Compartir

ظلال الطاعون

Autor: انليل
last update Fecha de publicación: 2026-09-14 13:46:27

لا شيء يبقى على حاله…

بعد ثلاثة عشر عامًا في مملكة سوفيرا، حيث تعلمت الحكمة والفلسفة، جاء يومٌ غيّر كل شيء. أصاب المملكة طاعون رهيب،

، يبدأ ببقعٍ داكنة على الجلد، ثم يتحول إلى سعال دموي وحمى تحرق

أطلق عليه الناس اسم “طاعون الس ُ خام الأسود”

الجسد من الداخل، حتى ينهار المصاب ويذبل كأن روحه تُسحب منه ببطء.

انتشر الطاعون كالنار في الهشيم، أزهق حياة الآلاف، وأصبحت الشوارع مليئة بجثث تُحمل إلى الأفران ليُحرقوا. ولحسن

حظي، أو ربما لقدرٍ اختارني، لم أصب. لكن مصيبتي كانت في رؤية معلمي زيرافون يحتضر أمامي. لم يقل شيئًا، لم

يوصني بكلمات، بل اكتفى بأن يحدّق في وجهي نظرة طويلة، نظرة حملت كل ما لم يستطع قوله. ثم أغمض عينيه ورحل،

وأُحرقت جثته كما أُحرقت جثث الكثيرين.

ضاق صدري، وأصبحت سوفيرا بالنسبة لي مكانًا مظلم ً ا، مليئًا بالذكريات التي تؤلمني أكثر مما تعلّمني. وقف سولفاريس

وهو ينضر الى جثمان معلمه وبصوت مبحوح قال في سوفيرا علموني كيف أقرأ النجوم، لكنهم لم يعلموني كيف أوقف

نزيفاً أسوداً يخرج من صدر معلمي." قررت أن أغادر هذه الأراضي، متجهًا نحو المملكة العظيمة إيليندار، حيث الخزائن

الكبرى التي تحدث عنها معلمي، لعلني أجد فيها الأسرار التي كان يبحث عنها.

في طريقي إلى إيليندار، مررت بقرية صغيرة تُدعى أورفالين، تقع على أطراف الغابات. كانت بسيطة، بيوت خشبية محاطة

بالحقول، والناس يعيشون حياة هادئة رغم قسوة العالم من حولهم.

هناك، وبينما كنت أعبر أحد الحقول، رأيتها… فتاة شابة تطعم حصانًا بنيًا ضخم ً ا، كان يخص والدها. شعرها الأسود

الطويل ينسدل على كتفيها، وعيناها بلون البحر عند الغروب. كانت تحمل سلة من العلف، وحين رأتني توقفت، نظرت إليّ

باستغراب، ثم سألتني:

“من أنت؟ وما الذي تفعل هنا؟”

أجبتها بصوت ٍ متعب:

“اسمي سولفاريس… أتيت من مملكة سوفيرا.”

ارتجفت ملامحها، ثم قالت بدهشة:

“هل أنت من المملكة التي أصابها الطاعون؟”

لم أستطع الرد، لكن الحزن ارتسم على وجهي. سألتني مرة أخرى، ثم تنهدت ُ ولم أجب. عندها قالت بهدوء:

“حسنًا… إذا كنت لا تريد أن تتكلم عن الأمر، فهذا قرارك.”

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وأضافت:

“تبدو متعبا يمكنك أن تنام الليلة في الحضيره طبعا اذا احببت ذلك لكن اذا اردت البقاء اكثر سوف يكون عليك العمل هنا

لايوجد شيء بالمجان

وافقت، فقد كنت مرهقًا من الطريق، وقررت البقاء في القرية لبعض الوقت.

في الأيام التالية، بدأت أتعرف على ليانيس أكثر. لم يكن حبًا مباشرًا، بل إعجابًا ينمو ببطء، من خلال النظرات والاهتمام.

كنت أساعدها في الحقل، أحمل الماء، أقطع الحطب، وأحيانًا أنقذها من حوادث بسيطة،

كانت تنظر إليّ بإعجاب، وتقدم لي الطعام والشراب بعد العمل، وكأنها تقول بصمت: “أنت لست غريبًا بعد الآن.” ومع كل

يوم، كنت أشعر أنني أجد في هذه القرية الصغيرة شيئًا افتقدته طويلا ً : دفء الحياة البسيطة، واهتمام صادق بلا خوف

ولا نبوءة.

لم يكن الأمر مقتصرًا على ليانيس، فقد تعرفت أيض ً ا على اصدقاء سوف يغيرون حياتي:

كانت الحانة مزدحمة تلك الليلة، أصوات الضحك والموسيقى تختلط برائحة الجعة والخبز الطازج. جلس سولفاريس على

طاولة خشبية في الزاوية، يراقب المكان بعينين فضوليتين.

اقترب منه رجل نحيل الجسد، كتفاه ضيقتان، ووجهه بلا لحية أو شعر، لكنه يحمل ابتسامة خفيفة. وضع إبريقًا من الجعة

أمامه وقال:

إيفانور: “أهلاً بالغريب، اسمي إيفانور. أنا من يعد الطعام والجعة هنا… لا تضحك على هيئتي، فالطعام وحده هو

قوتي.”

ابتسم سولفاريس ورد:

سولفاريس: “سعيد بلقائك يا إيفانور، يبدو أنك تعرف كيف تصنع الجو قبل أن تصنع الطعام.”

في تلك اللحظة، اقتربت فتاة صغيرة البنية، تحمل صينية عليها كؤوس، شعرها مربوط بعجلة، ووجهها بلا ملامح قوة،

لكنه يحمل بريقًا داخليًا. وضعت الكؤوس على الطاولة وقالت بابتسامة خفيفة:

ماريسا: “أنا ماريسا… النادلة هنا. إيفانور يحب أن يعرّف الغرباء عليّ، ربما لأنه يظن أنني أستطيع قراءة قلوبهم أسرع

من قراءة وجوههم.”

نظر إليها سولفاريس وقال بهدوء:

سولفاريس: “تشرفت بكِ يا ماريسا، ابتسامتك تخفي شيئًا أثقل من هذه الكؤوس.”

ارتبكت قليلا ً ، ثم ابتسمت من جديد، كأنها لا تريد أن تكشف جرحها.

وفجأة، جلس رجل نحيف جدًا على الطاولة دون استئذان، وجهه بلا شعر، وذراعاه تبدوان أضعف من أن تحمل كأس ً ا ممتلئًا.

ضرب الطاولة بيده وقال بصوت ٍ عال ٍ ، وهو ثمِل:

داريوس: “أيها الغريب! هل تعلم أنني وحدي من واجه ذئبًا بحجم حصان؟ لقد نظر إليّ بعينيه المشتعلتين، لكنني… أنا

داريوس… جعلته يهرب مثل قطة صغيرة!”

ضحك إيفانور وهو يسكب له كأس ً ا جديدًا:

إيفانور: “داريوس، لو كان الذئب بحجم حصان، لكان أكل نصف القرية قبل أن تهرب منه.”

ماريسا هزت رأسها وقالت:

ماريسا: “لا تصدقه يا سولفاريس، قصصه دائماً أكبر من الحقيقة، لكنه رغم ذلك… لا أحد يضحكنا مثله.”

ابتسم سولفاريس وهو ينظر إلى الثلاثة، شعر أن هذه الطاولة الصغيرة جمعت أرواح ً ا مختلفة:

• إيفانور، الطباخ النحيل الذي يخفي قلبًا حساس ً ا.

• ماريسا، النادلة الصغيرة التي تحمل حزن أورافلين في عينيها.

• داريوس، الضعيف جسديًا لكنه يملأ المكان بالقصص والضحك.

سولفاريس في نفسه(: “ربما لم أجد مجرد غرباء… بل وجدت بداية لعائلة جديدة.”)

معهم بدأت أشعر أنني لم أعد وحدي، وأن رحلتي إلى إيليندار لن تكون مجرد بحث عن الأسرار، بل بداية قصة جديدة، قصة

فيها رفاق وأمل، وربما حب يولد ببطء بيني وبين ليانيس.

أيامي في أورفالين بدأت تأخذ طابعًا مختلفًا. كنت أستيقظ مع شروق الشمس، أساعد ليانيس في الحقل، أحمل الماء

للحصان، وأقطع الحطب. أحيانًا كانت تسقط السلة من يدها، فأسرع لالتقاطها قبل أن تتناثر الحبوب على الأرض، فتبتسم

بخجل. وأحيانًا كنت أساعدها في رفع الأثقال التي تعجز عنها، فتنظر إليّ نظرة إعجاب صامتة، كأنها تقول: “أنت لست

غريبًا بعد الآن.”

كانت تقدم لي الطعام والشراب بعد العمل، وأحيانًا تجلس بجانبي لتسألني عن حياتي في سوفيرا، لكنني كنت أتهرب من

الحديث عن الطاعون ومعلمي. كانت تحترم صمتي، لكنها تزداد اهتمامًا بي يومًا بعد يوم.

أما أصدقائي الثلاثة، فقد صاروا جزءًا من حياتي اليومية:

• داريوس كان دائم ً ا يتحدث عن حلمه بأن يصبح محاربًا، وكان يطلب مني أن أعلّمه بعض الحركات القتالية التي تعلمتها

في بايراثور. كنت أدرّبه في الخفاء، بعيدًا عن أعين أهل القرية.

• إيفانور كان يحب المغامرة، يأخذني إلى الغابات ويعلّمني كيف أتعرف على الطرق والنجوم، وكيف أجد الماء في أماكن لا

يتوقعها أحد.

• ماريسا كانت تضفي على حياتنا بهجة، تغني في الأمسيات، وتجمع الناس حولها في الساحة الصغيرة، فتجعلنا ننسى

همومنا ولو للحظة.

في إحدى الليالي، قررنا أن نذهب إلى حانة القرية. كانت مليئة بالناس، رائحة الجعة تملأ المكان، وضحكاتهم تختلط

بأصوات الطبول. جلسنا على طاولة خشبية، وبدأنا نشرب.

لكن إيفانور، بطبيعته المتهورة، دخل في جدال مع بعض الرجال الغرباء. كانوا يتحدثون عن نول غارد وعن قوتها، فقال لهم

إيفانور بسخرية:

“أنتم لا تعرفون شيئًا… لو كنتم رجالا ً حقًا، لكنتم واجهتم النار والحديد كما فعلت بايراثور.”

غضب الرجال، وبدأت المشادة تتحول إلى عراك. حاولت أن أهدئ الأمور، لكن أحدهم دفعني بقوة، فسقطت الكأس من يدي.

عندها نهض داريوس، وضرب الرجل بقبضته، واشتعلت الحانة بالفوضى.

كنت مضطرًا أن أتدخل، فصدّيت الضربات، وأبعدت إيفانور عن الخطر. في النهاية، خرجنا من الحانة ونحن نضحك رغم

الجروح الصغيرة، كأننا كسبنا معركة صغيرة ضد الفوضى. لكنني لم أنس َ أن السبب كان تهور إيفانور، الذي كاد يوقعنا

في مشكلة كبيرة.

تلك الليالي، بين الحقول والحانة والغابات، جعلتني أشعر أنني أعيش حياةً لم أعرفها من قبل. حياة بسيطة لكنها مليئة

بالمعنى. ليانيس كانت تزداد قربًا مني، ليس بالحب المباشر، بل بالاهتمام، بالنظرات، بالابتسامة التي ترافقني كل صباح.

وأصدقائي الثلاثة صاروا كإخوة، رغم مشاكلهم وتهورهم.

كنا أنا وأصدقائي نجلس في الحانة الصغيرة عند أطراف القرية، نضحك ونمزح بعد يوم طويل من العمل في الحقول.

أصوات الكؤوس تتصادم، ورائحة الخبز والشراب تملأ المكان، والجو مليء بالضحك والقصص.

فجأة، اندفع باب الحانة بقوة حتى ارتطم بالجدار، ودخلت ليانيس مسرعة، وجهها متوتر وعيناها تلمعان بالقلق. صرخت

بصوت ٍ مرتجف لكنه قوي:

“سولفاريس! تعال بسرعة… الأبقار هربت من الحظيرة!”

سكت الجميع، وتوقفت الضحكات. نهضت من مكاني بسرعة، وقلت لأصدقائي:

“هيا بنا، لنترك الشراب الآن، فالأبقار أهم من قصصنا.”

خرجنا جميعًا إلى الشارع، والليل كان قد بدأ يخيّم على القرية. أصوات الأبقار تتردد في الأزقة، تركض مذعورة بين البيوت،

والناس يصرخون ويحاولون إيقافها.

داريوس، قفز على حصانٍ كان مربوطًا قرب الحظيرة، وهو يصرخ:

“اتركوا الأمر لي، سأوقفها وحدي!”

لكن الحصان كان متوترًا من الفوضى، فاندفع فجأة، وداريوس لم يتمالك نفسه، فسقط أرضاً في اللحظة نفسها، مرّت بقرة

مذعورة بجانبه، فركضت فوق كومة من القش، جعلت الذباب يتطاير حوله ويغطي وجهه.

داريوس وقف وهو يلوّح بيديه محاولا ً إبعاد الذباب، ويصرخ:

“كنت أقصد أن أسيطر على الأبقار… ليس على الذباب!”

أمسكت بحبل إحدى الأبقار بقوة، شددته حتى هدأت، بينما أصدقائي سدوا الطرقات وأعادوا البقية إلى الحظيرة.

حين انتهى كل شيء، وقفت ألهث، والعرق يتصبب من جبيني. ليانيس اقتربت مني :

“حسناً سولفاريس، يبدو أنك تجيد التعامل مع الأبقار.”

نظرت إليها وأنا أتنفس بصعوبة، نعم، نعم… يا لها من أبقار!”

كنت أعلم أن رحلتي إلى إيليندار لم تبدأ بعد، لكنني شعرت أن هذه القرية الصغيرة، أورفالين، أصبحت محطة مهمة في

حياتي، محطة علّمتني أن القوة ليست في السيف وحده، بل في الصداقة، وفي دفء إنسان يراك كما أنت.

بعد ليلة الحانة، عدت ُ إلى الحقل منهكًا، ألقيت جسدي على كومة من القش في حضيرة القرية. كان الألم ينهش كتفي من

ضربة تلقيتها في العراك، لكنني لم أُعره اهتمامًا. أغمضت عينيّ، وإذا بظلٍ يقترب… كانت ليانيس.

رأتني ممددًا على القش، فارتسم القلق على وجهها. اقتربت وسألتني بصوت ٍ مرتجف:

“ماذا حصل لك؟”

لم أجب، لكن الدم كان واضحاً على ذراعي. سارعت إلى جلب الماء وفوطة نظيفة، وجلست بجانبي تنظف جراحي الصغيرة

بحنانٍ لم أعرفه من قبل. نظرت في عينيها، وفي تلك اللحظة، كأن الزمن توقف. اقتربت أكثر، والتقت شفاهنا لأول مرة في

قبلة قصيرة، لكنها حملت دفء العالم كله.

بعدها، قررت أن أبوح لها بما لم أبوح به لأحد. أخبرتها عن الطاعون الذي ضرب سوفيرا، عن موت معلمي زيرافون أمامي،

وعن النار التي أحرقت جثث الناس. كنت أتكلم والدموع تحاول أن تخنق صوتي.

تأثرت ليانيس كثيرًا، وضعت يدها على يدي وقالت:

“سولفاريس… الحياة مليئة بالامور ، بعضها مؤلم وبعضها جميل. لكنك يجب أن تكمل، يجب أن تمضي قدمًا. لا تدع الحزن يوقفك، فأنت خُلقت لتكون أكثر من مجرد شاهد على الألم.”

كلماتها كانت كالماء البارد على نار قلبي، أعادت إليّ شيئًا من القوة التي فقدتها.

لكن مدتي في اورفالين لم تمر كلها بالهدوء الذي ظننت أنني وجدته. ففي إحدى الليالي، بينما كنا نجلس في الساحة نستمع إلى غناء ماريسا، جاء رجل غريب إلى القرية. كان يرتدي عباءة ممزقة، ووجهه مغطى بالغبار، وعيناه تلمعان بقلقٍ لم أفهمه. جلس في الحانة بصمت، لكنه لم يطلب طعامًا ولا شرابًا، بل ظل يراقب الناس بعينين متوترتين.

اقتربت منه وسألته:

“من أنت؟ وما الذي جاء بك إلى أورفالين؟”

رفع رأسه ببطء وقال بصوتٍ خافت:

“أنا مجرد مسافر… لكنني أحمل خبرًا لن يسرّكم. رأيت جيوشًا تتحرك قرب حدود نول غارد، سمعت طبول الحرب تُقرع، ورأيت رايات حمراء تُرفع في الليل.”

ساد الصمت في الحانة، حتى إيفانور الذي لا يتوقف عن المزاح بدا مذهولًا. ماريسا وضعت يدها على فمها، وداريوس صرخ:

“حرب؟! لكننا مجرد قرية صغيرة، من يهتم بنا؟”

الرجل الغريب نظر إليه وقال:

“الحرب لا تختار،وليست لقريتكم فقط بل لكل اراضي ثيروس إنها تبتلع كل ما تجده في طريقها. حتى القرى الصغيرة تصبح رمادًا حين تمر الجيوش.”

في تلك اللحظة، شعرت أن قلبي ينقبض. تذكرت الطاعون في سوفيرا، وكيف اجتاح كل شيء بلا رحمة. والآن، بدا أن نذرًا جديدًا يقترب، لكن هذه المرة ليس مرضًا، بل دمار هذه الارض .

بعد أن غادر الرجل، اجتمعنا نحن الأربعة في الحقل. ليانيس كانت ترتجف وهي تقول:

“هل يمكن أن يكون هذا هو القدر الذي تحدثت عنه جدتي؟ لقد حذرتني دائمًا من أن العالم لا يترك أحدًا في سلام طويل.”

إيفانور حاول أن يخفف الجو:

“ربما هو مجرد مخبول، لا تعيروه انتباه كثيرون يختلقون قصصًا عن الحرب.”

لكنني رأيت في عينيه خوفًا لم يستطع إخفاءه.

داريوس، بعناده المعتاد، قال:

“إذا جاءت الحرب، فسأكون أول من يحمل السيف! لن أهرب مثلما هربت من الذئب.”

ضحكنا قليلًا رغم التوتر، لكنني كنت أعلم أن الأمر ليس مزحة.

في تلك الليلة، لم أستطع النوم. خرجت إلى الغابة، والهواء كان ثقيلاً كأنه يحمل سرًا. سمعت أصواتًا غريبة بين الأشجار، كأن هناك من يراقبني. وعندما اقتربت من جدول الماء، وجدت حجارة مرسومة عليها رموز غريبة، حين اقتربت من الصخرة، لم أرَ مجرد خطوط أو دوائر، بل أحرف غريبة محفورة بعناية، متصلة ببعضها كأنها جملة قصيرة بلغة لا أعرفها. أخرجت دفتري بسرعة، ورسمت الرموز كما هي:

(“⟠⍢⟊⟟⋔⍜⍦ ⌖⍀⟒⍁⟊ ⍚⟟⍀⟒ ⍂⟊⍦⍜⍀” )دوائر متشابكة وخطوط حمراء باهتة

تأملت فيها طويلًا، لكنني لم أستطع أن أفسرها. لم أرَ هذه اللغة في سوفيرا، ولم يذكرها معلمي زيرافون في أي من كتبه. شعرت أنها تحمل معنى، لكنها مغلقة عليّ كقفل بلا مفتاح.

عدت إلى القرية وأنا مثقل بالقلق. ليانيس كانت تنتظرني عند باب الحظيرة، وجهها شاحب لكنها ثابتة. قالت لي:

“سولفاريس، مهما كان ما رأيته، يجب أن تخبرني. لا تحمل هذا وحدك.”

فأخبرتها بما رأيت، عن الرجل الغريب، وعن الرموز في الغابة. أغمضت عينيها وقالت:

“إذن، لم يعد الأمر مجرد خوف… إنه نذير حقيقي.”

اخرجت لها دفتري ورأت الرمز ذهلت كان شيء نزل عليها ماذا بك لماذا انخطف لونك ؟ هل تعرفين معنها هل يمكنك قرأتها قالت لا لا اعرف لكن جدتي كانت تعرف ولم تعلمني اخبرتني اني اذا رأيت مثل هكذا رموز ان اترك المكان ولا اسال قالت انها ليست لغة بشر بل لغة قديمه منسية لا أضن ان احداً في ثيروس يعرفها الان

في تلك اللحظة، شعرت أن أورفالين لم تعد مجرد محطة للراحة، بل أصبحت ساحة اختبار جديدة، حيث يختلط الحب بالخوف، والدفء بالقدر المظلم. كنت أعلم أن الأيام القادمة ستكشف أكثر مما أحتمل، وأن الطريق إلى إيليندار لم يعد خيارًا، بل ضرورة.

في الشرق البعيد من ثيروس، تمتد أراضٍ تُعرف باسم أورماليث، أرض مزدهرة بالأنهار والغابات والقرى الصغيرة. على طول الطريق المؤدي إلى قلبها، تنتشر قرى يسكنها قوم قصار القامة يُعرفون باسم اللورين، منشغلين بالزراعة أكثر من أي شيء آخر. كانوا يحرثون الأرض ويزرعون الكروم والقمح، وكأنهم يعيشون في عالم منفصل عن صراعات البشر.

أسترافون، الساحر الذي اعتاد أن يزور هذه القرى، كان صديقًا لهم. كلما مرّ بعربته التي تجرها خيلان قوية، كان الأطفال يتجمعون حوله ويصرخون:

“أسترافون أتى! نريد التنين! نريد التنين!

ابتسم لهم، وأخرج عصاه ، ثم رسم في الهواء دوائر متوهجة. فجأة ظهر أمامهم تنين ضخم من الضوء، ليس حقيقيًا بل خداع بصر، يلمع بألوان زرقاء وذهبية، يرفرف بجناحيه فوق الساحة. الأطفال صرخوا فرحًا، يركضون خلفه وهم يضحكون، بينما الكبار يكتفون بالابتسام، كأنهم اعتادوا على هذه العجائب الصغيرة التي يقدمها لهم صديقهم الساحر وبينهم من هو منزعج كونه غريب الاطوار ويعتقدون ان السحره يسببون المتاعب

بعد أيام من السفر عبر الغابات المضيئة والأنهار المتلألئة، وصل أخيرًا إلى قلعة إيرالون، مقر الساحر الأعظم ميرافون. القلعة شامخة، مبنية من حجارة بيضاء، محاطة بحدائق واسعة، وفي قلبها قاعة ضخمة تُعرف باسم قاعة ايسلاد ، حيث يجتمع السحرة الاثنا عشر كل عام

دخل أسترافون القاعة، وكان السحرة قد اجتمعوا بالفعل حول طاولة مستديرة وجوههم تحمل ملامح الغموض، أعمارهم طويلة، وعيونهم كأنها تقرأ ما وراء الزمن. كل واحد منهم يملك طابعه الخاص، لكنهم جميعًا يشتركون في شيء واحد: القدرة على قراءة اللغات القديمة التي نسيها البشر منذ قرون

ميرافون، الساحر الأعظم، جلس في رأس الطاولة، صوته هادئ لكنه يحمل قوة:

“أيها السحرة، اجتمعنا كما نفعل كل عام. لكن هذه المرة، هناك علامات لا يمكن تجاهلها. رموز ظهرت على الصخور، ونجم أحمر في السماء. يجب أن نقرر كيف سنتعامل مع هذه العلامات

إيلداريوس ؛المذنب الغابات التي بدأت تمرض الهواء المثقل بالاوهام تحرك الغورماكس نحو القرى وحرقها وقتل اهلها الرموز التي بدات تظهر بوضوح كانه … استرافون قاطعه الظل رجع الى ثيروس وهو يجمع قوته واتباعه..

ايلداريوس ؛ نعم يا صديقي هذا بالضبط ما اردت ان اشير له الحرب قادمه ايها الاخوه والظلام سوف يغطي هذه الارض لذا علينا ان نقرر الان مصير ثيروس ومصيرنا..

غاريمون ؛ اي تهديد اي مصير اتسمي تحركات وغارات سخيفه من قبل الغورماكس وبعض النقوش القديمه على انها عودة العدو لا انت تتوهم لماذا لم يظهر حتى الان لو كان العدو موجود لما كنا جالسين هنا نتحدث مثل كل عام كنا سنكون في الحرب

بدأ جدال بين السحره وارتفع صوتهم بينهم مؤيد وبينهم رافض لعودة العدو المظلم

استرافون ؛ في نفسه هذه اول مره منذ الحرب الكبرى يحدث مثل هكذا نزاع

لكن من بيننا من لا يريد أن يعترف بذلك. هناك من يشكك، وهناك من يهمس بأفكار غريبة… أفكار عن الانضمام إلى قوى العدو ساد الصمت نظرات متبادلة وانتهى الاجتماع بلا اي نتيجة ترجى

بعد الاجتماع، خرج أسترافون إلى شرفة القلعة، ينظر إلى أراضي أورماليث الجميلة، الغابات المضيئة والأنهار التي تعكس ضوء القمر. الأطفال في القرى كانوا ما زالوا يتحدثون عن التنين الذي أراه لهم، واللورين يواصلون عملهم في الأرض بلا اهتمام بما يجري في القاعات. ابتسم وهو يتمتم لنفسه:

“العالم يبدو هادئًا هنا… لكنني أعلم أن هذا الهدوء يخفي شيئًا أكبر

اذا لتكن هيه ايلندار يجب ان اجده….

سبعة أشهر في أورفالين

مرت الأشهر، سبعة كاملة، وأنا أعيش في قرية أورفالين. علاقتي بليانيس تطورت كثيرًا، لم تعد مجرد فتاة رأيتها في الحقل،

بل أصبحت جزءًا من حياتي، من يومي، من قلبي. كنت أساعدها في الحقول، وكانت تقدم لي الطعام والشراب بابتسامة

تجعلني أنسى كل همومي.

مع أصدقائي الثلاثة، داريوس وإيفانور وماريسا، صارت حياتي مليئة بالضحك والمغامرات الصغيرة. كنا نذهب إلى

الغابات، نجلس في الحانة، نغني مع ماريسا، ونحلم بمستقبل أفضل.

النجم الأحمر

لكن في إحدى الليالي، بينما كنا نجلس في الحقل ننظر إلى السماء، رأيت نجم ً ا غريبًا يشع بلون الدم، أحمر شديد

السطوع، كأنه جرح مفتوح في السماء. ارتجفت ليانيس وقالت

“جدتي أخبرتني عن مثل هذا النجم… قالت إنه حين يظهر، لا يمر وقت طويل حتى تندلع الحرب.”

شعرت أن قلبي يضيق، وأن القدر يطرق بابي من جديد. أدركت أن عليّ الإسراع إلى المملكة العظيمة إيليندار، حيث الأسرار

والخزائن، حيث ربما أجد الإجابة عن النبوءة التي تطاردني.

أخبرت ليانيس بقراري، فحزنت كثيرًا، لكن عينيها بقيتا ثابتتين. قالت لي:

“اذهب يا سولفاريس… افعل ما يجب أن تفعله. لكن تذكر، سأنتظرك، وأعلم أنك ستعود.”

في صباح اليوم التالي، بدأت أجهز نفسي للرحيل. ليانيس منحتني حصانًا أسود قويًا، أطلقت عليه اسم “أسترافوس”

وقالت إنه كان حصان والدها المفضل. وضعت يدي على عنقه، وشعرت أنني أحمل معي جزءًا من القرية، جزءًا منها.

كنت أريد أن أرحل دون أن أودّع أصدقائي، لأنهم تعلقوا بي كثيرًا، ولم أرد أن أزيد ألمهم. لكن إيفانور رآني وأنا أجهز

الحصان، فأسرع ليخبر الآخرين. فجأة وجدت داريوس وماريسا يقفون أمامي، وعيونهم مليئة بالإصرار.

قلت لهم بتذمر:

“ماذا تفعلون هنا؟ لماذا أنتم؟”

أجاب داريوس وهو يبتسم ابتسامة قوية:

“سولفاريس، لن نتركك أبدًا. سنأتي معك، مهما كان الطريق مظلماً.”

نظرت إليهم، ثم إلى ليانيس التي كانت تقف خلفهم، عيناها تلمعان بالدموع، لكنها تبتسم. عندها أدركت أنني لم أعد

وحدي، وأن رحلتي إلى إيليندار لن تكون رحلة فردية، بل بداية مغامرة مع رفاقٍ وحب ٍ ينتظرني مهما طال الطريق.

غادرنا أورفالين وألسنة النجم الأحمر تلاحقنا في الأفق. لم نكن مجرد أربعة شبان يمتطون الخيول، بل كنا هاربين من قدرٍ

بدأ يستيقظ. تركت ُ ليانيس خلفي، لكن قبلتها كانت الدرع الذي يحمي قلبي من البرد القادم. وبينما كان أسترافوس ينهب

الأرض نهباً نحو إيليندار، كنت ُ أسمع صدى ضحكات أصدقائي تختلط بصرير الرياح، وكأننا نسير نحو فم التنين.. ونحن نبتسم

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • الطاولة ( ملحمة سولفاريس )   صدع في جدران الظلام

    :في مدينة إيليندار، كل واحد من رفاقي بدأ يجد طريقه • ماريسا كانت مشغولة برغبتها في أن تصبح قوية. في أحد الأيام حاولت سرقة قوس ٍ وأسهم من دكان حدادة. كشفها الشاب أريندار، ابن الحداد وصانع الأسلحة. دار بينهما خلاف حاد: ماريسا )بصوت مرتجف(: “أرجوك… لا تسلمني لا تخبر احد. أنا فقط… أريد أن أتعلم الرماية.” أريندار )ينظر إليها طويلا ً(: “السرقة ليست طريق القوة… لكنني أرى في عينيك شيئًا آخر. إصرار… نار لا تنطفئ.” ماريسا )تتنفس بعمق(: “علّمني… اجعلني أستحق هذا القوس.” يصمت أريندار، ثم يضع القوس في يدها: “من اليوم… ستكونين تلميذتي ولنرى الى اين ستصلين. • إيفانور كان يتجول في الأسواق، وهناك التقى بفتاة تبيع الفواكه تُدعى سيرينيا. في البداية كان يضايقها بمزاحه: إيفانور: “هل هذه التفاحة حلوة مثلك؟” سيرينيا )تبتسم بخجل(: “أنت لا تعرف كيف تختار كلماتك… لكنك تعرف كيف تختار الفاكهة.” مع مرور الأيام، صار يزورها باستمرار، يمازحها، ويجلس معها طويلا ً . بينهما بدأ إعجاب صادق ينمو، كأن السوق لم يعد مجرد مكان للبيع، بل مكان لقاء الأرواح. • داريوس كان يتنقل بين الحانات، وهناك التقى بفتاة تعمل نادل

  • الطاولة ( ملحمة سولفاريس )   الطريق الى ايلندار

    في طريقنا الى ايلندار كان علينا أن نعبر كهوف الغورماكس، الممر الوحيد المؤدي إلى طريق مملكة إيليندار. في البداية بدا كل شيء طبيعياً؛ المكان مظلم ورطب، رائحته كريهة، والهواء ثقيل كأنه يخترق الروح والجسد. كنت أشعر أن هناك شيئاً يخرج من ظلماته، يراقبنا بصمت، لكنه لم يظهر استمرينا في السير ثمانية أيام كاملة داخل الكهوف، حتى وقعت الكارثة. تم اكتشافنا من قبل مخلوقات الغورماكس. أصواتهم بدأت كالنحيب الممزق، وأشكالهم تشبه الغيلان في قصصنا القديمة، أعدادهم هائلة. انطلقت السهام السوداء نحونا من كل مكان، من الأعلى ومن الجوانب، ونحن نتفاداها بصعوبة. واجهناهم في البداية وقتلنا عدداً منهم، لكنهم كانوا يتكاثرون علينا بلا نهاية. اضطررنا إلى الجري والهروب، نركض ونركض جميعاً حتى رأينا النور في نهاية الطريق حين خرجنا إلى نور الشمس، اكتشفنا أن هذه المخلوقات تحترق في الضوء، ولا يمكنها الخروج من كهوفها. كان ذلك درساً قاسياً، لكنه منحنا فرصة النجاة. بعد أن خرجنا من جبال غارموك، حيث واجهنا الغورماكس، تابعنا السير حتى وصلنا إلى سهول واسعة تُعرف باسم حقول لوريندا. كانت الحقول مليئة بأزهار السولانث، ألوانها تتدر

  • الطاولة ( ملحمة سولفاريس )   ظلال الطاعون

    لا شيء يبقى على حاله… بعد ثلاثة عشر عامًا في مملكة سوفيرا، حيث تعلمت الحكمة والفلسفة، جاء يومٌ غيّر كل شيء. أصاب المملكة طاعون رهيب، ، يبدأ ببقعٍ داكنة على الجلد، ثم يتحول إلى سعال دموي وحمى تحرق أطلق عليه الناس اسم “طاعون الس ُ خام الأسود” الجسد من الداخل، حتى ينهار المصاب ويذبل كأن روحه تُسحب منه ببطء. انتشر الطاعون كالنار في الهشيم، أزهق حياة الآلاف، وأصبحت الشوارع مليئة بجثث تُحمل إلى الأفران ليُحرقوا. ولحسن حظي، أو ربما لقدرٍ اختارني، لم أصب. لكن مصيبتي كانت في رؤية معلمي زيرافون يحتضر أمامي. لم يقل شيئًا، لم يوصني بكلمات، بل اكتفى بأن يحدّق في وجهي نظرة طويلة، نظرة حملت كل ما لم يستطع قوله. ثم أغمض عينيه ورحل، وأُحرقت جثته كما أُحرقت جثث الكثيرين. ضاق صدري، وأصبحت سوفيرا بالنسبة لي مكانًا مظلم ً ا، مليئًا بالذكريات التي تؤلمني أكثر مما تعلّمني. وقف سولفاريس وهو ينضر الى جثمان معلمه وبصوت مبحوح قال في سوفيرا علموني كيف أقرأ النجوم، لكنهم لم يعلموني كيف أوقف نزيفاً أسوداً يخرج من صدر معلمي." قررت أن أغادر هذه الأراضي، متجهًا نحو المملكة العظيمة إيليندار، حيث ا

  • الطاولة ( ملحمة سولفاريس )   ارض العقول الامحدودة

    في صباحٍ هادئ، وقفت أمام أورين الحداد، الرجل الذي كان لي أبًا ومعلم ً ا، وقلت له بصوت ٍ يختلط فيه الحزن بالشوق:“يا أورين، لقد علّمتني كل ما تستطيع، وأعطيتني أكثر مما حلمت. لكنني أشعر أن العالم أوسع من هذه الأسوار، وأن عليّأن أراه بعينيّ، أن أستكشفه بنفسي.”نظر إليّ طويلا ً ، لحيته السوداء تهتز مع أنفاسه الثقيلة، ثم وضع يده على كتفي وقال:“سولفاريس… النار علّمتك القوة، والحديد علّمك الصبر. لكن العالم سيعلّمك الحقيقة. اذهب، ولا تخف، فأنت ابن الناروالحديد، ولن ينكسر قلبك مهما اشتد الطريق.”كانت تلك آخر كلمات سمعتها منه، ثم ودعته، وغادرت بايراثور بخطوات ٍ ثقيلة، كأنني أترك جزءًا من نفسي خلفي.سرت ُ عبر أراضي واسعة، جبال شاهقة، ووديان مظلمة، وقرى غارقة في وحل الشهوات والخطايا. رأيت رجالا ً ونساءًيمارسون رغباتهم في الطرقات بلا حياء، الأطفال يُغتصبون بلا رحمة، والنساء يُزوّجن قاصرات كأنهن سلعة تُباع وتُشترى.رأيت رجالا ً يثملون حتى يتقيأوا في الشوارع، ثم يتقاتلون على فتات الطعام أو على جسد امرأة. السرقة كانت علنًا، بلاخوف ولا عقاب، كل شيء كان مباح ً ا من أجل المتعة اللحظية. لم يكن هناك

  • الطاولة ( ملحمة سولفاريس )   مملكة بايراثور

    حين وقفت أمام البوابة العظيمة، كان الحارس يحدق في وجهي بعينين صارمتين، درعه يلمع كأنه قطعة من شمس ٍ متجمدة.:صوته خرج كالرعد وهو يقول“ماذا تفعل هنا في أرض بايراثور؟”لم أجب، لكن عينيّ الذهبيتين كانتا تفضحانني، كأنهما تحملان سرًّا لا أستطيع إخفاءه. تردد الحارس لحظة، ثم أشار ليبالدخول، وكأن المملكة نفسها قررت أن تختبرني.دخلت ُ ، وكان المشهد أشبه بعالمٍ آخر. الأسواق تضج بأصوات المطرقة على الحديد، رائحة الفحم والحديد المنصهر تملأالهواء، والناس يتحركون بخطوات ثابتة، كأنهم جزء من إيقاعٍ واحد صنعته النار. لم يكن هذا المكان مجرد مدينة، بل كانقلبًا نابض ً ا من لهب ٍ وحديد.في تلك اللحظة، رآني رجل ضخم، لحيته كثيفة كغابة سوداء، عيناه قاسيتان لكنهما تخفيان حنانًا غريبًا. اقترب مني، نظرإليّ طويلا ً ، ثم قال بصوت ٍ عميق:“أنت جائع، أليس كذلك؟”لم أستطع إنكار ذلك، فأطعمني، وكان ذلك أول طعامٍ حقيقي منذ سنوات البراري.ذلك الرجل كان اسمه أورين، حدّاد المملكة العظيم. لم يكن مجرد معلّم، بل كان أبًا لم أعرفه يومًا. أخذني إلى ورشته، حيثالأفران تشتعل كأنها أفواه تنين، والمطارق تهبط على الحديد كالرعد.

  • الطاولة ( ملحمة سولفاريس )   المقدمة

    في صباح يوم هادئ وجميل خرجت ُ إلى هذا العالم وبُثت الحياة في جسدي. فتحت ُ عينيّ وأرى أشخاصاً كثيرين كباراً المقدمة ينظرون إليّ ويبتسمون ويضحكون ويداعبون شعري. ولدت ُ في العام 645 من العهد الثالث بعينين ذهبيتين وشعر ذهبي وبشرة بيضاء. وضعتني أمي في حضنها، لم أرَ والدي، لم أعرف من هو ولا اسمه ولا أي شيء عنه. عندها اختارت لي أمي اسماً؛ الاسم الذي سوف أعيش معه حياتي كلها، الاسم الذي سوف يكون مصيبتي ولعنتي ما حييت. نظرت أمي في عينيّ وقالت أول كلمة سمعتها بوضوح: “سولفاريس”. نشأت ُ بين الحقول، أركض بين السنابل مع أطفال القرية نقطف الازهار كنا نزعج البجع في البحيره كثيرا ، نضحك ونرمي بعضنا بالطين، نصنع من الطين قلاعًا صغيرة ونعلن أننا ملوكها. كنا نختبئ خلف الأشجار ونصرخ كأننا فرسان يقاتلون تنانين وهمية، ثم نعود إلى بيوتنا بملابسممزقة ووجوه مليئة بالتراب، لكن قلوبنا مليئة بالضحك. كانت أمي تراقبني من بعيد، تبتسم وهي تحمل سلة الخبز الطازج، ثم تناديني بصوتها الحنون: “سولفاريس، تعال، اغسل يديك قبل أن تأكل.”كنت أركض إليها، أتشبث بثوبها، وأشعر بدفء حضنها. لكنها كانت دائم ً اتتجنب الحديث عن و

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status