مشاركة

الفصل 23

مؤلف: فتيحة
last update تاريخ النشر: 2026-07-25 18:51:41

مرت أيام قليلة منذ اللقاء الذي جمع نرمين بصديقتها سمر.

عادت كل واحدة إلى حياتها اليومية، وانشغلت بالعمل، بينما بقيت قضية سهام عالقة دون أي تطور يذكر، حتى بدأت تفاصيلها تتراجع قليلًا أمام ضغوط الحياة.

في صباح يوم الجمعة، كانت نرمين تجلس إلى طاولة الإفطار في الفيلا.

وضعت فنجان الشاي أمامها، ثم بدأت تقلب صفحات الجريدة دون اهتمام حقيقي.

دخل السيد ماهر إلى غرفة الطعام بعد أن أنهى مكالمة هاتفية قصيرة.

ابتسم عندما رآها.

"صباح الخير."

رفعت رأسها وابتسمت.

"صباح النور."

جلس إلى جوارها، ثم سكب لنفسه كوبًا من القهوة.

ساد الصمت لدقائق، قبل أن يقطعه وهو ينظر إليها.

"هل لديكِ ارتباطات مهمة غدًا؟"

هزت رأسها.

"لا، لماذا؟"

ابتسم ابتسامة غامضة.

"إذن لا تخططي لأي شيء."

رفعت حاجبيها.

"هذا ليس جوابًا."

ضحك بخفة.

"لأنني لم أنهِ كلامي بعد."

وضعت الجريدة جانبًا وهي تنظر إليه باهتمام.

"تفضل."

تنهد وهو يرتشف قهوته.

"منذ أسابيع ونحن بين العمل والمشكلات والتحقيقات... حتى أصبحنا لا نجد وقتًا لأنفسنا."

ابتسمت موافقة.

"معك حق."

نظر إليها بعينين مليئتين بالود.

"لذلك قررت أن أخطفك يومين."

ضحكت.

"تخطفني؟"

"نعم."

"وإلى أين ستأخذني أيها الخاطف؟"

اقترب قليلًا وهو يبتسم.

"إلى المزرعة."

اتسعت ابتسامتها.

"حقًا؟"

"اشتقت إليها... وأعتقد أنك اشتقتِ إليها أيضًا."

لم تنتظر ثانية واحدة.

"بالتأكيد."

أشار إليها بإصبعه مبتسمًا.

"إذن اتفقنا."

في صباح اليوم التالي، كانت الحقائب جاهزة.

خرجت نرمين من الفيلا وهي ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، وقبعة تحميها من الشمس.

نظر إليها السيد ماهر للحظات قبل أن يقول مبتسمًا:

"هل تنوين الذهاب إلى المزرعة... أم إلى جلسة تصوير؟"

نظرت إلى ملابسها ثم إليه.

"أيعجبك؟"

"بل أخشى أن تتسبب جمالك في توقف الطريق كله."

ضحكت وهي تهز رأسها.

"لا تبالغ."

فتح باب السيارة لها.

"أنا لا أبالغ... أنا أصف ما أراه."

ابتسمت وهي تجلس.

"أصبحت بارعًا في المجاملات."

أغلق الباب برفق.

"لأنني أملك أجمل امرأة."

لم تشعر بالخجل، بل نظرت إليه بابتسامة دافئة.

"وهذا الكلام... لن يجعلك تفلت من حمل الحقائب وحدك."

ضحك بصوت عالٍ.

"كنت أعلم أن للمجاملات ثمنًا."

غادرا المدينة شيئًا فشيئًا.

اختفت المباني العالية، وبدأت الطرق الواسعة تحيط بها الحقول والأشجار.

فتحت نرمين النافذة قليلًا.

دخل الهواء العليل إلى السيارة.

أغمضت عينيها وهي تستنشق رائحة الأرض.

"افتقدت هذا الهدوء."

نظر إليها السيد ماهر للحظة.

"لهذا أردت أن نأتي."

شغّل موسيقى هادئة، وواصل القيادة.

وبين حين وآخر، كانا يتبادلان الحديث والضحكات.

تذكرا أول رحلة قاما بها بعد الزواج.

قالت وهي تضحك:

"أتذكر عندما أضعت الطريق؟"

ابتسم.

"أنا لم أضع الطريق."

"بل أضعته."

"كنت أختبر قدرتك على قراءة الخرائط."

ضحكت.

"وفي النهاية طلبت المساعدة من أول مزارع مررنا به."

رفع كتفيه.

"النتيجة أننا وصلنا."

بعد نحو ساعتين، وصلا إلى المزرعة.

فتح السيد ماهر البوابة الحديدية الكبيرة.

تقدمت السيارة ببطء بين صفوف أشجار الزيتون والرمان.

كانت الأشجار تمتد على جانبي الطريق، بينما تتوسطها ممرات حجرية نظيفة.

وفي نهاية الطريق ظهر منزل ريفي واسع، بني بالحجر الطبيعي، تحيط به حديقة مليئة بالورود.

ما إن نزلت نرمين من السيارة حتى وقفت تتأمل المكان.

ابتسمت دون أن تشعر.

"كم اشتقت إليه."

اقترب منها السيد ماهر.

"وأنا اشتقت إلى رؤيتك سعيدة هكذا."

نظرت إليه.

"هل تعلم؟"

"ماذا؟"

"كل مرة آتي فيها إلى هنا أشعر وكأن العالم أصبح أبطأ."

ابتسم.

"وهذا هو السبب الذي جعلني أشتريه."

دخلا المنزل.

كان كل شيء كما تركاه في آخر زيارة.

الأثاث الخشبي يمنح المكان دفئًا، والنوافذ الكبيرة تسمح بدخول ضوء الشمس إلى كل زاوية.

وضعت نرمين حقيبتها، ثم بدأت تتجول بين الغرف.

كانت تلمس الأثاث بيديها، وكأنها تستعيد ذكريات قديمة.

وقف السيد ماهر عند باب المطبخ.

"هل أعد لكِ القهوة؟"

استدارت إليه مبتسمة.

"أنت؟"

"هل تشكين في مهاراتي؟"

ضحكت.

"بصراحة... قليلًا."

رفع كمّي قميصه.

"إذن شاهدي."

وبعد دقائق، خرج يحمل كوبين من القهوة.

تناولت أحدهما، ثم ارتشفت رشفة صغيرة.

توقفت للحظة، قبل أن تنظر إليه سوى شيء واحد...

أن يرى تلك الابتسامة تعود إلى وجه زوجته من جديد.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 28

    انتهى دوام العمل مع اقتراب المساء، لكن عقل نرمين ظل عالقًا بذلك الرقم المكتوب في الرسالة.أغلقت آخر ملف على مكتبها، ثم وضعت الرسالة داخل حقيبتها وغادرت الشركة.في طريق عودتها، توقفت عند أحد متاجر الاتصالات.اشترت شريحة هاتف جديدة، ثم جلست داخل سيارتها.أخرجت هاتفها القديم، وركبت الشريحة الجديدة، قبل أن تنظر مرة أخرى إلى الرقم المكتوب في الرسالة.أخذت نفسًا عميقًا، ثم ضغطت زر الاتصال.انتظرت...لكن بعد لحظات جاءها الصوت الآلي:"الهاتف الذي تحاول الاتصال به مغلق حاليًا."أغلقت المكالمة وهي تزفر بضيق.ظلت تحدق في شاشة الهاتف لثوانٍ، ثم وضعته داخل حقيبتها."يبدو أنني لن أحصل على أي إجابة اليوم."أدارت محرك السيارة، واتجهت إلى الفيلا.---عندما دخلت المنزل، كان الهدوء يملأ المكان.نظرت حولها، لكنها لم تجد ماهر.سألت الخادمة:"أين ماهر؟"أجابتها وهي ترتب المائدة:"اتصل قبل قليل، وقال إنه لا يزال في الشركة."أومأت نرمين، ثم أخرجت هاتفها واتصلت به.لم يطل الانتظار حتى جاءها صوته."مرحبًا."ابتسمت دون أن تشعر."أين أنت؟""ما زلت في الشركة. لدينا بعض الأعمال التي تأخرت، وقد أبقى هنا حتى وقت متأ

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 27

    دخلت المبنى، وأخذت رقم انتظار، ثم جلست تراقب شاشة الأرقام المعلقة على الجدار. لم يكن المكان مزدحمًا، لكن الدقائق مرت ببطء شديد. أخيرًا، ظهر رقمها. تقدمت نحو الموظف، ثم وضعت الورقة أمامه. قالت بهدوء: "أريد أن أعرف لمن يعود هذا الرقم." نظر الموظف إلى الرقم، ثم رفع رأسه معتذرًا. "أعتذر يا سيدتي، لكن لا يحق لنا إعطاء بيانات المشتركين." حاولت أن تشرح له أن الأمر مهم. إلا أنه كرر اعتذاره بنفس الهدوء. "هذه معلومات خاصة، ولا يمكننا الكشف عنها." أدركت أن إصرارها لن يغير شيئًا. شكرته، وغادرت الشركة. جلست داخل سيارتها وهي تشعر بخيبة أمل. أخرجت هاتفها، ثم بقيت تحدق فيه للحظات. تذكرت رجلًا يعرف والدها منذ سنوات، ويشغل منصبًا إداريًا في إحدى شركات الاتصالات. كانت تثق به، وتعرف أنه لن يتجاوز القانون، لكنه ربما يستطيع مساعدتها بما تسمح به صلاحياته. بحثت عن رقمه، ثم اتصلت به. "السلام عليكم، عمّ فؤاد." جاءها صوته الهادئ. "وعليكم السلام يا ابنتي نرمين، كيف حالك؟" "بخير، الحمد لله. أعتذر لإزعاجك." ابتسم. "لا تقولي هذا، ماذا هناك؟" ترددت قليلًا، ثم قالت: "أحتاج مساعدتك في معرفة ب

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 26

    وفي المقابل، لم يخلُ يومها من مكالمات ماهر، الذي كان يطمئن عليها كلما سنحت له الفرصة، ويسألها إن كانت تناولت غداءها أم لا. وكان ذلك يبعث في نفسها راحة افتقدتها منذ فترة. في صباح يوم الاثنين... دخلت نرمين شركتها كعادتها. ألقت التحية على الموظفين، ثم اتجهت إلى مكتبها. فتحت الباب، ودخلت وهي تراجع جدول اجتماعاتها. لكنها توقفت فجأة. كانت هناك ورقة بيضاء موضوعة في منتصف مكتبها. انعقد حاجباها. أغلقت الباب خلفها، ثم تقدمت ببطء. لم يكن على الورقة أي اسم... ولا أي توقيع. تناولتها بيدها، وبدأت تقرأ. "رقم الهاتف هذا سيغيّر حياتكِ." توقفت للحظة. ثم تابعت. "القرار بيدكِ..." "ابحثي عن صاحبه..." "أو أغلقي باب الجحيم، وعيشي بقية حياتكِ في نعمة الجهل." وفي أسفل الرسالة... كان هناك رقم هاتف فقط. حدقت فيه طويلًا. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. كانت هذه الرسالة الثانية. وهذا يعني أن الشخص الذي يرسلها ما زال يراقبها. وضعت الرسالة على المكتب، ثم ضغطت زر الاتصال الداخلي. دخلت سكرتيرتها بعد لحظات. ابتسمت قائلة: "أمرتِ باستدعائي، سيدتي؟" رفعت نرمين الرس

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 25

    انقضت عطلة نهاية الأسبوع أسرع مما تمنّت نرمين. مع بزوغ أول خيوط الفجر، غادرا المزرعة في طريق العودة إلى المدينة. كان الطريق هادئًا، وتبادل الزوجان حديثًا خفيفًا طوال الرحلة، حتى وصلا إلى الفيلا قبل أن تبدأ المدينة يومها بالكامل. دخلت نرمين إلى المنزل وهي تشعر بتعب السفر، لكنها كانت راضية عن اليومين اللذين قضتهما بعيدًا عن ضجيج العمل. وضعت حقيبتها في غرفة النوم، ثم ساعدت ماهر في إنزال بقية الأمتعة من السيارة. ابتسم لها وهو يحمل آخر حقيبة. "اذهبي واستريحي قليلًا، سأرتب الباقي." هزت رأسها مبتسمة. "لن أتركك تعمل وحدك." وبعد دقائق، انتهيا من إدخال كل شيء إلى المنزل. في صباح اليوم التالي، استيقظت نرمين باكرًا كعادتها. ارتدت ملابس العمل، ثم جلست أمام منضدة الزينة تراجع جدول اجتماعاتها لذلك اليوم. مدّت يدها نحو حقيبتها لتتأكد من وجود ختم الشركة الذي تستخدمه في توقيع المستندات المهمة. فتحت الجيب المخصص له. توقفت. أعادت البحث مرة أخرى. ثم فتحت الحقيبة بالكامل. اختفت ابتسامتها. "أين ذهب؟" أخرجت كل ما في الحقيبة ووضعته فوق السرير. ملفات... مفاتيح... محفظتها... مستحضرات التج

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 24

    بعد أن انتهيا من شرب القهوة، خرجت نرمين إلى الحديقة. كان الهواء منعشًا، ورائحة أشجار الزيتون تعبق في المكان. سارت ببطء بين الممرات الحجرية، تمرر أصابعها فوق أوراق الأشجار كلما اقتربت منها. لحق بها السيد ماهر، وقد ارتدى قبعة قش قديمة كان يحتفظ بها في المزرعة. ما إن رأته حتى انفجرت ضاحكة. نظر إليها باستغراب. "ما الذي يضحك؟" أشارت إلى القبعة. "لا أصدق أنك ما زلت تحتفظ بها." ابتسم وهو ينزعها عن رأسه. "وهل تذكرين من اشتراها لي؟" "أنا." "إذن لا يحق لكِ السخرية منها." اقتربت منه وأخذتها من يده، ثم وضعتها على رأسها. "الآن أصبحت أجمل." تأملها للحظات، ثم قال مبتسمًا: "كل شيء يصبح أجمل عندما يكون عليك." ابتسمت له ابتسامة دافئة. "أتعرف؟" "ماذا؟" "أحيانًا أتساءل كيف لا تنفد منك هذه الكلمات." ابتسم وهو يسير إلى جانبها. "لأنني لا أبحث عنها... أقول فقط ما أشعر به." لم ترد، لكنها أمسكت يده دون أن تشعر. واصلا السير بين الأشجار في هدوء. وصلا إلى شجرة زيتون كبيرة في طرف المزرعة. توقفت نرمين أمامها. "ما زالت هنا." ابتسم السيد ماهر. "ولماذا لن تكون هنا؟" وضعت يدها على جذعها. "

  • الزواج المثالي:انعكاس   الفصل 23

    مرت أيام قليلة منذ اللقاء الذي جمع نرمين بصديقتها سمر. عادت كل واحدة إلى حياتها اليومية، وانشغلت بالعمل، بينما بقيت قضية سهام عالقة دون أي تطور يذكر، حتى بدأت تفاصيلها تتراجع قليلًا أمام ضغوط الحياة. في صباح يوم الجمعة، كانت نرمين تجلس إلى طاولة الإفطار في الفيلا. وضعت فنجان الشاي أمامها، ثم بدأت تقلب صفحات الجريدة دون اهتمام حقيقي. دخل السيد ماهر إلى غرفة الطعام بعد أن أنهى مكالمة هاتفية قصيرة. ابتسم عندما رآها. "صباح الخير." رفعت رأسها وابتسمت. "صباح النور." جلس إلى جوارها، ثم سكب لنفسه كوبًا من القهوة. ساد الصمت لدقائق، قبل أن يقطعه وهو ينظر إليها. "هل لديكِ ارتباطات مهمة غدًا؟" هزت رأسها. "لا، لماذا؟" ابتسم ابتسامة غامضة. "إذن لا تخططي لأي شيء." رفعت حاجبيها. "هذا ليس جوابًا." ضحك بخفة. "لأنني لم أنهِ كلامي بعد." وضعت الجريدة جانبًا وهي تنظر إليه باهتمام. "تفضل." تنهد وهو يرتشف قهوته. "منذ أسابيع ونحن بين العمل والمشكلات والتحقيقات... حتى أصبحنا لا نجد وقتًا لأنفسنا." ابتسمت موافقة. "معك حق." نظر إليها بعينين مليئتين بالود. "لذلك قررت أن أخطفك يومين." ضح

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status