LOGINلم تستغرق ليلى وقتًا طويلًا في التفكير؛ كانت تشعر أن الوقوف على الأعتاب هو الموت بحد ذاته. الصوت الذي خرج من خلف الباب كان واضحًا كأنه يخرج من حنجرتها هي، صدى مألوف لدرجة مرعبة، لكن رغم ذلك، لم تتراجع خطوة واحدة. كانت هناك لحظة صمت قصيرة بين نبضتين متلاحقتين، لحظة قررت فيها بقلب ميت أن التردد لن يفيدها هذه المرة، وأن الحقيقة مهما كانت قاسية، فهي أرحم من هذا الجهل القاتل.
أدخلت المفتاح في القفل، وشعرت برعشة خفيفة تسري من المعدن البارد إلى ذراعها. صوت احتكاك المفتاح بمسننات القفل بدا أعلى مما ينبغي، كأنه يتردد في مكان أوسع بكثير من ذلك الممر الضيق والموحش، كأن العمارة كلها تصغي لهذه اللحظة. لفت المفتاح ببطء شديد، وكل جزء داخلها كان يتابع الحركة بتركيز حاد، كأن العملية تحدث في تجاويف قلبها لا في خشب الباب. "طَق…" انفتح القفل، وصدر صوت معدني أعلن عن انكسار القيد الأخير. توقفت يد ليلى للحظة على المقبض المعدني البارد، لم يكن خوفاً بالمعنى التقليدي، بل كان إحساساً غريباً بالرهبة، بأنها على وشك عبور خط فاصل.. ليس مجرد باب خشبي، بل بوابة بين عالمين. ثم دفعت الباب. لم يُصدر الباب أي صرير هذه المرة، بل فتح بسلاسة مريبة وهدوء قاتل، كأنه كان مزيتاً وينتظر قدومها منذ وقت طويل جداً. خطت خطوة واحدة إلى الداخل، وهي تحبس أنفاسها في صدرها.. وتجمدت. لم يكن هناك قبو غارق في العفن، ولم يكن هناك ظلام كثيف يبتلع الرؤية، بل كانت أمامها.. الشقة. نفس الشقة 408 التي خرجت منها للتو، لكنها لم تكن كما تركتها منذ دقائق. الإضاءة كانت خافته ودافئة تنبعث من مصابيح جانبية لم تكن موجودة، الهواء لم يكن ثقيلاً برائحة الرطوبة، بل كان عادياً.. ساكناً، وقابلاً للتنفس بعمق. الأرضية كانت نظيفة ولامعة، لا أثر للغبار المتراكم، ولا لشظايا الزجاج المكسور التي كانت تملأ المكان وتجرح ذكرياتها منذ قليل. تحركت ببطء، عيناها تتحركان بذهول بين التفاصيل؛ الطاولة الخشبية في مكانها المتوسط، لكنها لم تعد مغطاة بتلك الملاءات البيضاء التي تشبه الأكفان. الستارة كانت ثابتة ومنسدلة بأناقة، لا تتحرك بفعل رياح مجهولة. كل شيء بدا طبيعياً.. أكثر مما ينبغي، وهذا هو قمة الرعب. "ده مش نفس المكان…" همست ليلى، وصوتها بدا غريباً في هذا الهدوء. لكن عقلها كان يرفض التصديق؛ كل شيء يصرخ بأنها نفس الشقة بتفاصيلها الهندسية، لكن الزمن هنا يبدو وكأنه انحرف عن مساره. تقدمت خطوة أخرى، ثم أخرى، وحذاؤها لم يُصدر الصوت المعتاد على الأرضية، وكأن المكان يمتص حركتها ووجودها. وصلت إلى منتصف الغرفة، وبدأت تدور حول نفسها بتركيز يحاول التقاط أي غلطة في هذا المشهد المثالي. وفي تلك اللحظة، لاحظت شيئاً لم يكن موجوداً من قبل على الحائط المقابل؛ صورة. اقتربت منها ببطء، قلبها يدق بانتظام ثقيل. كان إطار الصورة بسيطاً، قديماً نسبيًا لكنه نظيف جداً. رفعت يدها المرتعشة ولمست الحافة الخشبية بحذر، ثم نظرت داخل الصورة.. وتوقفت أنفاسها تماماً. كانت الصورة لها، لكنها ليست ليلى التي تعرفها في المرآة كل صباح. كانت واقفة في نفس هذه الشقة، ترتدي ملابس أبسط وأهدى، شعرها مربوط بطريقة تقليدية لا تفعلها ليلى أبداً في حياتها اليومية. لكن الأهم من الملابس والشعر كانت النظرة؛ لم تكن نظرة ليلى الخائفة والمشتتة، بل كانت نظرة هادئة، عميقة، كأن صاحبة الصورة تفهم كل لغز يحيط بهذا المكان، كأنها تملك مفاتيح الكون كله بين يديها. سحبت ليلى يدها بسرعة كأن الصورة لسعتها. "دي مش أنا…" قالتها، لكن نبرة الإنكار في صوتها لم تكن مقنعة حتى لنفسها. "ولا يمكن تكون.." الفكرة المجنونة قفزت لذهنها لكنها لم تجرؤ على إكمالها. لفت بسرعة تحاول الهروب من نظرات الصورة، وبينما هي تمسح الغرفة بعينيها، لاحظت شيئاً آخر على الطاولة؛ كوب شاي. كان فيه بقايا سائل، ومدت يدها لتلمسه بفضول قاتل.. كان لا يزال دافئاً. تجمدت ليلى في مكانها، وشعرت بكهرباء تسري في جسدها. "في حد هنا…" الكلمات خرجت بهدوء مرعب. الحرارة كانت واضحة، ليست حرارة قديمة من ساعات، بل من دقائق معدودة. رفعت عينيها ببطء نحو الممر الداخلي للشقة، وفي تلك اللحظة الفاصلة، سمعت صوتاً خفيفاً جداً.. صوت حركة من داخل الغرفة الجانبية، كأن شخصاً يعدل وضعيته أو يتحرك بحذر شديد ليراقبها. وقفت ليلى، جسمها كله مشدود كوتر كمان يوشك على الانفجار، لكنها لم تجر، ولم تصرخ؛ كان الفضول قد انتصر على الخوف تماماً. "في حد؟" نادت بصوت منخفض، كأنها تخشى إيقاظ وحش كاسر. لم يأتِ رد، لكن الحركة توقفت تماماً، وساد صمت أثقل من الجبال، صمت يوحي بأن الطرف الآخر يسمع دقات قلبها. بلعت ريقها وقالت بصوت أكثر ثباتاً: "أنا عارفة إن في حد هنا.. أنا شفت الكوباية." مرت ثوانٍ بدت كأنها دهر، ثم جاء الصوت.. خفيفاً جداً، أقرب لهمس الريح، لكنه اخترق روحها: "وأنا عارفة إنك جاية." كان صوتاً نسائياً، هادئاً، ومألوفاً بشكل يجعل الدماء تتجمد. خطت ليلى خطوة تجاه الغرفة، يدها تستند إلى الحائط لتتأكد من أن العالم لا يزال صلباً تحتها. "إنتي مين؟" السؤال خرج قوياً هذه المرة. لم تجب المرأة مباشرة، لكن الباب الداخلي انزاح قليلاً ببطء مريب، ليظهر فراغ أسود صغير. وقفت ليلى أمام الفتحة، لم ترَ شيئاً، لكنها أحست بوجود شخص على الناحية الأخرى، قريب لدرجة أنها كادت تشم رائحته. "إنتي عارفة أنا مين كويس يا ليلى،" قال الصوت بنفس النبرة الهادئة، كأن ليلى تتحدث إلى نفسها في مرآة ناطقة. قلبها انقبض بشدة. "لأ.." قالتها بضعف. ثم جاء الرد القاتل: "أنا اللي كملت الطريق.. لما إنتي وقفتي وهربتي." الإحساس في تلك اللحظة كان مزيجاً من الارتباك وفهم ناقص بدأ يتشكل في عقلها كقطع أحجية دموية. "إنتي.." بدأت ليلى تقول، لكن الكلمات تلاشت. يدها شدت على المفتاح في جيبها، والنبض عاد للمعدن بقوة صاعقة. وفجأة، ضربتها ومضة أخرى؛ رأت نفسها في نفس الممر، لكنها لم تكن وحدها، كان هناك شخص بملامح مشوشة يقف بجانبها، وصوتها هي يقول في الذاكرة: "لو حصل حاجة.. ماتفتحيش الباب ده تاني يا ليلى." رجعت ليلى للواقع وهي تلهث. نظرت للباب الموارب أمامها وهمست: "إنتي كنتي هنا معايا زمان.." رد الصوت ببرود: "كنت.. ولسه، والفرق إنك نسيتي، وأنا عشت." سكتت ليلى لحظة، ثم سألت السؤال الذي يختصر كل هذا الرعب: "إحنا بنهرب من إيه؟" طال الصمت، كأن الإجابة ثقيلة لدرجة أنها قد تهدم الشقة فوق رؤوسهم. ثم جاء الرد أبطأ وأثقل من كل ما سبق: "مش بنهرب.. إنتي اللي سيبتيه محبوس هنا وافتكرتي إنك قفلتي عليه للأبد.. بس الحقيقة إنه كان مستني اللحظة دي عشان يخرج." في تلك اللحظة، رأت ليلى ظلاً يتحرك في الفراغ الصغير خلف الباب، ظلاً بدأ يقترب ببطء شديد، ومع كل خطوة كان الإحساس داخلها يصرخ بحقيقة واحدة: إن الذي سيخرج من وراء هذا الباب.. هو أكثر شخص تعرفه في هذا العالم.كانت الشمس تغرب بهدوء مهيب، والضوء الذهبي يتشبث بأطراف البنايات العتيقة كأنه يرفض الرحيل ويخشى ما قد يأتي به الليل من أسرار. في تلك اللحظة الفارقة، وقفت ليلى أمام مدخل العمارة الجديدة، ورفعت رأسها لتتأمل تلك الشرفات المتراصة التي نال منها الزمن. المكان كان غريباً؛ ليس مرعباً بالمعنى التقليدي، لكنه لم يكن مريحاً كذلك، كان يحمل هيبة صامتة توحي بأن خلف كل نافذة مغلقة قصة لم تُروَ بعد. في يدها كانت تحمل حقيبة صغيرة تضم شتات حياتها، وفي كفها الآخر تضغط على مفتاح الشقة رقم 407. نظرت إلى المفتاح اللامع لحظة، وكأنها تسأل نفسها في حوار داخلي مرير: "أنا فعلاً جاهزة أبدأ من هنا؟" أخذت نفساً خفيفاً، وقررت أن تخطو خطوتها الأولى نحو المجهول الذي ينتظرها خلف الأبواب الموصدة. قبل أن تضع قدمها على أول درجة، انفتح الباب الصغير المجاور للمدخل بصرير خافت، وخرج منه رجل مسن، اشتعل رأسه شيباً وعيناه تحملان نظرة غريبة.. نظرة غير مفهومة، تائهة بين الترحيب والتحذير الشديد. "أنتي الساكنة الجديدة؟ شقة 407؟" صوته كان عادياً، لكن نبرته لم تكن كذلك؛ كان يسأل وهو يعرف الإجابة مسبقاً، أو ربما كان خائفاً من
استيقظت ليلى في صباحها الأول على سيمفونية المطر الرتيبة؛ حبات الماء كانت تضرب زجاج الشباك بانتظام وهدوء، لكنه كان هدوءاً مستفزاً، كأن السماء تحاول إرسال شفرة مجهولة لم تستطع فك رموزها بعد. برغم أن صوت المطر عادة ما يبعث السكينة في القلوب، إلا أن ليلى لم تكن مرتاحة؛ كانت تشعر بوزن ثقيل يجثم على صدرها منذ لحظة فتح عينيها، كأن الهواء في الشقة أصبح أكثر كثافة. استلقت للحظة تراقب سقف الغرفة الشاحب، وأول ما قفز إلى مخيلتها كان "الظرف الغامض"، وذلك الهمس الأنثوي الذي اخترق سكون ليلتها بالأمس. أغمضت عينيها مرة أخرى، وهي تحاول جاهدة إقناع نفسها بعبارة واحدة: "يمكن كنت بحلم.. أكيد كل ده كان مجرد كابوس بسبب إرهاق النقل." لكن الإحساس البارد الذي كان لا يزال يسكن أطرافها، واليقظة الغريبة في حواسها، كانا يصرخان بالعكس. قامت من السرير ببطء، ووقفت لثوانٍ وهي تراقب اهتزاز الستائر الخفيف، ثم اتجهت فوراً نحو باب الشقة لتفقد إجراءاتها الأمنية. ليلى لم تكن فتاة عادية تعتمد على الصدف، بل كان ذكاؤها الفطري يدفعها دائماً لتأمين خطواتها؛ لذا كانت قد وضعت "فخاخاً" بسيطة قبل أن تغط في النوم: خيط رفيع جداً تح
كان قلب ليلى يدق بسرعة جنونية، نبضات قوية ومزعجة لدرجة أنها شعرت بها تُقرع في أذنيها كطبول حرب لا تهدأ، وكأن جسدها يحذرها من خطوة قد لا تعود منها أبداً. رغم ذلك الثوران الذي كاد يقتلع صدرها، حاولت التماسك بكل قوتها؛ أخذت نفسًا عميقًا وبطيئًا، وهي تردد في داخلها بصرامة تحاول بها إسكات رعشة أطرافها التي كادت تفضح ضعفها أمام هذا الصمت المريب: "الخوف مش هيساعدني… الخوف عدو العقل، وأنا محتاجة عقلي دلوقتي أكتر من أي وقت فات." وقفت أمام باب الشقة 408 الموارب، وعيناها مثبتتان بحدة على الستارة التي كانت تتحرك ببطء مريب خلف الزجاج؛ حركة ناعمة وانسيابية رغم أن الهواء في الممر كان ساكنًا تماماً، ولا توجد حتى نسمة ريح واحدة تفسر ذلك التمايل المتناغم مع سكون الموت في المكان. بلعت ريقها وهي تسأل نفسها بصوت مخنوق يكاد لا يسمع من فرط التوتر: "في حد جوه… ولا في حاجة تانية أنا مش فاهماها؟" في تلك اللحظة القاسية، مرّ صوت أمها الحنون في عقلها كطوق نجاة يرفرف حول روحها ليمنحها الثبات: "خلي عقلك سابق خوفك يا ليلى… اللي بيخاف من ضله بيفضل طول عمره في الضلمة، والحقيقة دايمًا بتستخبى ورا أكتر حاجة بنخا
وقفت ليلى في منتصف الغرفة، والمفتاح ما زال بين أصابعها، ينبض بحرارة غريبة كأنه كائن حي يتنفس داخل كفها. لم تسحبه… لم تُسقطه… فقط تركته هناك، كأنها تخشى أن تفقد هذا الخيط الوحيد الذي يربطها بشيء بدأت تشعر أنه أعمق من مجرد خوف عابر. الصوت الذي سمعته خلفها لم يكن صادمًا كما توقعت؛ الغريب أنه لم يفاجئها، وكأن جزءًا منها كان يعرف أنه سيظهر… أو ربما كان ينتظره منذ اللحظة التي وطأت فيها قدماها هذه العمارة الملعونة برائحة المسك والغموض. لفّت ببطء، دون استعجال، وكأنها تتحرك في حلم ثقيل داخل مياه راكدة. في الركن المظلم، وقف الرجل المقنع كما هو، ساكنًا بلا حركة تُذكر، كأنه جزء من الجدار، أو ظل انفصل عن صاحبه وقرر أن يعيش وحده في هذا الفراغ الموحش. عيناه فقط كانتا واضحتين؛ بريق فضي بارد يشبه انعكاس الضوء على شظايا زجاج مكسور وسط ليلة شتوية مظلمة. نظرت إليه ليلى طويلًا، دون أن تتراجع خطوة واحدة، كانت عيناها تتحدى ذلك السكون المريب الذي يحيط به. "إنت مين؟" قالتها بصوت منخفض، لكنه يحمل ثباتاً أدهشها هي شخصياً، ثباتاً استمدته من شعورها بأنها لم تعد تلك الساكنة الجديدة الغريبة. لم يرد الرجل فورً
لم تستغرق ليلى وقتًا طويلًا في التفكير؛ كانت تشعر أن الوقوف على الأعتاب هو الموت بحد ذاته. الصوت الذي خرج من خلف الباب كان واضحًا كأنه يخرج من حنجرتها هي، صدى مألوف لدرجة مرعبة، لكن رغم ذلك، لم تتراجع خطوة واحدة. كانت هناك لحظة صمت قصيرة بين نبضتين متلاحقتين، لحظة قررت فيها بقلب ميت أن التردد لن يفيدها هذه المرة، وأن الحقيقة مهما كانت قاسية، فهي أرحم من هذا الجهل القاتل.أدخلت المفتاح في القفل، وشعرت برعشة خفيفة تسري من المعدن البارد إلى ذراعها. صوت احتكاك المفتاح بمسننات القفل بدا أعلى مما ينبغي، كأنه يتردد في مكان أوسع بكثير من ذلك الممر الضيق والموحش، كأن العمارة كلها تصغي لهذه اللحظة. لفت المفتاح ببطء شديد، وكل جزء داخلها كان يتابع الحركة بتركيز حاد، كأن العملية تحدث في تجاويف قلبها لا في خشب الباب."طَق…"انفتح القفل، وصدر صوت معدني أعلن عن انكسار القيد الأخير. توقفت يد ليلى للحظة على المقبض المعدني البارد، لم يكن خوفاً بالمعنى التقليدي، بل كان إحساساً غريباً بالرهبة، بأنها على وشك عبور خط فاصل.. ليس مجرد باب خشبي، بل بوابة بين عالمين.ثم دفعت الباب. لم يُصدر الباب أي صرير هذ
وقفت ليلى أمام باب شقتها للحظات طويلة، وكأن الزمن قد توقف فجأة ليتيح لها فرصة مراقبة نفسها من بعيد وهي تحاول استيعاب هذا الإعصار الصامت الذي يضرب حياتها. كانت الورقة التي التقطتها من تحت الباب تقبع في قبضتها الآن، تشعر بملمسها الخشن الذي يكاد يحترق من فرط التوتر والفضول الذي يغلي في صدرها كمرجل لا يهدأ. عبارة واحدة كانت كافية لزلزلة ما تبقى من ثباتها: "لقد بدأتِ تقتربين". كلمات بسيطة في ظاهرها، لكنها أثقلت صدرها كصخرة صماء، وحملت معها إحساساً غامضاً ومخيفاً بأن هناك عيناً خفية تتبع أدق تفاصيلها، تعرف وقع خطواتها ونبرة أفكارها وتوقيت أنفاسها أكثر مما ينبغي لأي غريب أن يعرف.أمالت رأسها لتنظر من خلال ثقب الباب الصغير (العين السحرية) إلى الممر؛ كان الممر صامتاً صمتاً لا يقطعه إلا أزيز المصابيح القديمة التي تومض برعشة احتضار. لا أثر لأي حركة بشرية، ولا صدى لخطوات الشخص الذي وضع الرسالة واختفى كالدخان. خفق قلبها بعنف، شعرت ببرودة المفصل المعدني للباب تتسرب لظهرها حين أسندت نفسها عليه، وأغمضت عينيها بقوة، تحاول ترتيب تلك "الأحجية" المعقدة التي تتشابك خيوطها في رأسها كخيوط العنكبوت. كل رسا