เข้าสู่ระบบلقد كان مشغولًا بها طوال الحفل، لكنه لم يكن قد اقترب منها بما يكفي ليراها بهذه الصورة. أما الآن، وهي تقف أمامه مباشرة، فقد شعر بأنه عاجز عن إخفاء انبهاره. وقف صامتًا، يتأملها دون أن يجد ما يقوله. كانت ليان تنظر إليه للحظات، ثم تخفض عينيها نحو الأرض بخجل وابتسامة ، قبل أن ترفع بصرها إليه من جديد. وحين لاحظت أنه لم يبدأ الحديث، بادرت هي بالكلام، بصوت ناعم رقيق امتزجت به نبرة خجولة: — عيد ميلاد سعيد يا نوح. كانت نبرة صوتها مفاجأة أخرى بالنسبة إليه. فقد اعتاد منها أسلوبًا مختلفًا في الحديث، أما الآن فكانت تتحدث إليه بنعومة جعلته يتوقف للحظة قبل أن يجيب. قال بصوت متحشرح بدا أكثر خفوتا من المعتاد: — كيف حالك؟ هل أنتِ بخير؟ رفعت رأسها قليلًا وأجابته: — أنا بخير، شكرًا لك. وأنت؟ كيف حالك؟ — أنا بخير. تردد لحظة، ثم وجد نفسه يقول دون تفكير طويل: — لقد اشتقت إليكِ يا ليان. ما إن سمعت كلماته حتى اتسعت عيناها قليلًا، وأظهرت على ملامحها دهشة ممزوجة بالخجل. تلعثمت للحظة، ثم أجابته بصوت منخفض: — شكرًا يا نوح. اقترب منها خطوة أخرى، وقال وهو لا يزال ينظر إليها: — هل أنتِ ح
ظل نوح غارقًا في عيني ليان وابتسامتها، لا يكاد ينتبه إلى أي شيء آخر يدور حوله، حتى انتشله صوت والده من تلك الحالة التي استحوذت عليه. اقترب العم سالم منه، وربت على كتفه بحنان، ثم فتح ذراعيه وعانقه قائلًا: — عيد ميلاد سعيد يا نوح، كل عام وأنت بخير يا بني. ابتسم نوح ابتسامة هادئة، وبادل والده العناق قائلًا: — وأنت بخير يا أبي . ابتعد سالم قليلًا، وأمسك بكتفي ابنه، ثم تأمله بعينين تلمعان بمشاعر الأبوة، وقال مبتسمًا: — لقد أصبحت في التاسعة والعشرين من عمرك، لكن إياك أن تظن أن كبرك سيغير شيئًا في نظرتي إليك. ستظل طوال عمري ابني الصغير الذي يحتاج إلى مساعدتي، والذي أرغب دائمًا في أن أمسك بيده لأساعده في كل شيء. ولا أريدك أن تفهم ذلك على أنه أمر سيئ، أو أنه تسلط مني كما تظن أحيانًا. أنا أفعل ذلك لأنك ابني الوحيد، ولأنني أحبك، وليس لي في هذه الدنيا أحد غيرك. ومهما كبرت، ستظل في عيني ابني الصغير، ولن أراك يومًا رجلًا لا يحتاج إلى مساعدتي. ظل نوح صامتًا يستمع إلى كلمات والده. لم يعلق عليها، واكتفى بإيماءة بسيطة وابتسامة باهتة، تلك الابتسامة التي اعتاد أن يخفي خلفها الكثير مما لا يس
أنهى المكالمة ونهض من مكانه. ورغم أنه لم يكن يرغب في مواجهة أي مشكلات جديدة، فإنه شعر بشيء من الارتياح لفكرة الخروج من ذلك الجناح المظلم الذي قضى فيه ساعات طويلة وحيدًا. ربما لم يكن خروجه هذه المرة إلا من أجل حل مشكلة أخرى، لكنه على الأقل سيبتعد قليلًا عن العزلة التي باتت تخنقه. اتجه إلى خزانة ملابسه، واختار بدلة رسمية تناسب مقابلة المديرين والمسؤولين عن الفندق، ثم ارتداها وغادر الجناح. وبعد وقت قصير، وصلت سيارته إلى الفندق العائد لعائلته. ما إن ترجل منها حتى وقعت عيناه على حازم الواقف بالقرب من المدخل. كان الأخير يتحرك ذهابًا وإيابًا، ويلتفت حوله بين الحين والآخر، وكأنه ينتظر وقوع كارثة لا يعرف كيف يتعامل معها. أسرع نوح نحوه، وما إن رآه حازم حتى اندفع إليه قائلًا: — أسرع يا نوح! أسرع، ليس لدينا وقت! تضاعف قلق نوح، وأصبح مقتنعًا بأن الأمر أكبر مما تخيل. — لقد أقلقتني بالفعل يا حازم! أخبرني، ما الذي يحدث؟ أمسك حازم بذراعه وقال بإلحاح: — تعال معي، لا يمكنني شرح الأمر هنا. يجب أن تراه بنفسك. سار نوح معه بخطوات واسعة، بينما كان حازم يسرع في السير أمامه، حتى وصلا إل
كان اليوم التالي يسير في الشركة على نحو روتيني، لا يختلف كثيرًا عن الأيام التي سبقته. ساعات طويلة من العمل، ولقاءات متتابعة، واجتماعات لا تكاد تنتهي، إلى جانب مقابلات مع عدد من المستثمرين. وكالعادة، اضطر نوح إلى ارتداء قناعه المعتاد؛ تلك الابتسامة المصطنعة التي يرسمها على شفتيه كلما اضطر إلى التعامل مع الآخرين، بينما كان يشعر في داخله بفراغ هائل لا يستطيع ملأه بشيء. لم تتحسن حالته النفسية بعد، بل بدا وكأنه يغرق أكثر في دوامة من الحزن والغضب والأفكار المتشابكة. فقد انعزل عن الجميع تقريبًا، ولم يعد يرغب في الخروج أو التحدث إلى أحد. حتى حازم، الذي حاول مرارًا التقرب منه ومساعدته على تجاوز ما يمر به، لم ينجح في إقناعه بالخروج معه أو قضاء بعض الوقت بعيدًا عن العمل والفندق. كان نوح يرفض كل المحاولات، ويفضل البقاء وحيدًا، غارقًا في أفكاره التي لا تمنحه لحظة واحدة من الراحة. وأخيرًا، انتهى يوم العمل الطويل. غادر نوح الشركة واستقل سيارته متجهًا إلى الفندق الذي لا يزال يقيم فيه. وما إن وصل إلى جناحه حتى خلع ربطة عنقه، وأطلق زفرة طويلة تعكس مقدار الإرهاق الذي يشعر به، ثم اتجه إلى الداخ
وصلت ليان إلى الجامعة، وبعد انتهاء جميع محاضراتها، جلست مع سارة في كافتيريا الجامعة. كانت تريد أن تخبرها بخطوتها القادمة، وتوضح لها المساعدة التي تحتاج إليها منها في حفل عيد ميلاد نوح. جلست ليان قبالتها، وبدأت تحكي لها عن خطتها القادمة، وما تنوي القيام به، وعن الجزء الذي قررت أن تبدأ في تنفيذه اعتبارًا من حفل عيد ميلاد نوح. استمعت سارة إليها باهتمام، وظلت تتابع حديثها حتى انتهت من شرح كل ما تفكر فيه. لكن كلما استمعت إلى مزيد من التفاصيل، ازداد قلقها مما تخطط له ليان. فقد شعرت أن ما تنوي القيام به في هذا الجزء تحديدًا ليس أمرًا صحيحًا، وأنها ربما تتمادى في إيذاء نوح إلى حد لا ينبغي لها الوصول إليه. انتظرت سارة حتى انتهت ليان من حديثها، ثم تنحنحت قليلًا وقالت: — ليان، أنا معكِ في كل ما تفعلينه، لكن ألا ترين أن هذا الجزء تحديدًا من خطتك ليس صحيحًا؟ لا أريدكِ أن تتمادي في الأمر إلى هذه الدرجة، ولا أن تصلي إلى مرحلة يصبح فيها ما تفعلينه أشبه بالتلاعب بمشاعر شخص آخر ونفسيته. استغربت ليان كلامها، وعقدت حاجبيها قليلًا قبل أن تسألها: — ماذا تقصدين يا سارة؟ لم أفهم ما الذي تريدين قوله. أ
داخل سيارة ليان، التي كان يقودها العم سعيد في طريقه بها إلى الجامعة، أمسكت هاتفها وبدأت تتصل بحازم. كانت تعلم أنه غاضب منها، وأنه اتخذ موقفًا بسبب تجاهلها لطلبه خلال الأيام الماضية، لكنها كانت تعرف أيضًا كيف تسترضيه وتجعله يتفهم موقفها، وكيف تقنعه بأن عدم ردها على اتصالاته ورسائله لم يكن تجاهلًا متعمدًا منها. وبعد أن أرسلت إليه عدة رسائل وكان يراها ولا يجيب عليها، قررت أخيرًا الاتصال به. فتح حازم المكالمة بعد عدة اتصالات من ليان.وبدا من نبرة صوته أنه لا يزال غاضبًا منها، وقال بامتعاض: — ها يا ليان، ماذا تريدين؟ أنتِ لا تتصلين بي إلا عندما تحتاجين إلى شيء، أما عندما أكون أنا من يريد منكِ شيئًا، فتتجاهلينني تمامًا! حاولت ليان أن ترسم الحزن في ملامحها، وتحدثت بنبرة صوت بدت متأثرة وحزينة من اتهامة. — أنا يا حازم؟ هل يُعقل أن تقول عني هذا الكلام؟ هل يمكن أن تظن أنني قد أتجاهل أي طلب تطلبه مني؟ أجابها بحدة: — نعم، وما تفسير اتصالاتي ورسائلي التي تجاهلتِها؟ وما تفسير طلبي الذي لم تردي عليَّ بشأنه حتى الآن؟ قالت ليان وكأنها فوجئت باتهامه: — ومن قال لك يا حازم إنني تجاهلتك؟ ولماذا تظن







