Mag-log inظلّت سُلاف تحدّق في المفتاح لحظات أطول مما أرادت.لم يكن كبيرًا ولا مزخرفًا. قطعة معدنية قديمة، اسودّت أطرافها من الزمن، وفي رأسها نقش صغير يشبه نصف دائرة يتوسطها خط مستقيم.أخذته بين أصابعها وقلبته.قال ريان: — هل تعرفينه؟هزّت رأسها.— لا.ثم أضافت وهي تنظر إلى الرجل الواقف أمامها: — لكن أبي يعرفه.تبادل الرجل وريان نظرة قصيرة.كان في أواخر الخمسينيات، يحمل آثار سفر طويل على وجهه، ومعطفه مبلل عند الكتفين. لم يبدُ عليه الخوف من المكان، ولا الفضول الزائد تجاه سُلاف. كأنه جاء لإنجاز مهمة محددة، ويريد العودة قبل أن تتغير السماء.قال:— طلب مني قيس أن أعطيك هذا عندما تهدأ أُفُق.سألته سُلاف: — ومتى كتب الرسالة؟— قبل وقت طويل.— كم؟ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة.— قيس لم يكن يحب إعطاء الأرقام عندما يتعلق الأمر بالأشياء التي يريد لها أن تنتظر.قال ريان: — من أنت؟— اسمي جابر.ثم وضع يده على صدره.— كنت أعمل في مرفأ أيلورا القديم.ارتفع حاجبا سُلاف.— مرفأ أيلورا؟— نعم.اقترب نائل من الطاولة.— ظننا أن المرفأ الذي أعيد فتحه هو المرفأ القديم نفسه.أجاب جابر:— هو جزء منه فقط.ساد الصمت.كانت
مرّت ثلاثة أشهر.ولم يحدث شيء يستحق أن يُكتب في سجل الطوارئ.وهذا، بالنسبة إلى أهل أُفُق، كان خبرًا غريبًا.في الماضي، كانت الأيام الهادئة تعني أن شيئًا ما يختبئ خلفها.أما الآن، فقد بدأ الناس يتعلمون أن الهدوء قد يكون مجرد هدوء.في السوق، كان الأطفال يركضون بين الباعة.عند الميناء، عادت القوارب إلى رحلاتها المنتظمة.وفي الحي الشرقي، اكتمل بناء البيوت الجديدة.أما سُلاف، فقد أصبحت تملك مشكلة لم تعرف كيف تتعامل معها.الملل.دخلت إلى ورشة الخشب في الصباح، فوجدت ريان يحاول تثبيت لوح فوق نافذة البيت.وقفت تراقبه.سقط المسمار على الأرض.انحنى يبحث عنه.ثم سقط لوح الخشب.قالت:— هل تريد المساعدة؟رفع رأسه.— لا.— متأكد؟— جدًا.— لأنك منذ عشر دقائق تحاول تثبيت اللوح نفسه.— هذه استراتيجية.ضحكت.— اسمها العناد.— والنتيجة واحدة.ناولته المسمار.أخذه منها.ثم قال:— لا تخبري أحدًا.— ماذا؟— أنني احتجت مساعدتك.— سأخبر الجميع.— كنت أعرف أنك لن تتغيري.ابتسمت.كانت هذه التفاصيل الصغيرة غريبة عليها.قبل وقت قصير، كان كل يوم يحمل سؤالًا عن العوالم، والماضي، والاختيارات، والساعة.أما الآن، فقد
كان أول صباح لم تستيقظ فيه أُفُق على خبر سيئ منذ وقت طويل.لم يصل رسول يركض من الشمال.لم تظهر راية على الأفق.لم يُسمع صوت إنذار عند الميناء.ولم يجد أحد رسالة مجهولة تحت باب المجلس.كانت الشمس تشرق فقط.وكأن العالم، للمرة الأولى، لم يكن يطلب منهم شيئًا.خرجت سُلاف من منزلها باكرًا، فوجدت ثلاثة رجال يتشاجرون أمام الطريق الجديد المؤدي إلى البحر.توقفت.قال الأول:— قلت إن هذا الطريق يجب أن يمر من هنا.رد الثاني:— وستقطع بذلك جزءًا من أرضي.قال الثالث:— وأنا أقول إنكم الاثنين مخطئان.ابتسمت سُلاف.قال أحدهم فور رؤيتها:— سُلاف! جيد أنك جئت.توقفت.نظرت إليه.ثم قالت:— لا.ارتبك الرجل.— ماذا؟— لا تنادني.ضحك ريان الذي كان خلفها.قال:— بدأت تتعلم.رمقتها سُلاف بنظرة ساخرة.ثم التفتت إلى الرجال.— ما المشكلة؟شرحوا لها الأمر.استمعت.ثم قالت:— ومن المسؤول عن الطريق؟أجاب أحدهم:— مجلس الطرق.— اذهبوا إليه.نظر الرجل إليها وكأنه توقع منها أن تحسم الأمر بنفسها.— لكننا ظننا أنك...قاطعته:— أنا ماذا؟لم يجب.ابتسمت.— بالضبط.ومضت.قال ريان وهو يلحق بها:— قاسٍ.— ضروري.— كنتِ تستطي
في اليوم التالي لسقوط الراية السوداء، اكتشفت أُفُق أن هزيمة فكرة أصعب بكثير من إسقاط راية.فالراية يمكن إنزالها في دقائق.أما الخوف الذي جعل الناس يرفعونها، فيحتاج إلى وقت أطول.منذ الصباح، امتلأت الساحة بالناس.بعضهم جاء ليسأل عن الطعام.آخرون عن الحماية.فريق ثالث أراد معرفة ما سيحدث للجنود الذين خدموا تحت الراية السوداء.وكان السؤال الأكثر تكرارًا:— ومن المسؤول الآن؟وقفت مريم أمام الحشد.نظرت إلى الوجوه المتعبة، ثم قالت:— لا أحد وحده.تعالت أصوات متداخلة.— ماذا يعني ذلك؟— ومن يتخذ القرار؟— ومن يحاسبنا إذا حدث شيء؟لم تحاول مريم إسكاتهم.تركت الأسئلة تتراكم.ثم قالت:— هذه الأسئلة ليست مشكلة.صمت الناس.— المشكلة أن نحتاج إلى شخص واحد حتى نشعر أن لدينا جوابًا.---في الطرف الآخر من الساحة، كان سليم يتحدث مع فارس.قال فارس:— ستعود الفوضى.رد سليم:— ربما.— أنت تقولها وكأن الأمر لا يعنيك.— بل يعنيني.ثم نظر إلى المدينة.— لكنني تعلمت شيئًا.— ماذا؟— عندما كنت أقول للناس: «اتبعوني وسأحميكم»، كنت أظن أنني أقدم لهم حلًا.ابتسم بسخرية.— الآن أدركت أنني كنت أقدم لهم شيئًا أخطر.
لم تنم سُلاف تلك الليلة.وضعت رسالة مالك على الطاولة، وجلست أمامها طويلًا.«المشكلة ليست في اليوم الثامن. المشكلة في الساعة الثالثة عشرة.»كان بإمكانها أن تذهب إلى أروَن فورًا.كان بإمكانها أن تبحث عن مالك، أو إلياس، أو أي سجل قديم يحمل تفسيرًا جديدًا.لكنها لم تفعل.لأول مرة، قررت ألا تطارد السؤال.وضعت الورقة في درج صغير وأغلقته.في الصباح، دخل ريان الغرفة فوجدها تعدّ الأكواب.قال:— كم واحدًا؟— سبعة.— لماذا سبعة؟— لأنني صنعت الشاي لسبعة أشخاص.نظر حوله.— ونحن أربعة.ابتسمت.— أعرف.— إذن؟— أردت أن أرى إن كنت ستلاحظ.أخذ كوبًا.— بدأت أخاف منك.— متأخر جدًا.جلس أمامها.ثم قال:— لم تفتحي رسالة مالك؟— لا.— لماذا؟أجابت:— لأنني لا أريد أن يجعلني هو أركض خلف السؤال الذي اختاره لي.نظر إليها لحظة.ثم ابتسم.— الآن بدأتِ تفهمين.---في الظهيرة، وصل نائل ومريم ويزن ويارا.وضع يزن مجموعة من الخرائط القديمة على الطاولة.قال:— بحثت في سجلات أروَن.— ماذا وجدت؟— الساعة الثالثة عشرة لم تكن اسمًا لساعة في البداية.رفعت سُلاف رأسها.— ماذا كانت؟— كانت اسمًا لفترة.فتح خريطة قديمة.—
كان الملف أقدم من بقية السجلات.حتى الورق بدا مختلفًا؛ أصفر، هشّ الحواف، وقد التصقت ببعض صفحاته رائحة رطوبة البحر.وضعت مريم يدها فوقه.— هل أنتِ متأكدة أننا نريد فتحه؟أجابت سُلاف:— لا.نظر إليها نائل باستغراب.— لا؟— لكنني متأكدة أننا نريد أن نعرف لماذا يخيفنا فتحه.جلس ريان إلى جانبها.أما إلياس فبقي واقفًا.قال:— الملف يعود إلى ما قبل اليوم الثامن.فتح يزن الصفحة الأولى.لم يكن فيها اسم مدينة.ولا اسم مؤسسة.ولا حتى تاريخ واضح.كان هناك سطر واحد:«المشروع: الإنسان الذي يعرف نفسه قبل أن يختارها.»توقفت سُلاف.ثم قالت:— مالك.أومأ إلياس.— نعم.قلب يزن الصفحة.ظهرت ملاحظات مكتوبة بخط دقيق.«إذا أمكن معرفة ما يخشاه الإنسان، يمكن معرفة ما سيختاره.»صفحة أخرى:«إذا أمكن معرفة ما يحبه، يمكن توقع ما سيضحي من أجله.»ثم:«إذا عرفنا ماضيه، يمكن تقدير مستقبله.»أغلقت سُلاف الملف.— هذا ليس علمًا.قالت مريم:— إنه محاولة لتحويل الإنسان إلى معادلة.— والأسوأ...رفع ريان نظره إليها.— ماذا؟قالت:— أن بعض الناس يريدون فعل ذلك بحجة حمايته.---في صباح اليوم التالي، طلبت سُلاف من إلياس أن يخب