LOGINلا شيء يبقى على حاله…
بعد ثلاثة عشر عامًا في مملكة سوفيرا، حيث تعلمت الحكمة والفلسفة، جاء يومٌ غيّر كل شيء. أصاب المملكة طاعون رهيب، ، يبدأ ببقعٍ داكنة على الجلد، ثم يتحول إلى سعال دموي وحمى تحرق أطلق عليه الناس اسم “طاعون الس ُ خام الأسود” الجسد من الداخل، حتى ينهار المصاب ويذبل كأن روحه تُسحب منه ببطء. انتشر الطاعون كالنار في الهشيم، أزهق حياة الآلاف، وأصبحت الشوارع مليئة بجثث تُحمل إلى الأفران ليُحرقوا. ولحسن حظي، أو ربما لقدرٍ اختارني، لم أصب. لكن مصيبتي كانت في رؤية معلمي زيرافون يحتضر أمامي. لم يقل شيئًا، لم يوصني بكلمات، بل اكتفى بأن يحدّق في وجهي نظرة طويلة، نظرة حملت كل ما لم يستطع قوله. ثم أغمض عينيه ورحل، وأُحرقت جثته كما أُحرقت جثث الكثيرين. ضاق صدري، وأصبحت سوفيرا بالنسبة لي مكانًا مظلم ً ا، مليئًا بالذكريات التي تؤلمني أكثر مما تعلّمني. وقف سولفاريس وهو ينضر الى جثمان معلمه وبصوت مبحوح قال في سوفيرا علموني كيف أقرأ النجوم، لكنهم لم يعلموني كيف أوقف نزيفاً أسوداً يخرج من صدر معلمي." قررت أن أغادر هذه الأراضي، متجهًا نحو المملكة العظيمة إيليندار، حيث الخزائن الكبرى التي تحدث عنها معلمي، لعلني أجد فيها الأسرار التي كان يبحث عنها. في طريقي إلى إيليندار، مررت بقرية صغيرة تُدعى أورفالين، تقع على أطراف الغابات. كانت بسيطة، بيوت خشبية محاطة بالحقول، والناس يعيشون حياة هادئة رغم قسوة العالم من حولهم. هناك، وبينما كنت أعبر أحد الحقول، رأيتها… فتاة شابة تطعم حصانًا بنيًا ضخم ً ا، كان يخص والدها. شعرها الأسود الطويل ينسدل على كتفيها، وعيناها بلون البحر عند الغروب. كانت تحمل سلة من العلف، وحين رأتني توقفت، نظرت إليّ باستغراب، ثم سألتني: “من أنت؟ وما الذي تفعل هنا؟” أجبتها بصوت ٍ متعب: “اسمي سولفاريس… أتيت من مملكة سوفيرا.” ارتجفت ملامحها، ثم قالت بدهشة: “هل أنت من المملكة التي أصابها الطاعون؟” لم أستطع الرد، لكن الحزن ارتسم على وجهي. سألتني مرة أخرى، ثم تنهدت ُ ولم أجب. عندها قالت بهدوء: “حسنًا… إذا كنت لا تريد أن تتكلم عن الأمر، فهذا قرارك.” ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وأضافت: “تبدو متعبا يمكنك أن تنام الليلة في الحضيره طبعا اذا احببت ذلك لكن اذا اردت البقاء اكثر سوف يكون عليك العمل هنا لايوجد شيء بالمجان وافقت، فقد كنت مرهقًا من الطريق، وقررت البقاء في القرية لبعض الوقت. في الأيام التالية، بدأت أتعرف على ليانيس أكثر. لم يكن حبًا مباشرًا، بل إعجابًا ينمو ببطء، من خلال النظرات والاهتمام. كنت أساعدها في الحقل، أحمل الماء، أقطع الحطب، وأحيانًا أنقذها من حوادث بسيطة، كانت تنظر إليّ بإعجاب، وتقدم لي الطعام والشراب بعد العمل، وكأنها تقول بصمت: “أنت لست غريبًا بعد الآن.” ومع كل يوم، كنت أشعر أنني أجد في هذه القرية الصغيرة شيئًا افتقدته طويلا ً : دفء الحياة البسيطة، واهتمام صادق بلا خوف ولا نبوءة. لم يكن الأمر مقتصرًا على ليانيس، فقد تعرفت أيض ً ا على اصدقاء سوف يغيرون حياتي: كانت الحانة مزدحمة تلك الليلة، أصوات الضحك والموسيقى تختلط برائحة الجعة والخبز الطازج. جلس سولفاريس على طاولة خشبية في الزاوية، يراقب المكان بعينين فضوليتين. اقترب منه رجل نحيل الجسد، كتفاه ضيقتان، ووجهه بلا لحية أو شعر، لكنه يحمل ابتسامة خفيفة. وضع إبريقًا من الجعة أمامه وقال: إيفانور: “أهلاً بالغريب، اسمي إيفانور. أنا من يعد الطعام والجعة هنا… لا تضحك على هيئتي، فالطعام وحده هو قوتي.” ابتسم سولفاريس ورد: سولفاريس: “سعيد بلقائك يا إيفانور، يبدو أنك تعرف كيف تصنع الجو قبل أن تصنع الطعام.” في تلك اللحظة، اقتربت فتاة صغيرة البنية، تحمل صينية عليها كؤوس، شعرها مربوط بعجلة، ووجهها بلا ملامح قوة، لكنه يحمل بريقًا داخليًا. وضعت الكؤوس على الطاولة وقالت بابتسامة خفيفة: ماريسا: “أنا ماريسا… النادلة هنا. إيفانور يحب أن يعرّف الغرباء عليّ، ربما لأنه يظن أنني أستطيع قراءة قلوبهم أسرع من قراءة وجوههم.” نظر إليها سولفاريس وقال بهدوء: سولفاريس: “تشرفت بكِ يا ماريسا، ابتسامتك تخفي شيئًا أثقل من هذه الكؤوس.” ارتبكت قليلا ً ، ثم ابتسمت من جديد، كأنها لا تريد أن تكشف جرحها. وفجأة، جلس رجل نحيف جدًا على الطاولة دون استئذان، وجهه بلا شعر، وذراعاه تبدوان أضعف من أن تحمل كأس ً ا ممتلئًا. ضرب الطاولة بيده وقال بصوت ٍ عال ٍ ، وهو ثمِل: داريوس: “أيها الغريب! هل تعلم أنني وحدي من واجه ذئبًا بحجم حصان؟ لقد نظر إليّ بعينيه المشتعلتين، لكنني… أنا داريوس… جعلته يهرب مثل قطة صغيرة!” ضحك إيفانور وهو يسكب له كأس ً ا جديدًا: إيفانور: “داريوس، لو كان الذئب بحجم حصان، لكان أكل نصف القرية قبل أن تهرب منه.” ماريسا هزت رأسها وقالت: ماريسا: “لا تصدقه يا سولفاريس، قصصه دائم ً ا أكبر من الحقيقة، لكنه رغم ذلك… لا أحد يضحكنا مثله.” ابتسم سولفاريس وهو ينظر إلى الثلاثة، شعر أن هذه الطاولة الصغيرة جمعت أرواح ً ا مختلفة: • إيفانور، الطباخ النحيل الذي يخفي قلبًا حساس ً ا. • ماريسا، النادلة الصغيرة التي تحمل حزن أورافلين في عينيها. • داريوس، الضعيف جسديًا لكنه يملأ المكان بالقصص والضحك. سولفاريس )في نفسه(: “ربما لم أجد مجرد غرباء… بل وجدت بداية لعائلة جديدة.” معهم بدأت أشعر أنني لم أعد وحدي، وأن رحلتي إلى إيليندار لن تكون مجرد بحث عن الأسرار، بل بداية قصة جديدة، قصة فيها رفاق وأمل، وربما حب يولد ببطء بيني وبين ليانيس. أيامي في أورفالين بدأت تأخذ طابعًا مختلفًا. كنت أستيقظ مع شروق الشمس، أساعد ليانيس في الحقل، أحمل الماء للحصان، وأقطع الحطب. أحيانًا كانت تسقط السلة من يدها، فأسرع لالتقاطها قبل أن تتناثر الحبوب على الأرض، فتبتسم بخجل. وأحيانًا كنت أساعدها في رفع الأثقال التي تعجز عنها، فتنظر إليّ نظرة إعجاب صامتة، كأنها تقول: “أنت لست غريبًا بعد الآن.” كانت تقدم لي الطعام والشراب بعد العمل، وأحيانًا تجلس بجانبي لتسألني عن حياتي في سوفيرا، لكنني كنت أتهرب من الحديث عن الطاعون ومعلمي. كانت تحترم صمتي، لكنها تزداد اهتمامًا بي يومًا بعد يوم. أما أصدقائي الثلاثة، فقد صاروا جزءًا من حياتي اليومية: • داريوس كان دائم ً ا يتحدث عن حلمه بأن يصبح محاربًا، وكان يطلب مني أن أعلّمه بعض الحركات القتالية التي تعلمتها في بايراثور. كنت أدرّبه في الخفاء، بعيدًا عن أعين أهل القرية. • إيفانور كان يحب المغامرة، يأخذني إلى الغابات ويعلّمني كيف أتعرف على الطرق والنجوم، وكيف أجد الماء في أماكن لا يتوقعها أحد. • ماريسا كانت تضفي على حياتنا بهجة، تغني في الأمسيات، وتجمع الناس حولها في الساحة الصغيرة، فتجعلنا ننسى همومنا ولو للحظة. في إحدى الليالي، قررنا أن نذهب إلى حانة القرية. كانت مليئة بالناس، رائحة الجعة تملأ المكان، وضحكاتهم تختلط بأصوات الطبول. جلسنا على طاولة خشبية، وبدأنا نشرب. لكن إيفانور، بطبيعته المتهورة، دخل في جدال مع بعض الرجال الغرباء. كانوا يتحدثون عن نول غارد وعن قوتها، فقال لهم إيفانور بسخرية: “أنتم لا تعرفون شيئًا… لو كنتم رجالا ً حقًا، لكنتم واجهتم النار والحديد كما فعلت بايراثور.” غضب الرجال، وبدأت المشادة تتحول إلى عراك. حاولت أن أهدئ الأمور، لكن أحدهم دفعني بقوة، فسقطت الكأس من يدي. عندها نهض داريوس، وضرب الرجل بقبضته، واشتعلت الحانة بالفوضى. كنت مضطرًا أن أتدخل، فصدّيت الضربات، وأبعدت إيفانور عن الخطر. في النهاية، خرجنا من الحانة ونحن نضحك رغم الجروح الصغيرة، كأننا كسبنا معركة صغيرة ضد الفوضى. لكنني لم أنس َ أن السبب كان تهور إيفانور، الذي كاد يوقعنا في مشكلة كبيرة. تلك الليالي، بين الحقول والحانة والغابات، جعلتني أشعر أنني أعيش حياةً لم أعرفها من قبل. حياة بسيطة لكنها مليئة بالمعنى. ليانيس كانت تزداد قربًا مني، ليس بالحب المباشر، بل بالاهتمام، بالنظرات، بالابتسامة التي ترافقني كل صباح. وأصدقائي الثلاثة صاروا كإخوة، رغم مشاكلهم وتهورهم. كنا أنا وأصدقائي نجلس في الحانة الصغيرة عند أطراف القرية، نضحك ونمزح بعد يوم طويل من العمل في الحقول. أصوات الكؤوس تتصادم، ورائحة الخبز والشراب تملأ المكان، والجو مليء بالضحك والقصص. فجأة، اندفع باب الحانة بقوة حتى ارتطم بالجدار، ودخلت ليانيس مسرعة، وجهها متوتر وعيناها تلمعان بالقلق. صرخت بصوت ٍ مرتجف لكنه قوي: “يولفاريس! تعال بسرعة… الأبقار هربت من الحظيرة!” سكت الجميع، وتوقفت الضحكات. نهضت من مكاني بسرعة، وقلت لأصدقائي: “هيا بنا، لنترك الشراب الآن، فالأبقار أهم من قصصنا.” خرجنا جميعًا إلى الشارع، والليل كان قد بدأ يخيّم على القرية. أصوات الأبقار تتردد في الأزقة، تركض مذعورة بين البيوت، والناس يصرخون ويحاولون إيقافها. داريوس، قفز على حصانٍ كان مربوطًا قرب الحظيرة، وهو يصرخ: “اتركوا الأمر لي، سأوقفها وحدي!” لكن الحصان كان متوترًا من الفوضى، فاندفع فجأة، وداريوس لم يتمالك نفسه، فسقط أرض ً ا في اللحظة نفسها، مرّت بقرة مذعورة بجانبه، فركضت فوق كومة من القش، جعلت الذباب يتطاير حوله ويغطي وجهه. داريوس وقف وهو يلوّح بيديه محاو لا ً إبعاد الذباب، ويصرخ: “كنت أقصد أن أسيطر على الأبقار… ليس على الذباب!” أمسكت بحبل إحدى الأبقار بقوة، شددته حتى هدأت، بينما أصدقائي سدوا الطرقات وأعادوا البقية إلى الحظيرة. حين انتهى كل شيء، وقفت ألهث، والعرق يتصبب من جبيني. ليانيس اقتربت مني وهي تبتسم وقالت بخفة: “حسناً سولفاريس، يبدو أنك تجيد التعامل مع الأبقار.” نظرت إليها وأنا أتنفس بصعوبة، نعم، نعم… يا لها من أبقار!” كنت أعلم أن رحلتي إلى إيليندار لم تبدأ بعد، لكنني شعرت أن هذه القرية الصغيرة، أورفالين، أصبحت محطة مهمة في حياتي، محطة علّمتني أن القوة ليست في السيف وحده، بل في الصداقة، وفي دفء إنسان يراك كما أنت. بعد ليلة الحانة، عدت ُ إلى الحقل منهكًا، ألقيت جسدي على كومة من القش في حضيرة القرية. كان الألم ينهش كتفي من ضربة تلقيتها في العراك، لكنني لم أُعره اهتمامًا. أغمضت عينيّ، وإذا بظلٍ يقترب… كانت ليانيس. رأتني ممددًا على القش، فارتسم القلق على وجهها. اقتربت وسألتني بصوت ٍ مرتجف: “ماذا حصل لك؟” لم أجب، لكن الدم كان واضح ً ا على ذراعي. سارعت إلى جلب الماء وفوطة نظيفة، وجلست بجانبي تنظف جراحي الصغيرة بحنانٍ لم أعرفه من قبل. نظرت في عينيها، وفي تلك اللحظة، كأن الزمن توقف. اقتربت أكثر، والتقت شفاهنا لأول مرة في قبلة قصيرة، لكنها حملت دفء العالم كله. بعدها، قررت أن أبوح لها بما لم أبوح به لأحد. أخبرتها عن الطاعون الذي ضرب سوفيرا، عن موت معلمي زيرافون أمامي، وعن النار التي أحرقت جثث الناس. كنت أتكلم والدموع تحاول أن تخنق صوتي. تأثرت ليانيس كثيرًا، وضعت يدها على يدي وقالت: “سولفاريس… الحياة مليئة بالأسرار، بعضها مؤلم وبعضها جميل. لكنك يجب أن تكمل، يجب أن تمضي قدمًا. لا تدع الحزن يوقفك، فأنت خُلقت لتكون أكثر من مجرد شاهد على الألم.” كلماتها كانت كالماء البارد على نار قلبي، أعادت إليّ شيئًا من القوة التي فقدتها. سبعة أشهر في أورفالين مرت الأشهر، سبعة كاملة، وأنا أعيش في قرية أورفالين. علاقتي بليانيس تطورت كثيرًا، لم تعد مجرد فتاة رأيتها في الحقل، بل أصبحت جزءًا من حياتي، من يومي، من قلبي. كنت أساعدها في الحقول، وكانت تقدم لي الطعام والشراب بابتسامة تجعلني أنسى كل همومي. مع أصدقائي الثلاثة، داريوس وإيفانور وماريسا، صارت حياتي مليئة بالضحك والمغامرات الصغيرة. كنا نذهب إلى الغابات، نجلس في الحانة، نغني مع ماريسا، ونحلم بمستقبل أفضل. النجم الأحمر لكن في إحدى الليالي، بينما كنا نجلس في الحقل ننظر إلى السماء، رأيت نجم ً ا غريبًا يشع بلون الدم، أحمر شديد السطوع، كأنه جرح مفتوح في السماء. ارتجفت ليانيس وقالت: “جدتي أخبرتني عن مثل هذا النجم… قالت إنه حين يظهر، لا يمر وقت طويل حتى تندلع الحرب.” شعرت أن قلبي يضيق، وأن القدر يطرق بابي من جديد. أدركت أن عليّ الإسراع إلى المملكة العظيمة إيليندار، حيث الأسرار والخزائن، حيث ربما أجد الإجابة عن النبوءة التي تطاردني. أخبرت ليانيس بقراري، فحزنت كثيرًا، لكن عينيها بقيتا ثابتتين. قالت لي: “اذهب يا سولفاريس… افعل ما يجب أن تفعله. لكن تذكر، سأنتظرك، وأعلم أنك ستعود.” ، في صباح اليوم التالي، بدأت أجهز نفسي للرحيل. ليانيس منحتني حصانًا أسود قويًا، أطلقت عليه اسم “أسترافوس” وقالت إنه كان حصان والدها المفضل. وضعت يدي على عنقه، وشعرت أنني أحمل معي جزءًا من القرية، جزءًا منها. كنت أريد أن أرحل دون أن أودّع أصدقائي، لأنهم تعلقوا بي كثيرًا، ولم أرد أن أزيد ألمهم. لكن إيفانور رآني وأنا أجهز الحصان، فأسرع ليخبر الآخرين. فجأة وجدت داريوس وماريسا يقفون أمامي، وعيونهم مليئة بالإصرار. قلت لهم بتذمر: “ماذا تفعلون هنا؟ لماذا أنتم؟” أجاب داريوس وهو يبتسم ابتسامة قوية: “سولفاريس، لن نتركك أبدًا. سنأتي معك، مهما كان الطريق مظلم ً ا.” نظرت إليهم، ثم إلى ليانيس التي كانت تقف خلفهم، عيناها تلمعان بالدموع، لكنها تبتسم. عندها أدركت أنني لم أعد وحدي، وأن رحلتي إلى إيليندار لن تكون رحلة فردية، بل بداية مغامرة مع رفاقٍ وحب ٍ ينتظرني مهما طال الطريق. غادرنا أورفالين وألسنة النجم الأحمر تلاحقنا في الأفق. لم نكن مجرد أربعة شبان يمتطون الخيول، بل كنا هاربين من قدرٍ بدأ يستيقظ. تر كت ُ ليانيس خلفي، لكن قبلتها كانت الدرع الذي يحمي قلبي من البرد القادم. وبينما كان )أسترافوس( ينهب الأرض نهباً نحو إيليندار، كنت ُ أسمع صدى ضحكات أصدقائي تختلط بصرير الرياح، وكأننا نسير نحو فم التنين.. ونحن نبتسم .في طريقنا الى ايلندار كان علينا أن نعبر كهوف الغورماكس، الممر الوحيد المؤدي إلى طريق مملكة إيليندار. في البداية بدا كل شيء طبيعياً؛ المكان مظلم ورطب، رائحته كريهة، والهواء ثقيل كأنه يخترق الروح والجسد. كنت أشعر أن هناك شيئاً يخرج من ظلماته، يراقبنا بصمت، لكنه لم يظهر استمرينا في السير ثمانية أيام كاملة داخل الكهوف، حتى وقعت الكارثة. تم اكتشافنا من قبل مخلوقات الغورماكس. أصواتهم بدأت كالنحيب الممزق، وأشكالهم تشبه الغيلان في قصصنا القديمة، أعدادهم هائلة. انطلقت السهام السوداء نحونا من كل مكان، من الأعلى ومن الجوانب، ونحن نتفاداها بصعوبة. واجهناهم في البداية وقتلنا عدداً منهم، لكنهم كانوا يتكاثرون علينا بلا نهاية. اضطررنا إلى الجري والهروب، نركض ونركض جميعاً حتى رأينا النور في نهاية الطريق حين خرجنا إلى نور الشمس، اكتشفنا أن هذه المخلوقات تحترق في الضوء، ولا يمكنها الخروج من كهوفها. كان ذلك درساً قاسياً، لكنه منحنا فرصة النجاة. بعد أن خرجنا من جبال غارموك، حيث واجهنا الغورماكس، تابعنا السير حتى وصلنا إلى سهول واسعة تُعرف باسم حقول لوريندا. كانت الحقول مليئة بأزهار السولانث، ألوانها تتدر
لا شيء يبقى على حاله…بعد ثلاثة عشر عامًا في مملكة سوفيرا، حيث تعلمت الحكمة والفلسفة، جاء يومٌ غيّر كل شيء. أصاب المملكة طاعون رهيب،، يبدأ ببقعٍ داكنة على الجلد، ثم يتحول إلى سعال دموي وحمى تحرقأطلق عليه الناس اسم “طاعون الس ُ خام الأسود”الجسد من الداخل، حتى ينهار المصاب ويذبل كأن روحه تُسحب منه ببطء.انتشر الطاعون كالنار في الهشيم، أزهق حياة الآلاف، وأصبحت الشوارع مليئة بجثث تُحمل إلى الأفران ليُحرقوا. ولحسنحظي، أو ربما لقدرٍ اختارني، لم أصب. لكن مصيبتي كانت في رؤية معلمي زيرافون يحتضر أمامي. لم يقل شيئًا، لميوصني بكلمات، بل اكتفى بأن يحدّق في وجهي نظرة طويلة، نظرة حملت كل ما لم يستطع قوله. ثم أغمض عينيه ورحل،وأُحرقت جثته كما أُحرقت جثث الكثيرين.ضاق صدري، وأصبحت سوفيرا بالنسبة لي مكانًا مظلم ً ا، مليئًا بالذكريات التي تؤلمني أكثر مما تعلّمني. وقف سولفاريسوهو ينضر الى جثمان معلمه وبصوت مبحوح قال في سوفيرا علموني كيف أقرأ النجوم، لكنهم لم يعلموني كيف أوقفنزيفاً أسوداً يخرج من صدر معلمي." قررت أن أغادر هذه الأراضي، متجهًا نحو المملكة العظيمة إيليندار، حيث الخزائنالكبرى التي تح
في صباحٍ هادئ، وقفت أمام أورين الحداد، الرجل الذي كان لي أبًا ومعلم ً ا، وقلت له بصوت ٍ يختلط فيه الحزن بالشوق:“يا أورين، لقد علّمتني كل ما تستطيع، وأعطيتني أكثر مما حلمت. لكنني أشعر أن العالم أوسع من هذه الأسوار، وأن عليّأن أراه بعينيّ، أن أستكشفه بنفسي.”نظر إليّ طويلا ً ، لحيته السوداء تهتز مع أنفاسه الثقيلة، ثم وضع يده على كتفي وقال:“سولفاريس… النار علّمتك القوة، والحديد علّمك الصبر. لكن العالم سيعلّمك الحقيقة. اذهب، ولا تخف، فأنت ابن الناروالحديد، ولن ينكسر قلبك مهما اشتد الطريق.”كانت تلك آخر كلمات سمعتها منه، ثم ودعته، وغادرت بايراثور بخطوات ٍ ثقيلة، كأنني أترك جزءًا من نفسي خلفي.سرت ُ عبر أراضي واسعة، جبال شاهقة، ووديان مظلمة، وقرى غارقة في وحل الشهوات والخطايا. رأيت رجالا ً ونساءًيمارسون رغباتهم في الطرقات بلا حياء، الأطفال يُغتصبون بلا رحمة، والنساء يُزوّجن قاصرات كأنهن سلعة تُباع وتُشترى.رأيت رجالا ً يثملون حتى يتقيأوا في الشوارع، ثم يتقاتلون على فتات الطعام أو على جسد امرأة. السرقة كانت علنًا، بلاخوف ولا عقاب، كل شيء كان مباح ً ا من أجل المتعة اللحظية. لم يكن هناك
حين وقفت أمام البوابة العظيمة، كان الحارس يحدق في وجهي بعينين صارمتين، درعه يلمع كأنه قطعة من شمس ٍ متجمدة.:صوته خرج كالرعد وهو يقول“ماذا تفعل هنا في أرض بايراثور؟”لم أجب، لكن عينيّ الذهبيتين كانتا تفضحانني، كأنهما تحملان سرًّا لا أستطيع إخفاءه. تردد الحارس لحظة، ثم أشار ليبالدخول، وكأن المملكة نفسها قررت أن تختبرني.دخلت ُ ، وكان المشهد أشبه بعالمٍ آخر. الأسواق تضج بأصوات المطرقة على الحديد، رائحة الفحم والحديد المنصهر تملأالهواء، والناس يتحركون بخطوات ثابتة، كأنهم جزء من إيقاعٍ واحد صنعته النار. لم يكن هذا المكان مجرد مدينة، بل كانقلبًا نابض ً ا من لهب ٍ وحديد.في تلك اللحظة، رآني رجل ضخم، لحيته كثيفة كغابة سوداء، عيناه قاسيتان لكنهما تخفيان حنانًا غريبًا. اقترب مني، نظرإليّ طويلا ً ، ثم قال بصوت ٍ عميق:“أنت جائع، أليس كذلك؟”لم أستطع إنكار ذلك، فأطعمني، وكان ذلك أول طعامٍ حقيقي منذ سنوات البراري.ذلك الرجل كان اسمه أورين، حدّاد المملكة العظيم. لم يكن مجرد معلّم، بل كان أبًا لم أعرفه يومًا. أخذني إلى ورشته، حيثالأفران تشتعل كأنها أفواه تنين، والمطارق تهبط على الحديد كالرعد.
في صباح يوم هادئ وجميل خرجت ُ إلى هذا العالم وبُثت الحياة في جسدي. فتحت ُ عينيّ وأرى أشخاصاً كثيرين كباراً المقدمة ينظرون إليّ ويبتسمون ويضحكون ويداعبون شعري. ولدت ُ في العام 645 من العهد الثالث بعينين ذهبيتين وشعر ذهبي وبشرة بيضاء. وضعتني أمي في حضنها، لم أرَ والدي، لم أعرف من هو ولا اسمه ولا أي شيء عنه. عندها اختارت لي أمي اسماً؛ الاسم الذي سوف أعيش معه حياتي كلها، الاسم الذي سوف يكون مصيبتي ولعنتي ما حييت. نظرت أمي في عينيّ وقالت أول كلمة سمعتها بوضوح: “سولفاريس”. نشأت ُ بين الحقول، أركض بين السنابل مع أطفال القرية نقطف الازهار كنا نزعج البجع في البحيره كثيرا ، نضحك ونرمي بعضنا بالطين، نصنع من الطين قلاعًا صغيرة ونعلن أننا ملوكها. كنا نختبئ خلف الأشجار ونصرخ كأننا فرسان يقاتلون تنانين وهمية، ثم نعود إلى بيوتنا بملابسممزقة ووجوه مليئة بالتراب، لكن قلوبنا مليئة بالضحك. كانت أمي تراقبني من بعيد، تبتسم وهي تحمل سلة الخبز الطازج، ثم تناديني بصوتها الحنون: “سولفاريس، تعال، اغسل يديك قبل أن تأكل.”كنت أركض إليها، أتشبث بثوبها، وأشعر بدفء حضنها. لكنها كانت دائم ً اتتجنب الحديث عن و