LOGINحين وقفت أمام البوابة العظيمة، كان الحارس يحدق في وجهي بعينين صارمتين، درعه يلمع كأنه قطعة من شمس ٍ متجمدة.
:صوته خرج كالرعد وهو يقول “ماذا تفعل هنا في أرض بايراثور؟” لم أجب، لكن عينيّ الذهبيتين كانتا تفضحانني، كأنهما تحملان سرًّا لا أستطيع إخفاءه. تردد الحارس لحظة، ثم أشار لي بالدخول، وكأن المملكة نفسها قررت أن تختبرني. دخلت ُ ، وكان المشهد أشبه بعالمٍ آخر. الأسواق تضج بأصوات المطرقة على الحديد، رائحة الفحم والحديد المنصهر تملأ الهواء، والناس يتحركون بخطوات ثابتة، كأنهم جزء من إيقاعٍ واحد صنعته النار. لم يكن هذا المكان مجرد مدينة، بل كان قلبًا نابض ً ا من لهب ٍ وحديد. في تلك اللحظة، رآني رجل ضخم، لحيته كثيفة كغابة سوداء، عيناه قاسيتان لكنهما تخفيان حنانًا غريبًا. اقترب مني، نظر إليّ طويلا ً ، ثم قال بصوت ٍ عميق: “أنت جائع، أليس كذلك؟” لم أستطع إنكار ذلك، فأطعمني، وكان ذلك أول طعامٍ حقيقي منذ سنوات البراري. ذلك الرجل كان اسمه أورين، حدّاد المملكة العظيم. لم يكن مجرد معلّم، بل كان أبًا لم أعرفه يومًا. أخذني إلى ورشته، حيث الأفران تشتعل كأنها أفواه تنين، والمطارق تهبط على الحديد كالرعد. هناك تعلمت ُ أن الحديد ليس مجرد معدن، بل روحٌ تُصاغ بالنار والصبر. علّمني كيف أطرق الحديد، كيف أسمع صوته حين يلين، وكيف أرى فيه انعكاس نفسي. لكن لم يكن الحدادة وحدها ما شدّني. كنت أرى الفرسان والحراس بزيهم المهيب، دروعهم تحمل رمز المملكة: شمس من لهب تتوسطها سندان أسود. كنت أحلم أن أكون واحدًا منهم، أن أحمل السيف وأقف على الأسوار. لذلك، كنت أتدرب سرًّا في .الليل، بعيدًا عن أعين الناس. أورين كان يعلم، لكنه لم يمنعني، بل كان يبتسم ابتسامة خفية، كأنه يعرف أن هذا هو قدري أورين لم يكن مجرد رجل ضخم علّمني طرق الحديد، بل كان أسطورة حية بين شعب الأندور. كانوا قومًا يُعرفون بطول القامة، بصلابة أجسادهم، وبشواربهم الكثيفة التي يفتخرون بها كما يفتخرون بدرعٍ من الفولاذ أعمارهم طويلة، تمتد إلى آلاف السنين، حتى أن متوسط عمر الواحد منهم يصل إلى أربعة آلاف عام، وكأن الزمن نفسه يخشى أن يطويهم سريعًا. بعد سنوات، يعود الحلم نفسه. سولفاريس يرى نفسه مرة أخرى على نفس الجبل، لكن هذه المرة الأسد أكبر وأكثر رهبة. يزأر، يهز الصخور، ثم ينقض عليه. سولفاريس يهرب بين المنحدرات، يتسلق بصعوبة، يتعثر ويسقط، يحاول أن يختبئ .خلف صخرة، لكن زئير الأسد يملأ المكان. يستيقظ وهو يتصبب عرقًا، يشعر أن الجبل صار ساحة خوف لا تنتهي في سنواتي التي قضيتها معه، عرفت تفاصيل عن حياته لم يكن يرويها بسهولة. كان متزوج ً ا من امرأة شديدة الجمال، جمالها لم يكن عاديًا، بل كأنه صيغ من نورٍ خافت يلمع في عتمة الأفران. أحبها أورين حبًا عظيم ً ا، وكانت سندًا له في شبابه حين كان مجرد صبي موهوب، يطرق الحديد بيدين صغيرتين لكنهما تحملان قوة جبل. عمل على نفسه بلا توقف، حتى صار أعظم حداد في مملكة بايراثور، الرجل الذي يُقال إن مطرقته وحدها تستطيع أن تصنع سيوفًا لا تنكسر، ودروعًا لا تخترقها النيران. لكن المجد لا يأتي بلا ثمن. في العهد الأول، حين اندلعت الحرب بين بايراثور ومملكة نول غارد المعادية، تعرضت المملكة لدمارٍ عظيم. نول غارد كانت مشهورة بترويض التنانين، لم يكن ذلك للتفاخر أو للزينة، بل لغرض واحد: الحرب. كانوا يطلقونها كالأسلحة الحية، نيرانها أقوى من ألف بركان، أجنحتها ظل ٌّ يغطي السماء، وصوتها يرعب حتى أشجع الفرسان. في ذلك الهجوم، جاء تنين يُدعى فالدروس، كان أشرسهم وأكثرهم رهبة. حلق فوق بايراثور، ثم نفث لهيبًا جارفًا على البيوت، فاحترقت المدينة، وذابت حجارتها كأنها شمع. ابنه فولكان، الفارس الشجاع، قاتل في المعركة حتى آخر رمق، لكنه سقط بين جموع المحاربين، ودمه امتزج بتراب المملكة التي أحبها. أما بناته الثلاث، إمبرا وسيلا وأزورا، فقد كنّ في البيت حين هاجم فالدروس. لم يستطعن الهرب، التهمهن اللهيب، ولم يبقَ منهن سوى ذكرى في قلب أبيهن ولوحة معلّقة على الجدار. حين رأيت تلك اللوحة في بيت أورين، سألتُه عنها، فحكى لي القصة بصوت ٍ مثقل بالحزن، ورأيت دمعةً تسقط من عينه، دمعةً ثقيلة لم يكن ذلك الرجل الضخم الذي علّمني الحدادة والقتال مجرد معلّم، بل كان أبًا فقد كل شيء، وبقي يحمل الحزن كجرحٍ لا يندمل. ثماني سنوات قضيتها معه، بين الأفران والدروع، بين قصص الحرب والذكريات، بين شعب الأندور الذين صاروا يرونني واحدًا منهم. كنت قد بلغت العشرين، جسدي صار قويًا، وذراعاي تعرفان ثقل المطرقة والسيف. لكن قلبي كان مثقلا ً بسرٍّ لم يُكشف. كلما سألت أمي عن والدي، كانت تتلعثم، تفتح مواضيع أخرى، كأنها تهرب من الحقيقة. في بايراثور، تعلمت أن النار ليست مجرد قوة، بل سرٌّ يربط الأرض بالسماء. والحديد ليس مجرد سلاح، بل عهدٌ بين الإنسان والقدر. ومع كل يوم، كنت أشعر أنني أقترب من لحظةٍ ستكشف لي من أكون، ولماذا اختارتني النار منذ طفولتي. في أحد الأيام، خرجت من ورشة أورين لأتجول بين أزقة بايراثور. كانت الأسواق تضج بأصوات الباعة، ورائحة الخبز والفحم تعبق في الهواء. وبين الزحام، رأيت امرأة عجوز تحمل سلة ثقيلة من الفحم، خطواتها بطيئة وظهرها منحني. اقتربت منها وأخذت السلة من يديها قائلاً بابتسامة بسيطة: “دعيني أساعدك، الطريق طويل عليك وحدك.” سرت معها حتى بيتها، وأثناء الطريق مرّ بنا أطفال يلعبون بالحجارة الصغيرة، أحدهم تعثر وسقط. توقفت، رفعت الطفل، ونفضت الغبار عن ثوبه، ثم ضحكت معه قليلا ً قبل أن أواصل السير. حين وصلت إلى بيت العجوز، شكرتني وهي تقول بلطف: “أنت شاب طيب، في صباحٍ مزدحم بورشة أورين، دخل طفل صغير بعينين فضوليتين ويديه المتسختين من اللعب في التراب. كان اسمه ليان، أحد أبناء القرية الذين يُرسلون إلى الحدادين ليتعلموا المهنة مقابل أجر زهيد أو لقمة خبز. وقف أمام أورين وقال بصوت ٍ متردد: “يا سيدي، أمي قالت إن عليّ أن أتعلم هنا… هل تسمح لي؟” أورين نظر إليه بصرامة، ثم هز رأسه قائلاً: “أنت صغير جدًا، هذه المطارق أثقل من جسدك، ستكسر عظامك قبل أن تكسر الحديد. عد حين تكبر.” لكنني تقدمت خطوة وقلت: “اسمح لي يا معلمي… سأعلمه أنا. كنت اقول في نفسي ان ليس كل شيء يبدأ بالقوة، بل بالفضول.” ابتسم أورين ابتسامة خفية، كأنه يختبرني، ثم قال: “حسنًا يا سولفاريس، إن كنت ترى نفسك معلما، فلتجرب.” جلست بجانب ليان، وضعت قطعة صغيرة من الحديد أمامه، وقلت: “انظر يا ليان، الحديد مثل الإنسان، يحتاج صبرًا قبل أن يلين. لا تضربه بعنف، بل استمع لصوته، كأنه يتحدث إليك.” ليان رفع المطرقة الصغيرة، وضرب الحديد ضربة خفيفة، ثم قال بجدية “أشعر أنه يصرخ… هل هذا يعني أنه غاضب؟” ضحكت وقلت: “ربما، لكنه سيهدأ حين يعرف أنك لا تريد أن تؤذيه، بل أن تشكّله.” أورين كان يراقب بصمت، ويرمقنا بأبتسامه ليان ابتسم، وعيناه تلمعان بالدهشة، ثم قال “إذا كان الحديد مثل الإنسان، فربما يحتاج إلى صديق أيضاً ضحكت أنا وأورين معًا، وكان ذلك اليوم أول مرة أشعر أنني لا أتعلم فقط، بل أعلّمفي طريقنا الى ايلندار كان علينا أن نعبر كهوف الغورماكس، الممر الوحيد المؤدي إلى طريق مملكة إيليندار. في البداية بدا كل شيء طبيعياً؛ المكان مظلم ورطب، رائحته كريهة، والهواء ثقيل كأنه يخترق الروح والجسد. كنت أشعر أن هناك شيئاً يخرج من ظلماته، يراقبنا بصمت، لكنه لم يظهر استمرينا في السير ثمانية أيام كاملة داخل الكهوف، حتى وقعت الكارثة. تم اكتشافنا من قبل مخلوقات الغورماكس. أصواتهم بدأت كالنحيب الممزق، وأشكالهم تشبه الغيلان في قصصنا القديمة، أعدادهم هائلة. انطلقت السهام السوداء نحونا من كل مكان، من الأعلى ومن الجوانب، ونحن نتفاداها بصعوبة. واجهناهم في البداية وقتلنا عدداً منهم، لكنهم كانوا يتكاثرون علينا بلا نهاية. اضطررنا إلى الجري والهروب، نركض ونركض جميعاً حتى رأينا النور في نهاية الطريق حين خرجنا إلى نور الشمس، اكتشفنا أن هذه المخلوقات تحترق في الضوء، ولا يمكنها الخروج من كهوفها. كان ذلك درساً قاسياً، لكنه منحنا فرصة النجاة. بعد أن خرجنا من جبال غارموك، حيث واجهنا الغورماكس، تابعنا السير حتى وصلنا إلى سهول واسعة تُعرف باسم حقول لوريندا. كانت الحقول مليئة بأزهار السولانث، ألوانها تتدر
لا شيء يبقى على حاله…بعد ثلاثة عشر عامًا في مملكة سوفيرا، حيث تعلمت الحكمة والفلسفة، جاء يومٌ غيّر كل شيء. أصاب المملكة طاعون رهيب،، يبدأ ببقعٍ داكنة على الجلد، ثم يتحول إلى سعال دموي وحمى تحرقأطلق عليه الناس اسم “طاعون الس ُ خام الأسود”الجسد من الداخل، حتى ينهار المصاب ويذبل كأن روحه تُسحب منه ببطء.انتشر الطاعون كالنار في الهشيم، أزهق حياة الآلاف، وأصبحت الشوارع مليئة بجثث تُحمل إلى الأفران ليُحرقوا. ولحسنحظي، أو ربما لقدرٍ اختارني، لم أصب. لكن مصيبتي كانت في رؤية معلمي زيرافون يحتضر أمامي. لم يقل شيئًا، لميوصني بكلمات، بل اكتفى بأن يحدّق في وجهي نظرة طويلة، نظرة حملت كل ما لم يستطع قوله. ثم أغمض عينيه ورحل،وأُحرقت جثته كما أُحرقت جثث الكثيرين.ضاق صدري، وأصبحت سوفيرا بالنسبة لي مكانًا مظلم ً ا، مليئًا بالذكريات التي تؤلمني أكثر مما تعلّمني. وقف سولفاريسوهو ينضر الى جثمان معلمه وبصوت مبحوح قال في سوفيرا علموني كيف أقرأ النجوم، لكنهم لم يعلموني كيف أوقفنزيفاً أسوداً يخرج من صدر معلمي." قررت أن أغادر هذه الأراضي، متجهًا نحو المملكة العظيمة إيليندار، حيث الخزائنالكبرى التي تح
في صباحٍ هادئ، وقفت أمام أورين الحداد، الرجل الذي كان لي أبًا ومعلم ً ا، وقلت له بصوت ٍ يختلط فيه الحزن بالشوق:“يا أورين، لقد علّمتني كل ما تستطيع، وأعطيتني أكثر مما حلمت. لكنني أشعر أن العالم أوسع من هذه الأسوار، وأن عليّأن أراه بعينيّ، أن أستكشفه بنفسي.”نظر إليّ طويلا ً ، لحيته السوداء تهتز مع أنفاسه الثقيلة، ثم وضع يده على كتفي وقال:“سولفاريس… النار علّمتك القوة، والحديد علّمك الصبر. لكن العالم سيعلّمك الحقيقة. اذهب، ولا تخف، فأنت ابن الناروالحديد، ولن ينكسر قلبك مهما اشتد الطريق.”كانت تلك آخر كلمات سمعتها منه، ثم ودعته، وغادرت بايراثور بخطوات ٍ ثقيلة، كأنني أترك جزءًا من نفسي خلفي.سرت ُ عبر أراضي واسعة، جبال شاهقة، ووديان مظلمة، وقرى غارقة في وحل الشهوات والخطايا. رأيت رجالا ً ونساءًيمارسون رغباتهم في الطرقات بلا حياء، الأطفال يُغتصبون بلا رحمة، والنساء يُزوّجن قاصرات كأنهن سلعة تُباع وتُشترى.رأيت رجالا ً يثملون حتى يتقيأوا في الشوارع، ثم يتقاتلون على فتات الطعام أو على جسد امرأة. السرقة كانت علنًا، بلاخوف ولا عقاب، كل شيء كان مباح ً ا من أجل المتعة اللحظية. لم يكن هناك
حين وقفت أمام البوابة العظيمة، كان الحارس يحدق في وجهي بعينين صارمتين، درعه يلمع كأنه قطعة من شمس ٍ متجمدة.:صوته خرج كالرعد وهو يقول“ماذا تفعل هنا في أرض بايراثور؟”لم أجب، لكن عينيّ الذهبيتين كانتا تفضحانني، كأنهما تحملان سرًّا لا أستطيع إخفاءه. تردد الحارس لحظة، ثم أشار ليبالدخول، وكأن المملكة نفسها قررت أن تختبرني.دخلت ُ ، وكان المشهد أشبه بعالمٍ آخر. الأسواق تضج بأصوات المطرقة على الحديد، رائحة الفحم والحديد المنصهر تملأالهواء، والناس يتحركون بخطوات ثابتة، كأنهم جزء من إيقاعٍ واحد صنعته النار. لم يكن هذا المكان مجرد مدينة، بل كانقلبًا نابض ً ا من لهب ٍ وحديد.في تلك اللحظة، رآني رجل ضخم، لحيته كثيفة كغابة سوداء، عيناه قاسيتان لكنهما تخفيان حنانًا غريبًا. اقترب مني، نظرإليّ طويلا ً ، ثم قال بصوت ٍ عميق:“أنت جائع، أليس كذلك؟”لم أستطع إنكار ذلك، فأطعمني، وكان ذلك أول طعامٍ حقيقي منذ سنوات البراري.ذلك الرجل كان اسمه أورين، حدّاد المملكة العظيم. لم يكن مجرد معلّم، بل كان أبًا لم أعرفه يومًا. أخذني إلى ورشته، حيثالأفران تشتعل كأنها أفواه تنين، والمطارق تهبط على الحديد كالرعد.
في صباح يوم هادئ وجميل خرجت ُ إلى هذا العالم وبُثت الحياة في جسدي. فتحت ُ عينيّ وأرى أشخاصاً كثيرين كباراً المقدمة ينظرون إليّ ويبتسمون ويضحكون ويداعبون شعري. ولدت ُ في العام 645 من العهد الثالث بعينين ذهبيتين وشعر ذهبي وبشرة بيضاء. وضعتني أمي في حضنها، لم أرَ والدي، لم أعرف من هو ولا اسمه ولا أي شيء عنه. عندها اختارت لي أمي اسماً؛ الاسم الذي سوف أعيش معه حياتي كلها، الاسم الذي سوف يكون مصيبتي ولعنتي ما حييت. نظرت أمي في عينيّ وقالت أول كلمة سمعتها بوضوح: “سولفاريس”. نشأت ُ بين الحقول، أركض بين السنابل مع أطفال القرية نقطف الازهار كنا نزعج البجع في البحيره كثيرا ، نضحك ونرمي بعضنا بالطين، نصنع من الطين قلاعًا صغيرة ونعلن أننا ملوكها. كنا نختبئ خلف الأشجار ونصرخ كأننا فرسان يقاتلون تنانين وهمية، ثم نعود إلى بيوتنا بملابسممزقة ووجوه مليئة بالتراب، لكن قلوبنا مليئة بالضحك. كانت أمي تراقبني من بعيد، تبتسم وهي تحمل سلة الخبز الطازج، ثم تناديني بصوتها الحنون: “سولفاريس، تعال، اغسل يديك قبل أن تأكل.”كنت أركض إليها، أتشبث بثوبها، وأشعر بدفء حضنها. لكنها كانت دائم ً اتتجنب الحديث عن و