Share

ارض العقول الامحدودة

Author: انليل
last update publish date: 2026-09-14 13:45:20

في صباحٍ هادئ، وقفت أمام أورين الحداد، الرجل الذي كان لي أبًا ومعلم ً ا، وقلت له بصوت ٍ يختلط فيه الحزن بالشوق:

“يا أورين، لقد علّمتني كل ما تستطيع، وأعطيتني أكثر مما حلمت. لكنني أشعر أن العالم أوسع من هذه الأسوار، وأن عليّ

أن أراه بعينيّ، أن أستكشفه بنفسي.”

نظر إليّ طويلا ً ، لحيته السوداء تهتز مع أنفاسه الثقيلة، ثم وضع يده على كتفي وقال:

“سولفاريس… النار علّمتك القوة، والحديد علّمك الصبر. لكن العالم سيعلّمك الحقيقة. اذهب، ولا تخف، فأنت ابن النار

والحديد، ولن ينكسر قلبك مهما اشتد الطريق.”

كانت تلك آخر كلمات سمعتها منه، ثم ودعته، وغادرت بايراثور بخطوات ٍ ثقيلة، كأنني أترك جزءًا من نفسي خلفي.

سرت ُ عبر أراضي واسعة، جبال شاهقة، ووديان مظلمة، وقرى غارقة في وحل الشهوات والخطايا. رأيت رجالا ً ونساءً

يمارسون رغباتهم في الطرقات بلا حياء، الأطفال يُغتصبون بلا رحمة، والنساء يُزوّجن قاصرات كأنهن سلعة تُباع وتُشترى.

رأيت رجالا ً يثملون حتى يتقيأوا في الشوارع، ثم يتقاتلون على فتات الطعام أو على جسد امرأة. السرقة كانت علنًا، بلا

خوف ولا عقاب، كل شيء كان مباح ً ا من أجل المتعة اللحظية. لم يكن هناك قانون سوى قانون الشهوة، ولم يكن هناك إله

سوى الجشع.

كنت أمشي بينهم كغريب، لكن قلبي كان يشتعل غضبًا وحزنًا. سألت نفسي: هل هذا هو مصير البشر؟ أن يغرقوا في

قذارتهم حتى ينسوا أنهم بشر؟ عندها أدركت أنني بحاجة إلى الحكمة، إلى نورٍ يعلّمني كيف أفهم هذا العالم المظلم.

صادفت سوفيرا

لم تكن سوفيرا وجهتي، ولم أخطط للوصول إليها، لكن القدر ساقني إليها كما يسوق النهر ورقةً صغيرة إلى البحر. فجأة،

ظهرت أمامي مملكة عظيمة، مبانيها من بلورات مضيئة، تعكس نور الشمس والقمر، كأنها مكتبة كونية مفتوحة.

في شوارعها، لم يكن الناس يحملون السيوف، بل المخطوطات، وكانوا يتحدثون عن الأفكار كما يتحدث أهل بايراثور عن

النار. هناك، شعرت أنني وصلت إلى المكان الذي كنت أبحث عنه، المكان الذي سيكشف لي أسرار الوجود.

في سوفيرا، لم يكن العلم مجرد معرفة، بل كان فنًا مقدس ً ا:

• فن العناصر الخفية: حيث يتعلم المرء أن كل مادة تحمل روح ً ا، وأن اتحاد الأرواح أو انفصالها هو ما يصنع العالم.

• رقصة القوى: حيث تُفهم الحركة والسكون كوجهين لرقصة كونية، وأن كل قوة تحمل نقيضها في داخلها.

• علم التوازنات الكونية: حيث تُكشف الأعداد كأسرار مخفية، مفاتيح لانسجام الكون، وليست مجرد حسابات.

أكثر من ترك أثرًا في نفسي كان الحكيم زيرافون، الملقب بـ عين الوجود. كان يعيش في برجٍ عظيم يُسمى برج الأبدية، حيث

تُحفظ المخطوطات القديمة التي تتحدث عن نشأة العالم وثوراته. جلست أمامه، وكان صوته هادئًا لكنه يخترق أعماقي:

“النار تصنع الحديد، لكن الحكمة تصنع الإنسان. يا سولفاريس، ستتعلم هنا أن القوة بلا فهم ليست إلا لعنة.”

معه بدأت أتعلم أن البشر ليسوا دائم ً ا كما يظهرون. خلف ابتساماتهم تختبئ طبيعة قذرة: الطمع، الجشع، الكراهية،

والخيانة. وهنا فقط كشف لي زيرافون عن الخطايا السبعة، وقال إنها جذور كل سقوط، وأنها تتكرر في كل عصر، مهما

تغيّرت الممالك.

كل يوم كنت أتعلم شيئًا جديدًا، وكل درس كان يفتح جرح ً ا في داخلي ويضع فيه نورًا. لم يعد العالم مجرد ساحة قتال أو

أرض زراعة، بل شبكة معقدة من الأفكار والرغبات والضعف والقوة.

وفي نهاية كل درس، كان زيرافون يردد عليّ كلمات ٍ لا أنساها:

“ستعرف يومًا أن الحكمة وحدها لا تكفي، وأنك ستحتاج أن تجمع بين النار والحديد والعقل، لتصنع مصيرك.

في إحدى الليالي، وبينما كنت أجلس في برج الأبدية مع الحكيم زيرافون، فتح أمامي مخطوطة قديمة، أوراقها متآكلة

كأنها نجت من حريقٍ عظيم. نظر إليّ بعينيه العميقتين وقال:

“هذه ليست مجرد كلمات، إنها صدى من الماضي… ونبوءة للمستقبل.”

بدأ يقرأ بصوت ٍ هادئ:

“سيأتي يوم يظهر فيه شاب، يحمل في داخله نورًا ونارًا، سيكون قدره أن يقف في وجه الظلام المنبعث من الأراضي المظلمة،

وأن يكون الميزان بين الفوضى والنظام.”

شعرت أن الكلمات تخترق صدري كالسهم. قلبي ارتجف، وعقلي صرخ: إنها تتحدث عني! لكنني بقيت صامتًا، لا أريد أن

أكشف سرّي.

انتبه زيرافون إلى ارتباكي، نظر إليّ طويلا ً وسأل:

“ما بك يا سولفاريس؟”

أجبته سريعًا وأنا أحاول إخفاء اضطرابي:

“لا شيء…

ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم تابع:

“قدر هذا الشخص، أيًّا كان، أن يحارب الظلام حين ينبعث من الأراضي المظلمة. هذه النبوءة ليست من عندنا، بل كتبها

مبعوث الإله التاروت قبل أن يغادر ثيروس في العهد الثاني. تركها في خزائن المملكة العظيمة التي وحدت الممالك يومًا

لمواجهة أعداء نول غارد.”

سألته بدهشة:

“وكيف وصلت إليك هذه النبوءة؟ ومن أخبرك بها؟”

أجابني وهو يرفع المخطوطة بيده:

“قبل أربعين عامًا، كنت أبحث في مكتبات تلك المملكة العظيمة، إيليندار، التي كانت يومًا منارة القوة والوحدة. هناك وجدت

هذه المخطوطة منسية بين آلاف الكتب، فأخذتها معي إلى سوفيرا، وحفظتها في برج الأبدية. منذ ذلك اليوم وأنا أعلم أن

هذا الكلام سيعود ليظهر، وأن زمنه سيأتي.”

خرجت من البرج تلك الليلة، والسماء فوقي مليئة بالنجوم، لكنني لم أرها كما كنت أراها من قبل. كل نجمة بدت كعينٍ

تراقبني، وكل ظلٍ بدا كأنه يلاحقني. كنت أعلم أن حياتي لم تعد مجرد رحلة بحث عن الحكمة، بل أصبحت جزءًا من نبوءة

أكبر، نبوءة ستقرر مصير العالم .

نمت تلك الليلة لم اكن اعلم أن كابوسي القديم ينتظرني هناك، على نفس الجبل الذي ظل يطاردني منذ الطفولة.

رأيت نفسي واقفًا على قمة الجبل، الضباب يحيط بالمكان، والرياح تعصف من حولي. ومن بين الظلال ظهر الأسد، نفس

الأسد الذي رآيته في طفولتي داخل الكهف، الشر الذي حاول أن ينقض عليي خطواته الثقيلة تهز الصخور، وعيناه تلمعان

بوحشية.

لكن هذه المرة لم ينقض عليي، ولم اهرب. وقفنا وجهًا لوجه، نظراتنا متشابكة. لم يكن هناك زئير ولا هجوم، فقط صمت ٌ ثقيل

استيقظت فجأة، أنفاسي متقطعة، لكن بلا صراخ، بلا عرق. كان قلبي مثقلا ً بالحيرة… أدركت أن الشر لم يختف ِ، بل ما زال يحدق بي ينتظرني .

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الطاولة ( ملحمة سولفاريس )   الطريق الى ايلندار

    في طريقنا الى ايلندار كان علينا أن نعبر كهوف الغورماكس، الممر الوحيد المؤدي إلى طريق مملكة إيليندار. في البداية بدا كل شيء طبيعياً؛ المكان مظلم ورطب، رائحته كريهة، والهواء ثقيل كأنه يخترق الروح والجسد. كنت أشعر أن هناك شيئاً يخرج من ظلماته، يراقبنا بصمت، لكنه لم يظهر استمرينا في السير ثمانية أيام كاملة داخل الكهوف، حتى وقعت الكارثة. تم اكتشافنا من قبل مخلوقات الغورماكس. أصواتهم بدأت كالنحيب الممزق، وأشكالهم تشبه الغيلان في قصصنا القديمة، أعدادهم هائلة. انطلقت السهام السوداء نحونا من كل مكان، من الأعلى ومن الجوانب، ونحن نتفاداها بصعوبة. واجهناهم في البداية وقتلنا عدداً منهم، لكنهم كانوا يتكاثرون علينا بلا نهاية. اضطررنا إلى الجري والهروب، نركض ونركض جميعاً حتى رأينا النور في نهاية الطريق حين خرجنا إلى نور الشمس، اكتشفنا أن هذه المخلوقات تحترق في الضوء، ولا يمكنها الخروج من كهوفها. كان ذلك درساً قاسياً، لكنه منحنا فرصة النجاة. بعد أن خرجنا من جبال غارموك، حيث واجهنا الغورماكس، تابعنا السير حتى وصلنا إلى سهول واسعة تُعرف باسم حقول لوريندا. كانت الحقول مليئة بأزهار السولانث، ألوانها تتدر

  • الطاولة ( ملحمة سولفاريس )   ظلال الطاعون

    لا شيء يبقى على حاله…بعد ثلاثة عشر عامًا في مملكة سوفيرا، حيث تعلمت الحكمة والفلسفة، جاء يومٌ غيّر كل شيء. أصاب المملكة طاعون رهيب،، يبدأ ببقعٍ داكنة على الجلد، ثم يتحول إلى سعال دموي وحمى تحرقأطلق عليه الناس اسم “طاعون الس ُ خام الأسود”الجسد من الداخل، حتى ينهار المصاب ويذبل كأن روحه تُسحب منه ببطء.انتشر الطاعون كالنار في الهشيم، أزهق حياة الآلاف، وأصبحت الشوارع مليئة بجثث تُحمل إلى الأفران ليُحرقوا. ولحسنحظي، أو ربما لقدرٍ اختارني، لم أصب. لكن مصيبتي كانت في رؤية معلمي زيرافون يحتضر أمامي. لم يقل شيئًا، لميوصني بكلمات، بل اكتفى بأن يحدّق في وجهي نظرة طويلة، نظرة حملت كل ما لم يستطع قوله. ثم أغمض عينيه ورحل،وأُحرقت جثته كما أُحرقت جثث الكثيرين.ضاق صدري، وأصبحت سوفيرا بالنسبة لي مكانًا مظلم ً ا، مليئًا بالذكريات التي تؤلمني أكثر مما تعلّمني. وقف سولفاريسوهو ينضر الى جثمان معلمه وبصوت مبحوح قال في سوفيرا علموني كيف أقرأ النجوم، لكنهم لم يعلموني كيف أوقفنزيفاً أسوداً يخرج من صدر معلمي." قررت أن أغادر هذه الأراضي، متجهًا نحو المملكة العظيمة إيليندار، حيث الخزائنالكبرى التي تح

  • الطاولة ( ملحمة سولفاريس )   ارض العقول الامحدودة

    في صباحٍ هادئ، وقفت أمام أورين الحداد، الرجل الذي كان لي أبًا ومعلم ً ا، وقلت له بصوت ٍ يختلط فيه الحزن بالشوق:“يا أورين، لقد علّمتني كل ما تستطيع، وأعطيتني أكثر مما حلمت. لكنني أشعر أن العالم أوسع من هذه الأسوار، وأن عليّأن أراه بعينيّ، أن أستكشفه بنفسي.”نظر إليّ طويلا ً ، لحيته السوداء تهتز مع أنفاسه الثقيلة، ثم وضع يده على كتفي وقال:“سولفاريس… النار علّمتك القوة، والحديد علّمك الصبر. لكن العالم سيعلّمك الحقيقة. اذهب، ولا تخف، فأنت ابن الناروالحديد، ولن ينكسر قلبك مهما اشتد الطريق.”كانت تلك آخر كلمات سمعتها منه، ثم ودعته، وغادرت بايراثور بخطوات ٍ ثقيلة، كأنني أترك جزءًا من نفسي خلفي.سرت ُ عبر أراضي واسعة، جبال شاهقة، ووديان مظلمة، وقرى غارقة في وحل الشهوات والخطايا. رأيت رجالا ً ونساءًيمارسون رغباتهم في الطرقات بلا حياء، الأطفال يُغتصبون بلا رحمة، والنساء يُزوّجن قاصرات كأنهن سلعة تُباع وتُشترى.رأيت رجالا ً يثملون حتى يتقيأوا في الشوارع، ثم يتقاتلون على فتات الطعام أو على جسد امرأة. السرقة كانت علنًا، بلاخوف ولا عقاب، كل شيء كان مباح ً ا من أجل المتعة اللحظية. لم يكن هناك

  • الطاولة ( ملحمة سولفاريس )   مملكة بايراثور

    حين وقفت أمام البوابة العظيمة، كان الحارس يحدق في وجهي بعينين صارمتين، درعه يلمع كأنه قطعة من شمس ٍ متجمدة.:صوته خرج كالرعد وهو يقول“ماذا تفعل هنا في أرض بايراثور؟”لم أجب، لكن عينيّ الذهبيتين كانتا تفضحانني، كأنهما تحملان سرًّا لا أستطيع إخفاءه. تردد الحارس لحظة، ثم أشار ليبالدخول، وكأن المملكة نفسها قررت أن تختبرني.دخلت ُ ، وكان المشهد أشبه بعالمٍ آخر. الأسواق تضج بأصوات المطرقة على الحديد، رائحة الفحم والحديد المنصهر تملأالهواء، والناس يتحركون بخطوات ثابتة، كأنهم جزء من إيقاعٍ واحد صنعته النار. لم يكن هذا المكان مجرد مدينة، بل كانقلبًا نابض ً ا من لهب ٍ وحديد.في تلك اللحظة، رآني رجل ضخم، لحيته كثيفة كغابة سوداء، عيناه قاسيتان لكنهما تخفيان حنانًا غريبًا. اقترب مني، نظرإليّ طويلا ً ، ثم قال بصوت ٍ عميق:“أنت جائع، أليس كذلك؟”لم أستطع إنكار ذلك، فأطعمني، وكان ذلك أول طعامٍ حقيقي منذ سنوات البراري.ذلك الرجل كان اسمه أورين، حدّاد المملكة العظيم. لم يكن مجرد معلّم، بل كان أبًا لم أعرفه يومًا. أخذني إلى ورشته، حيثالأفران تشتعل كأنها أفواه تنين، والمطارق تهبط على الحديد كالرعد.

  • الطاولة ( ملحمة سولفاريس )   المقدمة

    في صباح يوم هادئ وجميل خرجت ُ إلى هذا العالم وبُثت الحياة في جسدي. فتحت ُ عينيّ وأرى أشخاصاً كثيرين كباراً المقدمة ينظرون إليّ ويبتسمون ويضحكون ويداعبون شعري. ولدت ُ في العام 645 من العهد الثالث بعينين ذهبيتين وشعر ذهبي وبشرة بيضاء. وضعتني أمي في حضنها، لم أرَ والدي، لم أعرف من هو ولا اسمه ولا أي شيء عنه. عندها اختارت لي أمي اسماً؛ الاسم الذي سوف أعيش معه حياتي كلها، الاسم الذي سوف يكون مصيبتي ولعنتي ما حييت. نظرت أمي في عينيّ وقالت أول كلمة سمعتها بوضوح: “سولفاريس”. نشأت ُ بين الحقول، أركض بين السنابل مع أطفال القرية نقطف الازهار كنا نزعج البجع في البحيره كثيرا ، نضحك ونرمي بعضنا بالطين، نصنع من الطين قلاعًا صغيرة ونعلن أننا ملوكها. كنا نختبئ خلف الأشجار ونصرخ كأننا فرسان يقاتلون تنانين وهمية، ثم نعود إلى بيوتنا بملابسممزقة ووجوه مليئة بالتراب، لكن قلوبنا مليئة بالضحك. كانت أمي تراقبني من بعيد، تبتسم وهي تحمل سلة الخبز الطازج، ثم تناديني بصوتها الحنون: “سولفاريس، تعال، اغسل يديك قبل أن تأكل.”كنت أركض إليها، أتشبث بثوبها، وأشعر بدفء حضنها. لكنها كانت دائم ً اتتجنب الحديث عن و

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status