Masukالفصل الثالث :
.......................... لم أنم. لا أقصد أنني نمتُ قليلًا، بل أقصد أنني أغمضتُ عينيّ مرة واحدة في الثالثة فجرًا، ثم فتحتهما في الخامسة والنصف على صوت ملعقة تُحرَّك في كوب.. في بيت يُفترض أن الجميع فيه نائمون. نزلتُ على أطراف أصابعي، فوجدتُ أبي جالسًا إلى طاولة المطبخ، أمامه فنجان قهوة، وخريطة مطبوعة للحي مفرودة تحت الضوء الخافت، وقلم أحمر في يده. “أبي.. هل تخطط لغزو مدرسة؟!”. لم يرفع رأسه “أحسب الطريق.. اثنتا عشرة دقيقة بالسيارة، أو اثنتان وأربعون دقيقة مشيًا، وفيه ثلاث نقاط عبور لا أرتاح لها”. “وأنا سأذهب مع إيلا بالحافلة”. رفع عينيه البنيتين الحادتين نحوي ببطء “الحافلة.. وهل تعرفين من يجلس فيها؟”. “الناس يا أبي! الناس يركبون الحافلات!”. “ومن بينهم من لا نعرف”. سحبتُ كرسيًا وجلستُ أمامه، وأسندتُ ذقني إلى كفي “أبي.. أنا في السابعة عشرة”. “وأنا في الرابعة والأربعين، وما زلتُ أحتاج إلى نصف ساعة إضافية لأقتنع بأنكِ كبرتِ”. كانت جملة بسيطة، لكنها اخترقتني بطريقة لم أتوقعها.. فخففتُ نبرتي “حسنًا.. اتفاق؟ تأخذانني أنت وأمي طوال الأسبوع الأول، وبعدها أذهب مع إيلا”. “أسبوعان”. “أسبوع ونصف”. “أسبوعان يا شموخ”. “يا رجل! أنت تفاوض كمن يشتري سيارة!”. ضحك ضحكة قصيرة، ومدّ يده فرتّب خصلة من شعري خلف أذني “أسبوعان.. وليس يومًا أقل”. كنتُ أعرف أنني لن أكسب أكثر من ذلك، فقبلتُ بالهزيمة وأنا أبتسم ابتسامة نصر صغيرة.. فقد كنتُ أتوقع شهرًا كاملًا، ولن يعرف أبي هذا أبدًا. اهتز هاتفي على الطاولة مرتين: مازن 05:41 AM : سمعتُ أنكِ وصلتِ سالمة.. هل أنقذتِ أمريكا من نفسها بعد؟ سيرين 05:43 AM : لا تنسي أن تُحرجي أحدًا اليوم من أجلي، وإلا لن أسامحكِ! ضحكتُ بصوت مرتفع حتى رمقني أبي بنظرة تحذير، فأخفضتُ رأسي وأنا أكتب لكليهما رسالتين مختلفتين بالسخرية نفسها.. هذان الاثنان لا يعرفان معنى الجدية، وهذا بالضبط ما أحبه فيهما. وحين نزلت أمي بعد قليل بشعر مبعثر وعينين ناعستين، كانت تحمل معها رائحة الزعتر والزيت.. وفي يدها ساندويتش ملفوف بعناية. “أمي! ستشمّ المدرسة كلها هذه الرائحة من آخر ممر!”. “دعيهم يحسدونكِ” قالتها وهي تضع الساندويتش في حقيبتي، ثم ضمّتني إلى صدرها لحظات أطول مما يلزم.. وأنا لم أسألها لماذا. .......................... كانت إيلا تنتظرنا أمام بيتها وقد بدت كأنها لم تنم هي الأخرى، تقف بشعرها البني الفاتح المرتب وحقيبتها على كتف واحد، وبجانبها ولد طويل يسند ظهره إلى السياج ويأكل تفاحة بكل ثقة.. نيك طبعًا. “صباح الخير يا عمي، صباح الخير يا خالة” قالت إيلا وهي تركب بجانبي، وقد ضغطت على يدي بسرعة تحت الحقيبة. من مقعده الأمامي، التفت أبي نحوها “إيلا.. هل في المدرسة كاميرات مراقبة؟”. “في كل مكان يا عمي.. الممرات والساحات والمداخل”. “ممتاز” قال بارتياح حقيقي. همست إيلا في أذني “أبوك دقيق جدًا”. “هذا مجرد الإحماء” أجبتُها بنبرة ميتة، “انتظري حتى يبدأ بسؤال المعلمين عن شهاداتهم”. ومن النافذة، رأيتُ نيك يلوّح لنا بالتفاحة من بعيد، وكأنه ودّعنا في سفر طويل. ثم ظهرت المدرسة. لم تكن مدرسة.. كانت قلعة! مبنى ضخم من الطوب الداكن بعدة طوابق، أعمدة عالية عند المدخل، وملعب واسع يمتد خلفه، وصالة رياضية بسقف زجاجي، وعلى اللافتة الكبيرة فوق البوابة: أكاديمية نورثبريدج. كانت السيارات تتوقف أمامها بالصف، وطلاب بلا زي موحد يخرجون منها بحقائب وضحكات وأصوات عالية، وأنا أنظر إلى كل هذا من خلف زجاج السيارة وأتساءل: هل أنا فعلًا سأدخل هذا المكان؟! “شموخ” قالتها أمي بصوت متحشرج وهي تلتفت إليّ. “أمي.. لا تبكي. أرجوكِ. لقد نجونا من المطار، لن نفشل هنا”. “لن أبكي” ردّت وهي تمسح زاوية عينها بسرعة.. “هذا غبار السيارة فحسب”. يا إلهي.. إنها عائلة الغبار! قبل أن أنزل، أمسك أبي بذراعي برفق “إن حدث أي شيء.. أي شيء مهما بدا صغيرًا.. اتصلي بي مباشرة”. “أعدك”. “ولا تدخلي في مشاكل”. “أعدك” قلتها مرة أخرى، وابتسمتُ له ابتسامة عريضة لا تقول شيئًا.. فأنا لا أعرف إن كنتُ أستطيع الوفاء بالوعدين معًا. .......................... مكتب المدير كان يشبه مكتبًا في فيلم قديم: رفوف خشبية داكنة، شهادات مؤطرة على الجدران، وكرسي جلدي ضخم يجلس عليه رجل طويل بشعر رمادي قصير وعينين زرقاوين خلف نظارة رفيعة. “آنسة شموخ.. أهلًا بكِ في نورثبريدج” قال بصوت هادئ رسمي، ثم أشار إلى الكرسي أمامه “أنا هنري كولينز، مدير المدرسة”. جلستُ بحذر، وأبي وأمي واقفان خلفي كحارسي بوابة. “سمعتُ أن لديكِ شغفًا كبيرًا بالفلك”. “ليس شغفًا يا سيدي.. إنه أشبه بالإدمان” قلتُها دون تفكير، ثم أدركت ما قلت. لكن زاوية فم المدير ارتفعت قليلًا. “النادي العلمي يجتمع كل ثلاثاء بعد الدوام، وهو يحتاج إلى من يملك طموحك”. “هل لديه تلسكوب؟” سألتُه بسرعة وقلبي يخفق. “لديه اثنان.. أحدهما معطل منذ ثلاث سنوات”. “سأصلحه”. ضحك المدير ضحكة قصيرة، لكن امرأة كانت تقف قرب النافذة لم تضحك. كانت امرأة أنيقة بشعر بني قصير وعينين خضراوين حادتين، تنظر إليّ من رأسي إلى قدمي كما ينظر المفتش إلى حقيبة مشبوهة. “الآنسة شموخ.. أنا فيكتوريا غرانت، نائبة المدير” قالتها بنبرة باردة، ثم أضافت “نتوقع منكِ احترام القوانين جميعها.. فبعض الطلاب هنا يعتقدون أن القوانين مجرد اقتراحات”. “وهل يوجد طلاب كهؤلاء فعلًا؟” سألتُ ببراءة مصطنعة. تبادل المدير والنائبة نظرة سريعة، وكأنهما يتفقان على جواب لا يريدان قوله أمامي، ثم قالت السيدة غرانت بجفاف “ستفهمين بنفسكِ قريبًا”. لم يعجبني هذا الرد أبدًا. ثم أخذتني المرشدة المدرسية، سارة مورغان، إلى مكتبها الصغير، وكانت امرأة هادئة بشعر بني طويل وعينين عسليتين دافئتين، وضعت أمامي الجدول وكوب شاي وقالت بلطف “إن احتجتِ إلى أي شيء.. حتى لو كان فقط مكانًا هادئًا لتجلسي فيه.. بابي مفتوح”. لا أعرف لماذا، لكنني صدقتها فورًا. .......................... “شموخ!!”. لم أرَ من نادى، لكنني شعرتُ بذراعين تلتفان حولي من الجانب، ووجه يظهر أمامي بشعر أسود قصير وعينين بنيتين تلمعان فضولًا. “أنا ميا! لقد أخبرتني إيلا عنكِ منذ سنوات! هل صحيح أنكِ تعرفين اسم كل نجمة في السماء؟ وهل صحيح أنكِ كنتِ تتجادلين مع إيلا حتى الفجر؟ وكيف تنطقين اسمكِ بالضبط؟ هل هو شامو.. أم شمخ.. أم.. ”. “ميا.. تنفسي” قال ولد هادئ بجانبها، بشعر بني داكن وعينين رماديتين وابتسامة ساخرة خفيفة “أنا أليكس.. وهذه ميا كما ترين، لا تُشغَّل ولا تُطفأ”. “أهلًا بكِ يا شموخ.. اسمكِ جميل”. تجمدتُ في مكاني. قالتها فتاة هادئة تقف خلفهم بحقيبة ثقيلة وعينين دافئتين.. بالعربية. عربية خالصة، واضحة، بلا خطأ واحد. “أنتِ.. تتحدثين العربية؟!”. “أنا ناديا حداد” ابتسمت بخجل “والدي من أصول عربية.. ولا أستطيع الكلام إلا بهذا القدر”. لا أعرف ما حدث لعينيّ في تلك اللحظة، لكن شيئًا ما اهتز في صدري.. بعد يومين طويلين من الغربة، كانت تلك الكلمة الصغيرة كمن يمدّ لي يده في زحام لا أعرف فيه أحدًا. “شكرًا لكِ يا ناديا.. أنتِ لا تعرفين كم كنتُ بحاجة إلى هذا” قلتها بصوت منخفض. “أعرف” همست لي إيلا بجانبي وهي تبتسم. ومن خلف الجميع قفزت فتاة بشعر مرتب وابتسامة اجتماعية واسعة “أنا صوفي! أنا أعرف كل شيء في هذه المدرسة، فإن احتجتِ لأي خبر.. أو شائعة.. أو معلومة سرية.. فأنا هنا”. “حسنًا.. أخشى أن أعرف أكثر مما ينبغي” قلتُ بسخرية خفيفة. “هذا ما يقوله الجميع في البداية” ردّت صوفي بمرح. كان حولي أربعة أشخاص لا يشبهون بعضهم أبدًا، وإيلا بجانبي تبتسم كأنها تقدّمهم لي كهدية.. وأنا، التي لا تثق بسهولة، وجدتُ أنني أبتسم لهم جميعًا دون تردد. .......................... كانت حصتي الأولى مع معلمة الأدب الإنجليزي، إليزابيث هاريس.. امرأة بشعر أشقر قصير وعينين زرقاوين حادتين، تقف أمام السبورة وتقرأ الأسماء بصوت واضح. “آنسة.. شا.. شامبو؟”. انفجر الفصل ضاحكًا. شامبو!! وصل بي الحال إلى أن يتحول اسمي إلى منظف شعر في اليوم الأول! وقفتُ ببطء، ورفعتُ حاجبي، وارتسمت على شفتي تلك الابتسامة الجانبية التي تعرفها عائلتي جيدًا.. وتخافها. “شموخ يا سيدتي.. شـ.مـ.وخ” قلتُها بنبرة هادئة وأنا أمدّ كل حرف “ومعناه الكبرياء.. والعلو.. وليس له أي علاقة بالمنظفات”. ساد صمت قصير.. ثم ضحك الفصل مرة أخرى، لكنها ضحكة مختلفة هذه المرة، ومعي لا ضدي. رفعت السيدة هاريس حاجبها وارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة “اسم يناسبكِ تمامًا.. تفضلي بالجلوس يا شموخ”. وفي تلك اللحظة، ظهر في باب الفصل رجل طويل بنظارة ولحية خفيفة وكتب تحت ذراعه، يتنحنح بإحراج “آسف على المقاطعة يا إليزابيث.. طلابكِ يسرقون الطباشير من فصلي للمرة الثالثة هذا الأسبوع”. “لعلّ طلابك يتركونه في أماكن غير آمنة يا ديفيد”. “أماكن غير آمنة؟! إنه في الدرج الخاص بي!”. “هذا ما أسميه مكانًا غير آمن”. رمقتهما بنظرة عابرة وأنا أجلس.. كان في عيني كل منهما شيء يشبه الشرارة، لا يشبه نظرات الزملاء العاديين أبدًا. التفتُّ إلى إيلا التي تجلس خلفي، فهزّت كتفيها بابتسامة مكتومة وهمست “سيتزوجان بعد سنة.. صوفي راهنت على ذلك”. يا إلهي.. هذه المدرسة تعيش على الشائعات! .......................... كان الوقت قد قارب العاشرة وأربعين دقيقة حين خرجنا إلى الممر بعد الحصة الثالثة. الممر ممتلئ بالطلاب، حقائب تُفتح وتُغلق، ضحكات، أبواب خزائن تصطفق، وصوت ميا يشرح لي بحماس شديد من في المدرسة يواعد من.. ثم.. سكت كل شيء. لم يكن صمتًا تامًا، لكنه كان شيئًا يشبهه.. كأن الممر كله أخفض صوته في الوقت نفسه. الطلاب ابتعدوا إلى الجانبين بلا أمر، وانفتح بينهم طريق عريض كما ينفتح البحر. “لا تنظري” همست إيلا وهي تشد على كمّي. لكنني نظرت طبعًا. خمسة شبان يمشون في منتصف الممر. أولهم عملاق، لا يوجد وصف آخر.. طويل جدًا وضخم الجسد، عضلاته بارزة تحت قميصه، بشعر أشقر داكن قصير وعينين زرقاوين وفك عريض، يضحك بصوت مرتفع على شيء ما ويدفع الشاب الذي بجانبه بكتفه بقوة لا يعرف الحذر. بجانبه شاب نحيل أنيق بشعر بني مرتب وعينين رماديتين، يمسك كتابًا في يد ويدفع نظارته بإصبع اليد الأخرى، وعلى فمه ابتسامة ساخرة مرهقة. وخلفهما شاب بشعر أسود مموج وملامح جذابة، يلتفت إلى الفتيات اللواتي يمررن بجانبه، يغمز لهذه ويبتسم لتلك بثقة من اعتاد أن يُنظر إليه. ثم رأيتُ الرابع.. أضخمهم تقريبًا، عريض الكتفين، شعره أسود وعيناه رماديتان باردتان كالجليد، وعلى ذراعيه وشوم تظهر من تحت كمّيه المرفوعين.. لم يضحك ولم يتكلم، وكان يمشي كأن الممر ملكه. وظننتُ أن هذا هو الخامس. ثم رأيته. كان يمشي في آخرهم، وحده تقريبًا، طويلًا ورياضيًا بشعر أسود كثيف وعينين داكنتين، وملامح هادئة لا يمكن قراءتها.. لا ضحكة ولا غضب ولا ابتسامة. لم يكن يصرخ ولم يكن يتباهى.. ومع ذلك، كان الجميع يتجنّب أن يلمس نظره. ظننتُ أن الشياطين تحمل رماحًا وتفوح منها رائحة الكبريت.. لا حقائب ظهر وأحذية رياضية! “هؤلاء هم؟” همستُ لإيلا، وأنا أحاول ألا أتحرك. “هؤلاء هم” ردّت بصوت بالكاد سمعته.. “فيلكس، أدريان، لورينزو، ديميتري.. وألكسندر”. ألكسندر. لا أعرف لماذا التصق ذلك الاسم بي كأنه كان ينتظر أن أسمعه. مرّوا من أمامنا على بعد خطوات.. وفيلكس يتحدث بصوت عالٍ عن مباراة ملاكمة، ولورينزو يضحك، وأدريان يدير عينيه ضجرًا.. وأنا أقف في مكاني كالحجر، أرفض أن أُخفض عيني كما فعل الجميع. ثم، وفي ثانية واحدة فقط، نظر إليّ. الأخير.. ألكسندر. لم يتوقف ولم يبتسم ولم يغيّر شيئًا في ملامحه، لكن عينيه الداكنتين استقرتا على وجهي لثانية كاملة.. ثانية فقط، كأنه يقرأ شيئًا لا أعرف ما هو.. ثم أكمل طريقه كأن شيئًا لم يكن. عاد الممر إلى ضجيجه، وانفكّت يد إيلا عن كمّي، وأنا ما زلتُ أقف وأنظر إلى المكان الذي اختفوا فيه. “شموخ؟” همست إيلا بقلق. “همم؟”. “أنا أحذّرك.. ابتعدي عنهم”. ابتسمتُ ابتسامة جانبية صغيرة، لا أعرف إن كانت لها أم لنفسي. “لم أفعل شيئًا بعد”. “هذا هو الجزء المخيف”.الفصل الرابع :..........................كان الممر قد عاد إلى طبيعته حين سألتُ ميا بنبرة حاولتُ أن تكون غير مبالية “إلى أين يتجه هؤلاء الخمسة بالمناسبة؟”.“إلى حصة الأحياء” أجابت وهي تعدّل حقيبتها على كتفها “كما نفعل جميعًا”.توقفتُ في مكاني “جميعًا؟”.“شعبتنا نفسها يا شموخ، منذ الصف التاسع!” قالتها بحماس من يزفّ خبرًا سعيدًا “لكنهم لا يحضرون الحصص الأولى في الغالب. فيلكس عنده تمرين ملاكمة صباحي، والبقية.. حسنًا، لا أحد يسألهم لماذا يتأخرون”.أدرتُ رأسي ببطء نحو إيلا.كانت تنظر إلى حذائها بإصرار من اكتشف فجأة أنه أجمل ما في الممر.“إيلا هاربر..”.“كنتُ سأخبرك”.“متى؟ بعد أن يطلبوا منكِ تسليمي لهم؟!”.“حين تكونين مستعدة للخبر” همست وهي تعضّ شفتها “وأنتِ لم تنامي ليلة أمس، ورأيتُ الدوائر السوداء تحت عينيكِ.. لم أرد أن أضيف إلى قلقكِ شيئًا”.“القلق يا عزيزتي يأتي حين أكتشف الأمر وأنا أمشي نحوهم”.“أنتِ تعاملين الخبر كأنه ورم” علّق أليكس بابتسامة ساخرة خفيفة وهو يسير إلى جانبنا “الحقيقة أبسط: خمسة فتيان يجلسون في آخر الصف، ولا يزعجون أحدًا ما دام أحد لا يزعجهم”.“وإن أزعجتهم؟” سألتُ.تبا
الفصل الثالث : ..........................لم أنم.لا أقصد أنني نمتُ قليلًا، بل أقصد أنني أغمضتُ عينيّ مرة واحدة في الثالثة فجرًا، ثم فتحتهما في الخامسة والنصف على صوت ملعقة تُحرَّك في كوب.. في بيت يُفترض أن الجميع فيه نائمون.نزلتُ على أطراف أصابعي، فوجدتُ أبي جالسًا إلى طاولة المطبخ، أمامه فنجان قهوة، وخريطة مطبوعة للحي مفرودة تحت الضوء الخافت، وقلم أحمر في يده.“أبي.. هل تخطط لغزو مدرسة؟!”.لم يرفع رأسه “أحسب الطريق.. اثنتا عشرة دقيقة بالسيارة، أو اثنتان وأربعون دقيقة مشيًا، وفيه ثلاث نقاط عبور لا أرتاح لها”.“وأنا سأذهب مع إيلا بالحافلة”.رفع عينيه البنيتين الحادتين نحوي ببطء “الحافلة.. وهل تعرفين من يجلس فيها؟”.“الناس يا أبي! الناس يركبون الحافلات!”.“ومن بينهم من لا نعرف”.سحبتُ كرسيًا وجلستُ أمامه، وأسندتُ ذقني إلى كفي “أبي.. أنا في السابعة عشرة”.“وأنا في الرابعة والأربعين، وما زلتُ أحتاج إلى نصف ساعة إضافية لأقتنع بأنكِ كبرتِ”.كانت جملة بسيطة، لكنها اخترقتني بطريقة لم أتوقعها.. فخففتُ نبرتي “حسنًا.. اتفاق؟ تأخذانني أنت وأمي طوال الأسبوع الأول، وبعدها أذهب مع إيلا”.“أسبوعان
الفصل الثاني : ..........................كنتُ أظن أن أصعب ما في السفر هو الإقلاع.. حتى وقفتُ في طابور الجوازات.ثلاثة طوابير لا تنتهي، وموظفة بعينين نصف مغلقتين، وسؤال واحد يتيم: “ما سبب زيارتكِ؟”.“الدراسة يا سيدتي، علم الفلك” قلتها وأنا أعدّل وقفتي كأنني على وشك إلقاء محاضرة.رفعت عينيها عن الشاشة للحظة، نظرت إليّ ثم إلى أبي الواقف خلفي يقبض على الأوراق بقوة، وختمت جوازي بحركة واحدة “أهلًا بكِ في أمريكا.. وحاولي ألا تصطدمي بأحد في طريقكِ”.“هل قالت لي للتو إنني خطيرة؟!” همستُ لأمي.“قالت إنكِ مجنونة بما يكفي لتصطدمي بالكواكب” أجابت وهي تمسح أثر النعاس عن عينيها، وقد عادت إليها ابتسامتها أخيرًا.سحبنا الحقائب، عبرنا الممر الطويل، ثم انفتحت الأبواب الزجاجية أمامي بصوت خفيف.. وانفجر العالم.ضجيج، أضواء، أصوات بلغات لا أعرف نصفها، وأناس يعانقون بعضهم أو يبحثون عن بعضهم بعيون قلقة.. وقفتُ في مكاني أمسح الوجوه واحدًا واحدًا، وقلبي يدق كأنه يريد الخروج من صدري قبلي.ثم رأيتُ اللافتة.لافتة كرتونية ضخمة بخط طفولي متعرج، مكتوب عليها بألوان فاقعة: “مرحبًا بأختي الكبيرة المجنونة!”، يحملها ول
الفصل الأول : ..........................أصوات الإعلانات تتردد في أرجاء المطار، حقائب تتدحرج على الأرض اللامعة، ووجوه غريبة تعبر من حولي بسرعة دون أن تلتفت.. وأنا واقفة في المنتصف أشدّ على حقيبة ظهري كأنها قد تهرب مني في أي لحظة.لم أتخيل يومًا أن ساعات الوداع قد تكون أطول من سنوات الانتظار كلها.“لا تبكي يا جدتي، فأنتِ تجعلين قلبي يضعف” قلتها بنبرة مازحة، لكن صوتي خانني عند الكلمة الأخيرة..مسحت جدتي نوال دمعتها بطرف وشاحها، ثم ضربت كتفي ضربة خفيفة “أنا لا أبكي، هذا غبار المطار فحسب”.غبار المطار!! بالله عليكم.. هذه المرأة ربّتني على الكذب الأبيض، ثم تتفاجأ أنني أتقنه؟!ضحك جدي ناصر ضحكة قصيرة، ووضع كفه الكبيرة على رأسي، وعيناه البنيتان الحادتان تتفحصان وجهي كأنه يحاول حفظه “المسافة إلى النجوم أبعد من نيويورك بكثير، فلا تبالغي في الدراما”.رفعت حاجبي، وارتسمت على شفتي ابتسامة جانبية، أعرف أن غمازتيّ ظهرتا معها “وهل يقول هذا الكلام من عيناه حمراوان يا جدي؟!”.“لقد دخل في عيني شيء.. غبار” أجاب بوقار مصطنع.“طبعًا.. يبدو أن المطار كله مغطى بالغبار اليوم!”.تقدّم جدي فؤاد بخطوات هادئة،







