Share

الطاولة ( ملحمة سولفاريس )
الطاولة ( ملحمة سولفاريس )
Author: انليل

المقدمة

Author: انليل
last update publish date: 2026-09-14 13:40:46

في صباح يوم هادئ وجميل خرجت ُ إلى هذا العالم وبُثت الحياة في جسدي. فتحت ُ عينيّ وأرى أشخاصاً كثيرين كباراً المقدمة

ينظرون إليّ ويبتسمون ويضحكون ويداعبون شعري. ولدت ُ في العام 645 من العهد الثالث بعينين ذهبيتين وشعر ذهبي

وبشرة بيضاء. وضعتني أمي في حضنها، لم أرَ والدي، لم أعرف من هو ولا اسمه ولا أي شيء عنه. عندها اختارت لي أمي

اسماً؛ الاسم الذي سوف أعيش معه حياتي كلها، الاسم الذي سوف يكون مصيبتي ولعنتي ما حييت. نظرت أمي في عينيّ

وقالت أول كلمة سمعتها بوضوح:

“سولفاريس”.

نشأت ُ بين الحقول، أركض بين السنابل مع أطفال القرية نقطف الازهار كنا نزعج البجع في البحيره كثيرا ، نضحك ونرمي بعضنا بالطين، نصنع من الطين قلاعًا صغيرة ونعلن أننا ملوكها. كنا نختبئ خلف الأشجار ونصرخ كأننا فرسان يقاتلون تنانين وهمية، ثم نعود إلى بيوتنا بملابس

ممزقة ووجوه مليئة بالتراب، لكن قلوبنا مليئة بالضحك.

كانت أمي تراقبني من بعيد، تبتسم وهي تحمل سلة الخبز الطازج، ثم تناديني بصوتها الحنون: “سولفاريس، تعال، اغسل يديك قبل أن تأكل.”كنت أركض إليها، أتشبث بثوبها، وأشعر بدفء حضنها. لكنها كانت دائم ً ا

تتجنب الحديث عن والدي. كلما سألتها:

أين أبي؟ هل سيعود يومًا؟”

كانت تتهرب، تبتسم وتقول: “ليس الآن يا صغيري.”

في أحد الأيام، أخذتني أمي إلى السوق. كان يومًا مشمساً، والقرية تعج بالحياة. الباعة ينادون على بضائعهم، الأطفال

يركضون بين الأكشاك، ورائحة الخبز الطازج تعبق في الأجواء. رأيت رجلاً يروي حكايات عن ممالك بعيدة، وعن تنانين

تسكن الجبال. أمسكت بيد أمي وقلت:

“أريد أن أراها يومًا.”

ابتسمت وقالت: “ستراها، لكن ليس الآن.”

كنت أحب الاستكشاف أكثر من أي شيء. أحيانًا أبتعد عن حدود القرية، أبحث عن مغامرة جديدة أو كنز مدفون. وفي أحد

الأيام، وبينما كنت أتجول وحدي في الغابة القريبة، لمحت فتحة صغيرة بين الصخور، كأنها فم مفتوح في قلب الجبل. كان

كهفًا مظلم ً ا، تنبعث منه رائحة تراب رطب ممزوجة بشيء غريب، كأنها رائحة لحم محترق فضولي كان أقوى من خوفي.

دخلت بخطوات حذرة، وكلما تعمقت، زادت الظلال كثافة، والهواء صار أثقل. فجأة، رأيت عينين تلمعان في الظلام، ثاقبتين

كأنهما جمرتان في ليل بارد. كان أسدًا ضخم ً ا، شعره أسود كثيف، وعيناه تلمعان بشر خالص. زأر زئيرًا هز جدران الكهف،

فتجمدت في مكاني. حاول الانقضاض عليّ، لكنني انزلقت على الأرض وركضت بكل قوتي، أسمع أنيابه تصطك خلفي،

ومخالبه تخدش الصخور. خرجت من الكهف وأنا ألهث، وجسدي يرتجف، والدموع تملأ عيني

طفولتي كانت عادية حتى جاءت ليلة شديدة الظلام، حيث اختفى نور القمر والنجوم. أتى مذنب، مذنب كان كالشمس سقط

على الأرض، نوره قوي. في هذه الأثناء أشعَّ جسدي بخطوط ذهبية وتوهجت عيناي كأنهما الذهب. أهل القرية ارتعبوا مني

.وظنوا أني ملعون، لكن والدتي هي التي حمتني وأبقتني في البيت عامين كاملين

بعد عامين من حبسي، لم يكن لي من العالم سوى نافذة صغيرة، أطل منها على الحياة كغريب عنها. كنت أنظر وأتحسر،

كان الألم يتجمع في صدري سؤالاً واحداً لا جواب له: لماذا أنا؟ لماذا حدث هذا لي دون غيري؟ كنت أحلم بالخروج من حدود

قريتي، باستكشاف العالم الذي كنت أراه فقط في حكايات العابرين. لكن حين جاء المذنب، وحين توهج جسدي، صار الحلم

جريمة وصار اسمي خوفاً.

وحين سنحت لي الفرصة، هربت. لم يكن هروباً ليوم أو شهر، بل أربع سنوات كاملة في البراري

كنت آكل مما أجده: ثمار مرة، جذور يابسة، وأحيانًا لحوم صغيرة اصطدتها بيدي المرتجفة.

كنت أرتجف من برد الشتاء، أدفن نفسي تحت أوراق الشجر، وأغرق في ظلام الليل حيث عيون الوحوش تلمع حولي كأنها

ولائم تنتظر لحظة الانقضاض.

في إحدى الليالي، هاجمني ذئب جائع. قاومته بكل ما أملك من قوة، لكنه ترك ندبة عميقة على كتفي، ندبة بقيت معي إلى

الأبد، تذكرني أن البقاء ليس هدية، بل ثمن يُدفع بالدم والألم.

تعلمت أن أهرب أكثر مما أقاتل، لكن مع كل هروب كنت أتعلم شيئًا جديدًا: كيف أقرأ أصوات الغابة، كيف أميز بين زئير بعيد

وخطر قريب، وكيف أستمع إلى قلبي حين يصرخ أن الموت يقترب

إلى أن وفي يوم لم يشبه ما قبله، رأيتها.. مملكة بايراثور.

وقفت أمامي كأنها ماسة مغروسة في أرض قاحلة موحشة. عظيمة، شاهقة، لا تسعني الكلمات لوصف منظرها. لهيب

الأفران يتصاعد من كل ناحية، الدخان لا يخفي الجمال بل يزيده رهبة. عمارتها متقنة كأنها صيغت لا بيد بشر، بل بمطرقة

آلهة. ناسها أقوياء، خطواتهم ثابتة، وزيهم يحمل آثار النار والحديد.

أما الجنود فكانوا يقفون على الأسوار مرتدين دروعاً ثقيلة، مرسوماً عليها رمز المملكة: شمس من لهب تتوسطها سندان

أسود. يقال في بايراثور: “نحن لا نعبد النار، نحن نصنع بها العالم”. وكان ذلك الرمز أول شيء شعرت أنه ينظر إليّ كما

أنا، لا كلعنة بل كشيء ولد من النار مثلهم. هناك بدأت قصتي ومنها سأنطلق إلى عالم واسع مليء بالجمال والأحلام والحياة .

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الطاولة ( ملحمة سولفاريس )   الطريق الى ايلندار

    في طريقنا الى ايلندار كان علينا أن نعبر كهوف الغورماكس، الممر الوحيد المؤدي إلى طريق مملكة إيليندار. في البداية بدا كل شيء طبيعياً؛ المكان مظلم ورطب، رائحته كريهة، والهواء ثقيل كأنه يخترق الروح والجسد. كنت أشعر أن هناك شيئاً يخرج من ظلماته، يراقبنا بصمت، لكنه لم يظهر استمرينا في السير ثمانية أيام كاملة داخل الكهوف، حتى وقعت الكارثة. تم اكتشافنا من قبل مخلوقات الغورماكس. أصواتهم بدأت كالنحيب الممزق، وأشكالهم تشبه الغيلان في قصصنا القديمة، أعدادهم هائلة. انطلقت السهام السوداء نحونا من كل مكان، من الأعلى ومن الجوانب، ونحن نتفاداها بصعوبة. واجهناهم في البداية وقتلنا عدداً منهم، لكنهم كانوا يتكاثرون علينا بلا نهاية. اضطررنا إلى الجري والهروب، نركض ونركض جميعاً حتى رأينا النور في نهاية الطريق حين خرجنا إلى نور الشمس، اكتشفنا أن هذه المخلوقات تحترق في الضوء، ولا يمكنها الخروج من كهوفها. كان ذلك درساً قاسياً، لكنه منحنا فرصة النجاة. بعد أن خرجنا من جبال غارموك، حيث واجهنا الغورماكس، تابعنا السير حتى وصلنا إلى سهول واسعة تُعرف باسم حقول لوريندا. كانت الحقول مليئة بأزهار السولانث، ألوانها تتدر

  • الطاولة ( ملحمة سولفاريس )   ظلال الطاعون

    لا شيء يبقى على حاله…بعد ثلاثة عشر عامًا في مملكة سوفيرا، حيث تعلمت الحكمة والفلسفة، جاء يومٌ غيّر كل شيء. أصاب المملكة طاعون رهيب،، يبدأ ببقعٍ داكنة على الجلد، ثم يتحول إلى سعال دموي وحمى تحرقأطلق عليه الناس اسم “طاعون الس ُ خام الأسود”الجسد من الداخل، حتى ينهار المصاب ويذبل كأن روحه تُسحب منه ببطء.انتشر الطاعون كالنار في الهشيم، أزهق حياة الآلاف، وأصبحت الشوارع مليئة بجثث تُحمل إلى الأفران ليُحرقوا. ولحسنحظي، أو ربما لقدرٍ اختارني، لم أصب. لكن مصيبتي كانت في رؤية معلمي زيرافون يحتضر أمامي. لم يقل شيئًا، لميوصني بكلمات، بل اكتفى بأن يحدّق في وجهي نظرة طويلة، نظرة حملت كل ما لم يستطع قوله. ثم أغمض عينيه ورحل،وأُحرقت جثته كما أُحرقت جثث الكثيرين.ضاق صدري، وأصبحت سوفيرا بالنسبة لي مكانًا مظلم ً ا، مليئًا بالذكريات التي تؤلمني أكثر مما تعلّمني. وقف سولفاريسوهو ينضر الى جثمان معلمه وبصوت مبحوح قال في سوفيرا علموني كيف أقرأ النجوم، لكنهم لم يعلموني كيف أوقفنزيفاً أسوداً يخرج من صدر معلمي." قررت أن أغادر هذه الأراضي، متجهًا نحو المملكة العظيمة إيليندار، حيث الخزائنالكبرى التي تح

  • الطاولة ( ملحمة سولفاريس )   ارض العقول الامحدودة

    في صباحٍ هادئ، وقفت أمام أورين الحداد، الرجل الذي كان لي أبًا ومعلم ً ا، وقلت له بصوت ٍ يختلط فيه الحزن بالشوق:“يا أورين، لقد علّمتني كل ما تستطيع، وأعطيتني أكثر مما حلمت. لكنني أشعر أن العالم أوسع من هذه الأسوار، وأن عليّأن أراه بعينيّ، أن أستكشفه بنفسي.”نظر إليّ طويلا ً ، لحيته السوداء تهتز مع أنفاسه الثقيلة، ثم وضع يده على كتفي وقال:“سولفاريس… النار علّمتك القوة، والحديد علّمك الصبر. لكن العالم سيعلّمك الحقيقة. اذهب، ولا تخف، فأنت ابن الناروالحديد، ولن ينكسر قلبك مهما اشتد الطريق.”كانت تلك آخر كلمات سمعتها منه، ثم ودعته، وغادرت بايراثور بخطوات ٍ ثقيلة، كأنني أترك جزءًا من نفسي خلفي.سرت ُ عبر أراضي واسعة، جبال شاهقة، ووديان مظلمة، وقرى غارقة في وحل الشهوات والخطايا. رأيت رجالا ً ونساءًيمارسون رغباتهم في الطرقات بلا حياء، الأطفال يُغتصبون بلا رحمة، والنساء يُزوّجن قاصرات كأنهن سلعة تُباع وتُشترى.رأيت رجالا ً يثملون حتى يتقيأوا في الشوارع، ثم يتقاتلون على فتات الطعام أو على جسد امرأة. السرقة كانت علنًا، بلاخوف ولا عقاب، كل شيء كان مباح ً ا من أجل المتعة اللحظية. لم يكن هناك

  • الطاولة ( ملحمة سولفاريس )   مملكة بايراثور

    حين وقفت أمام البوابة العظيمة، كان الحارس يحدق في وجهي بعينين صارمتين، درعه يلمع كأنه قطعة من شمس ٍ متجمدة.:صوته خرج كالرعد وهو يقول“ماذا تفعل هنا في أرض بايراثور؟”لم أجب، لكن عينيّ الذهبيتين كانتا تفضحانني، كأنهما تحملان سرًّا لا أستطيع إخفاءه. تردد الحارس لحظة، ثم أشار ليبالدخول، وكأن المملكة نفسها قررت أن تختبرني.دخلت ُ ، وكان المشهد أشبه بعالمٍ آخر. الأسواق تضج بأصوات المطرقة على الحديد، رائحة الفحم والحديد المنصهر تملأالهواء، والناس يتحركون بخطوات ثابتة، كأنهم جزء من إيقاعٍ واحد صنعته النار. لم يكن هذا المكان مجرد مدينة، بل كانقلبًا نابض ً ا من لهب ٍ وحديد.في تلك اللحظة، رآني رجل ضخم، لحيته كثيفة كغابة سوداء، عيناه قاسيتان لكنهما تخفيان حنانًا غريبًا. اقترب مني، نظرإليّ طويلا ً ، ثم قال بصوت ٍ عميق:“أنت جائع، أليس كذلك؟”لم أستطع إنكار ذلك، فأطعمني، وكان ذلك أول طعامٍ حقيقي منذ سنوات البراري.ذلك الرجل كان اسمه أورين، حدّاد المملكة العظيم. لم يكن مجرد معلّم، بل كان أبًا لم أعرفه يومًا. أخذني إلى ورشته، حيثالأفران تشتعل كأنها أفواه تنين، والمطارق تهبط على الحديد كالرعد.

  • الطاولة ( ملحمة سولفاريس )   المقدمة

    في صباح يوم هادئ وجميل خرجت ُ إلى هذا العالم وبُثت الحياة في جسدي. فتحت ُ عينيّ وأرى أشخاصاً كثيرين كباراً المقدمة ينظرون إليّ ويبتسمون ويضحكون ويداعبون شعري. ولدت ُ في العام 645 من العهد الثالث بعينين ذهبيتين وشعر ذهبي وبشرة بيضاء. وضعتني أمي في حضنها، لم أرَ والدي، لم أعرف من هو ولا اسمه ولا أي شيء عنه. عندها اختارت لي أمي اسماً؛ الاسم الذي سوف أعيش معه حياتي كلها، الاسم الذي سوف يكون مصيبتي ولعنتي ما حييت. نظرت أمي في عينيّ وقالت أول كلمة سمعتها بوضوح: “سولفاريس”. نشأت ُ بين الحقول، أركض بين السنابل مع أطفال القرية نقطف الازهار كنا نزعج البجع في البحيره كثيرا ، نضحك ونرمي بعضنا بالطين، نصنع من الطين قلاعًا صغيرة ونعلن أننا ملوكها. كنا نختبئ خلف الأشجار ونصرخ كأننا فرسان يقاتلون تنانين وهمية، ثم نعود إلى بيوتنا بملابسممزقة ووجوه مليئة بالتراب، لكن قلوبنا مليئة بالضحك. كانت أمي تراقبني من بعيد، تبتسم وهي تحمل سلة الخبز الطازج، ثم تناديني بصوتها الحنون: “سولفاريس، تعال، اغسل يديك قبل أن تأكل.”كنت أركض إليها، أتشبث بثوبها، وأشعر بدفء حضنها. لكنها كانت دائم ً اتتجنب الحديث عن و

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status