LOGINالفصل الثاني :
.......................... كنتُ أظن أن أصعب ما في السفر هو الإقلاع.. حتى وقفتُ في طابور الجوازات. ثلاثة طوابير لا تنتهي، وموظفة بعينين نصف مغلقتين، وسؤال واحد يتيم: “ما سبب زيارتكِ؟”. “الدراسة يا سيدتي، علم الفلك” قلتها وأنا أعدّل وقفتي كأنني على وشك إلقاء محاضرة. رفعت عينيها عن الشاشة للحظة، نظرت إليّ ثم إلى أبي الواقف خلفي يقبض على الأوراق بقوة، وختمت جوازي بحركة واحدة “أهلًا بكِ في أمريكا.. وحاولي ألا تصطدمي بأحد في طريقكِ”. “هل قالت لي للتو إنني خطيرة؟!” همستُ لأمي. “قالت إنكِ مجنونة بما يكفي لتصطدمي بالكواكب” أجابت وهي تمسح أثر النعاس عن عينيها، وقد عادت إليها ابتسامتها أخيرًا. سحبنا الحقائب، عبرنا الممر الطويل، ثم انفتحت الأبواب الزجاجية أمامي بصوت خفيف.. وانفجر العالم. ضجيج، أضواء، أصوات بلغات لا أعرف نصفها، وأناس يعانقون بعضهم أو يبحثون عن بعضهم بعيون قلقة.. وقفتُ في مكاني أمسح الوجوه واحدًا واحدًا، وقلبي يدق كأنه يريد الخروج من صدري قبلي. ثم رأيتُ اللافتة. لافتة كرتونية ضخمة بخط طفولي متعرج، مكتوب عليها بألوان فاقعة: “مرحبًا بأختي الكبيرة المجنونة!”، يحملها ولد بشعر بني فوضوي وعينين زرقاوين يقفز في مكانه كأن الأرض تحت قدميه نابض. “ليو!!” صرختُ قبل أن أفكر. وخلفه.. كانت هناك. فتاة بشعر بني فاتح طويل، وعينين زرقاوين واسعتين، وبشرة فاتحة، تقف جامدة في مكانها وإحدى يديها على فمها، كأنها لا تصدق أن ما أمامها حقيقي. ثم سقط الهاتف من يدها على الأرض.. ولم تلتفت إليه. لا أعرف أينا ركضت أولًا. ما أعرفه أن حقيبة ظهري سقطت من كتفي، وأن ذراعيها التفتا حول عنقي بقوة كادت تخنقني، وأن رائحة شعرها كانت كرائحة بيت لم أدخله من قبل.. لكنني عرفته فورًا. “أنتِ هنا.. أنتِ هنا فعلًا!!” كررتها إيلا وهي تضحك وتبكي في آن واحد، ودموعها تبلل كتفي. “لا تبكي، فأنتِ تفسدين معطفي الوحيد!” قلتُ ضاحكة، لكن صوتي كان يرتجف أكثر من صوتها. أبعدتني عنها بطول ذراعيها، تتفحصني من رأسي إلى قدمي، ثم قالت بنبرة مصدومة “أنتِ.. أقصر مما كنتِ تبدين في الفيديو!”. “وأنتِ أكثر دراما مما كنتِ تبدين في الرسائل!”. “هل أنتِ حقيقية؟ أخشى أن أغمض عينيّ فتختفين”. “اقرصي خدي إن شئتِ”. قرصتني بالفعل.. بقوة غير متوقعة! “آه!! قلتُ اقرصي لا اقتلعي!!”. انفجرنا ضاحكتين في وسط المطار، والناس تلتفت إلينا بنظرات مستغربة.. ولم نكترث أبدًا. شدّ ليو كم معطفي بإصرار “هل صحيح أن الثقب الأسود يأكل الطائرات؟” سألني بجدية عالم يخشى على أبحاثه. انحنيتُ إلى مستواه وأجبته بنبرة غامضة “الثقوب السوداء لا تهتم بالطائرات يا صغيري.. إنها تأكل النجوم، وأحيانًا الأولاد الذين لا يسمعون كلام أخواتهم الكبيرات”. تراجع خطوة وفتح فمه بدهشة، ثم همس لإيلا “إنها أكثر جنونًا مما وعدتِني”. على بعد خطوات كان رجل طويل يقف مكتوف اليدين، شعره بني داكن وعيناه زرقاوان هادئتان تراقبان المشهد بلا كلمة. عرفته فورًا.. دانيال هاربر، والد إيلا، الذي لا يرفع صوته أبدًا كما أخبرتني. تقدّم أبي نحوه، وتصافحا. ثلاث ثوانٍ أطول مما ينبغي، قبضة قوية، ونظرة تقيس كل منهما الآخر بصمت.. بدا لي المشهد كأنه مواجهة بين أسدين في حديقة حيوان، لولا الابتسامة المهذبة على وجهيهما. “رائد؟ أنا دانيال.. أهلًا بكم في نيويورك، وبابي مفتوح لكم دائمًا” قال بصوت عميق هادئ. “شكرًا لك يا دانيال.. وسنحتاج إلى أكثر من باب مفتوح” ردّ أبي بابتسامة جانبية، ثم أضاف بصوت أخفض “سنحتاج إلى جيران يعرفون كيف يعتنون بالجيران”. لمعت في عيني دانيال ومضة فهم سريعة، ثم أومأ بإيماءة قصيرة “هذا ما نفعله هنا تمامًا”. وأنا؟ فهمتُ ما لم يقولاه.. وتظاهرتُ بأنني مشغولة بربط حذائي. .......................... في السيارة، جلستُ في المقعد الخلفي بين إيلا والنافذة، ويدي في يدها طوال الطريق وكأننا نخشى أن تتبخر إحدانا. كانت المدينة تمر أمام عينيّ كشريط سينمائي، أبراج زجاجية تلمع، جسور حديدية ضخمة، شاشات إعلانات تغير ألوانها كل ثانية، وسيارات صفراء لا تتوقف عن إطلاق أبواقها.. مدينة لا تعرف النوم، وكأن أحدًا نسي إطفاء الأنوار فيها منذ مئة عام. “أحضرتُ لك شيئًا” همست إيلا فجأة، وأخرجت من حقيبتها علبة زجاجية صغيرة ملفوفة بشريط أزرق. فتحتُها بحذر.. كانت مليئة بنجوم بلاستيكية صغيرة متوهجة، تتلألأ بخفوت في ظلام السيارة. “لأن سماء نيويورك بخيلة جدًا” قالت وهي تبتسم ابتسامتها الهادئة “ولا أريدك أن تشعري بالوحشة قبل أن تعتادي عليها”. نظرتُ إلى العلبة طويلًا.. وللمرة الثانية في أقل من يوم وجدتُ شيئًا يدخل في عيني. “غبار” قلتُ وأنا أمسح عينيّ بسرعة. “طبعًا” ردّت إيلا بابتسامة ماكرة “المدينة كلها مليئة بالغبار!”. يا إلهي.. لقد ربّيتُها جيدًا عبر الإنترنت! توقفت السيارة أمام بيت صغير من الطوب الأحمر، بشرفة خشبية وأصيص نباتات عند الباب، في شارع هادئ تصطف على جانبيه أشجار عارية الأغصان.. وعلى الشرفة كان ثلاثة أشخاص ينتظروننا. رجل طويل بشعر أسود قصير وبدلة غير مرتبة، يلوّح بمفاتيح كأنه يلوّح بعلم النصر، وامرأة شقراء بعينين زرقاوين تحمل سلة ضخمة تفوح منها رائحة الخبز الدافئ، وشاب طويل رياضي بشعر بني فاتح، يجلس على سياج الشرفة بكل ثقة، وعيناه الخضراوان تلمعان بمرح. “آه، لقد وصلوا أخيرًا!” صاح الرجل وهو ينزل الدرجات “جيمس كارتر، سمسار العقارات الأكثر وسامة في الحي، وهذا ما أخبرتكم به عبر الهاتف!”. “لم تقل شيئًا كهذا” علّقت المرأة بابتسامة صبورة، ثم مدّت يدها إلى أمي “كلير.. أهلًا بكم، لقد أعددتُ القليل من الطعام.. فالمطبخ لم يُجهّز بعد”. “القليل؟!” همس ليو وهو ينظر إلى السلة بعينين جائعتين. كان أبي يتفحص المكان بصمت: الأبواب، النوافذ، الإضاءة، السور.. كل زاوية على حدة. ثم سأل جيمس بنبرة هادئة “هل المنطقة آمنة؟”. “آمنة؟” ضحك جيمس بصوت عالٍ “يا صديقي، أخطر ما في هذا الشارع هو كلب السيدة بيترسون.. وهو يخاف من الفراشات!”. انفجرت أمي ضاحكة، وضحك الجميع، وارتخت كتفا أبي قليلًا. قليلًا فقط. “إذن.. أنتِ المشهورة التي ملأت هاتف إيلا بالرسائل على مدى ثلاث سنوات؟” قال الشاب فوق السياج وهو يقفز نازلًا بخفة، ويقترب مني بابتسامة ماكرة “نيك كارتر.. أرجو ألا تصدقي كل ما قالته عني”. “لم تقل عنك شيئًا مهمًا” أجبتُ بنبرة باردة وأنا أرفع حاجبي “أخبرتني فقط أنك تستطيع إضحاكها حين تحزن.. وكنتُ أتوقع أن تكون مضحكًا فعلًا، لا أن تكتفي بالجلوس على سياج مثل طائر ينتظر وجبته”. ساد صمت قصير. ثم انفجر نيك ضاحكًا، وأشار إلى إيلا بإصبعه “لقد أخبرتِني أنها لسانها حاد، لكنكِ لم تقولي إنه شفرة حلاقة!”. “قلتُ لك ذلك” أجابت إيلا وقد احمرّ وجهها وهي تحاول كتم ضحكتها. “وجودي هنا سيكون ممتعًا إذن” قال نيك وهو يمدّ يده لمصافحتي “مرحبًا بكِ في الحي يا شموخ”. صافحتُه وأنا أكتم ابتسامتي.. كان هناك شيء في هذا الفتى يشبه النسيم الخفيف، لا يمكن أن تكرهه حتى لو أردتِ. لكن أبي ظل يحدّق في يدي المشدودة إلى يده حتى أفلتها، ثم سعل سعلة صغيرة مفتعلة “أعتقد أن الحقائب لن تدخل البيت وحدها”. “أبي!!”. “ماذا؟ أنا أتحدث عن الحقائب فقط”. .......................... كان البيت من الداخل أصغر مما توقعت وأجمل بكثير، أرضية خشبية دافئة، جدران بلون الكريمة، وغرفتي في الطابق العلوي بنافذة كبيرة تطل على السماء مباشرة. وقفتُ في وسطها أدور حول نفسي، وإيلا تقفز على السرير كطفلة. “أخيرًا ستكون لدينا غرفة ننام فيها معًا حين نسهر!” صاحت. “سننام؟ أنتِ تحلمين بأن تنامي قبل الثالثة فجرًا؟”. “سأحاول!”. من بعيد، سمعتُ صوت أمي في الممر. توقفتُ عن الضحك وخرجتُ على أطراف أصابعي. كانت واقفة أمام نافذة غرفتي الأخرى، تجرّب القفل مرة.. ثم مرتين.. ثم ثلاثًا. وفي الطابق السفلي، سمعتُ أبي يختبر قفل الباب الخلفي بنفس الحركة المتكررة، وهو يتظاهر بأنه يفحص سخان الماء. لم يقل أحد منهما شيئًا. ولم أقل أنا أيضًا. أعرف هذه الجولات جيدًا.. وأعرف سببها أكثر مما يتخيلان. عدتُ إلى غرفتي بصمت، وأغلقتُ الباب خلفي بهدوء، وابتسمتُ لإيلا كأن شيئًا لم يكن. بعد العشاء ومغادرة الجميع، جلسنا أنا وأمي وأبي وإيلا أمام الحاسوب المحمول، وفتحنا مكالمة الفيديو. ظهرت على الشاشة وجوه ثلاث نساء ورجلين يتقاتلون على الكاميرا. “هل وصلتِ؟ لماذا وجهكِ شاحب هكذا؟” صرخت جدتي نوال بعدما اقتربت من الكاميرا حتى ملأت الشاشة بأنفها. “جدتي.. وجهي طبيعي.. أنتِ فقط ما زلتِ تمسكين الهاتف بالمقلوب”. “ومن قال إنني أمسكه بالمقلوب؟!” ردّت بغضب، بينما أدارت سلمى الجهاز بابتسامة هادئة “اتركيه لي يا نوال.. أرِينا وجهكِ يا حبيبتي، هل أكلتِ شيئًا؟”. “أكلتُ قطعتين من الخبز، وسلة كاملة من حنان الجيران”. “وهل وجدتِ النجوم؟” جاء صوت جدي ناصر الجاف من خلف الشاشة. “ما زالت السماء غائمة يا جدي.. لكنني سأجد واحدة، أعدك”. لم يتكلم جدي فؤاد، لكنه ظل يحدّق بي من وراء الشاشة بصمته المعتاد، ثم أومأ برأسه مرة واحدة، وفهمتُ كل ما أراد قوله. حين انتهت المكالمة كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل. نامت أمي على الأريكة تحت بطانية، وأبي بجانبها وكأنه يحرس الغرفة وهو نائم، وصعدتُ أنا وإيلا إلى الشرفة الصغيرة المطلة على الشارع. كان الهواء بارد بما يكفي لأرتجف، والمدينة تهمهم من بعيد كوحش كبير نائم. رفعتُ رأسي إلى السماء. غيوم رمادية ثقيلة تغطي كل شيء.. ثم، كأن أحدًا سمع أمنيتي، انشقّ الغطاء قليلًا. نجمة.. أو ربما كوكب.. نقطة واحدة لامعة تتوهج في الفراغ. “انظري!” همستُ وأنا أشدّ على ذراع إيلا. “أراها!” تمتمت إيلا بصوت خافت “ما هي؟”. “لا أعرف بعد.. سأتأكد منها بالتطبيق غدًا. لكنها هناك.. ألا ترين؟ وحيدة، لكنها هناك”. صمتنا قليلًا. ثم قالت إيلا بصوت مختلف، خافت ومتردد “شموخ.. هناك شيء يجب أن أخبرك به قبل المدرسة غدًا”. التفتُّ إليها، فرأيتُ ابتسامتها الهادئة قد اختفت، وحلّ مكانها شيء يشبه القلق. “في نورثبريدج.. هناك خمسة طلاب لا يشبهون أحدًا. الجميع يعرفهم باسم واحد.. الشياطين”. “الشياطين؟!” رفعتُ حاجبي بسخرية “هل هو فريق رياضي؟ أم نادٍ للغناء الأوبرالي؟”. “لا، إنهم.. ” ترددت قليلًا، ثم هزّت رأسها “ليس الوقت المناسب لتفسير كل شيء. فقط.. احذري. وبعضهم أخطر مما يبدو. عديني أنكِ لن تتدخلي في شؤونهم”. “وهل أحدهم يضايقك؟” سألتُها فجأة، بنبرة لم أقصد أن تكون حادة إلى هذا الحد. انخفضت عيناها نحو يديها “لا.. ليس بعد”. “ليس بعد؟!”. “عديني يا شموخ!”. نظرتُ إلى وجهها القلق طويلًا، ثم إلى النجمة الوحيدة في السماء، ثم ابتسمتُ ابتسامة جانبية صغيرة “أعدكِ أنني لن أبحث عن المشاكل”. كذبة بيضاء أخرى.. أنا ابنة جدتي في النهاية، ونحن أسياد الغبار. حين عادت إيلا إلى الداخل لتغيّر ملابسها، بقيتُ وحدي لحظات. أخرجتُ دفتر جدي من جيب المعطف، وفتحتُه على الصفحة التي بدأتُها في الطائرة، ثم كتبتُ تحت الجملة المشطوبة: اليوم رأيتُ نجمة واحدة.. وسمعتُ عن خمسة شياطين. أغلقتُ الدفتر، وابتسمتُ للسماء. لا أعرف لماذا، لكنني شعرتُ في تلك اللحظة أن هذه المدينة لن تكون مملة أبدًا.الفصل الرابع :..........................كان الممر قد عاد إلى طبيعته حين سألتُ ميا بنبرة حاولتُ أن تكون غير مبالية “إلى أين يتجه هؤلاء الخمسة بالمناسبة؟”.“إلى حصة الأحياء” أجابت وهي تعدّل حقيبتها على كتفها “كما نفعل جميعًا”.توقفتُ في مكاني “جميعًا؟”.“شعبتنا نفسها يا شموخ، منذ الصف التاسع!” قالتها بحماس من يزفّ خبرًا سعيدًا “لكنهم لا يحضرون الحصص الأولى في الغالب. فيلكس عنده تمرين ملاكمة صباحي، والبقية.. حسنًا، لا أحد يسألهم لماذا يتأخرون”.أدرتُ رأسي ببطء نحو إيلا.كانت تنظر إلى حذائها بإصرار من اكتشف فجأة أنه أجمل ما في الممر.“إيلا هاربر..”.“كنتُ سأخبرك”.“متى؟ بعد أن يطلبوا منكِ تسليمي لهم؟!”.“حين تكونين مستعدة للخبر” همست وهي تعضّ شفتها “وأنتِ لم تنامي ليلة أمس، ورأيتُ الدوائر السوداء تحت عينيكِ.. لم أرد أن أضيف إلى قلقكِ شيئًا”.“القلق يا عزيزتي يأتي حين أكتشف الأمر وأنا أمشي نحوهم”.“أنتِ تعاملين الخبر كأنه ورم” علّق أليكس بابتسامة ساخرة خفيفة وهو يسير إلى جانبنا “الحقيقة أبسط: خمسة فتيان يجلسون في آخر الصف، ولا يزعجون أحدًا ما دام أحد لا يزعجهم”.“وإن أزعجتهم؟” سألتُ.تبا
الفصل الثالث : ..........................لم أنم.لا أقصد أنني نمتُ قليلًا، بل أقصد أنني أغمضتُ عينيّ مرة واحدة في الثالثة فجرًا، ثم فتحتهما في الخامسة والنصف على صوت ملعقة تُحرَّك في كوب.. في بيت يُفترض أن الجميع فيه نائمون.نزلتُ على أطراف أصابعي، فوجدتُ أبي جالسًا إلى طاولة المطبخ، أمامه فنجان قهوة، وخريطة مطبوعة للحي مفرودة تحت الضوء الخافت، وقلم أحمر في يده.“أبي.. هل تخطط لغزو مدرسة؟!”.لم يرفع رأسه “أحسب الطريق.. اثنتا عشرة دقيقة بالسيارة، أو اثنتان وأربعون دقيقة مشيًا، وفيه ثلاث نقاط عبور لا أرتاح لها”.“وأنا سأذهب مع إيلا بالحافلة”.رفع عينيه البنيتين الحادتين نحوي ببطء “الحافلة.. وهل تعرفين من يجلس فيها؟”.“الناس يا أبي! الناس يركبون الحافلات!”.“ومن بينهم من لا نعرف”.سحبتُ كرسيًا وجلستُ أمامه، وأسندتُ ذقني إلى كفي “أبي.. أنا في السابعة عشرة”.“وأنا في الرابعة والأربعين، وما زلتُ أحتاج إلى نصف ساعة إضافية لأقتنع بأنكِ كبرتِ”.كانت جملة بسيطة، لكنها اخترقتني بطريقة لم أتوقعها.. فخففتُ نبرتي “حسنًا.. اتفاق؟ تأخذانني أنت وأمي طوال الأسبوع الأول، وبعدها أذهب مع إيلا”.“أسبوعان
الفصل الثاني : ..........................كنتُ أظن أن أصعب ما في السفر هو الإقلاع.. حتى وقفتُ في طابور الجوازات.ثلاثة طوابير لا تنتهي، وموظفة بعينين نصف مغلقتين، وسؤال واحد يتيم: “ما سبب زيارتكِ؟”.“الدراسة يا سيدتي، علم الفلك” قلتها وأنا أعدّل وقفتي كأنني على وشك إلقاء محاضرة.رفعت عينيها عن الشاشة للحظة، نظرت إليّ ثم إلى أبي الواقف خلفي يقبض على الأوراق بقوة، وختمت جوازي بحركة واحدة “أهلًا بكِ في أمريكا.. وحاولي ألا تصطدمي بأحد في طريقكِ”.“هل قالت لي للتو إنني خطيرة؟!” همستُ لأمي.“قالت إنكِ مجنونة بما يكفي لتصطدمي بالكواكب” أجابت وهي تمسح أثر النعاس عن عينيها، وقد عادت إليها ابتسامتها أخيرًا.سحبنا الحقائب، عبرنا الممر الطويل، ثم انفتحت الأبواب الزجاجية أمامي بصوت خفيف.. وانفجر العالم.ضجيج، أضواء، أصوات بلغات لا أعرف نصفها، وأناس يعانقون بعضهم أو يبحثون عن بعضهم بعيون قلقة.. وقفتُ في مكاني أمسح الوجوه واحدًا واحدًا، وقلبي يدق كأنه يريد الخروج من صدري قبلي.ثم رأيتُ اللافتة.لافتة كرتونية ضخمة بخط طفولي متعرج، مكتوب عليها بألوان فاقعة: “مرحبًا بأختي الكبيرة المجنونة!”، يحملها ول
الفصل الأول : ..........................أصوات الإعلانات تتردد في أرجاء المطار، حقائب تتدحرج على الأرض اللامعة، ووجوه غريبة تعبر من حولي بسرعة دون أن تلتفت.. وأنا واقفة في المنتصف أشدّ على حقيبة ظهري كأنها قد تهرب مني في أي لحظة.لم أتخيل يومًا أن ساعات الوداع قد تكون أطول من سنوات الانتظار كلها.“لا تبكي يا جدتي، فأنتِ تجعلين قلبي يضعف” قلتها بنبرة مازحة، لكن صوتي خانني عند الكلمة الأخيرة..مسحت جدتي نوال دمعتها بطرف وشاحها، ثم ضربت كتفي ضربة خفيفة “أنا لا أبكي، هذا غبار المطار فحسب”.غبار المطار!! بالله عليكم.. هذه المرأة ربّتني على الكذب الأبيض، ثم تتفاجأ أنني أتقنه؟!ضحك جدي ناصر ضحكة قصيرة، ووضع كفه الكبيرة على رأسي، وعيناه البنيتان الحادتان تتفحصان وجهي كأنه يحاول حفظه “المسافة إلى النجوم أبعد من نيويورك بكثير، فلا تبالغي في الدراما”.رفعت حاجبي، وارتسمت على شفتي ابتسامة جانبية، أعرف أن غمازتيّ ظهرتا معها “وهل يقول هذا الكلام من عيناه حمراوان يا جدي؟!”.“لقد دخل في عيني شيء.. غبار” أجاب بوقار مصطنع.“طبعًا.. يبدو أن المطار كله مغطى بالغبار اليوم!”.تقدّم جدي فؤاد بخطوات هادئة،







