كوب شاي. كان فيه بقايا سائل، ومدت يدها لتلمسه بفضول قاتل.. كان لا يزال دافئاً.

​تجمدت ليلى في مكانها، وشعرت بكهرباء تسري في جسدها. "في حد هنا…" الكلمات خرجت بهدوء مرعب. الحرارة كانت واضحة، ليست حرارة قديمة من ساعات، بل من دقائق معدودة. رفعت عينيها ببطء نحو الممر الداخلي للشقة، وفي تلك اللحظة الفاصلة، سمعت صوتاً خفيفاً جداً.. صوت حركة من داخل الغرفة الجانبية، كأن شخصاً يعدل وضعيته أو يتحرك بحذر شديد ليراقبها.

​وقفت ليلى، جسمها كله مشدود كوتر كمان يوشك على الانفجار، لكنها لم تجر، ولم تصرخ؛ كان الفضول قد انتصر على الخوف تماماً. "في حد؟" نادت بصوت منخفض، كأنها تخشى إيقاظ وحش كاسر. لم يأتِ رد، لكن الحركة توقفت تماماً، وساد صمت أثقل من الجبال، صمت يوحي بأن الطرف الآخر يسمع دقات قلبها.

​بلعت ريقها وقالت بصوت أكثر ثباتاً: "أنا عارفة إن في حد هنا.. أنا شفت الكوباية." مرت ثوانٍ بدت كأنها دهر، ثم جاء الصوت.. خفيفاً جداً، أقرب لهمس الريح، لكنه اخترق روحها: "وأنا عارفة إنك جاية."

​كان صوتاً نسائياً، هادئاً، ومألوفاً بشكل يجعل الدماء تتجمد. خطت ليلى خطوة تجاه الغرفة، يدها تستند إلى الحائط لتتأكد من أن العالم لا يزال صلباً تحتها. "إنتي مين؟" السؤال خرج قوياً هذه المرة. لم تجب المرأة مباشرة، لكن الباب الداخلي انزاح قليلاً ببطء مريب، ليظهر فراغ أسود صغير.

​وقفت ليلى أمام الفتحة، لم ترَ شيئاً، لكنها أحست بوجود شخص على الناحية الأخرى، قريب لدرجة أنها كادت تشم رائحته. "إنتي عارفة أنا مين كويس يا ليلى،" قال الصوت بنفس النبرة الهادئة، كأن ليلى تتحدث إلى نفسها في مرآة ناطقة.

​قلبها انقبض بشدة. "لأ.." قالتها بضعف. ثم جاء الرد القاتل: "أنا اللي كملت الطريق.. لما إنتي وقفتي وهربتي." الإحساس في تلك اللحظة كان مزيجاً من الارتباك وفهم ناقص بدأ يتشكل في عقلها كقطع أحجية دموية.

​"إنتي.." بدأت ليلى تقول، لكن الكلمات تلاشت. يدها شدت على المفتاح في جيبها، والنبض عاد للمعدن بقوة صاعقة. وفجأة، ضربتها ومضة أخرى؛ رأت نفسها في نفس الممر، لكنها لم تكن وحدها، كان هناك شخص بملامح بشوشة يقف بجانبها، وصوتها هي يقول في الذاكرة: "لو حصل حاجة.. ماتفتحيش الباب ده تاني يا ليلى."

​رجعت ليلى للواقع وهي تلهث. نظرت للباب الموارب أمامها وهمست: "إنتي كنتي هنا معايا زمان.."

رد الصوت ببرود: "كنت.. ولسه، والفرق إنك نسيتي، وأنا عشت."

​سكتت ليلى لحظة، ثم سألت السؤال الذي يختصر كل هذا الرعب: "إحنا بنهرب من إيه؟"

طال الصمت، كأن الإجابة ثقيلة لدرجة أنها قد تهدم الشقة فوق رؤوسهم. ثم جاء الرد أبطأ وأثقل من كل ما سبق: "مش بنهرب.. إنتي اللي سيبتيه محبوس هنا وافتكرتي إنك قفلتي عليه للأبد.. بس الحقيقة إنه كان مستني اللحظة دي عشان يخرج."

​في تلك اللحظة، رأت ليلى ظلاً يتحرك في الفراغ الصغير خلف الباب، ظلاً بدأ يقترب ببطء شديد، ومع كل خطوة كان الإحساس داخلها يصرخ بحقيقة واحدة: إن الذي سيخرج من وراء هذا الباب.. هو أكثر شخص تعرفه في هذا العالم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ما تبقي من ليلي   الفصل 119 — بداية النهاية

    "أنا… جديد."قالها بهدوء، لكن صوته لم يكن عاديًا.كان فيه شيء… قديم.أقدم من المكان نفسه.ليلى لم ترد فورًا.وقفت مكانها، عيناها ثابتتان عليه، كأنها تحاول تفكيك كل كلمة قالها، كل نبرة، كل اهتزاز خفيف في صوته."جديد؟"سألت أخيرًا، بصوت منخفض."ولا راجع؟"ابتسم.ابتسامة صغيرة… لكنها لم تكن مطمئنة."الفرق بينهم… مش كبير زي ما انتي فاكرة."سكتت.والهواء من حولهم… بدأ يتغير.الجدران التي كانت ثابتة، بدأت ترتعش بشكل خفيف، كأنها تستجيب لوجوده.ليلى لاحظت ذلك فورًا."إنت السبب."قالتها بنبرة حاسمة."من ساعة ما ظهرت… اللعبة بدأت تتغير."رفع رأسه قليلًا، وكأن كلامها أثار اهتمامه."اللعبة…؟"كررها، ثم ضحك ضحكة قصيرة."إنتي لسه فاكرة إن ده مجرد لعبة؟"صمت.ثقل.الكلمة علّقت في الهواء.ليلى شدّت قبضتها."يبقى إيه؟"اقترب خطوة.خطوة واحدة فقط… لكن المسافة بينهم اختفت تقريبًا."ده… مكان."قالها ببطء."مكان بيتكوّن… من اللي بيدخله."عينا ليلى ضاقت."يعني إحنا اللي بنبنيه؟""إحنا… واللي قبلنا."العبارة دي خلت قلبها يدق أسرع."قبلنا؟"هز رأسه."ناس كتير دخلت هنا… ومخرجتش."سكت لحظة، ثم أضاف:"بس سابت أ

  • ما تبقي من ليلي    الفصل الثامن عشر بعد المائة

    الشيء الذي لا يجب أن يعرف اسمك لم تنم الأم. لم يكن خوفًا عاديًا… ولا قلقًا مؤقتًا. كان إحساسًا ثابتًا، ثقيلًا، كأنه جالس فوق صدرها… لا يتحرك. منذ ما حدث في المدرسة، وكل شيء تغيّر. ليلى لم تتكلم في الطريق. لم تسأل. لم تنظر حتى من الشباك. فقط… كانت جالسة. هادئة. بشكل مرعب. — الهدوء لم يكن راحة. كان انتظارًا. — عندما دخلوا البيت، لم تخلع ليلى حذاءها. لم تذهب لغرفتها. وقفت في منتصف الصالة. ثابتة. — “ليلى…” قالتها الأم بحذر. — لم ترد. — لكن رأسها مال ببطء. كأنها تسمع شيئًا. — “هو هنا.” قالتها فجأة. — الدم في عروق الأم برد. — “مين؟” — لم تنظر لها. — “مش لازم تشوفيه عشان تعرفي.” — الصمت امتلأ. — الأم شعرت به ليس كصوت و لا كصورة و لكن كـ وجود. — في البيت. — “إحنا مش لوحدنا.” — خطوة للخلف. ثم خطوة تانية. — “ليلى… بس كفاية… إحنا ننام، وبكرة—” — “بكرة إيه؟” قاطعتها. — نظرت لها. — العينين… مش ثابتين. كأن في طبقتين. واحدة فوق التانية. — “هو مش بيستنى.” — فجأة… خبط على الباب قو

  • ما تبقي من ليلي   الفصل السابع عشر بعد المئة

    عندما لا يعود هناك فرق بين الداخل… والخارجلم تستطع الأم أن تتحرك.جسدها كان على الأرض… لكن عقلها لم يعد في نفس المكان.الصورة لم تختفِ.لم تكن مجرد رؤية عابرة… بل شيء انغرس داخلها.شيء فتح بابًا… ولم يغلقه.—كانت ترى.لكن ليس بعينيها.—ممر طويل… بلا نهاية واضحة.جدرانه ليست ثابتة، تتحرك ببطء، كأنها تتنفس.أصوات خافتة تتردد… ليست كلمات، لكنها تحمل معنى.ومع كل خطوة داخل هذا الممر… كان هناك إحساس واحد يزداد:أنها مُراقَبة.—“شايفة؟”الصوت جاء… من كل الاتجاهات.—“ده المكان اللي إنتي رفضتي تصدقيه.”—حاولت أن تتكلم… لكن لم يكن لها فم.حاولت أن تتحرك… لكن لم يكن لها جسد.—فقط… وعي.—وفجأة——توقفت.—لأنها شعرت بشيء… خلفها.—ببطء… استدارت.—وكان هناك.—ليس شكلًا واضحًا…ليس إنسانًا…ليس حتى ظلًا كاملًا…—بل حضور.—أطول مما يجب.أقرب مما يجب.وأقوى… بشكل لا يُحتمل.—ثم——تحرك.—خطوة واحدة فقط.—لكنها كانت كافية.—لأن كل شيء اهتز.—وكل الأصوات سكتت.—ثم——فتح… ما يشبه العين.——صرخت.——وعادت.—جسدها ارتفع فجأة من الأرض.شهقت بعنف، كأنها كانت غارقة وخرجت للهواء.العرق

  • ما تبقي من ليلي   الفصل السادس عشر بعد المئة/ عندما يراك… من الداخل

    لم تتحرك الأم لعدة ثوانٍ بعد أن جلست ليلى على الأرض وبدأت اللعب.المشهد أمامها كان عاديًا… إلى حد الإهانة.طفلة صغيرة، تمسك دمية، تحرّكها يمينًا ويسارًا، وتصدر أصواتًا خفيفة كأنها تحكي لها قصة. الضوء يدخل من الشباك، يلمس أطراف الأثاث، ويصنع ظلالًا هادئة على الأرض. لا شيء—ظاهريًا—يستدعي الخوف.لكن المشكلة لم تعد في ما تراه.المشكلة… في ما تعرفه.تقدّمت خطوة ببطء، وكأنها تختبر الأرض تحت قدميها. كانت تشعر بثقل في صدرها، كأن الهواء نفسه أصبح أكثر كثافة. عيناها لم تتركا ليلى، لا لثانية. كانت تراقب كل تفصيلة: حركة الأصابع، انحناءة الرأس، توقيت الابتسامة.“ليلى…”قالتها بصوت منخفض، حذر.لم ترفع ليلى رأسها.“نعم يا ماما؟”النبرة طبيعية. هادئة. مطمئنة.وهذا… كان أسوأ ما في الأمر.تقدّمت الأم خطوة أخرى، حتى أصبحت قريبة بما يكفي لترى عينيها بوضوح. عندها فقط رفعت ليلى رأسها، ببطء محسوب، كأنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة.تلاقت أعينهما.لجزء من الثانية—جزء صغير جدًا—لم ترَ الأم نفسها في عيني ابنتها.لم يكن هناك انعكاس.كأن العينين… عمق فارغ.ثم عاد كل شيء لطبيعته.رمشت ليلى. ابتسمت.“في حاجة؟”تراج

  • ما تبقي من ليلي   الفصل الخامس عشر بعد المئة

    حين يصبح الكذب هو الأمانلم تنم الأم تلك الليلة.لم يكن الأمر مجرد أرق عابر، بل حالة يقظة قسرية، كأن جسدها يرفض الدخول في النوم خوفًا مما قد يحدث أثناءه. كانت مستلقية، عيناها مفتوحتان في الظلام، تتابع تفاصيل السقف كأنها تحاول تثبيتها في مكانها، كأنها تخشى أن تتحرك.لكن المشكلة لم تكن في الغرفة.المشكلة… كانت داخل رأسها.كلما أغلقت عينيها لثوانٍ، كانت ترى نفس المشهد:يد تخرج ببطء من شق مظلم، ليست يدًا كاملة، بل شيء يتكوّن… يتشكل… وكأنه يتعلم كيف يكون يدًا.ثم صوت—ليس مسموعًا، بل محسوسًا—ينادي باسمها من الداخل، من مكان لا يمكن الوصول إليه.فتحت عينيها فجأة، شهقت بصوت خافت، وجلست على السرير. قلبها يدق بسرعة غير طبيعية، ويدها تتحرك على صدرها كأنها تحاول تثبيت نفسها داخل جسدها.“ده مش حقيقي…”قالتها بصوت منخفض، لكن نبرتها كانت مهزوزة، كأنها لا تقنع حتى نفسها.نظرت ناحية باب الغرفة.كان مغلقًا. ثابتًا. طبيعيًا.لكن إحساسًا ثقيلًا استقر في صدرها…إحساس واضح أن هناك شيئًا خلف الباب.ليس صوتًا.ليس حركة.بل وجود.وجود ينتظر.—وقفت ببطء. قدماها لامستا الأرض الباردة، لكنها لم تشعر بالبرودة. جسد

  • ما تبقي من ليلي   الفصل الرابع عشر بعد المئة: حين لا يطيعك الواقع

    لم تكن الأم تصرخ هذه المرة.الصوت… اختفى.كأن الألم نفسه امتصه شيء داخلها، أو كأن عقلها قرر أن الصراخ لم يعد له معنى.كانت جالسة على الأرض، ظهرها ملتصق بالحائط، وذراعها ممدودة بزاوية خاطئة قليلًا… زاوية لا تحتاج خبرة طبية لتفهم أنها ليست سليمة.أنفاسها قصيرة.متقطعة.وعيناها… لا تتركان ليلى.ليلى لم تتحرك.واقفة أمامها… بنفس الثبات.لكن هذا الثبات لم يعد مجرد “غريب”.كان تهديدًا.الصمت بينهما لم يكن فراغًا…بل مساحة مشحونة، أي حركة فيها قد تفجّر كل شيء."ليلى…" خرجت الكلمة أخيرًا من فم الأم، بصعوبة، كأنها تمر عبر حافة حادة."أنا… مش هعملك حاجة…"لا رد.لكن…رمشة واحدة.بطيئة.غير متزامنة مع الموقف."سيبيني أقوم بس…" أكملت، وهي تحاول تسحب جسدها قليلًا على الأرض، متجاهلة الألم الذي صرخ داخل ذراعها."نهدى… ونفهم…""تفهمي إيه؟"الصوت جاء هادئًا.بهدوء غير مريح.ليلى لم تتحرك… لكن صوتها خرج وكأنها أقرب."إن بنتك… مش بنتك؟"تجمدت الأم."ولا إنك كنتي شايفة… ومش راضية تصدقي؟"بدأت الأم تهز رأسها ببطء."لا… لا… أنا شايفة بنتي… إنتي بنتي…"ابتسمت ليلى.لكن هذه المرة… الابتسامة كانت صغيرة.محسوب

  • ما تبقي من ليلي   الفصل الثاني ضجيج الصمت

    ​استيقظت ليلى في صباحها الأول على سيمفونية المطر الرتيبة؛ حبات الماء كانت تضرب زجاج الشباك بانتظام وهدوء، لكنه كان هدوءاً مستفزاً، كأن السماء تحاول إرسال شفرة مجهولة لم تستطع فك رموزها بعد. برغم أن صوت المطر عادة ما يبعث السكينة في القلوب، إلا أن ليلى لم تكن مرتاحة؛ كانت تشعر بوزن ثقيل يجثم على صدره

  • ما تبقي من ليلي   الفصل الثالث شظايا الحقيقة

    كان قلب ليلى يدق بسرعة جنونية، نبضات قوية ومزعجة لدرجة أنها شعرت بها تُقرع في أذنيها كطبول حرب لا تهدأ، وكأن جسدها يحذرها من خطوة قد لا تعود منها أبداً. رغم ذلك الثوران الذي كاد يقتلع صدرها، حاولت التماسك بكل قوتها؛ أخذت نفسًا عميقًا وبطيئًا، وهي تردد في داخلها بصرامة تحاول بها إسكات رعشة أطرافها ال

  • ما تبقي من ليلي   الفصل الرابع مفتاح الخطيئة

    وقفت ليلى في منتصف الغرفة، والمفتاح ما زال بين أصابعها، ينبض بحرارة غريبة كأنه كائن حي يتنفس داخل كفها. لم تسحبه… لم تُسقطه… فقط تركته هناك، كأنها تخشى أن تفقد هذا الخيط الوحيد الذي يربطها بشيء بدأت تشعر أنه أعمق من مجرد خوف عابر. الصوت الذي سمعته خلفها لم يكن صادمًا كما توقعت؛ الغريب أنه لم يفاجئها

  • ما تبقي من ليلي    الفصل السابع حبر الذاكرة الغريب

    لم تختفِ تلك الصورة البشوشة فوراً من مخيلة ليلى؛ الخطوط التي بدأت تتكون على الحائط في الشقة الموازية، شكل الباب الجديد الذي كان يبرز من العدم.. كل ذلك ظل محفوراً في ذهنها كوشم بارد، حتى وهي تتحرك الآن خارج ذلك القبو اللعين. لم تنتظر لترى اكتمال المشهد، ولم تحاول لمسه؛ كان هناك إحساس داخلي، هادئ لكنه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status