Home / التشويق / الإثارة / السر المدفون / الجزء الخامس: الاعتراف المسجل

Share

الجزء الخامس: الاعتراف المسجل

Author: Frank
last update publish date: 2026-08-02 21:42:57

ساد الصمت في أرجاء المنزل، ولم يجرؤ أحد منا على لمس جهاز التسجيل لعدة دقائق.

كنت أحدق في الرسالة القصيرة التي وُضعت فوقه، بينما كانت كلماتها تتردد في رأسي:

"لا تثق بأحد... حتى أقرب الناس إليك."

رفع ياسر نظره نحوي وقال:

"أبي... هل يمكن أن يكون جدي قد قُتل فعلًا؟ لقد أخبرتني طوال حياتي أنه توفي في حادث."

أخذت نفسًا عميقًا، ثم جلست على الكرسي المقابل له.

قلت بصوت هادئ:

"هذا ما كنت أؤمن به طوال السنوات الماضية. قيل لي إن والدي سقط من أعلى الجبل أثناء عودته إلى المنزل، ولم يشك أحد في الأمر. لكن بعد كل ما اكتشفناه، بدأت أوقن أن الحقيقة كانت مخفية عمدًا."

وضعت الشريط داخل جهاز التسجيل، وضغطت زر التشغيل.

انطلق صوت خشخشة خافتة، ثم ساد الصمت لثوانٍ.

بعدها، ظهر صوت رجل مسن، متعب، لكنه واضح.

قال:

"إذا كنت تسمع هذا التسجيل يا سالم، فهذا يعني أنني لم أعد على قيد الحياة، وأن الحقيقة التي أخفيتها سنوات طويلة بدأت تخرج إلى النور."

تجمد الدم في عروقي.

همس ياسر:

"إنه... صوت جدي."

تابع الرجل حديثه:

"كنت واحدًا من خمسة رجال عثروا، قبل أكثر من ثلاثين عامًا، على نفق قديم يمتد تحت القرية. لم يكن النفق فارغًا، بل كان يقود إلى مخزن سري مليء بصناديق أثرية ووثائق قديمة ذات قيمة كبيرة."

توقف التسجيل لثانية، ثم عاد الصوت.

"اتفقنا على إبلاغ السلطات، لكن أحدنا رفض، وأراد بيع كل شيء سرًا مقابل ثروة طائلة. حاولت منعه، فبدأ يهددني."

ثم انقطع الصوت فجأة.

أعدت تشغيل الشريط مرات عدة، لكنه لم يكمل.

قال ياسر بحسرة:

"انتهى التسجيل."

لكنني كنت متأكدًا من أن جزءًا منه قد مُزق عمدًا.

نظرت إلى ياسر وقلت:

"اتصل بوالدتك."

"لماذا؟"

"لأنها ستسافر إلى المدينة اليوم، وتبقى عند أختها حتى ينتهي كل هذا."

اعترضت زوجتي في البداية، لكنني لم أترك لها مجالًا للنقاش. قلت لها إن حالتها الصحية لا تحتمل رائحة هذا البيت، وإن الطبيبة في المدينة أفضل. لم أكذب عليها تمامًا، لكنني لم أقل لها الحقيقة كاملة أيضًا.

في الثالثة بعد الظهر، أوصلها ياسر إلى محطة الحافلات.

وحين عاد، قال لي وهو يجلس أمامي:

"لقد أبعدتها عن الخطر."

أجبته:

"بل أبعدتها عن ورقة ضغط. الرجل الذي يخاف على أحد، يمكن شراؤه."

وبينما كنا نتحدث، سُمع طرق قوي على الباب.

أخفينا الشريط بسرعة، ثم فتحت الباب بحذر.

كان الطارق شيخ القرية.

رجل تجاوز السبعين من عمره، يعرف الجميع ويحظى باحترامهم.

قال وهو ينظر حوله:

"أيمكنني الدخول؟ لدي أمر لا يحتمل التأجيل."

أجلسته في المجلس، وسكبت له كوبًا من الشاي.

ظل صامتًا للحظات، ثم قال:

"كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي."

سألته مباشرة:

"ماذا تعرف؟"

تنهد طويلًا، ثم قال:

"والدك لم يكن لصًا كما حاول البعض تصويره، بل كان رجلًا شريفًا. وقبل وفاته بأيام، جاءني وأخبرني أن حياته أصبحت في خطر، وأن هناك رجالًا مستعدين لقتل أي شخص يقترب من السرداب."

ثم أخرج من جيبه مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا.

وضعه أمامي وقال:

"احتفظت بهذا بناءً على وصيته."

سألته بدهشة:

"إلى ماذا يفتح هذا المفتاح؟"

هز رأسه قائلًا:

"لا أعلم... لكنه قال لي إنك ستعرف مكانه عندما يحين الوقت."

لاحظت وأنا أشيّعه إلى الباب أنه لم يسألني ولو سؤالًا واحدًا.

لم يسأل كيف عرفت بالسرداب.

ولا من أخبرني.

ولا عمّا وجدته فيه.

الرجل الذي يأتيك بمفتاح بعد خمسة وعشرين عامًا، يُفترض أن يكون لديه ألف سؤال.

إلا إذا كان يعرف الأجوبة كلها من قبل.

بعد مغادرة الشيخ، قررنا العودة إلى السرداب.

لكن هذه المرة لم نكن وحدنا.

أخذت معي كاميرا صغيرة، وحبلًا، وبعض الأدوات التي قد نحتاجها إذا تعرضنا لكمين.

وصلنا إلى الغرفة الأولى، ثم إلى الباب الحديدي.

كل شيء كان كما تركناه.

غير أن شيئًا جديدًا ظهر على الجدار.

كانت هناك علامة حمراء مرسومة حديثًا على شكل دائرة يتوسطها خط مائل.

قال ياسر:

"هذه العلامة لم تكن موجودة."

أومأت برأسي.

ثم تقدمت نحو آخر الممر، حتى وصلت إلى جدار حجري بدا مختلفًا عن بقية الجدران.

أخرجت المفتاح النحاسي.

كانت هناك فتحة صغيرة تكاد لا تُرى.

أدخلت المفتاح.

دارت الآلية بصوت خافت، ثم اهتز الجدار ببطء، وبدأ ينزلق إلى الجانب، كاشفًا عن ممر لم يكن موجودًا من قبل.

سلط ياسر ضوء المصباح إلى الداخل.

كان الممر يؤدي إلى غرفة واسعة، تتوسطها طاولة حجرية، وعلى الطاولة حقيبة جلدية قديمة.

اقتربنا بحذر.

فتحت الحقيبة.

وجدت بداخلها ملفات رسمية، وعقود بيع، وصورًا قديمة، بالإضافة إلى دفتر صغير كُتب على غلافه:

"الأسماء... والخائن."

شعرت بأننا أصبحنا على بعد خطوة واحدة فقط من كشف الحقيقة.

لكن قبل أن أفتح الدفتر...

دوى انفجار مكتوم في عمق الممر خلفنا.

ارتجت الأرض تحت أقدامنا، وتصاعدت سحابة كثيفة من الغبار.

ركضنا نحو الممر، لكننا فوجئنا بأن الطريق الذي دخلنا منه قد انهار بالكامل.

لم يكن انفجارًا كبيرًا.

كان محسوبًا بدقة: عبوة صغيرة وُضعت في أضيق نقطة من الممر، بحيث تُسقط السقف الحجري دون أن يهتز البيت فوقنا، ودون أن يسمعها أحد في القرية.

وهذا وحده كان يعني شيئًا واحدًا:

أن من فعلها يعرف هذا السرداب أكثر منا بكثير.

أصبحنا محاصرين في أعماق الأرض...

وفي الظلام، سمعنا صوت رجل يضحك قائلًا:

"هذه المرة... لن يخرج أحد من هنا حيًا."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • السر المدفون   الفصل الرابع عشر — دفتر التواريخ

    عدنا إلى بيت محمود بعد شروق الشمس بساعتين.كنت أعرف أنه لن يكون هناك، وكنت أعرف أيضًا أنني لم أنتهِ من غرفته الخلفية.الرجل الذي يترك خزانة مليئة بصور عائلتي، يتركها لأنه يريدني أن أراها. والرجل الذي يُري خصمه شيئًا، يخفي شيئًا آخر في المكان نفسه.وقفت أمام الجدار مرة أخرى.عشرات الصور، مرتبة بعناية موظف، كل واحدة عليها تاريخ بخط صغير في الخلف.قال ياسر من خلفي:"لماذا عدنا؟ لقد رأينا كل شيء."قلت:"رأينا الصور. ولم نقرأ الترتيب."بدأت أنزعها واحدة واحدة، وأصفّها على السرير حسب تواريخها.أقدمها قبل أربعة عشر عامًا. وأحدثها قبل أسبوع، أمام باب بيتي.لكن بينهما فجوة.سنة كاملة لا توجد فيها صورة واحدة.قلت لسليم:"السنة التي مات فيها ناصر السيوفي."رفع رأسه ببطء."تسع سنوات.""تسع سنوات بالضبط. توقف عن تصويرنا سنة كاملة، ثم عاد."جلس سليم على طرف السرير، وأخذ نفسًا طويلًا."لأنه في تلك السنة لم يكن يعمل لأحد. كان يقرر من سيرث."نظرت إلى الجدار الفارغ الذي تركته الصور المنزوعة.رجل قضى سنة كاملة يوزّع شبكة رجل ميت على ورثته، ثم عاد إلى مزرعتي يحمل دلو الأعلاف.قلت:"إذن نادر ليس رئيسه. نا

  • السر المدفون   الفصل الثالث عشر — الرجل الذي فتح لنا كل الأبواب

    وصلنا إلى المستشفى قبل الفجر بساعة. كان الممر خاليًا إلا من ممرضة شابة تجلس خلف مكتب الاستقبال، وأمامها سجل مفتوح لم يُغلق منذ ساعات. قلت لها: "الغرفة 17." رفعت رأسها. "سبق أن أخبرتك على الهاتف يا سيدي. غادر المريض مع ابنه." "أريد أن أرى ما وقّعه." ترددت، ثم أدارت السجل نحوي. كان الخط منتظمًا، هادئًا، بلا ارتجاف. قرأت الاسم: "محمود بن العربي... صفة القرابة: ابن." شعرت بشيء بارد ينزل في ظهري. سألتها: "وهل رأيتِه؟" "نعم. رجل في الأربعين، طويل، قليل الكلام. كان مهذبًا جدًا. حتى إنه شكرنا واحدًا واحدًا قبل أن يخرج." قال ياسر بصوت خافت: "محمود؟" لم أجب. كنت أفكر في شيء آخر. الرجل الذي يخطف مريضًا من مستشفى لا يقف ليشكر الممرضات. إلا إذا كان لا يخاف من أن يتذكره أحد. طلبت تسجيل كاميرا المدخل. بعد نصف ساعة من الجدال، جلسنا الثلاثة أمام شاشة صغيرة في غرفة الحراسة. الساعة 11:42 مساءً. يدخل رجل من الباب الرئيسي، يمشي بخطوات هادئة، لا يلتفت يمينًا ولا يسارًا. يعرف أين يذهب. بعد إحدى عشرة دقيقة، يخرج وهو يدفع كرسيًا متحركًا، وفوقه الشيخ ملفوفًا ببطانية. ثم يفعل شيئًا لم

  • السر المدفون   الفصل الثاني عشر — نصف الحقيقة الآخر

    لم أُنزل مسدسي. وقف سليم أمامي، وبندقية الصيد لا تزال في يده، بينما كان الدخان يتصاعد من نوافذ منزلي خلفنا، وأصوات الكلاب تملأ الليل. قلت له وأنا أصوّب نحو صدره: "خمسة وعشرون عامًا وأنت ميت. ثم تظهر فجأة في الليلة التي يحاول فيها أربعة رجال قتلي. هذه ليست صدفة." ابتسم ابتسامة متعبة، ثم وضع بندقيته على الأرض ببطء، ورفع يديه. قال: "لو كنت معهم، لما أطلقت النار على أحدهم أمام عينيك." قال ياسر وهو يمسح الدخان عن وجهه: "أو أنك أطلقت النار عليه لتكسب ثقتنا." نظر إليه سليم طويلًا، ثم قال: "ابنك يفكر مثلك تمامًا... هذا جيد. ستحتاجان إلى ذلك." لم نبقَ في المنزل. كان الضابط يعرف عنواني، ونادر يملك صورًا لبابي، ولم يعد للجدران معنى. أخذنا الحاسوب والملف الجلدي، وسرنا في الظلام قرابة نصف ساعة حتى وصلنا إلى المنزل المهجور الذي احتمينا فيه من قبل. أشعل ياسر شمعة قصيرة، ووضعها على الأرض، فامتدت ظلالنا الثلاثة على الجدار. جلس سليم مقابلي، وقال: "اسأل." قلت: "من هو الحاج؟" فوجئ بالسؤال. ثم قال ببطء: "من أخبرك بهذا الاسم؟" "رجل مسن قابلته في المقبرة، وأصيب برصاصة أمامي." صمت سليم

  • السر المدفون   الجزء الحادي عشر: الخيانة الكبرى

    وقفت أحدق في سحابة الغبار التي خلفتها سيارة نادر السيوفي، بينما كانت صفارات الشرطة تقترب من المستودع. قال ياسر وهو يلهث: "لقد هرب مرة أخرى." أجبته وأنا أحمل الحاسوب المحمول: "لا يهم... هذه المرة ترك خلفه ما هو أخطر من وجوده." وصل رجال الشرطة بعد دقائق، وطلب الضابط المسؤول معرفة ما حدث. قدمت له رواية مختصرة، متجنبًا الحديث عن الحاسوب والملفات. لم أعد أميز بين من يمكن الوثوق به ومن يعمل لصالح نادر. عدنا إلى المنزل قبل غروب الشمس. كان البيت خاليًا منذ سافرت زوجتي إلى المدينة، ولأول مرة شعرت بالامتنان لذلك القرار. أغلقنا الأبواب والنوافذ، ثم وضع ياسر الحاسوب على الطاولة. قال وهو يبتسم: "أتمنى ألا يكون محميًا بكلمة مرور." ضغط زر التشغيل. ظهرت الشاشة... ثم ظهرت نافذة تطلب كلمة السر. حاول ياسر عدة كلمات، لكن جميع المحاولات فشلت. جلست أفكر في كل ما مررنا به خلال الأيام الماضية. ثم تذكرت العبارة المنقوشة على القلادة، والرقم المحفور في جذع الشجرة. قلت لياسر: "جرّب الرقم سبعة عشر." كتب الرقم. فشلت المحاولة. قلت له: "ابتعد." جلست مكانه. "الأرقام وحدها لن تنفع. هؤلاء لا يكت

  • السر المدفون   الجزء العاشر: المستودع القديم

    وقفت للحظات أحدق في وجه عبد الرحمن، وقد فارق الحياة وهو يحمل في صدره أسرارًا كثيرة لم يمهله القدر ليكشفها كاملة. أغمضت عينيه بيدي، ثم وقفت بصمت. قال ياسر بصوت يملؤه الحزن: "رحل قبل أن يخبرنا بكل شيء." أجبته وأنا أضم مفتاح السيارة في قبضتي: "لكنه ترك لنا خيطًا جديدًا... ويجب ألا نضيعه." بعد وصول الشرطة، أدليت بإفادة مختصرة، وتعمدت إخفاء أمر المفتاح والملف الجلدي. لم أكن أشك في نزاهة الجميع، لكنني لم أعد أستطيع الوثوق بأي شخص قبل أن تنكشف الحقيقة كاملة. وفي صباح اليوم التالي، انطلقت أنا وياسر إلى المستودع القديم الذي ذكره عبد الرحمن. كان يقع في منطقة نائية، تحيط به الأشجار من كل جانب، ويبدو مهجورًا منذ سنوات. اقتربنا بحذر. كان الباب الحديدي الضخم موصدًا بسلسلة غليظة. أخرجت المفتاح الذي سلمني إياه عبد الرحمن، فإذا به يفتح القفل بسهولة. تبادلنا النظرات. ثم دفعنا الباب. أصدر صريرًا حادًا، وانفتح ببطء. دخلنا إلى الداخل. كان المستودع واسعًا، تغطي الغبار معظم محتوياته، وتنتشر فيه سيارات قديمة وآلات زراعية مهترئة. لكن في الزاوية البعيدة، كانت تقف سيارة رباعية الدفع سوداء، مغطاة

  • السر المدفون   الجزء التاسع: الشاهد الهارب

    عدنا إلى المنزل قبل غروب الشمس، وأخفيت الملف الجلدي والرسالة في مكان لا يمكن لأحد الوصول إليه. كنت أعلم أن ما أصبح بحوزتنا كافٍ لإسقاط شبكة كاملة، لكنني كنت أفتقد العنصر الأهم... الشاهد الذي يعرف الحقيقة من بدايتها. ذلك الشاهد كان عبد الرحمن. جلس ياسر أمامي وقال: "إذا كان عبد الرحمن قد هرب منهم، فلماذا لا يسلم نفسه للشرطة؟" أجبته بعد لحظة من التفكير: "لأنه يعلم أن الشبكة تمتد إلى أشخاص نافذين. ربما لم يعد يثق بأحد، أو ربما يخشى أن يُقتل قبل أن يدلي بشهادته." وفي تلك اللحظة، رن هاتفي. كان رقمًا مجهولًا. ترددت في الرد، ثم ضغطت زر الإجابة. جاءني صوت خافت ومضطرب: "سالم... لا وقت لدي." عرفت الصوت فورًا. "عبد الرحمن!" قال وهو يلهث: "إنهم يطاردونني منذ يومين. أخطأت عندما تعاونت معهم، لكنني لم أشارك في قتل والدك، أقسم بذلك." قلت بحزم: "أين أنت؟" ساد صمت قصير، ثم قال: "الليلة... بعد صلاة العشاء... عند الطاحونة القديمة." وقبل أن أسأله أي سؤال آخر، انقطع الاتصال. نظر إليّ ياسر وقال: "سنذهب معًا." أومأت برأسي، لكنني كنت أشعر أن الأمر لن يكون بهذه السهولة. مع حلول الليل، توجه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status